دهام حسن
05-09-2009, 12:48 PM
سبق لي أن تناولت العولمة كمفهوم ومصطلح في مقال فائت، لذلك لن أعود إليها هنا بالتعريف من جديد، كما لن أتطرق إلى الجانب الثقافي في العولمة، طالما وقفت على هذا الجانب بشيء من التوسع، علما أن المقالة كانت قد نزلت تحت عنوان (العولمة والثقافة).. سوف أتجاوز كل هذا في مقالتي هذه، وسأقف عند قضايا وأفكار، أثارها بعض المفكرين في مسألة العولمة، وما يتمخض عنها...
ثمة رؤية ماركسية، من الأهمية بمكان التذكير بها، هذه الرؤية ترى في النشاط التجاري، وتوسيع مداها العالمي من الأسباب التي ساهمت وسارعت في انزياح الإقطاع وبالتالي في أفوله؛ وهنا التقت الصناعة الناشئة، والتجارة النشطة، في مبنى تشاركي لعولمة الرأسمالية بوتائر أسرع، فضلا عن مجموعات شاركت في الرأسمال، وأسست لشركات متعددة الجنسية تتجاوز الأطر القومية الضيقة بمفهومها، لتنطلق إلى فضاء عالمي متسع، تتخذه سوقا عالمية. مع ملاحظة أن بعض الدول قد لاذت، وانزوت لحماية نفسها، وبالتالي تلافي التكيف السلبي، كان لا بد لها أولا أن تتحكم بالمستوردات عبر التقييدات وفرض الضرائب عليها، وعدم الانسياق خلف العولمة هكذا، دون معرفة ودراية إلى أين تتجه العولمة..
ولكي لا تتخلف تلك الدول عن الركب الحضاري والصناعي خاصة، ولا تظل في عربة الماضي في حالة خمول، عمدت إلى بث النشاط في القطاع الصناعي ضمن الإطار القومي، باتباع سياسة ترسمها الدولة، دون دفعها للتسارع الاعتباطي غير المدروس والمتخيل. ظنا منها أنها قادرة لبلوغ مستوى إنتاجية الدول الكبرى المتقدمة في التنمية الاقتصادية والتصنيع، وهذا متعذر إن لم يكن من المحال، أي دون الانزلاق نحو التكيف السلبي من دون مقاومة أمام هذا المد العولمي، وهذه المقاومة تتمثل في اتباع سياسة اقتصادية مدروسة كما نوهنا...
إن نزوع العولمة نحو العالمية أمر منطقي، بل يكمن ذلك في طبيعتها الانتشارية، نظرا لما تتميز العولمة من انفتاح كلي في الوقت الراهن أمام حركة البضائع، وتدفق الرأسمال، وانتشار وتوسع الاستثمارات، وتدفق السيولة، وتوافر الأيدي العاملة.. وسواها من الأنشطة العديدة التي تتمتع بها العولمة وتتميز بها ...
إن خير معرفة بطبيعة العولمة هو تعريف لرئيس مجموعة الشركات الاستثمارية في سويسرا إذ يقول: (هي حرية كل شركة في مجموعتي في الاستثمار حيث ومتى تشاء، وإنتاج ما تريده، وشراء وبيع ما تريده، مع تحمل الحد الأدنى من إرغامات، يفرضها التشريع الاجتماعي) هذه الميزة للعولمة، الحرية دون حدود في الاستثمار والإنتاج والبيع والشراء والتنصل من الضرائب والتقييدات التشريعية الأخرى، هي نفسها السياسات الاقتصادية لليبرالية الجديدة، الهادفة إلى تحطيم جميع الحواجز التي تعترض طريقها، أي ابتغاء الحرية المطلقة، أو أقل ما يمكن من التقييدات القانونية، والتشريعات الاجتماعية، في حال تعذر التحرر الكامل. فالليبرالية تذهب باتجاه الضغط على الدولة للتحرر من كثير من التزاماتها..
