خالص مسور
02-05-2010, 05:45 AM
دراسة نقدية لقصة الإستاذ اسكندر نعمة – دروب الآلام-
الواردة في الملحق الثقافي لجرية الثورة- العدد- 475- 23/8/2005
بقلم: خالص مسور
العنوان جاء معبراً بدقة متناهية عن موضوع القصة، التي تجري أحداثها على الأرض الفلسطينية تحديداً، تلك الأرض التي شهدت درب آلام السيد المسيح وعذاباته المريرة، على أيدي أسلاف الصهاينة في العهد الروماني، ولكن القاص يبين أن هناك اليوم ما هو أشد إيلاماً، ومحناً، مما حدث في الغابر، فليس هناك درب الآلام، بل دروباً للآلام، حيث جاء العنوان بصيغة الجمع -آلام- أي إذا كان السيد المسبح قد صلب مرة فإنه يصلب اليوم في فلسطين عشرات المرات، وهو ما حقق به القاص جمالية التعبير، لمضمون قصته التراجيدية الشيقة.
بعد العنوان، تبدأ القصة بإسلوب جميل ملفت للنظر، مستخدماً الجملة الكنائية (أوغل الليل في جوف الظلام)، وقد تم أنسنة الليل للإنتقال في ذهنية القاص من المعنى إلى المحسوس، وكأن الليل شخص يوغل في جوف العتمة، وهو ما يعطي للتخييل في اللقطة المبدعة، قوة في إثارة المشاعر والأحاسيس لدى المتلقي، وقد استخدم القاص في التخييل إسلوب الأبداع والإبتكار، للتجسيد والأنسنة والربط بين ما المعنى والمحسوس، الليل والعتمة، وهما مربوطان بالأ صل، ولكن بطريقة مبتكرة ومغايرة هذه المرة، وضمن تقنية إسلوبية فيها الكثيرمن الإنزياحية الإبداعية، لجلب انتباه القاريء والتأمل في العبارة، قبل الشروع في قراءة القصة كاملة، وكأنه يوحي بالمزيد من هذه الكنايات وتبهير العبارات. وورود الجملة ( أوغل الليل...) بهذا الشكل الإيحائي في بداية القصة كناية عن الزمن، وهو الوقت المتأخر من الليل، لأن الليل كلما تقدم نحو هزيعه الأخير كلما اشتد حلكة وقتامة، ومغزى آخر نستقيه من الإبتداء بـ.. الليل.. وهو موضوع القصة التي تروي حكاية الليل الفلسطيني الطويل، الذي لازال يزداد تعاسة وشقاء، وهو ذاته الليل الفلسطيني الذي ينيخ بكلكله على ضباط العدو وجنوده أيضاً، فيقض مضاجعهم، ويثيرفيهم القلق والهموم، والرعب والخوف..
وهكذا - ومنذ البداية- يصور لنا القاص مشهداً درامياً مثيراً، تملؤه الهواجس والوساوس، القلق والخيالات المرعبة، تنتاب شخصاً ما وهو في منزله، وقد ملأ الرعب قلبه، وهجرالكرى أجفانه، دون أن يكشف لنا القاص عن هويته بشكل مباشر، بينما عبربجمل قوية الدلالة، على ما يعانيه الرجل في منزله (....... متقوقعاً على ذاته- تسمر أمام النافذة- بنزق شديد- عض على ناجذيه- خبط بجماع كفه على الطاولة...) وقد نرى في السرد عبارات فيها غرائبية وانزياح، ولكنها شيقة ومفهومة بعيدة عن الغموض واللبس، والغرائبية في العبارات تأتي من أجل لفت الأنظارعلى مضمون القصة، وهو مانجح فيه القاص بعملية التناغم بين الشكل والمضمون معاً وبإسلوب الواقعية الجديدة، مما ساعده ذلك في إعطاء صورة تليفزيونية واضحة، شيقة، ومثيرة، أستطيع أن أسميه بالصورة المأساوية الساحرة، أي مأساوية من حيث معاناة الشعب الفلسطيني على أيدي جلاديه من الجنودج الصهاينة، وساحرة من حيث النقل الحي والمباشر وبتقنية الإنزياح والتنميق في الكلمة المعبرة مثل: ( بخطوات ثقيلة باردة- كالأفعى التي دمرها البرد، أي دمرها بدلاً من حاصرها مثلاً- قلب الفاعل مفعولاً في قوله: تناوب عليه الجلوس /والوقوف بدلاً من تناوبه هو على الجلوس/- الوقوف الأرعن- الإنتظار الأرعن- الضجيج المبهم المكبوت /فهو ضجيج ومكبوت/- ثم أنسنة الجماد – كالصنم المتجهم). ويبدو كأن القاص يتعمد الفجائية والتدريج معاً في الإفساح عن الحدث.
