الشريف أحمد الشقيرى
09-12-2009, 10:26 AM
اسلوب الرسول فى دعوة اهل الكتاب؟؟؟؟؟؟؟
اولا مصطلح اهل الكتاب يطلق على كل من يدين بالنصرانية واليهودية حتى ان لم يكن من بنى اسراءيل
وهذا الموضوع يتحدث عن اسلوب الرسول فى حديثة عن اهل الكتاب وعسى ان يفيد اخواننا بالمنتدى
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران)[14]. وفي هذا الحديث جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلوب الترغيب لأهل الكتاب منهجاً في دعوته حيث أخبرهم أن الذي آمن بنبيه وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - له أجران، وكذلك يرى الكتابي أنه له مزية على المشرك حيث كان للمشرك أجر واحد، فيعلم بذلك أن الإسلام يقدر الأديان السابقة ويرفع من شأنها.
: دعوة اليهود بوجه خاص:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (انطلقوا إلى يهود، فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس[15]، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فناداهم يا معشر يهود إسلموا تسلموا فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال ذلك أريد، ثم قالها الثانية، فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قال الثالثة، فقال: إعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني إريد أن أجليكم فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله)[16]. والظاهر أن هؤلاء بقايا من اليهود تأخروا بعد إخراج قبائل اليهود الثلاثة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، لأن القبائل الثلاثة أجليت من المدينة قبل إسلام أبي هريرة - رضي الله عنه -[17].
في هذا الحديث تصريح منه - صلى الله عليه وسلم - لليهود بالدعوة وإخباره لهم أن سلامتهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة في إسلامهم واتباعهم لما جاء به من عند الله، أي تسلموا في الدنيا من القتل وفي الآخرة من العذاب [18]. وقد أخذ - صلى الله عليه وسلم - الاعتراف من اليهود بأنه بلغهم رسالته، وهذه دلالة على دعوته الخاصة لهم.
: دعوة النصارى بوجه خاص:
قال - تعالى -: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(آل عمران- آية 61).
إن أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - إما ترغيب أو ترهيب، في هذه الآية يتحدى - صلى الله عليه وسلم - نصارى نجران بأن يتركوا كلامهم عن ألوهية عيسى وذلك بالتضرع إلى الله - تعالى -أن ينزل لعنته على الكاذبين، وهذا من حرصه - صلى الله عليه وسلم - أن يدخلوا الإسلام، ولكن النصارى لم يأمنوا عاقبة الملاعنة فتركوها ورضوا بالجزية[19]. رغم أنهم اعتقدوا بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، لذلك لم يباهلوا بل فروا منه ولم يؤمنوا ويدخلوا في الإسلام.
: أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - في دعوة أهل الكتاب:
: حلمه وصفحه - صلى الله عليه وسلم -:
إن الحلم عن أهل الكتاب والصفح عن زلاتهم ولين الجانب معهم أسلوب حكيم من أساليبه - صلى الله عليه وسلم - لهم وسبب في دخولهم الإسلام، وقد امتثل - صلى الله عليه وسلم - أمر ربه حيث أمره بذلك في قوله: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرا، وأن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)(سورة آل عمران- آية 186).
و في الآية خطاب للمؤمنين عند مقدمهم قبل واقعة بدر تسلية لهم عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين وأمراً لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يأتي فرج الله. قال ابن حاتم إن أسامة بن زيد قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتأول العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم)[20]
و في آية قرآنية أخرى يحذر الله - تعالى -عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال حتى يأتي أمر الله من النصر أو الفتح[21]. قال - تعالى -في المعنى السابق: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)(سورة البقرة-آية109).