في هذا السياق فالرأسمال العالمي للعولمة، والمنطق القومي للدولة، لا بد لهما أيضا أن يتعارضا، ويصطدما ومن ثم يفترق أحدهما عن الآخر، فيغادر الرأسمال العولمي الرقعة الجغرافية للدولة، حيث تراها ضيقة محدودة الحيّز، بحثا عن خريطة جغرافية واسعة لا تحدها حواجز حدودية، ولا تقييدات تشريعية، وهذا المنحى نفسه تسلكه الليبرالية، وتنظّر له، لكن هذا النزوع أو الميل نحو العالمية لم تؤت أكلها في بعض البلدان الكبرى، حيث ما يزال التنسيق بين المجموعات المالية، وبين الدولة القومية في كثير من الخدمات والمشاريع الاستثمارية هو السائد، فغالبية الشركات تبقى منغرسة في بلدانها لا تبارحها، فقد جاء تحرك الشركات متعددة الجنسية خارج الأطر القومية بأقل مما تنبأ به بعض أنصار ومنظري العولمة، بل ظلت أكثر انغراسا في بلدانها، فإغراء اليد العاملة الرخيصة غير كاف، ثمة عناصر أخرى عديدة تحول دون هذه الانطلاقة، مثلا تأهيل الكفاءات، الخدمات اللازمة كالنقل والمواصلات، فضلا عن تشريعات البلد المضيف، علاوة على التدخلات الكثيرة، ومن جانب جهات عديدة؛ وأيضا صعوبة التحكم المباشر بالمشاريع، والتواصل ومراقبة الأنشطة الاستثمارية في مكان العمل من بعيد، ويبدو حسابيا أن النتيجة لدى هؤلاء كما توهموا، لم تأت بالمردود المرجو والمأمول ...
لكن، بعد كل هذه الإرهاصات، ورغم ما قلناه لا بد أن ينكمش دور الدولة، لما تمارسه تلك المجموعات المالية من ضغوطات لتحجيم دور (دولة الرعاية) وممارسة الضغط على الدولة من أولى مهامها، بل هو من أهم الأولويات على الإطلاق، بالرغم من المقاومات الاجتماعية، والجماهيرية الواسعة، والتي رأينا زخمها في كبريات مدن العالم، معارضة لمرامي تلك المجموعات المعولمة، والتي سميت بالعولمة المعارضة، وما زال الصراع مستمرا..
بالتزامن وبالترافق مع العولمة، تتوسع سلطة بعض المؤسسات الدولية، المالية منها خاصة، كمؤسسة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، فهذه المؤسسات المالية، تشترط على الدول المشمولة بقروضها سياسة اقتصادية متفق حولها عبر إيعازات، أو إسداء النصح، وعقد اتفاقات، بل ربما اقتضى الأمر أكثر من ذلك، فقد يصل الأمر إلى المراقبة والتدخل وحتى فرض العقوبات، حتى لو تعارضت مثل هذه الإجراءات قوانين وتشريعات البلد المعني، أي التدخل السافر في الشؤون القومية.. حتى أنها تتدخل في التشريعات القانونية التي تمس النظام التقاعدي، للخروج بنظام تقاعدي عن طريق استبدال التأمين الخاص بتأمين الأنظمة التقاعدية، التي تراها هي إنها الأنسب.. وهنا يتضرر المحال إلى التقاعد كثيرا، فهم يثيرون هذا دون أن يشيروا إلى تدني مستويات الرواتب في الأنظمة التي يمارسون عليها الضغوطات، ولا يطالبون بوجوب رفعها للأجور إلى حدود مقبولة، أي أن همهم أنظمتهم القانونية، بما تـدرّ لهم من حسابات مالية، وليس مكابدة الناس ومعاناتهم...
ثمة رأي تحليلي متماسك عن العولمة، يشير إلى أربع خصائص تتميز بها العولمة، بل ربما تنفرد بها...ــ1ــ تزايد حركة الاستثمارات، وعلى النطاق الدولي ــ 2 ــ بروز شركات تتحكم في إنتاجيتها، وفق مقاييس تخططها تلك الشركات ــ3ــ تدفق السيولة المالية والتحكم في المردودية ــ4ــ فقدان الدولة الكثير من هيمنتها وتحكمها وسيادتها...
من الملاحظ أيضا، أن هذه الشركات يخف ارتباطها بأسسها القومية، فتتقوض تلك الأسس أو تلك العلاقات والروابط نسبيا، أمام لبرلة رؤوس الأموال المتدفقة من شركات عديدة، لاسيما من الدول النفطية، والمودعة في مصارف وبنوك البلدان المتقدمة اقتصاديا وصناعيا، حيث تستثمرها شركات عابرة للحدود القومية وفق سياساتها المالية، والاقتصادية، والسياسية على العموم..
