علي خميس الفردان
01-06-2009, 06:33 PM
من شرفتها التي تطل على سوق تعج بالحركة وتغص بالنساء والرجال والأطفال، بين أناس يخترقون الزحام خوفاً من الفوت ونفاذ الموديلات الجديدة، وبين آخرين يتجادلون في حياء حول سعر هذه الثوب أو ذلك القميص طمعا في الحصول على تخفيض من بائع يجد موسم العيد فرصته في اصطياد أفضل الأسعار، وبين أفواج تعود محملة بالأكياس الملونة الزاهية تكاد أيديهم أن تقع وظهورهم تنحني من ثقل مشترياتهم يعلوهم البشر لا يكففن عن ذكر مباهج هذه الليلة المرتقبة.
سرحت بفكرها بالنساء المشغولات في منازلهن بالإعداد والاستعداد لصباح يوم حافل بالأنس والفرحة ، فبين ربة بيت قد قلبت بيتها رأسا على عقب تمسح الأرض وتنفض الزرابي وتعلق التحف والمصابيح الملونة، نجد أخرى قد انهمكت تعد ملابس أولادها وفساتين بناتها ، تستعرضهم تارة وتقايسهم تارة أخرى، وبين سيدة انشغلت بإعداد الكعك والحلوى وتهيئة المبخر وقناني العطر.
تتنهد طويلا وهي تنظر لأطفالها ، تراقب بقلبها المكلوم أطفال البلدة وقد أوصى كل والده بعيدية معتبرة، فالبعض يتوقع عشرة دنانير، وآخرون خمسة، والبعض ديناراً، كل بحسب مستواه ودخله، لم تغمض عيونهم في تلك الليلة من شدة الفرح يترقبون صباحا جميلا حافلا بعيديات الأهل والأقارب وأصدقاء العائلة.
الكل في فرحة غامرة ، إلا هي فقد استقبلت تلك الليلة بحزن وكآبة، كليلة فقدت فيها أبا محمود، ليلة تمنت لو تنشق الأرض فتبتلعها هي وطفليها. فهي لا تزال حديثة عهد بفقد زوجها صاحب التاكسي المحب الحنون المهذب صاحب السيرة العطرة المحبوب من قبل الجميع لدماثة خلقه وخفة دمّه ورحابة صدره وحبه للخير وتعاونه مع من يعرفه ومن لا يعرفه.
لقد ذهب إلى لقاء ربّه ولم يخلف وراءه إلا سيارة الأجرة ، التي رفضت أم محمود بيعها مهما كلف الثمن، فهي من ذكريات أبي محمود، وهي لا تحب أن ترى البيت خال منه ومن متعلقاته، فهي تذكرها وتذكر أطفالها به وتشعرهم بوجوده.
فأم محمود فتاة أبية النفس لم تتعدى الثلاثين ربيعا من عمرها، فهي على جمالها ورقتها ولطف معاملتها وحبّ جميع الجيران لها، لم تكن ترضى بعروض المحيطين لأنها تخشى المنّة وجرح الشعور والكرامة، فقد رفضت كل عروض الزواج من كرام أهل القرية، وترفعت عن كل الهبات والعطايا التي كانت تقدم لأيتامها. إلا أنها لم تتعرض لوضع مذل مهين في حياتها كما تعرضت له هذه الليلة. فلم يكن لديها في ليلة العيد هذه ما تلبسه لطفليها ريم ومحمود، لقد أفرغت كل ما في خزانة الملابس بحثاً عن قطعة لباس تناسبهم فلم تجد... بل تفاجأت أن جميع ملابسهم التي كان والدهم قد اشتراها لهما من قبل قد أمست قصيرة وضيقة ، تثير الشفقة والسخرية. حاولت جاهدة أن تصلح بعضها فلم تفلح.. فماذا تفعل؟؟
احتارت حيرة ما بعدها حيرة، فليس لديها ما تشتري به ، وقد قاربت عقارب الساعة أن تقف على العاشرة قبل منتصف الليل.. الطفلان يرقبان أمهما الحائرة ويوزعان نظرات القلق بينهما وبين أمهما التي لم تستطع أن تداري دموعها المنسكبة من شدة الحزن والألم اللذان يعتصران قلبها الرقيق... إذ باغتتها ريم بسؤال مفاجيء: لماذا تبكين ماما؟؟ فتجيب برباطة جأش: لا لا حبوبتي لا يا صغيرتي، أنا لا أبكي.. أنا أفكر .. فبادرها محمود: أنا أعرف ماما بم تفكرين.. أحرجها جواب محمود وخشيت أن يصيب عين الحقيقة فردت بارتباك شديد: لا يا حبيبي لا تدير بالاً.. سأحضر لكما ملابس العيد غداً .. ناما والصباح رباح..
