محمد العبدالعزيز العرفج
02-11-2008, 09:17 PM
بقلم:عبدالحميد ناصر العرفج
انتظر منكسرا تحت عمود الضوء في شارع البحر وقد أثقلته خمرة " التنتوفينو " اللتي احتساها بعد أن عانى خيبة أخرى مع فتاته الأخيرة في هذا الميناء . كان ينتظر بملابس السهرة ورباط عنقه محلول بعد موعد فاشل ، أن تطل عليه إحدى زهرات الميناء اللواتي يعطرن ليالي المستوحشين والبحارة الغرباء . وحين رأى إحداهن قادمة تؤرجح شنطتها اليدوية المعلقة على كتفها بوجه مليء بالأصباغ وساقين رائعين تحت تنورتها الجلدية القصيرة ، عبر إلى الشارع مترنحا . وحين اقترب منها قدر أنها ليست قديمة في هذا النشاط ورآها مثل ليلكة نقية البياض تطفو متأرجحة على سطح مستنقع . ألقى عليها تحية المساء بلغتها وباحترام زائد وأشعل سيجارة ووضعها بين شفتيها وهو يحدثها عن الجو المتقلب وعن أحوال عملها . وفيما هي تسحب أنفاسا ثقيلة من السيجارة متلفتة إلى كل الجهات بحثا عن رفيق مناسب كانت تستمع بدون اهتمام لحديثه .
سألها إن كان لديها أي مانع من مرافقته هذا المساء . حدّقت بعض الوقت به ناظرة مباشرة إلى عينيه ، تحاول أن تدخل مساحته وتصنفه في المجموعة المناسبة قبل أن تجيب . ثم سألته بغير اهتمام : " ما اسمك " ؟! . كذب وهو يجيبها : " يسمونني أهمادو " . سألته ثانية : " أنت لست من هنا . من أي البلاد أنت " ؟! . قال لها بثقة وهو يكذب أيضا : " إنني من الغارف ولكنني من أصل أندلسيّ " . نظرت إليه بشك من الأعلى إلى الأسفل ولاحظت بدلته ورباط عنقه والطريقة المؤدبة التي يكلمها بها وكذلك اللكنة واللهجة الغريبة التي يتكلم بها لغتها ، ولم يبدُ عليها أنها تقبلت ما قاله . وكان عليها الآن أن تضعه في الخانة المناسبة وتقرر . سألته فجأة : " أنت لست غجريا . أليس كذلك ؟! إنني لا أثق بهم " . قال لها : " لا " . وحين لاحظ ترددها قال لها : " معي سوف لن تحتاجين لأية ثقة . كم تطلبين لهذه الليلة ، وسأدفعه لك مقدما " ؟! . طلبت منه لأجل أن تختبره ، مبلغا أكثر من المعتاد . أخرج من محفظته ورقة نقدية بضعف المبلغ ووضعها في شنطتها اليدوية وقال لها : " هذا يكفي لليلتين ، وستكونين لي هذا المساء " . ولما لم تجد ما يمكن أن تخسره فقد وضعت ساعدها تحت ذراعه وعبرا الشارع وسارا أمام مقاهي الشاطئ المزدانة بالأضواء وبالمرتادين ذاهبين إلى غرفتها الصغيرة في المدينة القديمة . صعدا السلم المعتم الإضاءة إلى غرفتها العلوية بضوئها الأحمر الشاحب . وقبل أن تتعرى طلب منها أن تغير ملابسها وتخفف من ماكياجها استعدادا للخروج . نظرت إليه باستغراب وسألته : " ألن تسهر هنا " ؟! قال لها : " لا " . قالت له : " إنني لا أذهب إلى أية شقة أو أماكن غريبة " . قال لها : " البسي شيئا مناسبا لنذهب للعشاء في الكونتابيلا " . قطبت حاجبيها وهي تحاول أن تتذكر هذا المكان وقالت مستنكرة : " هل هو ذلك النادي خلف بناية الأوبرا ؟! . لا يمكن أن تذهب إلى هناك فهذا المكان خاص جدا " . قال لها : " البسي شيئا ملائما فسوف نسهر هناك " . أخذت بعض الوقت لتهيئة نفسها وللاستعداد . ثوب أسود بزهور صغيرة ذات لون أزرق فاتح .. ماكياج خفيف .. وظلال خضراء على الجفون . ثم أخرجت علبة بها طقم ذهبي مرصع بالألماس ووقفت أمام المرآة لتلبسه . وفي المرآة لاحظته يراقبها صامتا . توقفت برهة ثم التفتت وهي تنظر إليه بريبة كأنها تحاول تذكر شيئا ما . ثم فجأة قالت له بحدة لم تفلح ابتسامتها المرتبكة في إخفائها : " انظر ، إن هذا الطقم ليس حقيقيا ، فلا تتعب نفسك في محاولة سلبه مني " . ابتسم برقة متفهما وقال لها : " إذا كنت أريد أن أسرق شيئا فهو أن أسرق اهتمامك " . قالت له : " ولكني معك الآن " . قال لها : " ليس تماما . فنحن لم نتعارف إلا توّا " .
