إبراهيم مشارة
10-17-2009, 09:01 PM
وباريس مدينة بلا شك في تنظيمها إلى البارون هوسمان الذي عهد إليه بتخطيط المدينة فقام بالمهمة أحسن القيام شق شارع القراند أرمي في الدائرة السادسة عشرة مقابل الشانزليزيه فضاهاه رحابة وامتدادا وأنت تشرف على الشارع من أعلى قوس النصر يأخذك العجب في ساحة النجمة فالشوارع منظمة في شكل نجمة وبه تسمى منطقة قوس النصر ساحة النجمة ،لقد بني قوس النصر لتمجيد انتصارات نابليون وفي داخل القوس شاشة تعرض على المشاهدين من السياح شيبا وشبانا ذكرانا وإناثا تاريخ القوس وباريس وسقوطها علي يد النازيين في جوان عام1940وتحريرها بعد ذلك .
أما برج إيفل فهو أعجوبة هندسية مئات الأطنان من الحديد الصلب ترتفع في شكل هندسي عجيب إلى ثلاثمائة وعشرين مترا صممها المهندس غوستاف إيفل وسط معارضة شديدة فقد وصفه المعارضون بالتشويه الجمالي لباريس العتيقة ولكنه صمد وأصبح أهم معلم سياحي لباريس وجماله يزيد في الليل حيث يظهر بلونه العسلي وفي مناسبات معينة يكون ميدانا للألعاب النارية التي تبهر الأبصار. وقصتي معه عجيبة فقد أقمت مرة غير بعيد عنه شهرا وكنت أتردد على المكان دائما بسبب نزهتي المسائية على ضفاف السين من كاتدرائية نوتردام إلى منتزهات شان دو مارس مرورا بشارع كيندي أرغب في الصعود ولو إلى الطابق الأول أو إلى الثاني أما أمر الطابق الثالث فلم أفكر فيه إطلاقا لأنني إذ كنت أحجم كنت أعاني من خوفين رهاب المناطق الواسعة( الأجورا فوبيا )ورهاب العلو (الأيروفوبيا) ، إلا أنني عالجت نفسي وتغلبت فيما بعد على خوفي حتى أبللت، ألقيت بنفسي في الأماكن الواسعة والارتفاعات الشاهقة ولم تعد عندي مشكلة وصعدت إلى أعلى برج إيفل إلى الطابق الثاني حيث مكتب البريد والكافيتيريا ثم إلى الطابق الثالث ورأيت باريس من ارتفاع شاهق وكان الذين في صحبتي قلة من السياح فكثيرون يخافون من هذا الارتفاع !
باريس مدينة فن وثقافة وتاريخ واللوفر شاهد وتلك القصور الفخمة حيث أقام ملوك فرنسا وحدائق التويلوري المنسقة تأخذ بالألباب واللوفر هو المكان الذي يجمع كنوز العالم وبدائع الحضارة وآيات الفن ،من الموناليزا إلى تمثال فنيس دانون إلى شريعة حمورابي وكنت أنتظر الآحاد من بدايات الشهور لأدخل بالمجان من التاسعة حتى السادسة مساء وأتناول غدائي هناك وأنا لا أكف عن النظر والتأمل والاستمتاع بمآثر العبقرية الإنسانية غير أن جناح الآثار المصرية ترك في نفسي أعمق الأثر فأنا عاشق لمصر القديمة أقف أمام بدائعها كما يقف الراهب في معبده بفكري ووجداني وروحي وفي اللوفر وقفت على كثير من تلك البدائع والحضارة المصرية القديمة حضارة الكمال والجمال فالمصريون القدماء تجاوزوا حياة الضرورة إلى حياة الروح فالقدح الذي يشرب به المصري القديم والإبرة التي يخيط بها والتابوت الذي يحوي جسده بعد أن يفارق الدنيا ترى فيها اللمسة الفنية،وكان الفرنسيون ونابليون من عشاق الفن المصري القديم ولذا في حملته الفرنسية جلب معه العلماء ورجال التاريخ وتفرقوا في مصر العليا والسفلى يبحثون وينقبون وشامبليون الفرنسي هو الذي فك الرموز الهيروغليفية فاستطاع الإنسان أن يقرأ النصوص المصرية القديمة ويعرف عن المصريين القدماء الكثير ولكن نابليون نهب كنوز مصر وحتى المسلات لم تسلم من النهب وفي ساحة الكونكورد واحدة منها.
على أن باريس لا تكف عن طلب الفكر ولا تكسل عن طلب الفن وجميع سياسييها يدركون قيمتها العلمية بالقياس إلى حظها من الثقافة فترى الواحد منهم يسعى ما وسعته الحيلة إلى إضافة شيء عظيم في رصيدها الثقافي والمركز الثقافي جورج بومبيدو خير شاهد على ذلك وقد ترددت عليه مرات ومرات أستمع إلى الموسيقى وأقرا في الكتب والمجلات وأستفيد من الإنترنت بالمجان ،هناك ترى الناس من كل حدب وصوب فقد اجتهد المركز في أن يقدم شيئا من ثقافة العالم وصحافته، وخارج المركز بطحاء واسعة تعد بالناس يتحلق بعضهم حول رسامين يرسمون لوحاتهم أو فنانين يأتون من الأقوال أو الحركات ما يبعث على الضحك وأحيانا لا يقتصدون في البذاءة وربما استمعت إلى شيء من السياسة في شكل تهكمي وتعليقا على سياسي يسخر الفنان منه وسط ضحك الناس
الحاضرين،و كأنك في الهايد بارك في لندن.
