محمد العبدالعزيز العرفج
02-01-2008, 05:26 PM
كتبت هذه القصة ، وأنشرها هنا متمنيا أن تحوز اعجاب الكل .
أوّل أربعاء
هاهو يمشي الآن في الطريق الضيّق ، يلمحُ بعيداً باب المقرّ ، فينظر إليه تارة وينظر إلى السماء تارةً أخرى ، الجوّ في هذا الصباح يملؤه قطناً كثيراً من الغيم ، وشمسُ يوم الأربعاء ترسل أشعتها الدافئة قليلاً ، ثم تحجبها غيمةً عابرةٍ في حال سبيلها ... تسير ببطءٍ شديد ، وندى الهتـّان يبلّل شعر (نعمان) المصفوف بطريقة أنيقة ، وقميصه الأزرق الفاتح ، الذي تميل زرقته للون السماء ، وبنطاله الكحلي ، وحذاءه البنّي الداكن ، المتّسخ قليلاً بفعل بقايا وحلٍ يملأ المكان :
- لم يبقى سوى ختم المقرّ ، سأنهيه بلحظاتٍ ... فالبلاد بلادي! وليست مثل تلك المدينة الساحلية ، التي يملؤها الانفصاليّون !!
حدّث (نعمان) نفسه ... ثم أعقب غاضباً وفي صوته شيئاً من الحدّه :
- لقد جعلوني انتظر ساعةً كاملةً من أجل ختم شهادتي الابتدائية !
وبينما هو يحدّث نفسه ، إذ رأى شخصاً يدخل المقرّ ... ثم ابتسم (نعمان) بعدها سريعاً ، وبدا على محيّاه الطرب :
- غداً سأذهب إلى الخليج ، لقد سأمت العيش والعمل هنا ، الخليج لم ينضب من البترول ، سأشتري سيارة! ... سأشتري منزلاً !!
وما لبث قليلاً ... حتى رأى الشخص الذي دخل المقرّ وفي يده شهادة ، يخرج منها سريعاً وهو يبتهج ، فقال نعمان :
- لم يأخذ سوى خمس دقائق فقط ، ياللانفصاليّون الجبناء !! لقد جعلوني انتظر ساعةً كاملة ... ساعة كاملة من أجل ختمٍ فقط!
وصل نعمان المقرّ ، ثم دخل ووضع بطاقته الشخصية عند الاستقبال ، ووضع بطاقة (زائر) على جيب قميصه فوق قلبه تماماً ، حتى يعلم الموظفين بأنه زائر .
صعد السلّم الطويل في الدور العاشر والأخير ، حيث لا يوجد مصعد كهربائي في المقرّ !
تقدّم إلى الشخص الذي يقبع في تلك الغرفة المظلمة إلا من نورٍ خفيف ينبعث من النافذة الصغيرة ، ومصباحٍ معلّق في الأعلى يكاد أن يسقط ويتدلّى من سلكه ، قدّم نعمان للموظف شهادته الابتدائية مبتهجاً :
- أريد أن أختم شهادتي الابتدائية من فضلك .
وبعد أن فحص الموظف الشهادة ... بدت عليه علامات الدهشة ... ورفع صوته عالياً:
- أين بقية الأوراق!!
سأل نعمان بدهشةٍ أكثر من دهشة الموظف :
- أية أوراق ؟!
- أوراق قبولك للدراسة في المدرسة الابتدائية !
دخل نعمان في صمتٍ يفكّر ، ثم تذكّر :
- لقد نسيتها في منزلي !!
- أحضرها إذن !
بدت على ملامح نعمان علامات الفجع الشديد ، حين استدرك:
- لكن منزلي في المحافظة الشمالية المحادّة ويبعد أكثر من خمسمائة كيلو ... !!
قال الموظف بصوتٍ ساخر يظهر عدم مبالاته :
- دع أحداً يرسلها لك بالفاكس !
ظهرت على نعمان علامات الارتياح ، وسأل الموظف:
- كم رقم الفاكس الذي بجانبك ؟!
أجاب الموظف كأنه كان ينتظر هذا السؤال:
- انقطعت الكهرباء ، فلا يمكن أن أخدمك! إذ لا يعمل الفاكس وتيّار الكهرباء منقطع !
وقبل أن يبادر نعمان بسؤالٍ آخر ... أكمل الموظف :
- هناك محل اتصالات في الخارج أمام المقرّ !