* * * * *
نزلا السلم بعد أن أكملت لبسها ، وشد هو رباط عنقه . كانا زوجين شابين رائعين يتسكعان أمام واجهات المتاجر المضاءة ويتفحصان المعروضات ، لا كبحار متعب وفتاة ميناء محترفة . تكركر هي مستسيغة نكاته الجديدة عليها تاركة لرنين ضحكتها المجال لأن يعبر الشارع في هدوء الليل إلى بحيرة البطات في المنتصف قبل أن يشتته ضجيج السيارات التي تمر مسرعة .
كانت الكآبة قد غادرته الآن كما خف تأثير الخمر ، وحين وصلا إلى النادي كان الباب الخشبي الضخم مغلقا . ووقفت هي على مبعدة بضعة أمتار متهيبة بينما ضغط هو على الجرس . خرج البواب بلباسه الرسمي الاحتفالي وقبعته وأشرطته ، وحين رآه صافحه بحرارة مرحبا وقال : " لم أرك منذ فترة يا سنيور " ؟! . فأجاب : " لقد كنتُ مشغولا بجد لهذا الأسبوع . معي هذا المساء خطيبتي " . انتبه البواب لها وفتح ذراعيه مرحبا وهو يقول : " نحن سعيدون بأن تـُشرِّفنا الآنسة .. يا لهذا الجمال . يبدو أنك تحسن الاختيار يا سنيور " . تقدمت منه متهيبة وقد انشرحت أساريرها وصافحته بخجلٍ حقيقي . " هل هناك مكان لنا " ؟! سأل هو البواب . " بالطبع .. فكل الأماكن مفتوحة لكما " أجاب البواب . أدخل هو يده في جيبه وناول البواب خمسة دولارات .. اضطرب البواب بعاطفته الجياشة وقال لها : " شكرا يا آنسة . ستضفين على هذا المكان حيوية بجمالك وشبابك " . ثم دخلا يتقدمهما البواب العجوز .
كان الصمتُ يملأ المكان وكان الرواد من كبار رجال الأعمال ، أزواجا تعدّوا سن الشباب يجلسون على الكنبات ذات الطراز القديم والمصفوفة حول الجدران وهم يهمسون لبعضهم حين يتكلمون فيما كان وسط القاعة بأرضيته الخزفية السوداء اللامعة فارغا . وفي الزاوية البعيدة كان البيانو وأربعة مقاعد للعازفين من الخشب المهاجوني منجدة كتحف جميلة .
كانوا حينها يقدمون كالعادة نوعا واحدا من العشاء على طاولات صغيرة أمام الكنبات . والوسط حيث كانت تتدلى فوقه نجفة نحاسية ثقيلة كان يستخدم للرقص الذي يبدأ بعد التاسعة والنصف مساءً . تناولا عشاءهما فيما كانت هي مسحورة بهذا الجو الهامس الذي لم تعتاده بعد . وفي التاسعة والنصف تماما ابتدأت الموسيقى بالتانغو . قام عدد من الأزواج إلى المنتصف ليرقصوا التانغو الارجنتينو بمهارة تامة . قطبت هي حاجبيها وقالت له إنني لا أجيد هذا الارجنتينو . قال لها : " قومي فسوف نرقص التانغو البوليرو . سأقودك أنا . فقط ارخي جسدك بين ذراعي " !! . كانت خطواتها الأولى مرتبكة ولكنها سرعان ما سيطرت . وفي الوصلة التالية عزفوا الفالس الكلاسيكي . قام الكثير منهم بالرقص بخفة متناهية ، يدورون حول رفاق الرقص كما يدورون حول الحلبة وأطوالهم تتماوج . رفضت هذه المرة أيضا . قال لها : " لنرقص الفالس البطيء " . قالت له : " إن ذلك غير ملائم بينهم " . قال لها : " لا تنسي أننا بالنسبة لهم شابان مخطوبان حديثا ونحتاج لأن نبقى ملتصقين ببعضنا " . رقصا في وسط الحلبة فالساً حالماً غير منتبهين لما حولهما .