وأهل باريس يقرأون كثيرا في المترو وفي المكتبات العامة ويقصدون المكتبات ويقتنون الكتب كما نقتني نحن وسائل الزينة والترفيه بإفراط شديد ويحدث أن تدخل مكتبة عامة فترى القوم جلوسا على الأرض يقرأون حين لم يجدوا كراسي وتمر في آخر الليل على متشرد سكير فتراه يقرأ وهذه أشياء شاهدتها وفي شارع لي غوبلين شاهدت مرة شابا يقرأ كتابا ماشيا لم يكن دليلا سياحيا كان كتابا ولم يرفع رأسه إلا حين أراد عبور الشارع فرفع رأسه منتظرا ضوء المشاة !
وفي مكتبات باريس العامة يوفرون الصحف والمجلات يوميا للمرتادين بالمجان وقد لا يكون في وسع المرء النهم للقراءة الصحفية شراء هذا الكم يوميا فشتري المكتبة من ميزانيتها وتوفر للقارئ ذلك.
ومعهد العالم العربي مثال للتواصل الثقافي بين فرنسا والعرب وهو خليق بالزيارة والاستفادة مما فيه من كنوز أدبية وفكرية وهندسته تفرد وإطلالته على السين زادت في جماله عبق الشرق ماثل هناك وكثير من الفرنسيين يداومون على ارتياده لسماع الموسيقى الشرقية وحضور المحاضرات التي يقدمها المفكرون العرب- الضيوف والمقيمون- والأمسيات الشعرية والمعارض الفنية وقد قدم كثيرا لفرنسا وللغرب من ثقافة العالم العربي وفكره.
وقد اشتهرت المدينة بمسارحها ولها في المسرح سوابق من راسين إلى كورناي إلى موليير الذي مات على الخشبة ومونبرناس مليئة بالمسارح أما دار الأوبرا فهي آية في الجلال والعظمة ،عظمة المعمار وعظمة الفخامة وجلال التاريخ وخلود الفن وحين أشرفت على قاعة العرض صعقت لما رأيت من رسوم وجدران فخمة وتماثيل آية في الروعة والجمال!
مونمارتر حي أعشقه وأعشق التسكع فيه ولا أسام من ذلك ،في مونمارتر أكون كرائد فضاء تحرر من الجاذبية أو ككهل عاد إلى طفولته الغضة أو كعاقل لاذ بالجنون فأنكر على نفسه قيود الاقتصاد ومراسم الحياة الاجتماعية وقوانين المنطق أمر على بيجال أحدق في معرض الغريزة ولقد دفعني الفضول مرة إلى الدخول إلى الأقبية وإذا أنا بنساء كاسيات عاريات يفوح منهن عطر فرنسي رخيص وأضواء حمراء وأجواء سريالية لدخان التبغ المنتشر في الجو وموسيقى تتوجه إلى نقطة الضعف فيك كرجل . جلست قبالتي وكانت فاتنة وانتبهت إلى الفتوة واقفا أمام المشرب كان رجلا بشوارب تركية وجاكتة جلدية وخاتم ذهبي كبير وسألتني أن أشرب شيئا:
- كونياك؟
لكنني طلبت كوكاكولا وطلبت هي كونياك وهي غالية هناك وسألتني العشاء معا
وقلت في نفسي إذا شاب الغراب ،واقترنت النقطة بالصاد.
وأنا أعرف أن النساء هناك يبحثن عن الفرائس ويلتمسن الحيلة لإفراغ الجيوب وأردت الانصراف مكتفيا من الفضول بما وصلت إليه.
وأمر على المولان روج حيث الليالي الراقصة ، ولكنني في عجلة من أمري أستبشر بمرأى كاتدرائية ساكري كور البيضاء اللون والتي هي أيضا من معالم باريس وأصعد الربوة قاصدا مونمارتر الدولة الفنية حيث عاش هناك عمالقة الرسم سيزان ، بيكاسو وغوغان والرسامون هناك كثر بعضهم في الهواء الطلق يرسم مشاهد لباريس وبعضهم يرسم البورتريه وفنانون آخرون في مراسمهم ويكسبون مالا لا بأس به فالسياح يتهافتون على تلك اللوحات، والمطاعم تغص بالطاعمين والحانات بالشاربين وفي النفوس الحبور وفي على الوجوه الرضا بما أفاءت الحياة على الناس من نعمة وبما أفاء الفن على الإنسان من قدسية.
وزيارتي إلى باريس الأخيرة كانت في صيف حار ركبت الباخرة إلى مرسيليا رفقة صديق طبيب وفي طريقنا إلى باريس تعطلت السيارة والليل يوشك على القدوم وتوقف شاب فرنسي بسيارته انتبه إلى كوننا غريبين وبعد أن سأل عنا استضافنا في بيته وأكرم مثوانا.