فاستطرد نعمان استطراد الواثق :
- ولكن الكهرباء لم تنقطع !!
وهنا ابتسم الموظف ابتسامة سخرية حتى بانت نواجذه ، مشيراً بإصبعه السبّابة إلى الأعلى ، نظر نعمان عالياً كأنما يبحث عن شيءٍ في السقف ، ووجد أن المصباح مطفأ ، ومصابيح الممرات في المقر كلها كانت قد انطفأت !
ركض نعمان ينزل السلّم ثم خرج من باب المقرّ ، وبطاقة (زائر) تركض معه ضرباً في جيبه ، وبدأ يحسّ حينها بلسع الحرارة يزداد قليلاً على ثديه الأيسر نتيجة ترنّح وضرب البطاقة المغلّفة بالبلاستيك المقوّى! ولكنه ليس وقت البطاقة!
شاهد نعمان محلّ الاتصالات قريباً جداً ، لم يكن الموظف كاذباً ! بل كانت حادثة إنقطاع الكهرباء في المقرّ من باب الصدفة!
توجّه نعمان إلى محل الاتصالات ، وأراد الاتصال بالمنزل ... ولكن خدمة الصفر لاتعمل! فسأل نعمان عامل المحل عن ذلك ، فأخبره أن المحل للاتصالات داخل العاصمة فقط! وأنه إن أراد الصفر فيجب عليه أن يتوجّه إلى محل الاتصالات الآخر ، والذي يبعد مسافة واحد كيلو متر تقريباً !!
- واحد كيلو متر!!!
هكذا صرخ نعمان ...
خرج نعمان مضطراً من المحل ، وأراد أن يستقل سيّارة أجرة أو حافلة صغيرة توصله للمحل الآخر ، ولكن لا توجد مواصلات في تلك الحارة الصغيرة الضيّقة الشوارع ! فأخذ يمشي منفرداً ، ثم تذكّر بعد مسافة أنه لم يسأل عامل الاتصالات إن كان لديه فاكس ، كما أنه لم يأخذ رقمه!!
رجع نعمان عائداً إلى محل الاتصالات ، وعلم أنه يوجد لدى عامل الاتصالات جهاز فاكس فأخذ رقم الخط ، ثم توجّه من جديد إلى محل الاتصالات الآخر البعيد ...
* * * * * *
* * * * * *
أوّل أربعاء
هاهو يمشي الآن في الطريق الضيّق ، يلمحُ بعيداً باب المقرّ ، فينظر إليه تارة وينظر إلى السماء تارةً أخرى ، الجوّ في هذا الصباح يملؤه قطناً كثيراً من الغيم ، وشمسُ يوم الأربعاء ترسل أشعتها الدافئة قليلاً ، ثم تحجبها غيمةً عابرةٍ في حال سبيلها ... تسير ببطءٍ شديد ، وندى الهتـّان يبلّل شعر (نعمان) المصفوف بطريقة أنيقة ، وقميصه الأزرق الفاتح ، الذي تميل زرقته للون السماء ، وبنطاله الكحلي ، وحذاءه البنّي الداكن ، المتّسخ قليلاً بفعل بقايا وحلٍ يملأ المكان :
- لم يبقى سوى ختم المقرّ ، سأنهيه بلحظاتٍ ... فالبلاد بلادي! وليست مثل تلك المدينة الساحلية ، التي يملؤها الانفصاليّون !!
حدّث (نعمان) نفسه ... ثم أعقب غاضباً وفي صوته شيئاً من الحدّه :
- لقد جعلوني انتظر ساعةً كاملةً من أجل ختم شهادتي الابتدائية !
وبينما هو يحدّث نفسه ، إذ رأى شخصاً يدخل المقرّ ... ثم ابتسم (نعمان) بعدها سريعاً ، وبدا على محيّاه الطرب :
- غداً سأذهب إلى الخليج ، لقد سأمت العيش والعمل هنا ، الخليج لم ينضب من البترول ، سأشتري سيارة! ... سأشتري منزلاً !!
وما لبث قليلاً ... حتى رأى الشخص الذي دخل المقرّ وفي يده شهادة ، يخرج منها سريعاً وهو يبتهج ، فقال نعمان :
- لم يأخذ سوى خمس دقائق فقط ، ياللانفصاليّون الجبناء !! لقد جعلوني انتظر ساعةً كاملة ... ساعة كاملة من أجل ختمٍ فقط!
