المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة وتحليل لقصة: وزارة ثقافة أردنية بلمسة "كورية" ggpfha


يحيى حباشنة
07-13-2009, 09:13 AM
دراسة وتحليل لقصة:
وزارة ثقافة أردنية بلمسة "كورية"
ليحيى الحباشنة

في ظل ظروف أزمة ومعاناة المثقف الذي يعيش هموم وقضايا مجتمعه، والظروف الاقتصادية المحبطة، وما يجري في الساحة العربية من فساد، وبطالة، وحروب، ونزاعات، وصراعات... يقف المثقف موقفا من المقاومة، أو كطبيب يحاول معالجة أمراض الكتاب وبعض المثقفين.. أو كداعية يحاول إيقاظ الضمائر النائمة، أو الميتة حتى يكف أصحاب التهميش والإقصاء من سلوكياتهم هذه ضد من يستحق الاهتمام به....
ونجد هذه الشريحة الواعية التي تتحرك من أجل تقدم الأمة تعيش تحت وطأة الفقر المزري حيث لا يستطيعون حتى دفع كلفة الطبع والنشر.. كما نجدهم يعيشون بسطاء وذووا خصاصة واحتياج...
وعندما يتجند هذا الكاتب المثقف أو المفكر لإلقاء الضوء على متطلبات بلده ومجتمعه من أجل التقدم والازدهار فيدعو إلى العمل الجماعي والتضحية... وسرعان ما نجده يتصدى إلى قمع أفكاره الداعية إلى التغيير نحو التطور من طرف أشخاص تكون المفاتيح بأيديهم... وهذا هو حال أصحاب الرسائل منذ زمن سحيق...

* عنوان القصة: "وزارة ثقافة أردنية بلمسة "كورية "
- وزارة ثقافة أردنية: نشاهد هنا الكاتب تعمد كتابة المعرفة بالنكرة!وهذا إبداع رائع يلفت لنا الانتباه من خلال العنوان أننا نلج نصا رمزيا يعتمد على ثقافة واسعة لإدراك كنهه...
- وزارة ثقافة أردنية: جملة نستنبط منها رؤية الكاتب التي يطمح إليها من خلال النص...
- بلمسة "كورية: "أي بصبغة كورية؛ وكانت كلمة "كورية" هي الكلمة المكثفة التي تحمل دلالات عميقة جدا، لأن الإنسان الكوري يتميز بمبادئه وقيمه الأخلاقية التي تعلمها عن طريق "الكونفشيوسية".. فهو إنسان عملي فعلي يرتدي ثوبه ولن يضعه عنه ولو قطعوه أطرافا...
- من خلال هذه الزاوية نستنتج من العنوان رؤية الكاتب التي يتمنى أن تكون عليها وزارة الثقافة العربية وإن كان المثل قد ضرب بالأردن إلا أننا من خلال النص ندرك الإشارة إلى الأردن وفلسطين ومصر إشارة إلى العرب... ومن خلال هذه الدول الثلاث نستنبط ثلاث محاور رئيسية التي يعاني منها المثقف العربي...

* الشخصيات:
- الشخصية المحورية:
هو الراوي، والكاتب هو الراوي.. وضمير المتكلم "أنا" ما جعلهما شخصية واحدة أحكمت بناء القصة بطريقة متذبذة بين أحداث الشخصيات المساعدة والبسيطة متحركة في فضاء القصة بحرية تامة واستقلالية في الرأي فجسدت معاني الحدث القصصي ببراعة مما برزت كشخصية قوية...
الشخصيات المساعدة:
- "نضال البتيري" الذي زاد في تصعيد الحدث وحرك عنصر التشويق...
- "الوزير الحالي الكوري" الذي دعمه ماديا ومعنويا وفتح أمامه آملا كبيرة..
- "المترجم" لعب دور مترجم رؤية وطموح الكاتب...
- "زوجة الراوي" التي كانت بها تلك الفاجعة الأليمة والمؤثرة...
- "سعود قبيلات" الذي طالب بإطلاق سراحه وتعرض إلى الضرب وزج به هو الآخر في السجن...
- "أعضاء الرابطة" حصل لهم ما حصل إلى رئيسهم "سعود قبيلات"...
الشخصيات البسيطة:
- "صبايا حسناوات"
- "فتاة كورية"
- "رجل قصير القامة كوري"
- "الوزير السابق"
- "مضيفات كوريات"
- "رجال الدرك"
كلها شخصيات برزت في تسلسل زمكني جد محكم كأنها تولد لمهمة تكمل حدثها ثم تختفي..

