خالص مسور
10-09-2009, 04:40 AM
الشاعر أديب كمال الدين: دراسة نقدية في ديوانه:
"أربعون قصيدة عن الحرف"
خالص مسور- سوريا
في قصائد الشاعر أديب كمال الدين نسائم روضة شعرية فوّاحة طافحة بالإيحاءات الدلالية والرمز، والتاريخ، والأسطورة، روضة شذاها خلجات قلب شاعر تتواشج مع بوح الصدور وشدو النفوس، وأحاسيس مثقلة بهموم غربة فيها الدولار يُعبد ويركض الناس وراءه في كل زاوية وشارع. إنها غربة الروح والجسد والهجر وفقدان الوطن الحبيب وفيها تُستلب القيم والمبادئ. فالشاعر يعاني الاغتراب بالجسد والروح معاً بعدما أبى العيش تحت حكم الطغاة والمتجبّرين في الأرض. إنه شاعر إنسان بكلّ معنى الكلمة ولنسمعه في قصيدته: (جاء نوح ومضى) يقول:
ستموت الآن.
أعرفُ، يا صديقي الحرف، أنكَ ستموت الآن.
لم تعد نقطتكَ الأنقى من ندى الوردة
تتحمّل كلّ هذا العذاب السحريّ
والكمائن وسط الظلام
والوحدة ذات السياط السبعة.
لم تعد، أيّها البسيط مثلي
والضائع مثلي
والساذج مثلي،
...............
انتظرنا – أنا وأنتَ – طويلاً سفينةَ نوح.
جاءَ نوح ومضى!
لوحّنا له طويلاً
..............
لوحّنا له بطفولتنا العارية
وبشمسنا الصغيرة التي تغيّر طعمها
وأصبحتْ بحجمِ ليمونةٍ ذابلة.
.............
وكنّا لا نطلب شيئاً سوى النجدة!
النجدة!
نعم، يا صديقي الحرف،
دعنا نصرخ الآن:
ال........ن............ج.............دة!
......................
انظرْ هذه شمسنا لم تزل تشرق
رغم أنها بحجمِ حبّةِ قمح.
............
أرجوك
أنا لم أفقد الأملَ بعد!
أرجوك
ال........ن............ج.............دة!
ال........ن............ج.............دة!
ال........ن............ج.............دة!
هذا العنوان الشاعري (جاء نوح ومضى) المكوّن من زمنين ماضيين ولكنهما متناقضان في إيحاءاتهما الدلالية، يرمز إلى فرصة سانحة مع سفينة نوح للوصول معها إلى الحرية والخلاص، ولكنها الفرصة التي لم تأتِ أكلها ولم تستثمر، حيث يرمز نوح على الدوام إلى المستقبل والخلاص. بالإضافة إلى الصوت الشجي الأشبه بالصدى المنبعث من الضاد المفخمة والنفس الطويل مع الألف المقصورة، وكأنها صوت سفينة مخرت عباب بحر مترامي الأطراف، شادة الرحيل بتثاقل نحو عالم مجهول وهو ما يشير بجلاء إلى مسافة التوتر النفسي الذي تعانيه الذات الشاعرة ويعبرعن ألمها الممض العميق.
فالعنوان يؤدي هنا دوره الأكمل في كسر أفق توقع القارئ لأنّ فيه الحضور والغياب معاً كما في- جاء... ومضى- والفعل الماضي /مضى/ برنينه الموسيقي الحزين وفتح الفم الطويل مع الألف المقصورة فيه ما يثير لوعة الأكباد وكوامن النفوس وأشجان الصدور! وبقليل من التأمل في السطور الشعرية للقصيدة، سنرى التناظرات اللغوية المسنودة إلى إيقاعات صوتية متناغمة كما في – الذابلة- العارية- متضافرة مع الإيقاع الصادر عن تكرار حرف الحاء الحلقي المخرج، مما أسهم في إكساب النص الشعري حيويةً موسيقيةً دافقة بالألحان التراجيدية المثيرة أجاد فيها الشاعر توظيف الصورة الرامزة الموحية والمعبرة. وفي زمن الغربة والضياع يلتئم شمله مع حروفه الوفية ليعبر بها من بعيد إلى حالة بلده العراق بحضارته وثقافته العريقة لكنه المثقل اليوم بأوزار القمع والجلد والتعذيب. وقد بدأت القصيدة بعبارة/ ستموت الآن/ وبالحرف سين المهموسة الدالة على الإستقبال حيث لا يزال هناك بصيص أمل يلوح في أعتاب وزوايا صندوق باندورا السحرية.
فالشاعر وجد نفسه متغرباً مع شعره وصديقه الحرف على حين غرة حيث لم يألف الغربة ولم يحسب لها حسابها، فكانت الغربة عليهما قاسية عنيفة، عبّر عنها بالعبارات الشعرية الموحية– لم تعد تتحمّل العذاب السحري- الكمائن وسط الظلام- الضائع- الساذج- لكن الشاعر لم يقطع الأمل وبدا ينتظر مع حرفه سفينةَ نوح ليتنقذهما من الغرق في طوفان غربة الروح والجسد. لكن سفينة نوح كما جاءت مضت ولم تنقذهما من المصير المجهول فصارت صرخته المدوية تتردد في كل سهل وواد، يستنجد ولكن ما من مغيث- النجدة..النجدة...النجدة... يا سفينة نوح لكن لاتزال هناك بقية من تفاؤل – أنا لم أفقد الأمل بعد!