قبل أن تنتهي الرقصة بقليل سألها : " أنت شابة وجميلة . لابد وأن لك صديقا يهتم بك كثيرا ويحبك بصدق . أود أن أعرف هل ذوقك في اختيار الصديق هو بمستوى جمالك ؟! " . رفعت رأسها ونظرت إليه بعتاب وهي تقول : " طبعا لدي هذا الصديق . وهو يستحق صداقتي " . سألها : " من ؟! " قالت له ببساطة : " إنه ابني الوحيد . له ست سنوات من العمر . أدخلته المدرسة البريطانية الداخلية . أنا أصحبه إلى البيت معي في نهاية الأسبوع . إنني أكسب كثيرا وقد صممت على أن أوفر له تعليما جيدا ورفيعا " !! . خجل من سؤاله وأدرك أنه ارتكب خطأ بسبب تسرعه وصمت وهو ينظر إلى السقف ليداري حرَجَه بينما تعلقت دمعتان حارتان بأطراف أهدابها الطويلة وهي تتذكر الفتى الذي أغواها وتخلى عنها حين أصبحت حاملا لتواجه هذا المصير . أما هو فقد انتابته كآبة مفاجئة وهو يتذكر الفتاة التي أحبها بإخلاص ولكنه فشل وترك اليابسة من أجلها إلى البحر . ضم الفتاة إليه أكثر وقبّلها في جبينها قبلة اعتذار رقيقة فيما كانت دموعها تبلل قميصه .
* * * * *
توقفت الموسيقى للاستراحة . نادى النادل وطلب شرابا للعازفين مع طلبه الخاص بعزف موسيقى " البوغي بوغي " خلال الاستراحة . كانت الشمبانيا الآن قد أعطتها الشجاعة الكافية . قاما لوحدهما إلى منتصف القاعة ، يمسك كفيها بكفيه ، يبتعدان خطوتين عن بعضهما ثم يقتربان فيما كانت أقدامهما تضرب الأرضية الخزفية بخفة وإيقاع حاد ثم فجأة ، بحركة سريعة ، يأخذ كفها اليمنى بكفه اليمنى ويسحبها خلفه بينما يأخذ هو مكانها ويعودان للتماسك بالأكف . وعند دورتها السريعة حوله كان ثوبها يرتفع كاشفا عن ساقيها المضيئين . كان الحضور قد استقبل هذه الموسيقى باستغراب ، فعزفها لم يكن من المعتاد ، ولكن مع العرض الجميل الذي قدّماه تذكر كلٌ منهم شبابه . بضعة أزواج واتتهم الشجاعة بأن الرقصة ليست منهكة للحد الذي لا تسمح لهم أعمارهم بها . حين انتهت الرقصة ، أحد منهم طلب إعادتها . ونزل الآخرون منهم للمشاركة فيها ولكن بهدوء . لقد تذكروا رقصة شبابهم ، وأسعدهم أن أحدا ما دفعهم إليها . لقد أضفت الرقصة على هذا النادي المحافظ جوا من المرح غير المعتاد ، وبدأت أحاديثهم الآن تجري بأصوات أعلى من الهمس . وبعضهم وجد الشجاعة ليحضن رفيقته في هذا الجو المعتم وأن يقبلها . عند انتهاء الوصلة الثانية من هذه الرقصة صفقوا طويلا لها وله ولأنفسهم وللسويعات الجميلة التي مرّت من هذا المساء .