فهو يصور للقاريء مشهد القلق لشخص ما دون أن يبدي هوية ذاك الشخص الذي أضناه القل والسهاد حتى أوغل الليل في جوف الظلام، ليفاجيء القاريء بعد أسطر بالشخصية الأولى في الظهور، في ذلك المشهد المثير للأعصاب حقاً، فإذا بها تسمى (مادلين)، ودون أن يفسح عنها من تكون هي، ولكن يبدو أن اسمها ليس عربياً على الأقل، فلم تتوضح كامل شخصيتها حتى الآن، إلى حين يسحبك القاص خطوة أخرى نحو الحل وفك العقدة الأولى للقصة حينما تسأل مادلين
...... حاييم... مابك؟؟!!.. لماذا أنت ساهر حتى الآن!؟
وهنا يستوقفنا القاص أمام اسم عبري لهذا الرجل، وأن تلفظ مادلين باسمه حاييم حاف وبدون كلفة، وفي منزل واحد ليلاً، لنفهم على الفور أننا في منزل اليهودي حاييم، وأن مادلين هي زوجته، ولنكشف في النهاية، وبعد خبط، ونزق، ولصق، أن ذاك الرجل الذي كان يخبط على الطاولة ما هو إلا الميجر(حاييم) الضابط الإسرائيلي الخائف والمرعوب من انتقام حجارة الإنتفاضة الفلسطينية. واستخدم القاص في حواريته لفك عقدة القصة، إسلوب المتكلم في البداية ثم الإنسحاب، تاركاً الشخصيات تكشف عن هويات بعضها، بإلحواريات الدرامية التي تجري بينها، وبكثير من الدقة والبراعة، كالحوارالتالي الذي جرى بين الضابط حاييم، ومادلين زوجته.
... دلفت مادلين، تقدمت نحوه بجطوات بطيئة وملامح خائفة متسائلة.... اقتربت منه سألته باصرار:
.... حاييم مابك؟؟!!.. لماذا أنت ساهر حتى الآن!؟......
.... إنني خائف... نادم...تأكلني الحيرة
.... أمثلك يخاف!! ضابط قوي مثلك يخشى من شيء!!
.... فأي شيء تخاف؟؟
.... نظر إليها بانكسار وعيون ذابلة
.... لايامادلين.. ماجئت لأجل ذلك.. جئت من أجل حياة ناعمة مترفة سعيدة.. وها أنذا أخاف من كل شيء...
وتصور الحوارية في القصة، مدى القلق والإضطراب الذي ألم بالجنود الصهاينة من جراء الجحيم الذي قذفتهم إليها قادتهم الصهاينة، وأطماعهم في اغتصاب أرض الغير. وقد أصبح الإستقرارلهم حلماً لذيذاً، ولكن لااستقرارلهم حتى وهم داخل منازلهم، فأصابهم الملل والخوف مما هم فيه، وهم يريدون تربية أولادهم بعيداً عن الهم والقلق، وأن يحظوا بقسط من النوم الهاديء في ظل الأمن والأمان، ولكن هيهات فقد جنت عل نفسها براقش. وأعتقد أننا هنا أمام لوحة إبداعية في غاية التعبير والروعة والإتقان، للحالة النفسية التي تنتاب الجنود الصهاينة المحتلين، وهم حيارى نادمين، لقدومهم إلى فلسطين مستوطنين، محتلين، ومغتصبين لأراضي الغير، ولكنه يوم لاينفعهم فيه توبة أو ندم، رغم الحراسات المشددة وطوابيرالجنود المدججين بالسلاح، ولكنها لاتساوي شيئاً أمام الإرادة الحرة، والإيمان بالوطن والشعب.
وفي المشهد المثيرللطفلة الصغيرة رجاء، التي تحاول الإتصال بلداتها وأترابها، لتتواصل معهم في الضفة الأخرى من نهر الأردن، فليس لها سوى إرسال رسائلها على صفحة ماء النهر، فتكتبها على ورق وترسلها عبرأمواج النهرالعاتية، علها تلقي إجابة من أحد، ولكن ما من مجيب، فكانت الامواج تبتلع في كل مرة رسائلها وتضيع أمانيها هباء منثورا.