في الختام لا بد من التنويه لأمر مهم، وهو حال الناس ، أو موقفهم من العولمة في الأنظمة الشمولية، فإذا كان ما يكابده الإنسان في دولته القومية هو الفقر والقمع والإقصاء.. فكأن لسان حاله يقول ما الذي سأخسره بعـد في العولمة.!؟ طالما الطوفان يغرقنا جميعا، بل ربما ابتهج وتهلل لها، بل ربما هو استفاد من طلائع العولمة، كالثقافة، والصحة ووسائل التسلية والراحة، وهذا التواصل بين الشعوب...
إن مواجهة العولمة لا تكون بالاستبداد والتحكم بالشعب، ولا بالانغلاق، بل تكون بحرية الشعوب، وحكمهم لذاتهم، فعندما تكون الحكومة منتخبة ديمقراطيا، معنى هذا أن لديها مؤسسات تنفيذية وتشريعية تمثل شعبها، في هذي الحال، يمكن للحكومة ملاقاة العولمة ومواجهتها بمسؤولية واقتدار، لأنها في هذي الحال تكون ممثلة فعلا لمواطنيها..
إن السياسة المجدية لهكذا دول، تكون في السعي والاستجابة السريعة لتلبية الحاجات الأساسية لمواطنيها، والتوجه نحو برنامج تنموي، اقتصادي بشري، وتوظيف الموارد في المشاريع الإنتاجية.. كذلك لا بد من التحكم العقلاني في السياسة الاقتصادية، لا بد من ترشيد التجارة الخارجية، والعمل على نظام ضريبي غير موجع، أي غير مؤثر لدخل المواطن ومعيشته، لا بد من العمل على نهضة البلد بخطوات محسوبة؛ ومن المهم جدا توزيع العوائد إلى السكان بشكل عادل...
وقبل كل هذا وذاك لا بد أن يشعر المواطن بحريته وبكرامته، غير خائف من عسس الليل أن يقتحموا داره بغتة، يتمتع بوضع مريح معيشيا...عندها يمكن له أن يواجه العولمة بوعي ومعرفة، ثم يتخذ موقفا ينسجم مع قناعاته ومصلحته، ومصلحة البلد الذي يعيش فيه ويستظل خيمته، طالما أنه ينعم بخيرات وطنه، ويحق له بالتالي أن يقول، أنه يعيش في دولة الرفاه، فيستوجب على المواطن حينها تحصين الدولة لدوام الرفاهية عليه وعلى الجميع.....
دهام حسن
ثمة رؤية ماركسية، من الأهمية بمكان التذكير بها، هذه الرؤية ترى في النشاط التجاري، وتوسيع مداها العالمي من الأسباب التي ساهمت وسارعت في انزياح الإقطاع وبالتالي في أفوله؛ وهنا التقت الصناعة الناشئة، والتجارة النشطة، في مبنى تشاركي لعولمة الرأسمالية بوتائر أسرع، فضلا عن مجموعات شاركت في الرأسمال، وأسست لشركات متعددة الجنسية تتجاوز الأطر القومية الضيقة بمفهومها، لتنطلق إلى فضاء عالمي متسع، تتخذه سوقا عالمية. مع ملاحظة أن بعض الدول قد لاذت، وانزوت لحماية نفسها، وبالتالي تلافي التكيف السلبي، كان لا بد لها أولا أن تتحكم بالمستوردات عبر التقييدات وفرض الضرائب عليها، وعدم الانسياق خلف العولمة هكذا، دون معرفة ودراية إلى أين تتجه العولمة..
ولكي لا تتخلف تلك الدول عن الركب الحضاري والصناعي خاصة، ولا تظل في عربة الماضي في حالة خمول، عمدت إلى بث النشاط في القطاع الصناعي ضمن الإطار القومي، باتباع سياسة ترسمها الدولة، دون دفعها للتسارع الاعتباطي غير المدروس والمتخيل. ظنا منها أنها قادرة لبلوغ مستوى إنتاجية الدول الكبرى المتقدمة في التنمية الاقتصادية والتصنيع، وهذا متعذر إن لم يكن من المحال، أي دون الانزلاق نحو التكيف السلبي من دون مقاومة أمام هذا المد العولمي، وهذه المقاومة تتمثل في اتباع سياسة اقتصادية مدروسة كما نوهنا...