كان شابا يهم بدخول الإسلام لا يأتي ما يأتيه الشباب في مثل سنه واتخذ له صحبة من أبناء المسلمين وتأثره بالتقاليد العربية ظاهر في الشاي الذي أعده على الطريقة العربية وسهرنا حتى الفجر لا يكف عن سؤالنا عن الشرق وحضارة الشرق وتقاليده في إعجاب شديد.
ورافقنا في الصباح إلى محطة القطار بعد أن تركنا السيارة للتصليح ووصلنا باريس وهي كلها رقص وألوان من الموسيقى في كل شارع، إنه عيد الموسيقى وهو عيد أروبي فقد حضرته في سويسرا في نفس الشهر،ورئيس باريس دولا نوي سن لباريس سنة أخرى “الباري بلاج” فقد أحضر العمال أطنانا من الرمل نثروها على ضفاف السين قريبا من كاتدرائية نوتردام ولمئات الأمتار وزادوا على ذلك بدوش الماء العذب يسيل على رؤوس الغواني وأجسادهن البضة المدهونة بالكريمة فكأن باريس تحولت إلى شاطئ بحر ،النساء فاتنات يلقين بأجسادهن المحمرة من أثر أشعة الشمس الحارة على تلك الرمال وضفاف السين تغص بالمصطافين والعشاق والفضوليين وفي الليل تتحول تلك الضفاف إلى ساحة للموسيقى والرقص من الجميع نساء وشابات وشباب ورجال من كل الجنسيات .الدنيا حلوة وينبغي أن تعاش والإنسان يقضي عامه جادا عاملا مجتهدا فلا تثريب عليه أن يأتي شيئا من اللهو وأن يقضي الليل راقصا حتى الصباح حتى إذا انتهت العطلة وجد القوم متسعا للعمل الجاد والانتاج الخصب.
ولقد أقمت قريبا من الباستيل هذه المرة واتخذت صحبة جديدة ،كان مارسيل كهلا فرنسيا بلحية كثة بيضاء وجسد قوي ينم عن عافية وقد أثارني ها الصديق يقضي اليوم قارئا في مكتبات باريس العامة وفي غرفته ويحب الأدب كثيرا يحجم عن الكلام في السياسة إلا ما تعلق بالفكر وقلت له مرة:
مارسيل لو كان أمثالك في عالمنا العربي الكثرة الغالبة لكنا في عداد الأقوياء .
ومسيو بنيتو رجل في الستين من أصل إيطالي رجل ودود يجيد الكلام مازجا بين أصوله الإيطالية وعاداته المكتسبة من الفرنسيين وكنا نتعشى معا ونقضي شطرا من الليل نتحدث، سمر حلو لا لغو فيه ولا تأثيم .
قال صديقي مارسيل:
- غدا عيد الثورة الفرنسية
وأردف مسيو بنيتو :
- يجدر بك الذهاب إلى الشانزليزيه لرؤية العرض العسكري سترى أشياء رائعة لا تندم عليها .
والحق أنني رأيت القوم هناك يعدون للحفل أقيمت المنصة التي تضم الرئيس الفرنسي وضيوفه واتخذت كافة الترتيبات الأمنية ولم يبق إلا قدوم عيد النصر للابتهاج بهذا اليوم التاريخي للأمة الفرنسية وفي الصباح الباكر كنت أبحث عن طريق أسلكه وسط جموع الذاهبين إلى هناك من شتى الأجناس، أصبحت الدائرة الثامنة خلية نحل تعج بالسياح والفضوليين ورجال المخابرات والبوليس وهم يوجهون المشاة في شوارع الدائرة الثامنة الراقية والفخمة وأخيرا لاح الشانزليزيه بعد لأي وعلى طوله في غير هذا اليوم كانت المقاهي تضع الموائد والكراسي على الرصيف للمرتادين يشربون القهوة الفرنسية أو المرطبات المنعشة تحت ظل الشمسية أما اليوم فيصعب عليك أن تجد مكانا تتفرج منه على هذا العرض العسكري وقدمت سيارة مكشوفة تحمل الرئيس الفرنسي الذي كان يحيي الجماهير المصفقة لمقدمه وابتدأ العرض باستعراض الجنود لمختلف القوات ثم الآلات الحربية المتطورة لكن عرض الطيران كان الأروع وتلك الراية الفرنسية الجميلة التي صنعتها الطائرات بدخانها وتثيرك هناك اللباقة والأدب والنظام من قبل الجماهير حتى أنك لا تشعر بأن النهار انتصف وأن قائمتيك لا تقويا على حملك!عب عليك ان تجد مكانا تتفلارا لاح الشانزليزيه بعد لايات والبوليس وهم يوجهون المشاة في
واهتمام الغربيين عموما بالعلم وبدائع الطبيعة وعجائب الحضارة شيء مألوف بل أنهم يعيشون لأجل ذلك ، حدث مرة أن تحدثت مع عجوز فرنسي التقيته في شارع الإيطاليين قرب مقر جريدة لومند الذائعة الصيت في يوم حار من أيام أغسطس وشرع يحدثني عن أسفاره فحدثني عن زيارته للمكسيك للتفرج على حضارة المايا ولما سألته عن زيارة أمريكا أخبرني أنه لا يعيرها اهتماما فهو غير معني بالإسمنت المسلح كما قال !