(...... كثرت رسائل الفتاة كانت تعيش أحلامها، أحلام الحياة السعيدة.......فكانت تكتب للآخرين تدعوهم لزيارتها...شهقت....انبثقت في ذهنها سؤال مرير: أين تستضيفهم إن لبوا دعوتها؟....تراجعت عن الفكرة وانتابتها حيرة شديدة......أي أناس سعداء يسكنون هناك بعيداً عن الضفة الغربية).لاشك تلك صورة إيحائية في غاية الجمالية والتعبير،عن واقع الشعب الفلسطيني تحت الحصار، حيث ابتعدت الصورة عن التقريرية والمباشرة، مع الكثير من الحيوية والخصوبة في الخيال، وهذه الصورة الإيحائية المثيرة، تعبر بجلاء- وكما قلنا- عن حالة الحصار التي فرضها الصهاينة المحتلون على الشعب الفلسطيني وأطفالهم، وحرمان حتى الأطفال من التواصل مع العالم الخارجي، وقتل أحلام الطفولة وعواطفهم الجميلة، على عتبة حواجز جيش الدفاع. وقد أفلح القاص في تجسيد آثار ذلك الحصارعلى الشعب الفلسطيني، في هذه اللقطة الطريفة لحالة الطفلة الفلسطينية البريئة، التي تشكل النموذج المحاصرللأطفال الفلسطنيين، لخلق المزيد من التعاطف معها، ومع كل الأطفال الفلسطينيين إلى جانبها.
إنها – في الحقيقة- حيرة الشعب الفلسطيني أمام تصرفات هذا الغاصب الغدار! الذي يدمر الحياة وكل شيء في بلاده، يدمر المساكن ، يضع الحواجز والجدران العازلة، يفصل بين الأهل والأحباب، وينشر الجوع والخراب، والموت والدمار، ولكن هيهات! فالفلسطينيون سيقاومون وسوف لن يغمض لهم جفن، ما لم يسترجعوا أرضهم السليبة، ولهذا يبقي القاص على بصيص من الأمل والتفاؤل، بالعودة إلى الوطن والديارالتي سلبها الغزاة على قارعة الطريق، وعلى مرآى ومسمع من العالم كله. ولهذا يوحي لنا القاص هنا، بنوع من التفاؤل الفلسطيني وهو يغوص في دواخل هذا الشعب، عن طريق قراءة أحلام /رجاء/ والطفولة الفلسطينية البريئة، رجاء هو الإسم الذي تم اختياره بمغزاه الكبير، ليشير إلى حلم العودة والأمل.
يتبع ...
الواردة في الملحق الثقافي لجرية الثورة- العدد- 475- 23/8/2005
بقلم: خالص مسور
العنوان جاء معبراً بدقة متناهية عن موضوع القصة، التي تجري أحداثها على الأرض الفلسطينية تحديداً، تلك الأرض التي شهدت درب آلام السيد المسيح وعذاباته المريرة، على أيدي أسلاف الصهاينة في العهد الروماني، ولكن القاص يبين أن هناك اليوم ما هو أشد إيلاماً، ومحناً، مما حدث في الغابر، فليس هناك درب الآلام، بل دروباً للآلام، حيث جاء العنوان بصيغة الجمع -آلام- أي إذا كان السيد المسبح قد صلب مرة فإنه يصلب اليوم في فلسطين عشرات المرات، وهو ما حقق به القاص جمالية التعبير، لمضمون قصته التراجيدية الشيقة.
بعد العنوان، تبدأ القصة بإسلوب جميل ملفت للنظر، مستخدماً الجملة الكنائية (أوغل الليل في جوف الظلام)، وقد تم أنسنة الليل للإنتقال في ذهنية القاص من المعنى إلى المحسوس، وكأن الليل شخص يوغل في جوف العتمة، وهو ما يعطي للتخييل في اللقطة المبدعة، قوة في إثارة المشاعر والأحاسيس لدى المتلقي، وقد استخدم القاص في التخييل إسلوب الأبداع والإبتكار، للتجسيد والأنسنة والربط بين ما المعنى والمحسوس، الليل والعتمة، وهما مربوطان بالأ صل، ولكن بطريقة مبتكرة ومغايرة هذه المرة، وضمن تقنية إسلوبية فيها الكثيرمن الإنزياحية الإبداعية، لجلب انتباه القاريء والتأمل في العبارة، قبل الشروع في قراءة القصة كاملة، وكأنه يوحي بالمزيد من هذه الكنايات وتبهير العبارات. وورود الجملة ( أوغل الليل...) بهذا الشكل الإيحائي في بداية القصة كناية عن الزمن، وهو الوقت المتأخر من الليل، لأن الليل كلما تقدم نحو هزيعه الأخير كلما اشتد حلكة وقتامة، ومغزى آخر نستقيه من الإبتداء بـ.. الليل.. وهو موضوع القصة التي تروي حكاية الليل الفلسطيني الطويل، الذي لازال يزداد تعاسة وشقاء، وهو ذاته الليل الفلسطيني الذي ينيخ بكلكله على ضباط العدو وجنوده أيضاً، فيقض مضاجعهم، ويثيرفيهم القلق والهموم، والرعب والخوف..