* التشويق:
يتخلل القصة عنصر التشويق الذي يتجلى في الحركة والدراما، ونستطيع رصده من خلال تتبع الكاتب انطلاقا من صحوه.. متابعة طلبه مشيا على الأقدام... عدم اهتمام الوزارة بدعم مسرحيته.. إصراره على مقابلة الوزير.. تسلحه بالإيمان... حمل الأوراق والانطلاق إلى الوزارة... مفاجأة جغرافية المكان التي تغيرت من الأسوأ إلى الأحسن... الانبهار.. شكه في صحة ما يرى أم أخطا المكان... تأكده من الوزارة التي أصبحت ترتدي حلة جديدة وتبعث في النفس الراحة والطمأنينة... عبوره المدخل الرئيس.. دهشته أمام النظام والاستقبال... لقاءه بنضال البيتري... فرحته بتغيير الوزير وقدوم الوزير الذي سيعمل من أجل تطوير الأمة... إعجابه بالمواكب التي كانت تقود الكتاب إلى مكتب الوزير... استقباله من طرف الوزير والحوار الذي أجراه معه بواسطة المترجم... فاجعة تغير المكان ورؤية الوزير السابق صحبة الدرك... وصرخة زوجته.

* الصراع:
الصراع الداخلي:
يتمثل الصراع الداخلي في:
- انبهار الكاتب في تغيير جغرافية المكان...
- إحساسه بالحيوية والنشاط أكثر من عادته...
- تساؤلاته عن الأسباب التي أدت إلى تغيير الوزارة...
- مشاعره وأحاسيسه واندهاشه وفرحته وهو بداخل الوزارة...
- رؤيته لنضال بيتري وما دار في عقله...
- رؤيته لزوجته وهي تندب حظها...
الصراع الخارجي:
يتمثل الصراع الخارجي في:
- استقباله من طرف الرجل القصير القامة الكوري...
- حواره مع نضال البيتري...
- حواره مع الوزير الكوري...
- سيارة السجن...

* الدافع:
انبثق الدافع من حادثة واحدة، وهي الصعوبات التي يواجهها المثقف، واضطهاده وقمع أفكاره.. وهو لا يسعى سوى إلى التغيير وتسليط الضوء على طريق التطور.. فيواجه من لا يرغبون في هذا التغيير والتطور بسبب المصالح الشخصية... ويتهمون المثقف بشتى التهم حتى تنفر منه ومن كتاباته الطبقة المتطلعة إلى آفاق التقدم...
فنبجست فكرة التعبير عن هذه الصعوبات والتحديات التي يعيشها المثقف في قالب صوري رمزي تترجم لغة رمزيته الإنسان الكوري.. وعالج الكاتب الفكرة إلى هدف واحد لما لا الاقتداء بالشخصية الكورية في العمل...
وقد استعمل الكاتب في بناء الوحدة كلمات في موضعها انطلاقا من دلالة العنوان ومحتوى النص...