اقترب الطفلان من أمهما، تعلقت ريم بصدرها وعقدت يديها حول بطن أمها وكأنها تخاف أن تهرب منها كما هرب عنها والدها بغتة.. وعيناها معلقتان في عين أمها.. فيما توسد محمود فخذ أمه المنهك.. وسرح بفكره بعيدا وكأنه يحمل هم هذه الأسرة التائهة.
أطرقت أم محمود إطراق من قلت حيلته.. ماذا أفعل يا ربّ؟ كيف أتصرف؟ هل من مخرج؟ من أين أحضر لهما ملابس العيد؟ كيف سيكون حالي غدا؟؟ تدحرجت على خدها النوراني دمعة كبيرة ساخنة ، تلتها دمعة فدمعة فدمعة.. حتى انهمر شلال دموع من مآقي عينيها الساحرتين.. كمت فمها لتحبس طوفان البكاء المنحصر في صدرها، فقد خنقتها العبرة.. دارت بطرفها يمينا ويساراً، حتى توقفت عيناها عند صورة المرحوم ، فباح قلبها الكسير وتحدثت عيناها بدلا من لسانها:آبا أحمد؟ لم تركتني هكذا في حيرتي وذهبت عني؟ ما كنت لأقع في هذا المأزق وأنت معي .. كنت تلفنا بعطفك وتغرقنا بحنانك وخيرك.. قل لي بالله عليك ماذا أفعل؟ لقد وعدتهما بملابس العيد غدا.. ولكنك تعلم أن ليس معي شيء.. كان ذلك غصبا عني، فلم يكن بيدي إلا أن أعدهما.. غدا سأبدو أمامها أما كذابة.. وأنا التي علمتهم الصدق والأمانة.. كيف أحتمل سماع أسئلتهما وهما يطلبان مني ملابس العيد.. كيف؟؟ ماذا سيحل بقلبيهما الكسيرين عندما يشاهدان أبناء عمومتهم والجيران بملابسهم الجديدة؟؟ إلهي أنقذني من هذه المأساة، فإن قلبي لا يقوى على حال كهذه.. هل أمدّ يدي؟ كلا كلا لن أمد يدي لمخلوق.. لم اعتد على هكذا حال. ظلت على هذا الحال غارقة في أفكارها حتى هوّمت عيناها بإغفاءة المتعب المنهك.
وبينا هي كذلك حتى أفزعها جرس الهاتف برنينه المتواصل .. خامرها شعور غريب .. من المتصل في هذا الوقت ، فقد شارفت الساعة على منتصف الليل.. تقدمت نحو الهاتف بحذر وخوف، ورفعت السماعة.. صمتت برهة وكأنها مصدومة، فقد كان محدثها رجل لم تأل جهدا لتتعرف صوته.. نعم إنه حسن، ذلك الرجل الذي كان قد حط عينه عليها من قبل لما كانت فتاة يافعة ، وظل يلاحقها كالظل يتمنى لو يحظى بها. لم تكن ليلى تستخف دمه ولا تستريح له ، وتمقت تتبعه لها في كل طريق بمضايقاته لها ، لم يكن في نظرها شابا محترما بل لعوبا. وتحسب انه لم يكن يرغب في الزواج منها بقدر ما كان يرغب في اللذة والتسلية. فقد كان كلما مرّ بها أمطرها بكلماته المنمقة المعسولة عن الحب والغرام.. لقد انقطع عن متابعتها بعد زواجها من أبي محمود.. ولكنها كانت قلقة بشأنه ، لا تأمن غوائله.