و من حلمه - صلى الله عليه وسلم - على أهل الكتاب أنه استلف تمراً من يهودي إلى أجل معلوم، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة، فلما وضع الميت في قبره قام اليهودي فقال: يا محمد ألا تقضيني تمري؟ فو الله ما أعلمكم يا بني عبد المطلب إلا تمطلون الناس بحقوقهم. فهمَّ عمر - رضي الله عنه - بضرب اليهودي، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: ياعمر أنت إلى غير هذا أحوج، أن تأمره فيحسن طلبه، وتأمرني فأحسن قضاءه. ثم أمره أن يذهب إلى حائط أحد الإشخاص وأن يكيل له بعد رضائه ثم يزيد كذا صاعاً لتعنيف سيدنا عمر إياه. فقال اليهودي لعمر: إنه لم يكن بقي شيئ مما وجدنا في كتابنا مما وصف لنا موسى - عليه السلام -، إلا قد رأيناه في محمد - صلى الله عليه وسلم -، إلا الحلم فقد رأيناه الآن، فشهد شهادة الحق وآمن، ثم مات اليهودي فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فحمل سريره على عاتقه الأيسر[22] رغم تجاوز هذا اليهودي في سبه - صلى الله عليه وسلم - ثم سب بني عبد المطلب جميعاً، وطلب دينه في وقت غير مناسب، إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان حليماً بهذا اليهودي، لذلك كان رد الفعل إسلامه الفوري. وهذا أسلوب حكيم للرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أهل الكتاب لدعوتهم لدخول الإسلام.
: إظهار المعجزة لأهل الكتاب طمعاً في إيمانهم:
إن الله - سبحانه وتعالى-قد أعطى بعض أنبيائه من البينات (المعجزات) وذلك لتصديقهم فيما جاءوا به. وقد أيد الله - سبحانه وتعالى-نبيه موسى - عليه السلام - بتسع آيات: العصا واليد والسنين ونقص من الثمرا ت والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه وخوارق ودلائل على صدق موسى - عليه السلام -، وكذلك أعطى عيسى بن مريم - عليه السلام - إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس وهو جبريل - عليه السلام - ما يدل على صدقه فيما جاءهم بهي.
أما النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - كانت معجزته الكبرى القرآن، إلا أنه كان يظهر لأهل الكتاب بعض المعجزات التي كانت تتحقق على يديه علهم يؤمنون به كما آمنوا بأنبيائهم السابقين موسى وعيسى - عليهم السلام -.
روى ابن عباس - رضي الله عنهما -، أنه حضرت عصابة من اليهود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه عن أربعة أشياء لا يعلمهن إلا نبي كما ذكروا له ذلك وهي: الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وماء المرأة وماء الرجل كيف يكون منه الذكر والأنثى، وإخبار هذا النبي الأمي في النوم ووليه من الملائكة، وقد أخذ عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - المواثيق والعهود إذا أجابهم وفق ما يعلمون أن يدخلوا الإسلام، وكانت الإجابة أن يعقوب - عليه السلام - مرض مرضاً شديداً وطال سقمه فنذر نذراً لئن شفاه الله - تعالى -من سقمه ليحرمن أحب الشراب وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها. والإجابة الثانية أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله. والإجابة الثالثة أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه، فالإجابة الأخيرة أن جبريل هو ولي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجميع الأنبياء.
و في هذا الحديث يبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكتاب بعض المغيبات التي لم يحضرها ولم يقرأ عنها وإنما هي وحي يوحى إليه، وأخبرهم بما سألوه عنه طبق ما يعلمون في كتبهم السماوية المنزلة على أنبيائهم ليؤمنن به وليتبعنه. ولكن اليهود حاولوا التخلص من العهد الذي التزموا به مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجة بغضهم لجبريل - عليه السلام -[23]، قال - تعالى -فيهم: (قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين)(سورة البقرة- آية97).
: إثبات موافقة الشريعة الإسلامية لما في التوراة:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبين لأهل الكتاب أن كتابه الذي أنزل عليه توافق أحكامه أحكام الكتاب الذي أنزل على موسى - عليه السلام -، فإذا تحقق التوافق حينئذ فإنه رسول من عند الله صدقوا برسالته ودخلوا في دين الإسلام.
قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: (إن اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما تجدون في التوراة في الرجم؟) فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام كذبت إن فيها الرجم)، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، قال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم. قالوا صدقت يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما، فرأيت الرجل ينحني على المرأة يقيها الحجارة)[24]
و في هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقنعهم أن كتاب الله الذي أنزله على نبيهم موسى - عليه السلام - يوافق كتابه الذي أنزله في شأن الرجم على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا أسلوب لدعوته - صلى الله عليه وسلم - أهل الكتاب لدخول الإسلام.
قال الإمام ابن حجر في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟) قال الباجي: (يحتمل أن يكون علم بالوحي أن الحكم بالرجم فيها ثابت على ما شرع لم يلحقه تبديل، ويحتمل أن يكون علم ذلك بإخبار عبدالله بن سلام وغيره ممن أسلم منهم على وجه حصل له به العلم بصحة نقلهم، ويحتمل أن يكون إنما سألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه ثم يتعلم صحة ذلك من قبل الله تعالى)[25]
: موافقة أهل الكتاب فيما ليس فيه نص:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب موافقتهم في الأمور التي لم يؤمر فيها بشيء، وذلك تألفاً واستعطافاً لهم على هذا الدين الحنيف، ذلك لأنهم إذا رأوه يتعبد بالأحكام التي يعلمون أنها تشريع سماوي أنزله الله على نبي من أنبيائه كتعبده بما يتفق مع ما في التوراة المنزلة والإنجيل، عملوا أن مصدر التشريع الذي عندهم والذي عنده واحد هو الله - سبحانه وتعالى-، وعلى ذلك يجب أن يراجعوا أنفسهم فيما هم عليه من التكذيب والعناد والجحود، فيؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك فقالوا: (هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيماً له)، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فأنا أحق بموسى منكم) فصامه وأمر بصيامه)[26]
و عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه[27]
و في هذا الحديث اتضح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وافق أهل الكتاب في أفعالهم حتى يخالف أهل الأوثان، فلما أسلم أهل الأوثان الذين معه والذين حوله واستمر أهل الكتاب على كفرهم تمحضت المخالفة لأهل الكتاب ثم فرق - صلى الله عليه وسلم - رأسه.
: إباحته ذبائح أهل الكتاب ونكاح نسائهم:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتثالاً لقول الله - سبحانه وتعالى -: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامهم حلٌّ لكم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين)(المائدة: الآية 5) قد أباح لأمته ذبائح أهل الكتاب دون باقي ملل الكفر، وهذا يعني إذا كان بين المسلمين وأهل الكتاب مبادلة في التجارة، يحصل الاختلاط بينهم، ولا شك أن هذا مدعاة لدخولهم الإسلام. وعن عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه - قال: أصبت جراباً من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمت فقلت: لا أعطي أحداً اليوم من هذا شيئاً، فقال: فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبتسم[28].
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث، وفي هذا إباحة أكل طعام الغنيمة في دار الحرب، وقال القاضي: (و أجمع علماء الإسلام على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب فيأكلون منه قدر حاجتهم، ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه. ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلا الزهري، وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه شيئاً إلى عمارة دار الإسلام فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم)[29]
و كذلك أباح الإسلام مصاهرة أهل الكتاب والتزوج من نسائهم مع ما في الزواج من سكن ومودة ورحمة. وهذا يجوز مع الذين لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم ولم يظاهروا على إخراجهم كالنساء والضعفة، أما المعتدين فيجب معاداتهم وعدم موالاتهم[30]
قال - تعالى -: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ولم يظاهروا على إخراجكم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون)(سورة الممتحنة: الآيات 8-9).
: قبول الهدية من أهل الكتاب:
لا شك أن قبول الهدية فيه نوع من التقارب، وكلما زاد التقارب بين قوم سهلت دعوتهم. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية من أهل الكتاب ولا يقبلها من غيرهم من المشركين، وهذه خصوصية لهم ربما تدفعهم إلى الدخول في الإسلام.
و عن عياض بن حمار - رضي الله عنه - قال: أهديت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ناقة فقال: أسلمت؟ فقلت: لا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إني نهيت عن زبد المشركين)[31].
و عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن أكيدر دومة وهو من أهل الكتاب أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثوب حرير فأعطاه علياً فقال: (شققه خمراً بين الفواطم)[32].
: وصيته - صلى الله عليه وسلم - على أهل الذمة:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أوصى على أهل الذمة والكتاب، وهدد بالوعيد الشديد على من نقض عهدهم، حتى أنه توعد أصحابه بأن من قتل معاهدا في غير وقته الذي يجوز قتله فيه حرّم الله عليه الجنة، وهذا من حرصه - صلى الله عليه وسلم - على دعوة أهل الكتاب.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وأن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً)[33].
و كان - صلى الله عليه وسلم - لا يرضى أن يمس أهل الكتاب ظلم ولو كان من أصحابه، سواء كان هذا الظلم اعتداءاً على أنفسهم أو أموالهم.
عن العرباض بن سارية السلمي - رضي الله عنه - قال: (نزلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلعة خيبر ومعه من معه من المسلمين، وكان صاحب خيبر رجلاً مارداً متكبراً، فأقبل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا محمد ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا؟ فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (يا ابن عوف اركب فرسك ثم ناد إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا إلى الصلاة) فاجتمعوا، ثم صلى بهم ثم قام فقال: (أيحب أحدكم متكئاً على اريكته قد يظن أن الله - تعالى -لم يحرم شيئاً إلا ما في القرآن، ألا أني والله وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء وإنها لمثل القرآن أو أكثر، وأن الله - تعالى - لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوا الذي عليهم)[34].
: إخبار الصحابة بما ينتظر اليهود من عذاب:
لا شك أن الدعوة إلى الله - عز وجل - تشتمل على الإنذار والتبشير، والوعد والوعيد، لذلك أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن اليهود تعذب في قبورها، فأنذرها من عذاب القبر، لأن عذاب دلالة على عذاب الآخرة وهي يدل على حرصه لدخولهم الإسلام.
عن أبي أيوب الإنصاري - رضي الله عنه - قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وجبت الشمس فسمع صوتاً فقال: (يهود تعذب في قبورها)[35].
اولا مصطلح اهل الكتاب يطلق على كل من يدين بالنصرانية واليهودية حتى ان لم يكن من بنى اسراءيل
وهذا الموضوع يتحدث عن اسلوب الرسول فى حديثة عن اهل الكتاب وعسى ان يفيد اخواننا بالمنتدى
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران)[14]. وفي هذا الحديث جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلوب الترغيب لأهل الكتاب منهجاً في دعوته حيث أخبرهم أن الذي آمن بنبيه وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - له أجران، وكذلك يرى الكتابي أنه له مزية على المشرك حيث كان للمشرك أجر واحد، فيعلم بذلك أن الإسلام يقدر الأديان السابقة ويرفع من شأنها.
: دعوة اليهود بوجه خاص:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (انطلقوا إلى يهود، فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس[15]، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فناداهم يا معشر يهود إسلموا تسلموا فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال ذلك أريد، ثم قالها الثانية، فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قال الثالثة، فقال: إعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني إريد أن أجليكم فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله)[16]. والظاهر أن هؤلاء بقايا من اليهود تأخروا بعد إخراج قبائل اليهود الثلاثة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، لأن القبائل الثلاثة أجليت من المدينة قبل إسلام أبي هريرة - رضي الله عنه -[17].
في هذا الحديث تصريح منه - صلى الله عليه وسلم - لليهود بالدعوة وإخباره لهم أن سلامتهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة في إسلامهم واتباعهم لما جاء به من عند الله، أي تسلموا في الدنيا من القتل وفي الآخرة من العذاب [18]. وقد أخذ - صلى الله عليه وسلم - الاعتراف من اليهود بأنه بلغهم رسالته، وهذه دلالة على دعوته الخاصة لهم.
: دعوة النصارى بوجه خاص:
قال - تعالى -: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(آل عمران- آية 61).