وقرأت مرة في الصفحة الأولى للبارزيان أن مراصد فرنسا وجمعياتها الفلكية تقيم ليلة للرصد في أواخر أغسطس - وهناك ما يعرف بليلة النجوم- وهي أشبه بعيد فالباريسيون لا يرون النجوم لأن باريس في الليل تتحول إلى كتلة من الأضواء تحول دون رِؤية النجوم في باريس وبإمكان أهلها رصد الكواكب والنجوم في هذه الليلة في الضواحي والغابات وأثبتت عناوين الجمعيات الفلكية المعنية بذلك وأرقامها الهاتفية واتصلت بجمعية أطلس فضربوا لي موعدا في مدينة فيل بانت قرب مطار شارل ديغول وامتطيت القطار بعد أن أخذت عشائي معي وإذ خيم الليل تهافت الناس من كل حدب وصوب وكانوا فتيانا وفتيات شيبا وشبانا غيدا وعجائز واقترب مني فرنسي كهل بدا عليه القلق فهو لا يريد أن تفوته الفرصة ولكنه مرتبط بالعودة إلى باريس وهدأت من قلقله ،ثم بدأت الليلة كنا نتداول على المنظار الفلكي القوي نرى المريخ قرصا أحمر وقطبه الأبيض من الثلج في هدوء واحترام لبعضنا حتى أوشك النهار أن يطلع وكانت ليلة لا أنساها!
وتسأل عن أحياء باريس الشعبية ففي كل مدينة عالمية حيها الشعبي وحي هارلم في نيويورك مشهور لكن أحياء باريس الشعبية هي في الدائرة الثامنة عشرة بارباس والقوت دور والجالية العربية من شمال إفريقيا هي الغالبة وتسير هناك فتخال أنك في تونس أو مراكش ، اللسان عربي والملامح عربية ولن تقول كما قال المتنبي عن بوان :
غير أن الفتى العربي فيهــا
غريب الوجه واليد واللسان
بل تقول :
غيرأن الفتى العربي فيهــا
قريب الوجه واليد واللسان
ويمكن أن تجد هنا كل شيء من العادات العربية وتشرب الشاي المغربي بالنعناع وتأكل على الطريقة التونسية فالإشهار بالفرنسية إلى جانب العربية : حمام تركي لحم حلال
حتى المتسولون جلسوا القرفصاء يسألون الناس صدقة ممطرين إياهم بوابل من الدعوات والمشعوذون وجدوا لهم سوقا هنا في باريس الشعبية :
- يدك، أنظر في كفك
قال ذلك مشعوذ مغربي وقد سل يدي سلا وسط الزحام
فمددت يدي وبسط كفي ينظر فيها :
- هناك امرأة ربطتك ، هات عشرة فرنكات أفك رباطك
فقلت على الفور :
- دعها تربطني فذاك خبر من عشرة فرنكات وتركته لحاله
الدائرة الثامنة عشرة دائرة سكنتها تلك الجالية أيام كانت فرنسا بحاجة إلى العمال في المصانع وفي مشاريعها الكبرى ونزح هؤلاء إلى باريس بحثا عن لقمة العيش لهم ولأسرهم التي تركوها في أوطانهم الأصلية وسكنوا هذه الأحياء في شكل مجموعات حيث كل شيء زهيد بالقياس إلى الأحياء الأخرى ، إنها بسيطة ثقافيا فكثير منهم لا يحسنون القراءة والكتابة والقليل قرأ شيئا يسيرا في الكتاب ولأن اللسان العربي والعادات العربية التي يعيشونها هناك فقد خففت عليهم تباريح الغربة وتلمس الفرق بين بقية الأحياء وأحياء الدائرة الثامنة عشرة في النظافة والنظام ورفاهية المسكن والهدوء والأمن – فالسطو والعنف من خصائص هذه الدائرة - ولو أن المقيمين صاروا يشتكون اليوم من غلاء المعيشة ولكن لا بأس فهم في بلد سعيد كما يقولون .
لا يمكنك أن تزهد في باريس لحظة ولو زرتها ألف مرة ستبقى يراودك الحنين في العودة إليها وفي التنزه في منتزهاتها وتتفقد الفنانين يرسمون اللوحات على ضفاف السين والبواخر الصغيرة المتنقلة على صفحته وباعة الكتب يعرضون كتبهم القديمة وألوانا من الناس تختلط بهم وتقول حكاية شعبية يرددها العوام أن باريس تبكي على من لم يزرها أما من فعل فقد يعود حتما !وحتى طنجة في المغرب يرددون بشأنها نفس القول!
قد يخفق قلبك بشيء قد تنكره على نفسك وقد تخوض فيه ، المرأة روح باريس وفي باريس ألوان من المتعة تعيد إليك الشباب فتلقي بنفسك في غمار الحب وفي أتون المغامرة وتكاد تنسى من حولك حتى الزمن ينساب من غير أن تشعر به وتقول مع القائلين في كثير من اليقين ،كان القدماء يقولون المدينة الخالدة وهم يعنون روما فحق لمن يقول عن باريس أنها المدينة الفاتنة.
