جميل داري
06-06-2009, 05:14 PM
اللغة العربية الفصحى..واقعها..مستقبلها جميل داري
كلما دار حديث حول اللغة العربية الفصحى وشؤونها وشجونها تبادر إلى ذهني قصيدة "حافظ إبراهيم "الناطقة باسم هذه اللغة القائلة عن نفسها إلى حد الغرور:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي ؟؟؟ هذه القصيدة نشرها الشاعر منذ أكثر من قرن" سنة1903"وفيها يبدي حرصه الشديد عليها ويبين أهميتها وضرورة حمايتها من كل غريب دخيل.. وينبغي ألا ننسى أن هذه اللغة تعرضت إلى أعاصير كثيرة تكسرت فيها أغصان وتمزقت أوراق.. لكن الجذور ظلت راسخة متينة.. فالعثمانيون حاولوا تتريك المنطقة مئات السنوا ت ثم جروا ذيول الخيبة.. وكذلك فعل الفرنسيون في الجزائر أكثر من مئة عام... إذا من حق شاعر النيل أن يحترم لغته التي لم تستسلم لغاز أثيم..
لكن لو نظرنا إلى حالها الآن لرأينا أنها تعاني من بني جلدتها أكثر من الأقوام الغرباء الذين ناصبوها العداء.. فهي تعيش في محيط معاد ويبدو أنه لا قدرة لها على الصمود والتصدي.. ورد كيد المعتدي... ترى من هم أعداء اللغة العربية الفصحى الآن؟؟ إنهم:
اللهجة العامية التي تكتسح الساحة طولا وعرضا.. ولا من يحاسب أو يدق ناقوس الخطر لا سيما إذا عرفنا أنها لغة الجامعات والمدارس فمن خلال تجربتي في تدريس هذه اللغة أرى العجب العجاب ..طلاب غير مهتمين بأمرها إلا خلال الحصة الدرسية.. وذلك بعد رجاءات وتبويس لحى.. وينتهي أمرها بانتهاء هذه الحصة .كما إن سائر المواد تدرس بالعاميات المختلفة......... حيث يرى الطالب نفسه ضائعا في" حيص بيص" ولا يعرف ما الصحيح..؟ بالإضافة إلى العامية هناك اللغة الإنكليزية التي بدأت تحتل مكانة أعلى من العربية لا سيما أن شروط الجامعات "تعجيزية"سيبا-توفل-ايلتس الخ"وذلك بدعوى أن الانكليزية لغة العصر والمستقبل"التكنولوجيا-الحاسوب" إذا...من يتحمل مسؤولية تهميش العربية في عقر دارها..؟ سؤال من الصعب الإجابة عنه.. ولا ننسى أن عوامل الجذب والتشويق شبه معدومة في ترغيب الطالب في لغته "مناهج-طرق تدريس-"أرى أن المجتمع كله مسؤول.. لأن اللغة قضية مجتمعية عامة يشترك فيها الجميع "المؤسسات –الوزارات –الجمعيات-الجامعات –المدارس"
ولا ننسى الدور السلبي أحيانا لبعض الجهات الحريصة في هذا المجال.. فقد يؤدي الحرص على اللغة إلى التنفير منها.. وهنا أذكر أنه في الثمانينيات كان هناك برنامج لغوي في التلفزيون السوري يقدمه" يوسف الصيداوي" وأذكر أيضا أن الناس كانوا وقت إذاعة هذا البرنامج يغيرون المحطة أو يطفؤون الجهاز وذلك لأنه كان يتحدث بلغة ديناصورية منقرضة لا يفهمها إلا الراسخون في علم المستحثات.. والعكس صحيح إذا نظرنا إلى دور الأدباء في تحبيب اللغة إلى أبنائها... ولكن ما الجدوى من كتاباتهم إذا كان الجمهور لا يقدم على قراءة كتاب أو حضور أمسية..؟ فجراد الأمية يفتك بالأخضر واليابس.. نسبة الأمية"70مليون عربي" عدا الأمية الثقافية التي تتجاوز هذا العدد بكثير.. فالمطالعة شبه معدومة والأمسيات الثقافية" يتيم على مائدة اللئام.." أذكر مرة أني توجهت إلى" خور فكان" لحضور أمسية شعرية لمجموعة من الشعراء.. منهم: الإماراتي إبراهيم إبراهيم.. واللبناني شوقي بزيع..... كنت أنا الجمهور الوحيد.. وألغيت الأمسية.. لكن رجوتهم أن يقرؤوا قصائدهم في إدارة المكتبة وهذا ما حصل.... ومثل هذه الحكاية تتكرر في عاصمة الثقافة العربية لهذا العام" دمشق" فعدد الحضور قليل جد. وهذا يدل على أن الشعر لم يعد ديوان العرب..لأن الجمهور يفرغ طاقاته في حياة استهلاكية أو عدمية في أجواء موبوءة من كافة النواحي الأخرى.. وأستطيع القول: إن الثقافة آخر ما يفكر به الإنسان العربي.. واللغة العربية الفصحى هي أهم وجوه هذه الثقافة التي تبدو غريبة عنه إلى حد سخريته من المثقفين الذين يعيشون في الدرك الأسفل من السلم الاجتماعي.. بسسب أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية المزرية....