إن أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - إما ترغيب أو ترهيب، في هذه الآية يتحدى - صلى الله عليه وسلم - نصارى نجران بأن يتركوا كلامهم عن ألوهية عيسى وذلك بالتضرع إلى الله - تعالى -أن ينزل لعنته على الكاذبين، وهذا من حرصه - صلى الله عليه وسلم - أن يدخلوا الإسلام، ولكن النصارى لم يأمنوا عاقبة الملاعنة فتركوها ورضوا بالجزية[19]. رغم أنهم اعتقدوا بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، لذلك لم يباهلوا بل فروا منه ولم يؤمنوا ويدخلوا في الإسلام.
: أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - في دعوة أهل الكتاب:
: حلمه وصفحه - صلى الله عليه وسلم -:
إن الحلم عن أهل الكتاب والصفح عن زلاتهم ولين الجانب معهم أسلوب حكيم من أساليبه - صلى الله عليه وسلم - لهم وسبب في دخولهم الإسلام، وقد امتثل - صلى الله عليه وسلم - أمر ربه حيث أمره بذلك في قوله: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرا، وأن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)(سورة آل عمران- آية 186).
و في الآية خطاب للمؤمنين عند مقدمهم قبل واقعة بدر تسلية لهم عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين وأمراً لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يأتي فرج الله. قال ابن حاتم إن أسامة بن زيد قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتأول العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم)[20]
و في آية قرآنية أخرى يحذر الله - تعالى -عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال حتى يأتي أمر الله من النصر أو الفتح[21]. قال - تعالى -في المعنى السابق: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)(سورة البقرة-آية109).
و من حلمه - صلى الله عليه وسلم - على أهل الكتاب أنه استلف تمراً من يهودي إلى أجل معلوم، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة، فلما وضع الميت في قبره قام اليهودي فقال: يا محمد ألا تقضيني تمري؟ فو الله ما أعلمكم يا بني عبد المطلب إلا تمطلون الناس بحقوقهم. فهمَّ عمر - رضي الله عنه - بضرب اليهودي، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: ياعمر أنت إلى غير هذا أحوج، أن تأمره فيحسن طلبه، وتأمرني فأحسن قضاءه. ثم أمره أن يذهب إلى حائط أحد الإشخاص وأن يكيل له بعد رضائه ثم يزيد كذا صاعاً لتعنيف سيدنا عمر إياه. فقال اليهودي لعمر: إنه لم يكن بقي شيئ مما وجدنا في كتابنا مما وصف لنا موسى - عليه السلام -، إلا قد رأيناه في محمد - صلى الله عليه وسلم -، إلا الحلم فقد رأيناه الآن، فشهد شهادة الحق وآمن، ثم مات اليهودي فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فحمل سريره على عاتقه الأيسر[22] رغم تجاوز هذا اليهودي في سبه - صلى الله عليه وسلم - ثم سب بني عبد المطلب جميعاً، وطلب دينه في وقت غير مناسب، إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان حليماً بهذا اليهودي، لذلك كان رد الفعل إسلامه الفوري. وهذا أسلوب حكيم للرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أهل الكتاب لدعوتهم لدخول الإسلام.
: إظهار المعجزة لأهل الكتاب طمعاً في إيمانهم:
إن الله - سبحانه وتعالى-قد أعطى بعض أنبيائه من البينات (المعجزات) وذلك لتصديقهم فيما جاءوا به. وقد أيد الله - سبحانه وتعالى-نبيه موسى - عليه السلام - بتسع آيات: العصا واليد والسنين ونقص من الثمرا ت والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه وخوارق ودلائل على صدق موسى - عليه السلام -، وكذلك أعطى عيسى بن مريم - عليه السلام - إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس وهو جبريل - عليه السلام - ما يدل على صدقه فيما جاءهم بهي.
أما النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - كانت معجزته الكبرى القرآن، إلا أنه كان يظهر لأهل الكتاب بعض المعجزات التي كانت تتحقق على يديه علهم يؤمنون به كما آمنوا بأنبيائهم السابقين موسى وعيسى - عليهم السلام -.