وليسمح لي محمود تيمور في رقدته الأبدية وقد كان سائحا ممتازا - حتى أنه مات مصطافا - في لوزان أن أحور عنوان كتابه المعنون “الدنيا في باريس” إلى الدنيا باريس.
أما برج إيفل فهو أعجوبة هندسية مئات الأطنان من الحديد الصلب ترتفع في شكل هندسي عجيب إلى ثلاثمائة وعشرين مترا صممها المهندس غوستاف إيفل وسط معارضة شديدة فقد وصفه المعارضون بالتشويه الجمالي لباريس العتيقة ولكنه صمد وأصبح أهم معلم سياحي لباريس وجماله يزيد في الليل حيث يظهر بلونه العسلي وفي مناسبات معينة يكون ميدانا للألعاب النارية التي تبهر الأبصار. وقصتي معه عجيبة فقد أقمت مرة غير بعيد عنه شهرا وكنت أتردد على المكان دائما بسبب نزهتي المسائية على ضفاف السين من كاتدرائية نوتردام إلى منتزهات شان دو مارس مرورا بشارع كيندي أرغب في الصعود ولو إلى الطابق الأول أو إلى الثاني أما أمر الطابق الثالث فلم أفكر فيه إطلاقا لأنني إذ كنت أحجم كنت أعاني من خوفين رهاب المناطق الواسعة( الأجورا فوبيا )ورهاب العلو (الأيروفوبيا) ، إلا أنني عالجت نفسي وتغلبت فيما بعد على خوفي حتى أبللت، ألقيت بنفسي في الأماكن الواسعة والارتفاعات الشاهقة ولم تعد عندي مشكلة وصعدت إلى أعلى برج إيفل إلى الطابق الثاني حيث مكتب البريد والكافيتيريا ثم إلى الطابق الثالث ورأيت باريس من ارتفاع شاهق وكان الذين في صحبتي قلة من السياح فكثيرون يخافون من هذا الارتفاع !
باريس مدينة فن وثقافة وتاريخ واللوفر شاهد وتلك القصور الفخمة حيث أقام ملوك فرنسا وحدائق التويلوري المنسقة تأخذ بالألباب واللوفر هو المكان الذي يجمع كنوز العالم وبدائع الحضارة وآيات الفن ،من الموناليزا إلى تمثال فنيس دانون إلى شريعة حمورابي وكنت أنتظر الآحاد من بدايات الشهور لأدخل بالمجان من التاسعة حتى السادسة مساء وأتناول غدائي هناك وأنا لا أكف عن النظر والتأمل والاستمتاع بمآثر العبقرية الإنسانية غير أن جناح الآثار المصرية ترك في نفسي أعمق الأثر فأنا عاشق لمصر القديمة أقف أمام بدائعها كما يقف الراهب في معبده بفكري ووجداني وروحي وفي اللوفر وقفت على كثير من تلك البدائع والحضارة المصرية القديمة حضارة الكمال والجمال فالمصريون القدماء تجاوزوا حياة الضرورة إلى حياة الروح فالقدح الذي يشرب به المصري القديم والإبرة التي يخيط بها والتابوت الذي يحوي جسده بعد أن يفارق الدنيا ترى فيها اللمسة الفنية،وكان الفرنسيون ونابليون من عشاق الفن المصري القديم ولذا في حملته الفرنسية جلب معه العلماء ورجال التاريخ وتفرقوا في مصر العليا والسفلى يبحثون وينقبون وشامبليون الفرنسي هو الذي فك الرموز الهيروغليفية فاستطاع الإنسان أن يقرأ النصوص المصرية القديمة ويعرف عن المصريين القدماء الكثير ولكن نابليون نهب كنوز مصر وحتى المسلات لم تسلم من النهب وفي ساحة الكونكورد واحدة منها.
على أن باريس لا تكف عن طلب الفكر ولا تكسل عن طلب الفن وجميع سياسييها يدركون قيمتها العلمية بالقياس إلى حظها من الثقافة فترى الواحد منهم يسعى ما وسعته الحيلة إلى إضافة شيء عظيم في رصيدها الثقافي والمركز الثقافي جورج بومبيدو خير شاهد على ذلك وقد ترددت عليه مرات ومرات أستمع إلى الموسيقى وأقرا في الكتب والمجلات وأستفيد من الإنترنت بالمجان ،هناك ترى الناس من كل حدب وصوب فقد اجتهد المركز في أن يقدم شيئا من ثقافة العالم وصحافته، وخارج المركز بطحاء واسعة تعد بالناس يتحلق بعضهم حول رسامين يرسمون لوحاتهم أو فنانين يأتون من الأقوال أو الحركات ما يبعث على الضحك وأحيانا لا يقتصدون في البذاءة وربما استمعت إلى شيء من السياسة في شكل تهكمي وتعليقا على سياسي يسخر الفنان منه وسط ضحك الناس
الحاضرين،و كأنك في الهايد بارك في لندن.