كانت الساعة الآن قد تعدت منتصف الليل . التاكسي كان ينتظرهما في الخارج . وفي التاكسي ألقت برأسها على كتفه . أسكرتها الشمبانيا قليلا ، وأسكرها المكان كثيرا ، وأسكرها أكثر من كل ذلك ثقته في نفسه وغموضه . شعرت أنها قريبة منه جدا رغم الفترة القصيرة التي تعارفا فيها ورغم شكوكها في علاقته بهذا المكان الخاص . إنه لم يفسر لها كيف سُمِح له بالدخول هنا .. وأنها بعد كل ذلك أصبحت معجبة به . بالطريقة التي كان يرقص بها .. وبالطريقة التي كان يصدر إليها التعليمات .
أعطت للسائق عنوان غرفتها . وصلا بعد قليل . فتحت هي الباب ونزلت . قال لها من داخل التاكسي : " ليلة سعيدة " . استدارة وقالت باستنكار : " ألا تصعد معي ؟! " . قال لها : " أرغب ذلك بالتأكيد . ولكني لا أسمح لنفسي بمعاشرة الفتاة التي أعجِبْتُ بها في أول يوم لتعارفنا " . ذهِلتْ لفروسيته ولم تستطع أن تقول شيئا . كان باب التاكسي لا يزال مفتوحا فألقت بنفسها عليه وقبلته بشغف وعنف . سألته وهي لا تزال تحضنه : " متى نلتقي ثانية ؟! " . قال لها وهو يكذب كعادته : " سنلتقي مساء الغد في مقهى الدومينو على الشاطئ " . أغلق باب التاكسي وبقيت هي واقفة في حيرة تامة أمام باب منزلها تراقب التاكسي وهو يبتعد . وعند الإشارة طلب من السائق طلب من السائق أن يأخذه إلى حوض إصلاح السفن ، رصيف رقم 7 . كانت باخرته التي يعمل عليها كرئيس ضباط قد أنهت الإصلاحات السنوية وستغادر في الثالثة صباحا مع المد الأول . وفي الطريق قال لنفسه وهو يمد لسانه يرطب به شفتيه ويتحسس مكان قبلتها أنه كان وداعا مشرفا لهذه المدينة بعد تلك الخيبات فيها . ثم تذكر بطاقة العضوية المؤقتة للكونتا بيلا التي أهدتها له إدارة حوض إصلاح السفن ، فقرر أن يحتفظ بها كذكرى لهذه الليلة .
انتظر منكسرا تحت عمود الضوء في شارع البحر وقد أثقلته خمرة " التنتوفينو " اللتي احتساها بعد أن عانى خيبة أخرى مع فتاته الأخيرة في هذا الميناء . كان ينتظر بملابس السهرة ورباط عنقه محلول بعد موعد فاشل ، أن تطل عليه إحدى زهرات الميناء اللواتي يعطرن ليالي المستوحشين والبحارة الغرباء . وحين رأى إحداهن قادمة تؤرجح شنطتها اليدوية المعلقة على كتفها بوجه مليء بالأصباغ وساقين رائعين تحت تنورتها الجلدية القصيرة ، عبر إلى الشارع مترنحا . وحين اقترب منها قدر أنها ليست قديمة في هذا النشاط ورآها مثل ليلكة نقية البياض تطفو متأرجحة على سطح مستنقع . ألقى عليها تحية المساء بلغتها وباحترام زائد وأشعل سيجارة ووضعها بين شفتيها وهو يحدثها عن الجو المتقلب وعن أحوال عملها . وفيما هي تسحب أنفاسا ثقيلة من السيجارة متلفتة إلى كل الجهات بحثا عن رفيق مناسب كانت تستمع بدون اهتمام لحديثه .