روى ابن عباس - رضي الله عنهما -، أنه حضرت عصابة من اليهود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه عن أربعة أشياء لا يعلمهن إلا نبي كما ذكروا له ذلك وهي: الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وماء المرأة وماء الرجل كيف يكون منه الذكر والأنثى، وإخبار هذا النبي الأمي في النوم ووليه من الملائكة، وقد أخذ عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - المواثيق والعهود إذا أجابهم وفق ما يعلمون أن يدخلوا الإسلام، وكانت الإجابة أن يعقوب - عليه السلام - مرض مرضاً شديداً وطال سقمه فنذر نذراً لئن شفاه الله - تعالى -من سقمه ليحرمن أحب الشراب وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها. والإجابة الثانية أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله. والإجابة الثالثة أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه، فالإجابة الأخيرة أن جبريل هو ولي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجميع الأنبياء.
و في هذا الحديث يبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكتاب بعض المغيبات التي لم يحضرها ولم يقرأ عنها وإنما هي وحي يوحى إليه، وأخبرهم بما سألوه عنه طبق ما يعلمون في كتبهم السماوية المنزلة على أنبيائهم ليؤمنن به وليتبعنه. ولكن اليهود حاولوا التخلص من العهد الذي التزموا به مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجة بغضهم لجبريل - عليه السلام -[23]، قال - تعالى -فيهم: (قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين)(سورة البقرة- آية97).
: إثبات موافقة الشريعة الإسلامية لما في التوراة:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبين لأهل الكتاب أن كتابه الذي أنزل عليه توافق أحكامه أحكام الكتاب الذي أنزل على موسى - عليه السلام -، فإذا تحقق التوافق حينئذ فإنه رسول من عند الله صدقوا برسالته ودخلوا في دين الإسلام.
قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: (إن اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما تجدون في التوراة في الرجم؟) فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام كذبت إن فيها الرجم)، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، قال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم. قالوا صدقت يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما، فرأيت الرجل ينحني على المرأة يقيها الحجارة)[24]
و في هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقنعهم أن كتاب الله الذي أنزله على نبيهم موسى - عليه السلام - يوافق كتابه الذي أنزله في شأن الرجم على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا أسلوب لدعوته - صلى الله عليه وسلم - أهل الكتاب لدخول الإسلام.
قال الإمام ابن حجر في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟) قال الباجي: (يحتمل أن يكون علم بالوحي أن الحكم بالرجم فيها ثابت على ما شرع لم يلحقه تبديل، ويحتمل أن يكون علم ذلك بإخبار عبدالله بن سلام وغيره ممن أسلم منهم على وجه حصل له به العلم بصحة نقلهم، ويحتمل أن يكون إنما سألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه ثم يتعلم صحة ذلك من قبل الله تعالى)[25]
: موافقة أهل الكتاب فيما ليس فيه نص:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب موافقتهم في الأمور التي لم يؤمر فيها بشيء، وذلك تألفاً واستعطافاً لهم على هذا الدين الحنيف، ذلك لأنهم إذا رأوه يتعبد بالأحكام التي يعلمون أنها تشريع سماوي أنزله الله على نبي من أنبيائه كتعبده بما يتفق مع ما في التوراة المنزلة والإنجيل، عملوا أن مصدر التشريع الذي عندهم والذي عنده واحد هو الله - سبحانه وتعالى-، وعلى ذلك يجب أن يراجعوا أنفسهم فيما هم عليه من التكذيب والعناد والجحود، فيؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك فقالوا: (هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيماً له)، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فأنا أحق بموسى منكم) فصامه وأمر بصيامه)[26]
و عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه[27]
و في هذا الحديث اتضح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وافق أهل الكتاب في أفعالهم حتى يخالف أهل الأوثان، فلما أسلم أهل الأوثان الذين معه والذين حوله واستمر أهل الكتاب على كفرهم تمحضت المخالفة لأهل الكتاب ثم فرق - صلى الله عليه وسلم - رأسه.