"ما الذي جاء بك اليوم يا حسن.. وماذا تريد يا ترى؟؟" كانت تحدث نفسها، عندما بادرها بالسؤال: ليلى؟ أنا حسن.. ألم تخمني صوتي؟؟ ردت بارتباك وتعب: نعم .. نعم.. ماذا تريد منا في هذا الوقت المتأخر من الليل؟؟ فأجاب بمكر: وهل هكذا نستقل الأصحاب يا ليلى؟؟ فردت بجفاء: هات ما عندك فلس لدينا أصحاب.. فأجاب بمكر: طيب طيب.. مسامحة .. أنا أتحدث معك وأنا أقف ببابكم.. لا تنزعجي لدي رسالة أريد أن أبلغها وأرحل..، فردت مستنكرة: رسالة؟ أي رسالة؟ فأجاب بصوت خافت: ملابس العيد لريم ومحمود.. فهما أبنائي ولا يمكن أن أنساهم في يوم كهذا.. أنا في انتظار أن تفتحي الباب وتستلمي العيدية..
انتاب ليلى ذهول مطبق وتملكتها حيرة عظيمة.. واكتنفتها كل الهواجس الطيبة والشريرة.. " لم هكذا يا ربّ؟ هل قدرت لي أن تحل مشكلتي على يد هذا السافل؟ لم يكن ينقصني سوى حسن!! هل أرتمي في أحضان غريمي، إنه يريد هذه الساعة التي أكون فيها في وضع ضعيف.. لقد اختار وقته المناسب.. لقد حسبتها يا حسن حسابا دقيقاً واخترت الساعة الحرجة.."
ماذا أفعل يا ربّ؟ إنه أفعى تريد أن تنقض علي لتنفث سمها في جسدي فتحيله رماداً.. يريدني أركع تحت قدميه وأقدم نفسي رخيصة له.. ولكن هي فرصة كي أصون وجهي أمام أطفالي.. وأخاف إن ضاعت لا تتكرر..طفلايَّ نائمان يحلمان بملابس العيد.. لقد وعدتهما وأنا أعلم أن ليس لدي ما أقدمه لهما.. وهذه الفرصة قد وصلت لحد الباب فهل اقبل؟؟ يا إلهي أكاد أضعف أمام هذا الموقف الصعب..
لا.. لا أريد أن اضعف أمامه.. ولكن لماذا لم يتذكرنا إلا هو من بين كل الناس؟ أين أصحاب أبي محمود؟ أين اللذين يحضرون موائدنا ويشاركونا كل فرح .. أين هم اليوم .. لماذا حسن فقط؟؟ ماذا سيحصل لو قبلت عرضه وحفظت ماء وجهي مع طفليّ؟ ماذا لو فتحت الباب .. يا إلهي لقد تأخرت عليه.. إنه يقرع الجرس المرة تلو الأخرى بإصرار ..
اقتربت ليلى من باب الحوش وكانت في حالة تردد وقلق شديدين .. كان الخوف والقلق يعصفان بها.. كانت تشعر بأن ركبتيها ستنزلقان .. وأن رعشة مهولة تعصف بمفاصلها وأعضائها.. بل شعرت بضغطها يرتفع وأنفاسها تتزايد.. كانت تقدم رجلا وتؤخر أخرى.. فتحت الباب بيد مرتعشة فوقعت عيناها على عين حسن.. فتسمرت وجفّ ريقها .. واسودت الدنيا بعينيها.. دارت حولها الأشياء بسرعة حتى شعرت بالتقيؤ..