وهكذا - ومنذ البداية- يصور لنا القاص مشهداً درامياً مثيراً، تملؤه الهواجس والوساوس، القلق والخيالات المرعبة، تنتاب شخصاً ما وهو في منزله، وقد ملأ الرعب قلبه، وهجرالكرى أجفانه، دون أن يكشف لنا القاص عن هويته بشكل مباشر، بينما عبربجمل قوية الدلالة، على ما يعانيه الرجل في منزله (....... متقوقعاً على ذاته- تسمر أمام النافذة- بنزق شديد- عض على ناجذيه- خبط بجماع كفه على الطاولة...) وقد نرى في السرد عبارات فيها غرائبية وانزياح، ولكنها شيقة ومفهومة بعيدة عن الغموض واللبس، والغرائبية في العبارات تأتي من أجل لفت الأنظارعلى مضمون القصة، وهو مانجح فيه القاص بعملية التناغم بين الشكل والمضمون معاً وبإسلوب الواقعية الجديدة، مما ساعده ذلك في إعطاء صورة تليفزيونية واضحة، شيقة، ومثيرة، أستطيع أن أسميه بالصورة المأساوية الساحرة، أي مأساوية من حيث معاناة الشعب الفلسطيني على أيدي جلاديه من الجنودج الصهاينة، وساحرة من حيث النقل الحي والمباشر وبتقنية الإنزياح والتنميق في الكلمة المعبرة مثل: ( بخطوات ثقيلة باردة- كالأفعى التي دمرها البرد، أي دمرها بدلاً من حاصرها مثلاً- قلب الفاعل مفعولاً في قوله: تناوب عليه الجلوس /والوقوف بدلاً من تناوبه هو على الجلوس/- الوقوف الأرعن- الإنتظار الأرعن- الضجيج المبهم المكبوت /فهو ضجيج ومكبوت/- ثم أنسنة الجماد – كالصنم المتجهم). ويبدو كأن القاص يتعمد الفجائية والتدريج معاً في الإفساح عن الحدث.
فهو يصور للقاريء مشهد القلق لشخص ما دون أن يبدي هوية ذاك الشخص الذي أضناه القل والسهاد حتى أوغل الليل في جوف الظلام، ليفاجيء القاريء بعد أسطر بالشخصية الأولى في الظهور، في ذلك المشهد المثير للأعصاب حقاً، فإذا بها تسمى (مادلين)، ودون أن يفسح عنها من تكون هي، ولكن يبدو أن اسمها ليس عربياً على الأقل، فلم تتوضح كامل شخصيتها حتى الآن، إلى حين يسحبك القاص خطوة أخرى نحو الحل وفك العقدة الأولى للقصة حينما تسأل مادلين
...... حاييم... مابك؟؟!!.. لماذا أنت ساهر حتى الآن!؟
وهنا يستوقفنا القاص أمام اسم عبري لهذا الرجل، وأن تلفظ مادلين باسمه حاييم حاف وبدون كلفة، وفي منزل واحد ليلاً، لنفهم على الفور أننا في منزل اليهودي حاييم، وأن مادلين هي زوجته، ولنكشف في النهاية، وبعد خبط، ونزق، ولصق، أن ذاك الرجل الذي كان يخبط على الطاولة ما هو إلا الميجر(حاييم) الضابط الإسرائيلي الخائف والمرعوب من انتقام حجارة الإنتفاضة الفلسطينية. واستخدم القاص في حواريته لفك عقدة القصة، إسلوب المتكلم في البداية ثم الإنسحاب، تاركاً الشخصيات تكشف عن هويات بعضها، بإلحواريات الدرامية التي تجري بينها، وبكثير من الدقة والبراعة، كالحوارالتالي الذي جرى بين الضابط حاييم، ومادلين زوجته.
... دلفت مادلين، تقدمت نحوه بجطوات بطيئة وملامح خائفة متسائلة.... اقتربت منه سألته باصرار:
.... حاييم مابك؟؟!!.. لماذا أنت ساهر حتى الآن!؟......
.... إنني خائف... نادم...تأكلني الحيرة
.... أمثلك يخاف!! ضابط قوي مثلك يخشى من شيء!!