: إباحته ذبائح أهل الكتاب ونكاح نسائهم:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتثالاً لقول الله - سبحانه وتعالى -: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامهم حلٌّ لكم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين)(المائدة: الآية 5) قد أباح لأمته ذبائح أهل الكتاب دون باقي ملل الكفر، وهذا يعني إذا كان بين المسلمين وأهل الكتاب مبادلة في التجارة، يحصل الاختلاط بينهم، ولا شك أن هذا مدعاة لدخولهم الإسلام. وعن عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه - قال: أصبت جراباً من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمت فقلت: لا أعطي أحداً اليوم من هذا شيئاً، فقال: فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبتسم[28].
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث، وفي هذا إباحة أكل طعام الغنيمة في دار الحرب، وقال القاضي: (و أجمع علماء الإسلام على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب فيأكلون منه قدر حاجتهم، ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه. ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلا الزهري، وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه شيئاً إلى عمارة دار الإسلام فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم)[29]
و كذلك أباح الإسلام مصاهرة أهل الكتاب والتزوج من نسائهم مع ما في الزواج من سكن ومودة ورحمة. وهذا يجوز مع الذين لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم ولم يظاهروا على إخراجهم كالنساء والضعفة، أما المعتدين فيجب معاداتهم وعدم موالاتهم[30]
قال - تعالى -: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ولم يظاهروا على إخراجكم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون)(سورة الممتحنة: الآيات 8-9).
: قبول الهدية من أهل الكتاب:
لا شك أن قبول الهدية فيه نوع من التقارب، وكلما زاد التقارب بين قوم سهلت دعوتهم. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية من أهل الكتاب ولا يقبلها من غيرهم من المشركين، وهذه خصوصية لهم ربما تدفعهم إلى الدخول في الإسلام.
و عن عياض بن حمار - رضي الله عنه - قال: أهديت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ناقة فقال: أسلمت؟ فقلت: لا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إني نهيت عن زبد المشركين)[31].
و عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن أكيدر دومة وهو من أهل الكتاب أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثوب حرير فأعطاه علياً فقال: (شققه خمراً بين الفواطم)[32].
: وصيته - صلى الله عليه وسلم - على أهل الذمة:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أوصى على أهل الذمة والكتاب، وهدد بالوعيد الشديد على من نقض عهدهم، حتى أنه توعد أصحابه بأن من قتل معاهدا في غير وقته الذي يجوز قتله فيه حرّم الله عليه الجنة، وهذا من حرصه - صلى الله عليه وسلم - على دعوة أهل الكتاب.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وأن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً)[33].
و كان - صلى الله عليه وسلم - لا يرضى أن يمس أهل الكتاب ظلم ولو كان من أصحابه، سواء كان هذا الظلم اعتداءاً على أنفسهم أو أموالهم.
عن العرباض بن سارية السلمي - رضي الله عنه - قال: (نزلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلعة خيبر ومعه من معه من المسلمين، وكان صاحب خيبر رجلاً مارداً متكبراً، فأقبل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا محمد ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا؟ فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (يا ابن عوف اركب فرسك ثم ناد إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا إلى الصلاة) فاجتمعوا، ثم صلى بهم ثم قام فقال: (أيحب أحدكم متكئاً على اريكته قد يظن أن الله - تعالى -لم يحرم شيئاً إلا ما في القرآن، ألا أني والله وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء وإنها لمثل القرآن أو أكثر، وأن الله - تعالى - لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوا الذي عليهم)[34].
: إخبار الصحابة بما ينتظر اليهود من عذاب:
لا شك أن الدعوة إلى الله - عز وجل - تشتمل على الإنذار والتبشير، والوعد والوعيد، لذلك أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن اليهود تعذب في قبورها، فأنذرها من عذاب القبر، لأن عذاب دلالة على عذاب الآخرة وهي يدل على حرصه لدخولهم الإسلام.
عن أبي أيوب الإنصاري - رضي الله عنه - قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وجبت الشمس فسمع صوتاً فقال: (يهود تعذب في قبورها)[35].