وصل نعمان المقرّ ، ثم دخل ووضع بطاقته الشخصية عند الاستقبال ، ووضع بطاقة (زائر) على جيب قميصه فوق قلبه تماماً ، حتى يعلم الموظفين بأنه زائر .
صعد السلّم الطويل في الدور العاشر والأخير ، حيث لا يوجد مصعد كهربائي في المقرّ !
تقدّم إلى الشخص الذي يقبع في تلك الغرفة المظلمة إلا من نورٍ خفيف ينبعث من النافذة الصغيرة ، ومصباحٍ معلّق في الأعلى يكاد أن يسقط ويتدلّى من سلكه ، قدّم نعمان للموظف شهادته الابتدائية مبتهجاً :
- أريد أن أختم شهادتي الابتدائية من فضلك .
وبعد أن فحص الموظف الشهادة ... بدت عليه علامات الدهشة ... ورفع صوته عالياً:
- أين بقية الأوراق!!
سأل نعمان بدهشةٍ أكثر من دهشة الموظف :
- أية أوراق ؟!
- أوراق قبولك للدراسة في المدرسة الابتدائية !
دخل نعمان في صمتٍ يفكّر ، ثم تذكّر :
- لقد نسيتها في منزلي !!
- أحضرها إذن !
بدت على ملامح نعمان علامات الفجع الشديد ، حين استدرك:
- لكن منزلي في المحافظة الشمالية المحادّة ويبعد أكثر من خمسمائة كيلو ... !!
قال الموظف بصوتٍ ساخر يظهر عدم مبالاته :
- دع أحداً يرسلها لك بالفاكس !
ظهرت على نعمان علامات الارتياح ، وسأل الموظف:
- كم رقم الفاكس الذي بجانبك ؟!
أجاب الموظف كأنه كان ينتظر هذا السؤال:
- انقطعت الكهرباء ، فلا يمكن أن أخدمك! إذ لا يعمل الفاكس وتيّار الكهرباء منقطع !
وقبل أن يبادر نعمان بسؤالٍ آخر ... أكمل الموظف :
- هناك محل اتصالات في الخارج أمام المقرّ !
فاستطرد نعمان استطراد الواثق :
- ولكن الكهرباء لم تنقطع !!
وهنا ابتسم الموظف ابتسامة سخرية حتى بانت نواجذه ، مشيراً بإصبعه السبّابة إلى الأعلى ، نظر نعمان عالياً كأنما يبحث عن شيءٍ في السقف ، ووجد أن المصباح مطفأ ، ومصابيح الممرات في المقر كلها كانت قد انطفأت !
ركض نعمان ينزل السلّم ثم خرج من باب المقرّ ، وبطاقة (زائر) تركض معه ضرباً في جيبه ، وبدأ يحسّ حينها بلسع الحرارة يزداد قليلاً على ثديه الأيسر نتيجة ترنّح وضرب البطاقة المغلّفة بالبلاستيك المقوّى! ولكنه ليس وقت البطاقة!
شاهد نعمان محلّ الاتصالات قريباً جداً ، لم يكن الموظف كاذباً ! بل كانت حادثة إنقطاع الكهرباء في المقرّ من باب الصدفة!
توجّه نعمان إلى محل الاتصالات ، وأراد الاتصال بالمنزل ... ولكن خدمة الصفر لاتعمل! فسأل نعمان عامل المحل عن ذلك ، فأخبره أن المحل للاتصالات داخل العاصمة فقط! وأنه إن أراد الصفر فيجب عليه أن يتوجّه إلى محل الاتصالات الآخر ، والذي يبعد مسافة واحد كيلو متر تقريباً !!
- واحد كيلو متر!!!
هكذا صرخ نعمان ...
خرج نعمان مضطراً من المحل ، وأراد أن يستقل سيّارة أجرة أو حافلة صغيرة توصله للمحل الآخر ، ولكن لا توجد مواصلات في تلك الحارة الصغيرة الضيّقة الشوارع ! فأخذ يمشي منفرداً ، ثم تذكّر بعد مسافة أنه لم يسأل عامل الاتصالات إن كان لديه فاكس ، كما أنه لم يأخذ رقمه!!
رجع نعمان عائداً إلى محل الاتصالات ، وعلم أنه يوجد لدى عامل الاتصالات جهاز فاكس فأخذ رقم الخط ، ثم توجّه من جديد إلى محل الاتصالات الآخر البعيد ...
* * * * * *
* * * * * *