* التكثيف:
استخدم الكاتب التكثيف بتركيز جيد: [لمسة كورية]، [على قبضتي يدي]، [جغرافية المكان]، [تبيض الوجه]، [حجرات الوزارة اصغر قليلا من السابق]، [رغم قصر قامته]، [هجناء]، [يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلام].
- لمسة كورية: الشخصية الكورية خضعت إلى فلسفة "كونفشيوس" القائلة بأن القيم الأخلاقية ليست مسألة وراثية، بل هي تعاليم يجب أن يتعلمها الإنسان.. مما دفع الكوريين إلى التعلم، والتعلم دفعهم إلى العمل... ونجد وزارة التعليم في كوريا تحمل اسم: "وزارة التربية وتنمية الموارد البشرية"... مما جعل شخصية الإنسان الكوري تتصف وتتخلق بمبادئ وقيم أخلاقية جعلت منهم الإنسان العملي الفعلي الصالح... ويكون مقابله الإنسان العربي الذي رفض جلباب أبيه التقليدي وتقمص التقليد الغربي...
- على قبضتي يدي: نستنبط منها معاناة المثقف الذي ليست له القدرة على كلفة الطبع والنشر، لا يتوفر على التأمين الصحي، يسير حسب ما يملك في جيبه من نقود.. قد يقف على شيء لابد منه لكن كلفته ليست في استطاعته فيعيش في حرمان وحزن دائم...
- جغرافية المكان: تعني البناية وما يحيط بها وحالة الحركة فيها...
- تبيض الوجه: تعني تفرح وتطمئن القلوب وتعلو همة المنتسب إليها...
- حجرات الوزارة اصغر قليلا من السابق: رمز ودلالة لمكان العمل، والمطلوب ليس اتساع المكاتب وحجم الوزارات وأثاثها الفاخر.. بل الأمر يكمن في صغر المكاتب واتساع حجم العمل ونجاحه...
- رغم قصر قامته: وهي كذلك تعني أن ليست القيمة في ضخامة الرجل، بل في ضخامة عمله الصالح والمفيد...
- هجناء: تعني اللئيم الذي أبوه عربي وأمه أمة غير محصنة..
- يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلام: الظلام ألأول يعني الاضطهاد والقمع والصعوبات التي يواجهها المثقف... الظلام الثاني تعني الظلم والجهل والتخلف الذي يحبط أعمال المجتمع...

* تفاصيل الإنشاء:
وصف الكاتب الوزارات العربية بعدم الصدق في أعمالهم بالمقارنة مع الوزارات الكورية [لأتابع طلبي وعدم اهتمام الوزارة في دعم مسرحيتي]، [لكنه عملي ..رغم قصر قامته .. انه هادئ ويعمل بصمت لخدمة الشعب الأردني.]، اندهاشه أمام النظام والاستقبال وطريقة عمل الكوريين [..ابتسامتها عذبة وشهية.]...
استخدم الكاتب لغة بسيطة وكلمات متداولة بين الناس. وهي لغة قريبة ومفهومة عند كل عربي...
استهل الكاتب القصة بصحوه لتقديم مسرحية لوزارة الثقافة من أجل قبولها ودعمه ماديا ومعناويا من أجل تغيير وتطوير الأمة العربية.. لكن هذه لا تدعم إبداعه.. فتوجه إلى المجتمع بكتابة قصته "وزارة ثقافة أردنية بلمسة "كورية" التي تروي لنا رؤيته عن طريق حلم يصبو إلى تغيير الراعي قبل الرعية بتصوير وزارة وطاقمها الإداري كوريين؛ وهو الشعب المعروف بالعمل الفعلي والجدية والإصلاح... ويصور لنا مشاهدا مشوقة ومعبرة عن الأحداث داخل الوزارة.. وتكون الفاجعة حيث يتحول الحلم إلى كابوس مزعج عندما وصف لنا تغيير المكان وعودة الوزير الغليظ المناكب المحاط بالدرك وتنتهي الدراما من سيارة السجن إلى السجن وحركات زوجته والأحداث ألأخيرة إلى تلك النهاية المؤلمة في السجن بذكر النشيد المعتاد...
فكان هذا التصوير جد رائع مما جعل من القصة عملا جادا يحمل رسالة قيمة ونبيلة...


بقلم: محمد معمري