مدّ حسن يده بكيس كبير نحوها وهو يبتسم.. إلا أنها لم تكن معه .. بل كانت تغالب حالة من الدوار الشديد.. وبنظرات زائغة غير مركزه انهارت ليلى مكانها..
31/10/2005
سرحت بفكرها بالنساء المشغولات في منازلهن بالإعداد والاستعداد لصباح يوم حافل بالأنس والفرحة ، فبين ربة بيت قد قلبت بيتها رأسا على عقب تمسح الأرض وتنفض الزرابي وتعلق التحف والمصابيح الملونة، نجد أخرى قد انهمكت تعد ملابس أولادها وفساتين بناتها ، تستعرضهم تارة وتقايسهم تارة أخرى، وبين سيدة انشغلت بإعداد الكعك والحلوى وتهيئة المبخر وقناني العطر.
تتنهد طويلا وهي تنظر لأطفالها ، تراقب بقلبها المكلوم أطفال البلدة وقد أوصى كل والده بعيدية معتبرة، فالبعض يتوقع عشرة دنانير، وآخرون خمسة، والبعض ديناراً، كل بحسب مستواه ودخله، لم تغمض عيونهم في تلك الليلة من شدة الفرح يترقبون صباحا جميلا حافلا بعيديات الأهل والأقارب وأصدقاء العائلة.
الكل في فرحة غامرة ، إلا هي فقد استقبلت تلك الليلة بحزن وكآبة، كليلة فقدت فيها أبا محمود، ليلة تمنت لو تنشق الأرض فتبتلعها هي وطفليها. فهي لا تزال حديثة عهد بفقد زوجها صاحب التاكسي المحب الحنون المهذب صاحب السيرة العطرة المحبوب من قبل الجميع لدماثة خلقه وخفة دمّه ورحابة صدره وحبه للخير وتعاونه مع من يعرفه ومن لا يعرفه.
لقد ذهب إلى لقاء ربّه ولم يخلف وراءه إلا سيارة الأجرة ، التي رفضت أم محمود بيعها مهما كلف الثمن، فهي من ذكريات أبي محمود، وهي لا تحب أن ترى البيت خال منه ومن متعلقاته، فهي تذكرها وتذكر أطفالها به وتشعرهم بوجوده.
فأم محمود فتاة أبية النفس لم تتعدى الثلاثين ربيعا من عمرها، فهي على جمالها ورقتها ولطف معاملتها وحبّ جميع الجيران لها، لم تكن ترضى بعروض المحيطين لأنها تخشى المنّة وجرح الشعور والكرامة، فقد رفضت كل عروض الزواج من كرام أهل القرية، وترفعت عن كل الهبات والعطايا التي كانت تقدم لأيتامها. إلا أنها لم تتعرض لوضع مذل مهين في حياتها كما تعرضت له هذه الليلة. فلم يكن لديها في ليلة العيد هذه ما تلبسه لطفليها ريم ومحمود، لقد أفرغت كل ما في خزانة الملابس بحثاً عن قطعة لباس تناسبهم فلم تجد... بل تفاجأت أن جميع ملابسهم التي كان والدهم قد اشتراها لهما من قبل قد أمست قصيرة وضيقة ، تثير الشفقة والسخرية. حاولت جاهدة أن تصلح بعضها فلم تفلح.. فماذا تفعل؟؟
احتارت حيرة ما بعدها حيرة، فليس لديها ما تشتري به ، وقد قاربت عقارب الساعة أن تقف على العاشرة قبل منتصف الليل.. الطفلان يرقبان أمهما الحائرة ويوزعان نظرات القلق بينهما وبين أمهما التي لم تستطع أن تداري دموعها المنسكبة من شدة الحزن والألم اللذان يعتصران قلبها الرقيق... إذ باغتتها ريم بسؤال مفاجيء: لماذا تبكين ماما؟؟ فتجيب برباطة جأش: لا لا حبوبتي لا يا صغيرتي، أنا لا أبكي.. أنا أفكر .. فبادرها محمود: أنا أعرف ماما بم تفكرين.. أحرجها جواب محمود وخشيت أن يصيب عين الحقيقة فردت بارتباك شديد: لا يا حبيبي لا تدير بالاً.. سأحضر لكما ملابس العيد غداً .. ناما والصباح رباح..