.... فأي شيء تخاف؟؟
.... نظر إليها بانكسار وعيون ذابلة
.... لايامادلين.. ماجئت لأجل ذلك.. جئت من أجل حياة ناعمة مترفة سعيدة.. وها أنذا أخاف من كل شيء...
وتصور الحوارية في القصة، مدى القلق والإضطراب الذي ألم بالجنود الصهاينة من جراء الجحيم الذي قذفتهم إليها قادتهم الصهاينة، وأطماعهم في اغتصاب أرض الغير. وقد أصبح الإستقرارلهم حلماً لذيذاً، ولكن لااستقرارلهم حتى وهم داخل منازلهم، فأصابهم الملل والخوف مما هم فيه، وهم يريدون تربية أولادهم بعيداً عن الهم والقلق، وأن يحظوا بقسط من النوم الهاديء في ظل الأمن والأمان، ولكن هيهات فقد جنت عل نفسها براقش. وأعتقد أننا هنا أمام لوحة إبداعية في غاية التعبير والروعة والإتقان، للحالة النفسية التي تنتاب الجنود الصهاينة المحتلين، وهم حيارى نادمين، لقدومهم إلى فلسطين مستوطنين، محتلين، ومغتصبين لأراضي الغير، ولكنه يوم لاينفعهم فيه توبة أو ندم، رغم الحراسات المشددة وطوابيرالجنود المدججين بالسلاح، ولكنها لاتساوي شيئاً أمام الإرادة الحرة، والإيمان بالوطن والشعب.
وفي المشهد المثيرللطفلة الصغيرة رجاء، التي تحاول الإتصال بلداتها وأترابها، لتتواصل معهم في الضفة الأخرى من نهر الأردن، فليس لها سوى إرسال رسائلها على صفحة ماء النهر، فتكتبها على ورق وترسلها عبرأمواج النهرالعاتية، علها تلقي إجابة من أحد، ولكن ما من مجيب، فكانت الامواج تبتلع في كل مرة رسائلها وتضيع أمانيها هباء منثورا.
(...... كثرت رسائل الفتاة كانت تعيش أحلامها، أحلام الحياة السعيدة.......فكانت تكتب للآخرين تدعوهم لزيارتها...شهقت....انبثقت في ذهنها سؤال مرير: أين تستضيفهم إن لبوا دعوتها؟....تراجعت عن الفكرة وانتابتها حيرة شديدة......أي أناس سعداء يسكنون هناك بعيداً عن الضفة الغربية).لاشك تلك صورة إيحائية في غاية الجمالية والتعبير،عن واقع الشعب الفلسطيني تحت الحصار، حيث ابتعدت الصورة عن التقريرية والمباشرة، مع الكثير من الحيوية والخصوبة في الخيال، وهذه الصورة الإيحائية المثيرة، تعبر بجلاء- وكما قلنا- عن حالة الحصار التي فرضها الصهاينة المحتلون على الشعب الفلسطيني وأطفالهم، وحرمان حتى الأطفال من التواصل مع العالم الخارجي، وقتل أحلام الطفولة وعواطفهم الجميلة، على عتبة حواجز جيش الدفاع. وقد أفلح القاص في تجسيد آثار ذلك الحصارعلى الشعب الفلسطيني، في هذه اللقطة الطريفة لحالة الطفلة الفلسطينية البريئة، التي تشكل النموذج المحاصرللأطفال الفلسطنيين، لخلق المزيد من التعاطف معها، ومع كل الأطفال الفلسطينيين إلى جانبها.
إنها – في الحقيقة- حيرة الشعب الفلسطيني أمام تصرفات هذا الغاصب الغدار! الذي يدمر الحياة وكل شيء في بلاده، يدمر المساكن ، يضع الحواجز والجدران العازلة، يفصل بين الأهل والأحباب، وينشر الجوع والخراب، والموت والدمار، ولكن هيهات! فالفلسطينيون سيقاومون وسوف لن يغمض لهم جفن، ما لم يسترجعوا أرضهم السليبة، ولهذا يبقي القاص على بصيص من الأمل والتفاؤل، بالعودة إلى الوطن والديارالتي سلبها الغزاة على قارعة الطريق، وعلى مرآى ومسمع من العالم كله. ولهذا يوحي لنا القاص هنا، بنوع من التفاؤل الفلسطيني وهو يغوص في دواخل هذا الشعب، عن طريق قراءة أحلام /رجاء/ والطفولة الفلسطينية البريئة، رجاء هو الإسم الذي تم اختياره بمغزاه الكبير، ليشير إلى حلم العودة والأمل.
يتبع ...