إن اللغة العربية كائن حي يحتاج إلى رعاية وري.. وهذا يتطلب أن يتحول المجتمع كله إلى ورشة عمل أو" ورشة أمل" في سبيل رفع سويةهذه اللغة التي تفقد مكانها ومكانتها وبريقها يوما بعد يوم.. وإلا فإنها ستبقى حبيسة بطون الكتب والمتاحف.. إنها الآن تخطو" خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف" وستستيقظ من سباتها الكهفي ذات يوم لتر ى قطار الحياة قد فاتها... و"لا ساعة مندم"
إن مستقبل هذه اللغة لا يبشربالخيرعلى الرغم من التفاؤل الذي يبديه البعض لأ ن النيات الطيبة غير كافية لتغيير العالم..
إن أكبر النظريات اللغوية لا تساوي شيئا أمام تجربة الحياة.. وقد قال أحد الفلاسفة: "النظرية رمادية ولكن شجرة الحياة خضراء"
نعم..." حافظ إبراهيم" قال بلسان اللغة العربية إنها بحر لجي لجب.. ولكن ما فائدة هذا البحر إذا لكم يكن هنالك من يتقن السباحة والغوص في أعماقها السحيقة لاستخراج اللؤلؤ المكنون...؟؟ لا بل كل يغني على ليلاه... وليلى في العراق مريضة...
إن موضوع اللغة شائك وعويص.. وليس هنالك إلا جهود فردية داعية للاهتمام بها وهي جهود لا تغني ولا تسمن..فيد واحدة لا تصفق.. ووردة واحدة لا تصنع ربيعا..
كيف يمكن لي أن أتفاءل بستقبل اللغة وكل المستقبلات الأخرى..؟؟؟؟ وأنا أرى أن المثقف في الحضيض من كل شيء.. وحده الذي أمه دعت له في صلواتها هاجر إلى بلاد الله الواسعة على طريقة الصعلوك" الشنفرى" الذي قال لقومه:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل
ولي دونكم أهلون: سيد عملس وأرقط زغلول وعرفاء جيئل
وهذا الأمر يحولنا إلى مسألة أخرى لا تقل شأنا وخطورة عن مسألة اللغة.. ألا وهي مسألة هجرة العقول..وما أدراك ما هجرة العقول ..!؟
كلما دار حديث حول اللغة العربية الفصحى وشؤونها وشجونها تبادر إلى ذهني قصيدة "حافظ إبراهيم "الناطقة باسم هذه اللغة القائلة عن نفسها إلى حد الغرور:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي ؟؟؟ هذه القصيدة نشرها الشاعر منذ أكثر من قرن" سنة1903"وفيها يبدي حرصه الشديد عليها ويبين أهميتها وضرورة حمايتها من كل غريب دخيل.. وينبغي ألا ننسى أن هذه اللغة تعرضت إلى أعاصير كثيرة تكسرت فيها أغصان وتمزقت أوراق.. لكن الجذور ظلت راسخة متينة.. فالعثمانيون حاولوا تتريك المنطقة مئات السنوا ت ثم جروا ذيول الخيبة.. وكذلك فعل الفرنسيون في الجزائر أكثر من مئة عام... إذا من حق شاعر النيل أن يحترم لغته التي لم تستسلم لغاز أثيم..