وأهل باريس يقرأون كثيرا في المترو وفي المكتبات العامة ويقصدون المكتبات ويقتنون الكتب كما نقتني نحن وسائل الزينة والترفيه بإفراط شديد ويحدث أن تدخل مكتبة عامة فترى القوم جلوسا على الأرض يقرأون حين لم يجدوا كراسي وتمر في آخر الليل على متشرد سكير فتراه يقرأ وهذه أشياء شاهدتها وفي شارع لي غوبلين شاهدت مرة شابا يقرأ كتابا ماشيا لم يكن دليلا سياحيا كان كتابا ولم يرفع رأسه إلا حين أراد عبور الشارع فرفع رأسه منتظرا ضوء المشاة !
وفي مكتبات باريس العامة يوفرون الصحف والمجلات يوميا للمرتادين بالمجان وقد لا يكون في وسع المرء النهم للقراءة الصحفية شراء هذا الكم يوميا فشتري المكتبة من ميزانيتها وتوفر للقارئ ذلك.
ومعهد العالم العربي مثال للتواصل الثقافي بين فرنسا والعرب وهو خليق بالزيارة والاستفادة مما فيه من كنوز أدبية وفكرية وهندسته تفرد وإطلالته على السين زادت في جماله عبق الشرق ماثل هناك وكثير من الفرنسيين يداومون على ارتياده لسماع الموسيقى الشرقية وحضور المحاضرات التي يقدمها المفكرون العرب- الضيوف والمقيمون- والأمسيات الشعرية والمعارض الفنية وقد قدم كثيرا لفرنسا وللغرب من ثقافة العالم العربي وفكره.
وقد اشتهرت المدينة بمسارحها ولها في المسرح سوابق من راسين إلى كورناي إلى موليير الذي مات على الخشبة ومونبرناس مليئة بالمسارح أما دار الأوبرا فهي آية في الجلال والعظمة ،عظمة المعمار وعظمة الفخامة وجلال التاريخ وخلود الفن وحين أشرفت على قاعة العرض صعقت لما رأيت من رسوم وجدران فخمة وتماثيل آية في الروعة والجمال!
مونمارتر حي أعشقه وأعشق التسكع فيه ولا أسام من ذلك ،في مونمارتر أكون كرائد فضاء تحرر من الجاذبية أو ككهل عاد إلى طفولته الغضة أو كعاقل لاذ بالجنون فأنكر على نفسه قيود الاقتصاد ومراسم الحياة الاجتماعية وقوانين المنطق أمر على بيجال أحدق في معرض الغريزة ولقد دفعني الفضول مرة إلى الدخول إلى الأقبية وإذا أنا بنساء كاسيات عاريات يفوح منهن عطر فرنسي رخيص وأضواء حمراء وأجواء سريالية لدخان التبغ المنتشر في الجو وموسيقى تتوجه إلى نقطة الضعف فيك كرجل . جلست قبالتي وكانت فاتنة وانتبهت إلى الفتوة واقفا أمام المشرب كان رجلا بشوارب تركية وجاكتة جلدية وخاتم ذهبي كبير وسألتني أن أشرب شيئا:
- كونياك؟
لكنني طلبت كوكاكولا وطلبت هي كونياك وهي غالية هناك وسألتني العشاء معا
وقلت في نفسي إذا شاب الغراب ،واقترنت النقطة بالصاد.
وأنا أعرف أن النساء هناك يبحثن عن الفرائس ويلتمسن الحيلة لإفراغ الجيوب وأردت الانصراف مكتفيا من الفضول بما وصلت إليه.
وأمر على المولان روج حيث الليالي الراقصة ، ولكنني في عجلة من أمري أستبشر بمرأى كاتدرائية ساكري كور البيضاء اللون والتي هي أيضا من معالم باريس وأصعد الربوة قاصدا مونمارتر الدولة الفنية حيث عاش هناك عمالقة الرسم سيزان ، بيكاسو وغوغان والرسامون هناك كثر بعضهم في الهواء الطلق يرسم مشاهد لباريس وبعضهم يرسم البورتريه وفنانون آخرون في مراسمهم ويكسبون مالا لا بأس به فالسياح يتهافتون على تلك اللوحات، والمطاعم تغص بالطاعمين والحانات بالشاربين وفي النفوس الحبور وفي على الوجوه الرضا بما أفاءت الحياة على الناس من نعمة وبما أفاء الفن على الإنسان من قدسية.
وزيارتي إلى باريس الأخيرة كانت في صيف حار ركبت الباخرة إلى مرسيليا رفقة صديق طبيب وفي طريقنا إلى باريس تعطلت السيارة والليل يوشك على القدوم وتوقف شاب فرنسي بسيارته انتبه إلى كوننا غريبين وبعد أن سأل عنا استضافنا في بيته وأكرم مثوانا.
كان شابا يهم بدخول الإسلام لا يأتي ما يأتيه الشباب في مثل سنه واتخذ له صحبة من أبناء المسلمين وتأثره بالتقاليد العربية ظاهر في الشاي الذي أعده على الطريقة العربية وسهرنا حتى الفجر لا يكف عن سؤالنا عن الشرق وحضارة الشرق وتقاليده في إعجاب شديد.