سألها إن كان لديها أي مانع من مرافقته هذا المساء . حدّقت بعض الوقت به ناظرة مباشرة إلى عينيه ، تحاول أن تدخل مساحته وتصنفه في المجموعة المناسبة قبل أن تجيب . ثم سألته بغير اهتمام : " ما اسمك " ؟! . كذب وهو يجيبها : " يسمونني أهمادو " . سألته ثانية : " أنت لست من هنا . من أي البلاد أنت " ؟! . قال لها بثقة وهو يكذب أيضا : " إنني من الغارف ولكنني من أصل أندلسيّ " . نظرت إليه بشك من الأعلى إلى الأسفل ولاحظت بدلته ورباط عنقه والطريقة المؤدبة التي يكلمها بها وكذلك اللكنة واللهجة الغريبة التي يتكلم بها لغتها ، ولم يبدُ عليها أنها تقبلت ما قاله . وكان عليها الآن أن تضعه في الخانة المناسبة وتقرر . سألته فجأة : " أنت لست غجريا . أليس كذلك ؟! إنني لا أثق بهم " . قال لها : " لا " . وحين لاحظ ترددها قال لها : " معي سوف لن تحتاجين لأية ثقة . كم تطلبين لهذه الليلة ، وسأدفعه لك مقدما " ؟! . طلبت منه لأجل أن تختبره ، مبلغا أكثر من المعتاد . أخرج من محفظته ورقة نقدية بضعف المبلغ ووضعها في شنطتها اليدوية وقال لها : " هذا يكفي لليلتين ، وستكونين لي هذا المساء " . ولما لم تجد ما يمكن أن تخسره فقد وضعت ساعدها تحت ذراعه وعبرا الشارع وسارا أمام مقاهي الشاطئ المزدانة بالأضواء وبالمرتادين ذاهبين إلى غرفتها الصغيرة في المدينة القديمة . صعدا السلم المعتم الإضاءة إلى غرفتها العلوية بضوئها الأحمر الشاحب . وقبل أن تتعرى طلب منها أن تغير ملابسها وتخفف من ماكياجها استعدادا للخروج . نظرت إليه باستغراب وسألته : " ألن تسهر هنا " ؟! قال لها : " لا " . قالت له : " إنني لا أذهب إلى أية شقة أو أماكن غريبة " . قال لها : " البسي شيئا مناسبا لنذهب للعشاء في الكونتابيلا " . قطبت حاجبيها وهي تحاول أن تتذكر هذا المكان وقالت مستنكرة : " هل هو ذلك النادي خلف بناية الأوبرا ؟! . لا يمكن أن تذهب إلى هناك فهذا المكان خاص جدا " . قال لها : " البسي شيئا ملائما فسوف نسهر هناك " . أخذت بعض الوقت لتهيئة نفسها وللاستعداد . ثوب أسود بزهور صغيرة ذات لون أزرق فاتح .. ماكياج خفيف .. وظلال خضراء على الجفون . ثم أخرجت علبة بها طقم ذهبي مرصع بالألماس ووقفت أمام المرآة لتلبسه . وفي المرآة لاحظته يراقبها صامتا . توقفت برهة ثم التفتت وهي تنظر إليه بريبة كأنها تحاول تذكر شيئا ما . ثم فجأة قالت له بحدة لم تفلح ابتسامتها المرتبكة في إخفائها : " انظر ، إن هذا الطقم ليس حقيقيا ، فلا تتعب نفسك في محاولة سلبه مني " . ابتسم برقة متفهما وقال لها : " إذا كنت أريد أن أسرق شيئا فهو أن أسرق اهتمامك " . قالت له : " ولكني معك الآن " . قال لها : " ليس تماما . فنحن لم نتعارف إلا توّا " .
* * * * *
نزلا السلم بعد أن أكملت لبسها ، وشد هو رباط عنقه . كانا زوجين شابين رائعين يتسكعان أمام واجهات المتاجر المضاءة ويتفحصان المعروضات ، لا كبحار متعب وفتاة ميناء محترفة . تكركر هي مستسيغة نكاته الجديدة عليها تاركة لرنين ضحكتها المجال لأن يعبر الشارع في هدوء الليل إلى بحيرة البطات في المنتصف قبل أن يشتته ضجيج السيارات التي تمر مسرعة .
كانت الكآبة قد غادرته الآن كما خف تأثير الخمر ، وحين وصلا إلى النادي كان الباب الخشبي الضخم مغلقا . ووقفت هي على مبعدة بضعة أمتار متهيبة بينما ضغط هو على الجرس . خرج البواب بلباسه الرسمي الاحتفالي وقبعته وأشرطته ، وحين رآه صافحه بحرارة مرحبا وقال : " لم أرك منذ فترة يا سنيور " ؟! . فأجاب : " لقد كنتُ مشغولا بجد لهذا الأسبوع . معي هذا المساء خطيبتي " . انتبه البواب لها وفتح ذراعيه مرحبا وهو يقول : " نحن سعيدون بأن تـُشرِّفنا الآنسة .. يا لهذا الجمال . يبدو أنك تحسن الاختيار يا سنيور " . تقدمت منه متهيبة وقد انشرحت أساريرها وصافحته بخجلٍ حقيقي . " هل هناك مكان لنا " ؟! سأل هو البواب . " بالطبع .. فكل الأماكن مفتوحة لكما " أجاب البواب . أدخل هو يده في جيبه وناول البواب خمسة دولارات .. اضطرب البواب بعاطفته الجياشة وقال لها : " شكرا يا آنسة . ستضفين على هذا المكان حيوية بجمالك وشبابك " . ثم دخلا يتقدمهما البواب العجوز .