لكن لو نظرنا إلى حالها الآن لرأينا أنها تعاني من بني جلدتها أكثر من الأقوام الغرباء الذين ناصبوها العداء.. فهي تعيش في محيط معاد ويبدو أنه لا قدرة لها على الصمود والتصدي.. ورد كيد المعتدي... ترى من هم أعداء اللغة العربية الفصحى الآن؟؟ إنهم:
اللهجة العامية التي تكتسح الساحة طولا وعرضا.. ولا من يحاسب أو يدق ناقوس الخطر لا سيما إذا عرفنا أنها لغة الجامعات والمدارس فمن خلال تجربتي في تدريس هذه اللغة أرى العجب العجاب ..طلاب غير مهتمين بأمرها إلا خلال الحصة الدرسية.. وذلك بعد رجاءات وتبويس لحى.. وينتهي أمرها بانتهاء هذه الحصة .كما إن سائر المواد تدرس بالعاميات المختلفة......... حيث يرى الطالب نفسه ضائعا في" حيص بيص" ولا يعرف ما الصحيح..؟ بالإضافة إلى العامية هناك اللغة الإنكليزية التي بدأت تحتل مكانة أعلى من العربية لا سيما أن شروط الجامعات "تعجيزية"سيبا-توفل-ايلتس الخ"وذلك بدعوى أن الانكليزية لغة العصر والمستقبل"التكنولوجيا-الحاسوب" إذا...من يتحمل مسؤولية تهميش العربية في عقر دارها..؟ سؤال من الصعب الإجابة عنه.. ولا ننسى أن عوامل الجذب والتشويق شبه معدومة في ترغيب الطالب في لغته "مناهج-طرق تدريس-"أرى أن المجتمع كله مسؤول.. لأن اللغة قضية مجتمعية عامة يشترك فيها الجميع "المؤسسات –الوزارات –الجمعيات-الجامعات –المدارس"
ولا ننسى الدور السلبي أحيانا لبعض الجهات الحريصة في هذا المجال.. فقد يؤدي الحرص على اللغة إلى التنفير منها.. وهنا أذكر أنه في الثمانينيات كان هناك برنامج لغوي في التلفزيون السوري يقدمه" يوسف الصيداوي" وأذكر أيضا أن الناس كانوا وقت إذاعة هذا البرنامج يغيرون المحطة أو يطفؤون الجهاز وذلك لأنه كان يتحدث بلغة ديناصورية منقرضة لا يفهمها إلا الراسخون في علم المستحثات.. والعكس صحيح إذا نظرنا إلى دور الأدباء في تحبيب اللغة إلى أبنائها... ولكن ما الجدوى من كتاباتهم إذا كان الجمهور لا يقدم على قراءة كتاب أو حضور أمسية..؟ فجراد الأمية يفتك بالأخضر واليابس.. نسبة الأمية"70مليون عربي" عدا الأمية الثقافية التي تتجاوز هذا العدد بكثير.. فالمطالعة شبه معدومة والأمسيات الثقافية" يتيم على مائدة اللئام.." أذكر مرة أني توجهت إلى" خور فكان" لحضور أمسية شعرية لمجموعة من الشعراء.. منهم: الإماراتي إبراهيم إبراهيم.. واللبناني شوقي بزيع..... كنت أنا الجمهور الوحيد.. وألغيت الأمسية.. لكن رجوتهم أن يقرؤوا قصائدهم في إدارة المكتبة وهذا ما حصل.... ومثل هذه الحكاية تتكرر في عاصمة الثقافة العربية لهذا العام" دمشق" فعدد الحضور قليل جد. وهذا يدل على أن الشعر لم يعد ديوان العرب..لأن الجمهور يفرغ طاقاته في حياة استهلاكية أو عدمية في أجواء موبوءة من كافة النواحي الأخرى.. وأستطيع القول: إن الثقافة آخر ما يفكر به الإنسان العربي.. واللغة العربية الفصحى هي أهم وجوه هذه الثقافة التي تبدو غريبة عنه إلى حد سخريته من المثقفين الذين يعيشون في الدرك الأسفل من السلم الاجتماعي.. بسسب أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية المزرية....
إن اللغة العربية كائن حي يحتاج إلى رعاية وري.. وهذا يتطلب أن يتحول المجتمع كله إلى ورشة عمل أو" ورشة أمل" في سبيل رفع سويةهذه اللغة التي تفقد مكانها ومكانتها وبريقها يوما بعد يوم.. وإلا فإنها ستبقى حبيسة بطون الكتب والمتاحف.. إنها الآن تخطو" خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف" وستستيقظ من سباتها الكهفي ذات يوم لتر ى قطار الحياة قد فاتها... و"لا ساعة مندم"
إن مستقبل هذه اللغة لا يبشربالخيرعلى الرغم من التفاؤل الذي يبديه البعض لأ ن النيات الطيبة غير كافية لتغيير العالم..
إن أكبر النظريات اللغوية لا تساوي شيئا أمام تجربة الحياة.. وقد قال أحد الفلاسفة: "النظرية رمادية ولكن شجرة الحياة خضراء"
نعم..." حافظ إبراهيم" قال بلسان اللغة العربية إنها بحر لجي لجب.. ولكن ما فائدة هذا البحر إذا لكم يكن هنالك من يتقن السباحة والغوص في أعماقها السحيقة لاستخراج اللؤلؤ المكنون...؟؟ لا بل كل يغني على ليلاه... وليلى في العراق مريضة...
إن موضوع اللغة شائك وعويص.. وليس هنالك إلا جهود فردية داعية للاهتمام بها وهي جهود لا تغني ولا تسمن..فيد واحدة لا تصفق.. ووردة واحدة لا تصنع ربيعا..
كيف يمكن لي أن أتفاءل بستقبل اللغة وكل المستقبلات الأخرى..؟؟؟؟ وأنا أرى أن المثقف في الحضيض من كل شيء.. وحده الذي أمه دعت له في صلواتها هاجر إلى بلاد الله الواسعة على طريقة الصعلوك" الشنفرى" الذي قال لقومه:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل
ولي دونكم أهلون: سيد عملس وأرقط زغلول وعرفاء جيئل
وهذا الأمر يحولنا إلى مسألة أخرى لا تقل شأنا وخطورة عن مسألة اللغة.. ألا وهي مسألة هجرة العقول..وما أدراك ما هجرة العقول ..!؟