اقترب الطفلان من أمهما، تعلقت ريم بصدرها وعقدت يديها حول بطن أمها وكأنها تخاف أن تهرب منها كما هرب عنها والدها بغتة.. وعيناها معلقتان في عين أمها.. فيما توسد محمود فخذ أمه المنهك.. وسرح بفكره بعيدا وكأنه يحمل هم هذه الأسرة التائهة.
أطرقت أم محمود إطراق من قلت حيلته.. ماذا أفعل يا ربّ؟ كيف أتصرف؟ هل من مخرج؟ من أين أحضر لهما ملابس العيد؟ كيف سيكون حالي غدا؟؟ تدحرجت على خدها النوراني دمعة كبيرة ساخنة ، تلتها دمعة فدمعة فدمعة.. حتى انهمر شلال دموع من مآقي عينيها الساحرتين.. كمت فمها لتحبس طوفان البكاء المنحصر في صدرها، فقد خنقتها العبرة.. دارت بطرفها يمينا ويساراً، حتى توقفت عيناها عند صورة المرحوم ، فباح قلبها الكسير وتحدثت عيناها بدلا من لسانها:آبا أحمد؟ لم تركتني هكذا في حيرتي وذهبت عني؟ ما كنت لأقع في هذا المأزق وأنت معي .. كنت تلفنا بعطفك وتغرقنا بحنانك وخيرك.. قل لي بالله عليك ماذا أفعل؟ لقد وعدتهما بملابس العيد غدا.. ولكنك تعلم أن ليس معي شيء.. كان ذلك غصبا عني، فلم يكن بيدي إلا أن أعدهما.. غدا سأبدو أمامها أما كذابة.. وأنا التي علمتهم الصدق والأمانة.. كيف أحتمل سماع أسئلتهما وهما يطلبان مني ملابس العيد.. كيف؟؟ ماذا سيحل بقلبيهما الكسيرين عندما يشاهدان أبناء عمومتهم والجيران بملابسهم الجديدة؟؟ إلهي أنقذني من هذه المأساة، فإن قلبي لا يقوى على حال كهذه.. هل أمدّ يدي؟ كلا كلا لن أمد يدي لمخلوق.. لم اعتد على هكذا حال. ظلت على هذا الحال غارقة في أفكارها حتى هوّمت عيناها بإغفاءة المتعب المنهك.
وبينا هي كذلك حتى أفزعها جرس الهاتف برنينه المتواصل .. خامرها شعور غريب .. من المتصل في هذا الوقت ، فقد شارفت الساعة على منتصف الليل.. تقدمت نحو الهاتف بحذر وخوف، ورفعت السماعة.. صمتت برهة وكأنها مصدومة، فقد كان محدثها رجل لم تأل جهدا لتتعرف صوته.. نعم إنه حسن، ذلك الرجل الذي كان قد حط عينه عليها من قبل لما كانت فتاة يافعة ، وظل يلاحقها كالظل يتمنى لو يحظى بها. لم تكن ليلى تستخف دمه ولا تستريح له ، وتمقت تتبعه لها في كل طريق بمضايقاته لها ، لم يكن في نظرها شابا محترما بل لعوبا. وتحسب انه لم يكن يرغب في الزواج منها بقدر ما كان يرغب في اللذة والتسلية. فقد كان كلما مرّ بها أمطرها بكلماته المنمقة المعسولة عن الحب والغرام.. لقد انقطع عن متابعتها بعد زواجها من أبي محمود.. ولكنها كانت قلقة بشأنه ، لا تأمن غوائله.