ورافقنا في الصباح إلى محطة القطار بعد أن تركنا السيارة للتصليح ووصلنا باريس وهي كلها رقص وألوان من الموسيقى في كل شارع، إنه عيد الموسيقى وهو عيد أروبي فقد حضرته في سويسرا في نفس الشهر،ورئيس باريس دولا نوي سن لباريس سنة أخرى “الباري بلاج” فقد أحضر العمال أطنانا من الرمل نثروها على ضفاف السين قريبا من كاتدرائية نوتردام ولمئات الأمتار وزادوا على ذلك بدوش الماء العذب يسيل على رؤوس الغواني وأجسادهن البضة المدهونة بالكريمة فكأن باريس تحولت إلى شاطئ بحر ،النساء فاتنات يلقين بأجسادهن المحمرة من أثر أشعة الشمس الحارة على تلك الرمال وضفاف السين تغص بالمصطافين والعشاق والفضوليين وفي الليل تتحول تلك الضفاف إلى ساحة للموسيقى والرقص من الجميع نساء وشابات وشباب ورجال من كل الجنسيات .الدنيا حلوة وينبغي أن تعاش والإنسان يقضي عامه جادا عاملا مجتهدا فلا تثريب عليه أن يأتي شيئا من اللهو وأن يقضي الليل راقصا حتى الصباح حتى إذا انتهت العطلة وجد القوم متسعا للعمل الجاد والانتاج الخصب.
ولقد أقمت قريبا من الباستيل هذه المرة واتخذت صحبة جديدة ،كان مارسيل كهلا فرنسيا بلحية كثة بيضاء وجسد قوي ينم عن عافية وقد أثارني ها الصديق يقضي اليوم قارئا في مكتبات باريس العامة وفي غرفته ويحب الأدب كثيرا يحجم عن الكلام في السياسة إلا ما تعلق بالفكر وقلت له مرة:
مارسيل لو كان أمثالك في عالمنا العربي الكثرة الغالبة لكنا في عداد الأقوياء .
ومسيو بنيتو رجل في الستين من أصل إيطالي رجل ودود يجيد الكلام مازجا بين أصوله الإيطالية وعاداته المكتسبة من الفرنسيين وكنا نتعشى معا ونقضي شطرا من الليل نتحدث، سمر حلو لا لغو فيه ولا تأثيم .
قال صديقي مارسيل:
- غدا عيد الثورة الفرنسية
وأردف مسيو بنيتو :
- يجدر بك الذهاب إلى الشانزليزيه لرؤية العرض العسكري سترى أشياء رائعة لا تندم عليها .
والحق أنني رأيت القوم هناك يعدون للحفل أقيمت المنصة التي تضم الرئيس الفرنسي وضيوفه واتخذت كافة الترتيبات الأمنية ولم يبق إلا قدوم عيد النصر للابتهاج بهذا اليوم التاريخي للأمة الفرنسية وفي الصباح الباكر كنت أبحث عن طريق أسلكه وسط جموع الذاهبين إلى هناك من شتى الأجناس، أصبحت الدائرة الثامنة خلية نحل تعج بالسياح والفضوليين ورجال المخابرات والبوليس وهم يوجهون المشاة في شوارع الدائرة الثامنة الراقية والفخمة وأخيرا لاح الشانزليزيه بعد لأي وعلى طوله في غير هذا اليوم كانت المقاهي تضع الموائد والكراسي على الرصيف للمرتادين يشربون القهوة الفرنسية أو المرطبات المنعشة تحت ظل الشمسية أما اليوم فيصعب عليك أن تجد مكانا تتفرج منه على هذا العرض العسكري وقدمت سيارة مكشوفة تحمل الرئيس الفرنسي الذي كان يحيي الجماهير المصفقة لمقدمه وابتدأ العرض باستعراض الجنود لمختلف القوات ثم الآلات الحربية المتطورة لكن عرض الطيران كان الأروع وتلك الراية الفرنسية الجميلة التي صنعتها الطائرات بدخانها وتثيرك هناك اللباقة والأدب والنظام من قبل الجماهير حتى أنك لا تشعر بأن النهار انتصف وأن قائمتيك لا تقويا على حملك!عب عليك ان تجد مكانا تتفلارا لاح الشانزليزيه بعد لايات والبوليس وهم يوجهون المشاة في
واهتمام الغربيين عموما بالعلم وبدائع الطبيعة وعجائب الحضارة شيء مألوف بل أنهم يعيشون لأجل ذلك ، حدث مرة أن تحدثت مع عجوز فرنسي التقيته في شارع الإيطاليين قرب مقر جريدة لومند الذائعة الصيت في يوم حار من أيام أغسطس وشرع يحدثني عن أسفاره فحدثني عن زيارته للمكسيك للتفرج على حضارة المايا ولما سألته عن زيارة أمريكا أخبرني أنه لا يعيرها اهتماما فهو غير معني بالإسمنت المسلح كما قال !