يتبع
"أربعون قصيدة عن الحرف"
خالص مسور- سوريا
في قصائد الشاعر أديب كمال الدين نسائم روضة شعرية فوّاحة طافحة بالإيحاءات الدلالية والرمز، والتاريخ، والأسطورة، روضة شذاها خلجات قلب شاعر تتواشج مع بوح الصدور وشدو النفوس، وأحاسيس مثقلة بهموم غربة فيها الدولار يُعبد ويركض الناس وراءه في كل زاوية وشارع. إنها غربة الروح والجسد والهجر وفقدان الوطن الحبيب وفيها تُستلب القيم والمبادئ. فالشاعر يعاني الاغتراب بالجسد والروح معاً بعدما أبى العيش تحت حكم الطغاة والمتجبّرين في الأرض. إنه شاعر إنسان بكلّ معنى الكلمة ولنسمعه في قصيدته: (جاء نوح ومضى) يقول:
ستموت الآن.
أعرفُ، يا صديقي الحرف، أنكَ ستموت الآن.
لم تعد نقطتكَ الأنقى من ندى الوردة
تتحمّل كلّ هذا العذاب السحريّ
والكمائن وسط الظلام
والوحدة ذات السياط السبعة.
لم تعد، أيّها البسيط مثلي
والضائع مثلي
والساذج مثلي،
...............
انتظرنا – أنا وأنتَ – طويلاً سفينةَ نوح.
جاءَ نوح ومضى!
لوحّنا له طويلاً
..............
لوحّنا له بطفولتنا العارية
وبشمسنا الصغيرة التي تغيّر طعمها
وأصبحتْ بحجمِ ليمونةٍ ذابلة.
.............
وكنّا لا نطلب شيئاً سوى النجدة!
النجدة!
نعم، يا صديقي الحرف،
دعنا نصرخ الآن:
ال........ن............ج.............دة!
......................
انظرْ هذه شمسنا لم تزل تشرق
رغم أنها بحجمِ حبّةِ قمح.
............
أرجوك
أنا لم أفقد الأملَ بعد!
أرجوك
ال........ن............ج.............دة!
ال........ن............ج.............دة!
ال........ن............ج.............دة!
هذا العنوان الشاعري (جاء نوح ومضى) المكوّن من زمنين ماضيين ولكنهما متناقضان في إيحاءاتهما الدلالية، يرمز إلى فرصة سانحة مع سفينة نوح للوصول معها إلى الحرية والخلاص، ولكنها الفرصة التي لم تأتِ أكلها ولم تستثمر، حيث يرمز نوح على الدوام إلى المستقبل والخلاص. بالإضافة إلى الصوت الشجي الأشبه بالصدى المنبعث من الضاد المفخمة والنفس الطويل مع الألف المقصورة، وكأنها صوت سفينة مخرت عباب بحر مترامي الأطراف، شادة الرحيل بتثاقل نحو عالم مجهول وهو ما يشير بجلاء إلى مسافة التوتر النفسي الذي تعانيه الذات الشاعرة ويعبرعن ألمها الممض العميق.
فالعنوان يؤدي هنا دوره الأكمل في كسر أفق توقع القارئ لأنّ فيه الحضور والغياب معاً كما في- جاء... ومضى- والفعل الماضي /مضى/ برنينه الموسيقي الحزين وفتح الفم الطويل مع الألف المقصورة فيه ما يثير لوعة الأكباد وكوامن النفوس وأشجان الصدور! وبقليل من التأمل في السطور الشعرية للقصيدة، سنرى التناظرات اللغوية المسنودة إلى إيقاعات صوتية متناغمة كما في – الذابلة- العارية- متضافرة مع الإيقاع الصادر عن تكرار حرف الحاء الحلقي المخرج، مما أسهم في إكساب النص الشعري حيويةً موسيقيةً دافقة بالألحان التراجيدية المثيرة أجاد فيها الشاعر توظيف الصورة الرامزة الموحية والمعبرة. وفي زمن الغربة والضياع يلتئم شمله مع حروفه الوفية ليعبر بها من بعيد إلى حالة بلده العراق بحضارته وثقافته العريقة لكنه المثقل اليوم بأوزار القمع والجلد والتعذيب. وقد بدأت القصيدة بعبارة/ ستموت الآن/ وبالحرف سين المهموسة الدالة على الإستقبال حيث لا يزال هناك بصيص أمل يلوح في أعتاب وزوايا صندوق باندورا السحرية.
فالشاعر وجد نفسه متغرباً مع شعره وصديقه الحرف على حين غرة حيث لم يألف الغربة ولم يحسب لها حسابها، فكانت الغربة عليهما قاسية عنيفة، عبّر عنها بالعبارات الشعرية الموحية– لم تعد تتحمّل العذاب السحري- الكمائن وسط الظلام- الضائع- الساذج- لكن الشاعر لم يقطع الأمل وبدا ينتظر مع حرفه سفينةَ نوح ليتنقذهما من الغرق في طوفان غربة الروح والجسد. لكن سفينة نوح كما جاءت مضت ولم تنقذهما من المصير المجهول فصارت صرخته المدوية تتردد في كل سهل وواد، يستنجد ولكن ما من مغيث- النجدة..النجدة...النجدة... يا سفينة نوح لكن لاتزال هناك بقية من تفاؤل – أنا لم أفقد الأمل بعد!
يتبع