كان الصمتُ يملأ المكان وكان الرواد من كبار رجال الأعمال ، أزواجا تعدّوا سن الشباب يجلسون على الكنبات ذات الطراز القديم والمصفوفة حول الجدران وهم يهمسون لبعضهم حين يتكلمون فيما كان وسط القاعة بأرضيته الخزفية السوداء اللامعة فارغا . وفي الزاوية البعيدة كان البيانو وأربعة مقاعد للعازفين من الخشب المهاجوني منجدة كتحف جميلة .
كانوا حينها يقدمون كالعادة نوعا واحدا من العشاء على طاولات صغيرة أمام الكنبات . والوسط حيث كانت تتدلى فوقه نجفة نحاسية ثقيلة كان يستخدم للرقص الذي يبدأ بعد التاسعة والنصف مساءً . تناولا عشاءهما فيما كانت هي مسحورة بهذا الجو الهامس الذي لم تعتاده بعد . وفي التاسعة والنصف تماما ابتدأت الموسيقى بالتانغو . قام عدد من الأزواج إلى المنتصف ليرقصوا التانغو الارجنتينو بمهارة تامة . قطبت هي حاجبيها وقالت له إنني لا أجيد هذا الارجنتينو . قال لها : " قومي فسوف نرقص التانغو البوليرو . سأقودك أنا . فقط ارخي جسدك بين ذراعي " !! . كانت خطواتها الأولى مرتبكة ولكنها سرعان ما سيطرت . وفي الوصلة التالية عزفوا الفالس الكلاسيكي . قام الكثير منهم بالرقص بخفة متناهية ، يدورون حول رفاق الرقص كما يدورون حول الحلبة وأطوالهم تتماوج . رفضت هذه المرة أيضا . قال لها : " لنرقص الفالس البطيء " . قالت له : " إن ذلك غير ملائم بينهم " . قال لها : " لا تنسي أننا بالنسبة لهم شابان مخطوبان حديثا ونحتاج لأن نبقى ملتصقين ببعضنا " . رقصا في وسط الحلبة فالساً حالماً غير منتبهين لما حولهما .
قبل أن تنتهي الرقصة بقليل سألها : " أنت شابة وجميلة . لابد وأن لك صديقا يهتم بك كثيرا ويحبك بصدق . أود أن أعرف هل ذوقك في اختيار الصديق هو بمستوى جمالك ؟! " . رفعت رأسها ونظرت إليه بعتاب وهي تقول : " طبعا لدي هذا الصديق . وهو يستحق صداقتي " . سألها : " من ؟! " قالت له ببساطة : " إنه ابني الوحيد . له ست سنوات من العمر . أدخلته المدرسة البريطانية الداخلية . أنا أصحبه إلى البيت معي في نهاية الأسبوع . إنني أكسب كثيرا وقد صممت على أن أوفر له تعليما جيدا ورفيعا " !! . خجل من سؤاله وأدرك أنه ارتكب خطأ بسبب تسرعه وصمت وهو ينظر إلى السقف ليداري حرَجَه بينما تعلقت دمعتان حارتان بأطراف أهدابها الطويلة وهي تتذكر الفتى الذي أغواها وتخلى عنها حين أصبحت حاملا لتواجه هذا المصير . أما هو فقد انتابته كآبة مفاجئة وهو يتذكر الفتاة التي أحبها بإخلاص ولكنه فشل وترك اليابسة من أجلها إلى البحر . ضم الفتاة إليه أكثر وقبّلها في جبينها قبلة اعتذار رقيقة فيما كانت دموعها تبلل قميصه .
