المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معارض بالفطرة


علي خميس الفردان
01-18-2009, 11:13 AM
معارض بالفطرة

كانت أخبارا تقطع القلب وتدميه، إطلاعي على هذه الأخبار اليوم جعلني أتراجع وأتردد في الخروج من ظلمة سئمت البقاء فيها منذ وعيت لنفسي ، لا لسوء المقام فإن هدوء المكان ومخملية الأحشاء المبطنة بالدفء والمغمورة بالحنان تدفع المرء على البقاء ، لكني كنت مشتاقاُ إلى نور الحياة التي أدركتها بفطرتي ووعيتها بإحساسي فما يرد إلىَّ من مسموعات من خلف الحجب كانت تنبيء عن أن هناك عالم مثير وراقٍ يستحق أن أفارق الأمومة الحانية وأتطلع إلى مغرياته.

بلغني ذات يوم أني عربي النسب، فتملكني الغرور ودفعني ذلك إلى التباهي ، فكتب التاريخ لم تكن تكتب إلا عن مآثر أجدادي ، فشربت المقلب وصرت ألح على الخروج للانضواء تحت لوائهم ، وتحت وطأة الإلحاح هذه حصلت على إذن بالرحيل قبل موعدي المحدد.

كان كل شيء تهيأ لكي أخرج من أحشاء أمي ، وبدا الكل يستحثني على المضي في طريق سعادتي المزعومة ، وأنا أترقب تلك اللحظة وأتحمل الضغوطات التي تحاصرني من عضلات رحم أمي فتكاد تحطم عظامي الرقيقة ، فيما تتناهى آهاتها واستغاثاتها إلى مسامعي ، كنت أتألم لحالها ، لكن مشاعر السعادة بالخروج إلى عالم العروبة الفذ تهوِّن قلقي تجاه آلام أمي.. بل تجعلني رابط الجأش متصبرا..

حتى توقفت أمام شاشة عرض تلفزيونية في صالة المغادرة، فراعني منظر صور دامية لا تحصل حتى في الجحيم عوضا عن دار الدنيا، والمذيع يستعرض سيرة التخاذل المريرة منذ عام 48 من القرن الماضي وكأن الأجداد الشرفاء لم يحسنوا نقل الأمانة، حرب إبادة ، قذائف من كل شكل ونوع تمزق أحشاء الأطفال والنساء وتدك البيوت الطينية ، سالت الشوارع والطرقات بالدماء البريئة، فيما رأيت صور التخاذل تتفرج على صور البؤس، وأشلاء النساء والأطفال ترمقني بعين الغضب واليأس. تساءلت فكان الجواب: هؤلاء هم العرب كتبوا على أنفسهم الذلة والمسكنة.. بعكس حقائق الدين المشهورة.. نعم. عندها قررت مراجعة حساباتي ..

تباطأت في السير نحو المخرج كي أتمكن من التفكير في أمري إلا أن الضغوطات كانت قاسية ، بدأت أدفع في الاتجاه المعاكس بعد أن اكتشفت أني مخدوع ، ولما بدا أن الأمر أصبح صعب ، طلبت مقابلة مدير مصلحة الجنسية ، تعجب القوم من طلبي ، قلت : لا أريد أن أكون عربياُ ، أندهش الجميع من موقفي : الم تطلب بنفسك الخروج قبل الموعد المحدد؟؟ لقد تأخرت كثيرا وفات الأوان؟

صرت أتوسل لهم وأعبر بإصرار عن رغبتي في البقاء في رحم أمي .. لكن قهقهات القوم تعالت أكثر: هذه المرة الأولى التي يطلب فيها جنين البقاء عند المغادرة .. ما ذا دهاك؟ ليست لدينا صلاحية إبقائك ، فجميع أوراقك تثبت أنك عربي وأن ملف إقامتك هنا قد أغلق، أخرج وأرحنا من ضوضائك أيها العربي؟ صرت أتمسك بكل ما تقع عليه يدي: لن أخرج ... فالحياة هناك لا تشرفني .. قلتم في وسائلكم أن قومي أصحاب غيرة وحمية وأن قادتهم مغاوير وذوو شجاعة وإقدام وأنهم أباة الضيم ، وكل ما أراه اليوم يحكي عكس ذلك ، أنا مخدوع ، هل أنتم شركاء معهم؟ ، أعيدوني أو سأقتل نفسي ، سألف الحبل السري على عنقي ، فعلا لففته حول عنقي وبدأت اضغط ، ناديت فيهم سأموت لأرتاح من العار، قال أحدهم : وهذه جينة من مورثات العرب.

وما هي إلا لحظات حتى عمت حالة ذعر ، وسمعتهم يتنادون : الحقوا العربي فإنه يحاول الانتحار ، أبعدوه من هنا سريعا، خذوه إلى قومه إنه قدره. وما هي إلا لحظات حتى شقوا بطن أمي وأخرجوني إلى الحياة عنوة، وأنا استغيث : لا أرغب في حياة الذل، فصور العار والهوان ستلاحقني...

علي الفردان
18/1/2009

لطيفة الشابي
01-18-2009, 10:23 PM
الاخ الكريم والاديب المميز علي خميس الفردان
نص جميل يعكس مدى الاحباط الذي اصاب الامة
وقد استغربت كثيرا وانا اتطلع في هذه القصة او
في هذه الحادثة حيث وقع معي عين ما حدث معك
لولا فارق بسيط اذ شابت الذوائب مني بمجرد
نزولي للحياة
تحياتي وتقديري

ا

طلاع الزعيزع
01-18-2009, 11:13 PM
الاخ الرائع علي لن اعلق على ما كتبت هنا
فأنت اكبر من التعليق والحدث اكبر واكبر ...
فقط تقبل مروري .

علي خميس الفردان
01-19-2009, 12:05 AM
الاخ الكريم والاديب المميز علي خميس الفردان
نص جميل يعكس مدى الاحباط الذي اصاب الامة
وقد استغربت كثيرا وانا اتطلع في هذه القصة او
في هذه الحادثة حيث وقع معي عين ما حدث معك
لولا فارق بسيط اذ شابت الذوائب مني بمجرد
نزولي للحياة
تحياتي وتقديري

ا

أختي المهذبة ، لطيفة الشابي،
تحية من القلب لقلبك السليم،
نعم لقد أصبت فإن الإحباط في الشارع العربي بلغ أقصى مدى ممكن...
نعم لقد "اشبهت حالك حالي وحكى عذري عذرك ... " رحم الله إيليا أبو ماضي
"فمتى تنجو من الأسر وأنجو لست أدري..."
تقبلي أيتها العزيزة بالغ التحيات
أخوك
علي الفردان

علي خميس الفردان
01-19-2009, 12:08 AM
الاخ الرائع علي لن اعلق على ما كتبت هنا
فأنت اكبر من التعليق والحدث اكبر واكبر ...
فقط تقبل مروري .
الأستاذ المحترم
الشاعر طلال الزعيزع ، شكرا لحضورك المؤثر
ولا يرى الناس كبارا إلا الكبير
أعزك الله في قومك .. يا كبير.
تقبل خالص تحياتي
علي الفردان