إن نزوع العولمة نحو العالمية أمر منطقي، بل يكمن ذلك في طبيعتها الانتشارية، نظرا لما تتميز العولمة من انفتاح كلي في الوقت الراهن أمام حركة البضائع، وتدفق الرأسمال، وانتشار وتوسع الاستثمارات، وتدفق السيولة، وتوافر الأيدي العاملة.. وسواها من الأنشطة العديدة التي تتمتع بها العولمة وتتميز بها ...
إن خير معرفة بطبيعة العولمة هو تعريف لرئيس مجموعة الشركات الاستثمارية في سويسرا إذ يقول: (هي حرية كل شركة في مجموعتي في الاستثمار حيث ومتى تشاء، وإنتاج ما تريده، وشراء وبيع ما تريده، مع تحمل الحد الأدنى من إرغامات، يفرضها التشريع الاجتماعي) هذه الميزة للعولمة، الحرية دون حدود في الاستثمار والإنتاج والبيع والشراء والتنصل من الضرائب والتقييدات التشريعية الأخرى، هي نفسها السياسات الاقتصادية لليبرالية الجديدة، الهادفة إلى تحطيم جميع الحواجز التي تعترض طريقها، أي ابتغاء الحرية المطلقة، أو أقل ما يمكن من التقييدات القانونية، والتشريعات الاجتماعية، في حال تعذر التحرر الكامل. فالليبرالية تذهب باتجاه الضغط على الدولة للتحرر من كثير من التزاماتها..
في هذا السياق فالرأسمال العالمي للعولمة، والمنطق القومي للدولة، لا بد لهما أيضا أن يتعارضا، ويصطدما ومن ثم يفترق أحدهما عن الآخر، فيغادر الرأسمال العولمي الرقعة الجغرافية للدولة، حيث تراها ضيقة محدودة الحيّز، بحثا عن خريطة جغرافية واسعة لا تحدها حواجز حدودية، ولا تقييدات تشريعية، وهذا المنحى نفسه تسلكه الليبرالية، وتنظّر له، لكن هذا النزوع أو الميل نحو العالمية لم تؤت أكلها في بعض البلدان الكبرى، حيث ما يزال التنسيق بين المجموعات المالية، وبين الدولة القومية في كثير من الخدمات والمشاريع الاستثمارية هو السائد، فغالبية الشركات تبقى منغرسة في بلدانها لا تبارحها، فقد جاء تحرك الشركات متعددة الجنسية خارج الأطر القومية بأقل مما تنبأ به بعض أنصار ومنظري العولمة، بل ظلت أكثر انغراسا في بلدانها، فإغراء اليد العاملة الرخيصة غير كاف، ثمة عناصر أخرى عديدة تحول دون هذه الانطلاقة، مثلا تأهيل الكفاءات، الخدمات اللازمة كالنقل والمواصلات، فضلا عن تشريعات البلد المضيف، علاوة على التدخلات الكثيرة، ومن جانب جهات عديدة؛ وأيضا صعوبة التحكم المباشر بالمشاريع، والتواصل ومراقبة الأنشطة الاستثمارية في مكان العمل من بعيد، ويبدو حسابيا أن النتيجة لدى هؤلاء كما توهموا، لم تأت بالمردود المرجو والمأمول ...
لكن، بعد كل هذه الإرهاصات، ورغم ما قلناه لا بد أن ينكمش دور الدولة، لما تمارسه تلك المجموعات المالية من ضغوطات لتحجيم دور (دولة الرعاية) وممارسة الضغط على الدولة من أولى مهامها، بل هو من أهم الأولويات على الإطلاق، بالرغم من المقاومات الاجتماعية، والجماهيرية الواسعة، والتي رأينا زخمها في كبريات مدن العالم، معارضة لمرامي تلك المجموعات المعولمة، والتي سميت بالعولمة المعارضة، وما زال الصراع مستمرا..