* * * * *
توقفت الموسيقى للاستراحة . نادى النادل وطلب شرابا للعازفين مع طلبه الخاص بعزف موسيقى " البوغي بوغي " خلال الاستراحة . كانت الشمبانيا الآن قد أعطتها الشجاعة الكافية . قاما لوحدهما إلى منتصف القاعة ، يمسك كفيها بكفيه ، يبتعدان خطوتين عن بعضهما ثم يقتربان فيما كانت أقدامهما تضرب الأرضية الخزفية بخفة وإيقاع حاد ثم فجأة ، بحركة سريعة ، يأخذ كفها اليمنى بكفه اليمنى ويسحبها خلفه بينما يأخذ هو مكانها ويعودان للتماسك بالأكف . وعند دورتها السريعة حوله كان ثوبها يرتفع كاشفا عن ساقيها المضيئين . كان الحضور قد استقبل هذه الموسيقى باستغراب ، فعزفها لم يكن من المعتاد ، ولكن مع العرض الجميل الذي قدّماه تذكر كلٌ منهم شبابه . بضعة أزواج واتتهم الشجاعة بأن الرقصة ليست منهكة للحد الذي لا تسمح لهم أعمارهم بها . حين انتهت الرقصة ، أحد منهم طلب إعادتها . ونزل الآخرون منهم للمشاركة فيها ولكن بهدوء . لقد تذكروا رقصة شبابهم ، وأسعدهم أن أحدا ما دفعهم إليها . لقد أضفت الرقصة على هذا النادي المحافظ جوا من المرح غير المعتاد ، وبدأت أحاديثهم الآن تجري بأصوات أعلى من الهمس . وبعضهم وجد الشجاعة ليحضن رفيقته في هذا الجو المعتم وأن يقبلها . عند انتهاء الوصلة الثانية من هذه الرقصة صفقوا طويلا لها وله ولأنفسهم وللسويعات الجميلة التي مرّت من هذا المساء .
كانت الساعة الآن قد تعدت منتصف الليل . التاكسي كان ينتظرهما في الخارج . وفي التاكسي ألقت برأسها على كتفه . أسكرتها الشمبانيا قليلا ، وأسكرها المكان كثيرا ، وأسكرها أكثر من كل ذلك ثقته في نفسه وغموضه . شعرت أنها قريبة منه جدا رغم الفترة القصيرة التي تعارفا فيها ورغم شكوكها في علاقته بهذا المكان الخاص . إنه لم يفسر لها كيف سُمِح له بالدخول هنا .. وأنها بعد كل ذلك أصبحت معجبة به . بالطريقة التي كان يرقص بها .. وبالطريقة التي كان يصدر إليها التعليمات .
أعطت للسائق عنوان غرفتها . وصلا بعد قليل . فتحت هي الباب ونزلت . قال لها من داخل التاكسي : " ليلة سعيدة " . استدارة وقالت باستنكار : " ألا تصعد معي ؟! " . قال لها : " أرغب ذلك بالتأكيد . ولكني لا أسمح لنفسي بمعاشرة الفتاة التي أعجِبْتُ بها في أول يوم لتعارفنا " . ذهِلتْ لفروسيته ولم تستطع أن تقول شيئا . كان باب التاكسي لا يزال مفتوحا فألقت بنفسها عليه وقبلته بشغف وعنف . سألته وهي لا تزال تحضنه : " متى نلتقي ثانية ؟! " . قال لها وهو يكذب كعادته : " سنلتقي مساء الغد في مقهى الدومينو على الشاطئ " . أغلق باب التاكسي وبقيت هي واقفة في حيرة تامة أمام باب منزلها تراقب التاكسي وهو يبتعد . وعند الإشارة طلب من السائق طلب من السائق أن يأخذه إلى حوض إصلاح السفن ، رصيف رقم 7 . كانت باخرته التي يعمل عليها كرئيس ضباط قد أنهت الإصلاحات السنوية وستغادر في الثالثة صباحا مع المد الأول . وفي الطريق قال لنفسه وهو يمد لسانه يرطب به شفتيه ويتحسس مكان قبلتها أنه كان وداعا مشرفا لهذه المدينة بعد تلك الخيبات فيها . ثم تذكر بطاقة العضوية المؤقتة للكونتا بيلا التي أهدتها له إدارة حوض إصلاح السفن ، فقرر أن يحتفظ بها كذكرى لهذه الليلة .