وقرأت مرة في الصفحة الأولى للبارزيان أن مراصد فرنسا وجمعياتها الفلكية تقيم ليلة للرصد في أواخر أغسطس - وهناك ما يعرف بليلة النجوم- وهي أشبه بعيد فالباريسيون لا يرون النجوم لأن باريس في الليل تتحول إلى كتلة من الأضواء تحول دون رِؤية النجوم في باريس وبإمكان أهلها رصد الكواكب والنجوم في هذه الليلة في الضواحي والغابات وأثبتت عناوين الجمعيات الفلكية المعنية بذلك وأرقامها الهاتفية واتصلت بجمعية أطلس فضربوا لي موعدا في مدينة فيل بانت قرب مطار شارل ديغول وامتطيت القطار بعد أن أخذت عشائي معي وإذ خيم الليل تهافت الناس من كل حدب وصوب وكانوا فتيانا وفتيات شيبا وشبانا غيدا وعجائز واقترب مني فرنسي كهل بدا عليه القلق فهو لا يريد أن تفوته الفرصة ولكنه مرتبط بالعودة إلى باريس وهدأت من قلقله ،ثم بدأت الليلة كنا نتداول على المنظار الفلكي القوي نرى المريخ قرصا أحمر وقطبه الأبيض من الثلج في هدوء واحترام لبعضنا حتى أوشك النهار أن يطلع وكانت ليلة لا أنساها!
وتسأل عن أحياء باريس الشعبية ففي كل مدينة عالمية حيها الشعبي وحي هارلم في نيويورك مشهور لكن أحياء باريس الشعبية هي في الدائرة الثامنة عشرة بارباس والقوت دور والجالية العربية من شمال إفريقيا هي الغالبة وتسير هناك فتخال أنك في تونس أو مراكش ، اللسان عربي والملامح عربية ولن تقول كما قال المتنبي عن بوان :
غير أن الفتى العربي فيهــا
غريب الوجه واليد واللسان
بل تقول :
غيرأن الفتى العربي فيهــا
قريب الوجه واليد واللسان
ويمكن أن تجد هنا كل شيء من العادات العربية وتشرب الشاي المغربي بالنعناع وتأكل على الطريقة التونسية فالإشهار بالفرنسية إلى جانب العربية : حمام تركي لحم حلال
حتى المتسولون جلسوا القرفصاء يسألون الناس صدقة ممطرين إياهم بوابل من الدعوات والمشعوذون وجدوا لهم سوقا هنا في باريس الشعبية :
- يدك، أنظر في كفك
قال ذلك مشعوذ مغربي وقد سل يدي سلا وسط الزحام
فمددت يدي وبسط كفي ينظر فيها :
- هناك امرأة ربطتك ، هات عشرة فرنكات أفك رباطك
فقلت على الفور :
- دعها تربطني فذاك خبر من عشرة فرنكات وتركته لحاله
الدائرة الثامنة عشرة دائرة سكنتها تلك الجالية أيام كانت فرنسا بحاجة إلى العمال في المصانع وفي مشاريعها الكبرى ونزح هؤلاء إلى باريس بحثا عن لقمة العيش لهم ولأسرهم التي تركوها في أوطانهم الأصلية وسكنوا هذه الأحياء في شكل مجموعات حيث كل شيء زهيد بالقياس إلى الأحياء الأخرى ، إنها بسيطة ثقافيا فكثير منهم لا يحسنون القراءة والكتابة والقليل قرأ شيئا يسيرا في الكتاب ولأن اللسان العربي والعادات العربية التي يعيشونها هناك فقد خففت عليهم تباريح الغربة وتلمس الفرق بين بقية الأحياء وأحياء الدائرة الثامنة عشرة في النظافة والنظام ورفاهية المسكن والهدوء والأمن – فالسطو والعنف من خصائص هذه الدائرة - ولو أن المقيمين صاروا يشتكون اليوم من غلاء المعيشة ولكن لا بأس فهم في بلد سعيد كما يقولون .
لا يمكنك أن تزهد في باريس لحظة ولو زرتها ألف مرة ستبقى يراودك الحنين في العودة إليها وفي التنزه في منتزهاتها وتتفقد الفنانين يرسمون اللوحات على ضفاف السين والبواخر الصغيرة المتنقلة على صفحته وباعة الكتب يعرضون كتبهم القديمة وألوانا من الناس تختلط بهم وتقول حكاية شعبية يرددها العوام أن باريس تبكي على من لم يزرها أما من فعل فقد يعود حتما !وحتى طنجة في المغرب يرددون بشأنها نفس القول!
قد يخفق قلبك بشيء قد تنكره على نفسك وقد تخوض فيه ، المرأة روح باريس وفي باريس ألوان من المتعة تعيد إليك الشباب فتلقي بنفسك في غمار الحب وفي أتون المغامرة وتكاد تنسى من حولك حتى الزمن ينساب من غير أن تشعر به وتقول مع القائلين في كثير من اليقين ،كان القدماء يقولون المدينة الخالدة وهم يعنون روما فحق لمن يقول عن باريس أنها المدينة الفاتنة.
وليسمح لي محمود تيمور في رقدته الأبدية وقد كان سائحا ممتازا - حتى أنه مات مصطافا - في لوزان أن أحور عنوان كتابه المعنون “الدنيا في باريس” إلى الدنيا باريس.