بالتزامن وبالترافق مع العولمة، تتوسع سلطة بعض المؤسسات الدولية، المالية منها خاصة، كمؤسسة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، فهذه المؤسسات المالية، تشترط على الدول المشمولة بقروضها سياسة اقتصادية متفق حولها عبر إيعازات، أو إسداء النصح، وعقد اتفاقات، بل ربما اقتضى الأمر أكثر من ذلك، فقد يصل الأمر إلى المراقبة والتدخل وحتى فرض العقوبات، حتى لو تعارضت مثل هذه الإجراءات قوانين وتشريعات البلد المعني، أي التدخل السافر في الشؤون القومية.. حتى أنها تتدخل في التشريعات القانونية التي تمس النظام التقاعدي، للخروج بنظام تقاعدي عن طريق استبدال التأمين الخاص بتأمين الأنظمة التقاعدية، التي تراها هي إنها الأنسب.. وهنا يتضرر المحال إلى التقاعد كثيرا، فهم يثيرون هذا دون أن يشيروا إلى تدني مستويات الرواتب في الأنظمة التي يمارسون عليها الضغوطات، ولا يطالبون بوجوب رفعها للأجور إلى حدود مقبولة، أي أن همهم أنظمتهم القانونية، بما تـدرّ لهم من حسابات مالية، وليس مكابدة الناس ومعاناتهم...
ثمة رأي تحليلي متماسك عن العولمة، يشير إلى أربع خصائص تتميز بها العولمة، بل ربما تنفرد بها...ــ1ــ تزايد حركة الاستثمارات، وعلى النطاق الدولي ــ 2 ــ بروز شركات تتحكم في إنتاجيتها، وفق مقاييس تخططها تلك الشركات ــ3ــ تدفق السيولة المالية والتحكم في المردودية ــ4ــ فقدان الدولة الكثير من هيمنتها وتحكمها وسيادتها...
من الملاحظ أيضا، أن هذه الشركات يخف ارتباطها بأسسها القومية، فتتقوض تلك الأسس أو تلك العلاقات والروابط نسبيا، أمام لبرلة رؤوس الأموال المتدفقة من شركات عديدة، لاسيما من الدول النفطية، والمودعة في مصارف وبنوك البلدان المتقدمة اقتصاديا وصناعيا، حيث تستثمرها شركات عابرة للحدود القومية وفق سياساتها المالية، والاقتصادية، والسياسية على العموم..
في الختام لا بد من التنويه لأمر مهم، وهو حال الناس ، أو موقفهم من العولمة في الأنظمة الشمولية، فإذا كان ما يكابده الإنسان في دولته القومية هو الفقر والقمع والإقصاء.. فكأن لسان حاله يقول ما الذي سأخسره بعـد في العولمة.!؟ طالما الطوفان يغرقنا جميعا، بل ربما ابتهج وتهلل لها، بل ربما هو استفاد من طلائع العولمة، كالثقافة، والصحة ووسائل التسلية والراحة، وهذا التواصل بين الشعوب...
إن مواجهة العولمة لا تكون بالاستبداد والتحكم بالشعب، ولا بالانغلاق، بل تكون بحرية الشعوب، وحكمهم لذاتهم، فعندما تكون الحكومة منتخبة ديمقراطيا، معنى هذا أن لديها مؤسسات تنفيذية وتشريعية تمثل شعبها، في هذي الحال، يمكن للحكومة ملاقاة العولمة ومواجهتها بمسؤولية واقتدار، لأنها في هذي الحال تكون ممثلة فعلا لمواطنيها..
إن السياسة المجدية لهكذا دول، تكون في السعي والاستجابة السريعة لتلبية الحاجات الأساسية لمواطنيها، والتوجه نحو برنامج تنموي، اقتصادي بشري، وتوظيف الموارد في المشاريع الإنتاجية.. كذلك لا بد من التحكم العقلاني في السياسة الاقتصادية، لا بد من ترشيد التجارة الخارجية، والعمل على نظام ضريبي غير موجع، أي غير مؤثر لدخل المواطن ومعيشته، لا بد من العمل على نهضة البلد بخطوات محسوبة؛ ومن المهم جدا توزيع العوائد إلى السكان بشكل عادل...
وقبل كل هذا وذاك لا بد أن يشعر المواطن بحريته وبكرامته، غير خائف من عسس الليل أن يقتحموا داره بغتة، يتمتع بوضع مريح معيشيا...عندها يمكن له أن يواجه العولمة بوعي ومعرفة، ثم يتخذ موقفا ينسجم مع قناعاته ومصلحته، ومصلحة البلد الذي يعيش فيه ويستظل خيمته، طالما أنه ينعم بخيرات وطنه، ويحق له بالتالي أن يقول، أنه يعيش في دولة الرفاه، فيستوجب على المواطن حينها تحصين الدولة لدوام الرفاهية عليه وعلى الجميع.....
دهام حسن