"ما الذي جاء بك اليوم يا حسن.. وماذا تريد يا ترى؟؟" كانت تحدث نفسها، عندما بادرها بالسؤال: ليلى؟ أنا حسن.. ألم تخمني صوتي؟؟ ردت بارتباك وتعب: نعم .. نعم.. ماذا تريد منا في هذا الوقت المتأخر من الليل؟؟ فأجاب بمكر: وهل هكذا نستقل الأصحاب يا ليلى؟؟ فردت بجفاء: هات ما عندك فلس لدينا أصحاب.. فأجاب بمكر: طيب طيب.. مسامحة .. أنا أتحدث معك وأنا أقف ببابكم.. لا تنزعجي لدي رسالة أريد أن أبلغها وأرحل..، فردت مستنكرة: رسالة؟ أي رسالة؟ فأجاب بصوت خافت: ملابس العيد لريم ومحمود.. فهما أبنائي ولا يمكن أن أنساهم في يوم كهذا.. أنا في انتظار أن تفتحي الباب وتستلمي العيدية..
انتاب ليلى ذهول مطبق وتملكتها حيرة عظيمة.. واكتنفتها كل الهواجس الطيبة والشريرة.. " لم هكذا يا ربّ؟ هل قدرت لي أن تحل مشكلتي على يد هذا السافل؟ لم يكن ينقصني سوى حسن!! هل أرتمي في أحضان غريمي، إنه يريد هذه الساعة التي أكون فيها في وضع ضعيف.. لقد اختار وقته المناسب.. لقد حسبتها يا حسن حسابا دقيقاً واخترت الساعة الحرجة.."
ماذا أفعل يا ربّ؟ إنه أفعى تريد أن تنقض علي لتنفث سمها في جسدي فتحيله رماداً.. يريدني أركع تحت قدميه وأقدم نفسي رخيصة له.. ولكن هي فرصة كي أصون وجهي أمام أطفالي.. وأخاف إن ضاعت لا تتكرر..طفلايَّ نائمان يحلمان بملابس العيد.. لقد وعدتهما وأنا أعلم أن ليس لدي ما أقدمه لهما.. وهذه الفرصة قد وصلت لحد الباب فهل اقبل؟؟ يا إلهي أكاد أضعف أمام هذا الموقف الصعب..
لا.. لا أريد أن اضعف أمامه.. ولكن لماذا لم يتذكرنا إلا هو من بين كل الناس؟ أين أصحاب أبي محمود؟ أين اللذين يحضرون موائدنا ويشاركونا كل فرح .. أين هم اليوم .. لماذا حسن فقط؟؟ ماذا سيحصل لو قبلت عرضه وحفظت ماء وجهي مع طفليّ؟ ماذا لو فتحت الباب .. يا إلهي لقد تأخرت عليه.. إنه يقرع الجرس المرة تلو الأخرى بإصرار ..
اقتربت ليلى من باب الحوش وكانت في حالة تردد وقلق شديدين .. كان الخوف والقلق يعصفان بها.. كانت تشعر بأن ركبتيها ستنزلقان .. وأن رعشة مهولة تعصف بمفاصلها وأعضائها.. بل شعرت بضغطها يرتفع وأنفاسها تتزايد.. كانت تقدم رجلا وتؤخر أخرى.. فتحت الباب بيد مرتعشة فوقعت عيناها على عين حسن.. فتسمرت وجفّ ريقها .. واسودت الدنيا بعينيها.. دارت حولها الأشياء بسرعة حتى شعرت بالتقيؤ..
مدّ حسن يده بكيس كبير نحوها وهو يبتسم.. إلا أنها لم تكن معه .. بل كانت تغالب حالة من الدوار الشديد.. وبنظرات زائغة غير مركزه انهارت ليلى مكانها..
31/10/2005