محمد بروحو
12-09-2008, 08:04 PM
سأكتب اسمي وسأرسم قدري على صفحات التاريخ، وسوف لن يمحى إلا بكد ونصب.
أكيد أنهما سيلتهمان من أوراق حياتي، ما تحتاجه دودة القز لصنع الحرير، لكني سأسير بخطى ثابتةٍ لأصنع تاريخي، وسأرسم ألوان الشفق زاهيةً على مرآة حياتي وسأقول:
لقد كنت في زمن مضى ذات يوم، طفلة صغيرة لا تتجاوز ربيعها السابعَ، ولم يكن حلمها آنذاك أن تجلسَ على قارعة الطريق، تبسط أمامها صينية من القصديرِ تتكدس على اتساعها قطع الحلوى، تبيعُها بثمن بخس لأقرانها.
كلما مروا أمامي بزيهم المدرسي الأنيق، ومحافِظهِم التي علقت فوق ظهرانهم المقوسة عند ذهابهم أوعودتهم من المدرسة. المدرسة التي كنت في يوم ما تلميذةً في صف من صفوفها وكان تلامذتهُا زملاءَ لي.
كلما رأيتهم ازداد ألمي ومعاناتي وحسرتي.
أتساءل في صمت لما هذا الضياع..؟! لما لا أكون واحدةً من بينهم مستورةً ومصونةً داخل حجرة الدرسِ. أجلس فوق مقعدي أستمع لشروح معلمي، وأرقب كلماتِه المنسابةَ من فمه سلسةً رائقة، والتي رسمها على السبورة بتفنُّنٍ. أتهجاها بعده برونقٍ.
أكتب على لوحتي حروف الهجاءِ وأرسم على دِفتري أرقاما وأعدادا. وأنا رائقةُ المزاج أرنو إليه لا هفةً، لأدفئ بنظراته الحنون إصراري إلى التطلع.
ولاستمكنت في أوقات الاستراحة أن أَنِطًَّ ككرة داخل ساحة المدرسةِ الواسعةِ بحرية، ولأنشدت لأستاذي نشيد الصباحِ.
وأنا أقف وقوف المحارب أمام علم بلادي، أرنو إلى ألوانه الزاهيةِ.
ولرفعت أصبعي لأُجيبَ على أسئلته المحفزة.
الست صغيرةً فتيةً،!؟ ويحَِقُّ لي أن أساير الركبَ، وأن أتعلم لأنفضَ عن حياتي غبارَ الجهل، وأن أُضيئَ شوارعَ زماني بشموعِ العلم.
آه.. كم هي قاسيةٌ هذه الحياة، قاسيةٌ حد المرارةِ. سأكتب تاريخي بيدي وستكون بدايتُه من هنا من هذا الزقاقِ الضيقِ الذي أقبعُ به الآن، أمام هذه الفطائرِ الباردةِ، لفترة طويلة من اليوم.
لو كان أبي على قيد الحياة، لما رضيَ أن يراني أرتمي في متاهات هذا الذلِّ والخِزيِ. ولو كانت أمي معافاة سليمة غير عليلةٍ، لما تركتني أندُبُ حظيَ التَّعِسَ.
إن تاريخ حياتي سيبدأ من هنا، ومنذ هذا اليوم الذي ترون فيه صورتي، وسأكتب قصتي ليقرأها كلُّ أطفال العالم.
لآ أريدكم أن تقبعوا مثلي كنِفاية مرميةٍ على قارعة الطريقِ لا يبالي بوجودِها أحدٌ. ولتعلموا أن مصيَركم بأيديكُم.
لو كانت أمي معافاة لما تركتني أندب حظي التَّعِسَ، لكن من غيري سيحملُ لها خبزَ الغذاءِ وحليبَ العشاءِ.!؟ إن لم أفعل أنا هذا فالموت مصيُرنا أنا وهي.
لكني قد أغير من مسار تاريخ حياتي شيئا، من هذا المكانِ وبهذا القلمِ الذي هو الآن بين يدي، وعلى صفحات هذه الورقةِ البيضاءَ بدأت أرسمُ خط مساري.
سأسيرُ دون كللٍ وسوف أصل ربما غدا أو بعد غد، لكن قد يحدث هذا في زمن آتي. زمن سوف أتحررٌ فيه من غبنِ الحياةِ، وسوف أقطعُ صلتي بهذه القصعةِ المملوءةِ بقطع الحلوى.
ها أجراسُ الزمنِ قد بدأت تدق أطيافَ أحلامي وها أوراقُ حياتي بدأت تتساقطُ ذابلةً، رغم سني الصغير وجسدي الواهن.
كأني جدولُ بلا ماءِ وزهور بلا أريج، وكأني غيومٌ لا تحمل قطرات.
سأكتب إسمي وعنواني وسأغني أغية الصباحِ، وسوف أترك مكاني، ولا أريد أن يحتله أحدٌ بعدي.
لا أريدكُم أن تكررُوا صورتي وقِصتي.
محمد بروحو / المغرب
أكيد أنهما سيلتهمان من أوراق حياتي، ما تحتاجه دودة القز لصنع الحرير، لكني سأسير بخطى ثابتةٍ لأصنع تاريخي، وسأرسم ألوان الشفق زاهيةً على مرآة حياتي وسأقول:
لقد كنت في زمن مضى ذات يوم، طفلة صغيرة لا تتجاوز ربيعها السابعَ، ولم يكن حلمها آنذاك أن تجلسَ على قارعة الطريق، تبسط أمامها صينية من القصديرِ تتكدس على اتساعها قطع الحلوى، تبيعُها بثمن بخس لأقرانها.
كلما مروا أمامي بزيهم المدرسي الأنيق، ومحافِظهِم التي علقت فوق ظهرانهم المقوسة عند ذهابهم أوعودتهم من المدرسة. المدرسة التي كنت في يوم ما تلميذةً في صف من صفوفها وكان تلامذتهُا زملاءَ لي.
كلما رأيتهم ازداد ألمي ومعاناتي وحسرتي.
أتساءل في صمت لما هذا الضياع..؟! لما لا أكون واحدةً من بينهم مستورةً ومصونةً داخل حجرة الدرسِ. أجلس فوق مقعدي أستمع لشروح معلمي، وأرقب كلماتِه المنسابةَ من فمه سلسةً رائقة، والتي رسمها على السبورة بتفنُّنٍ. أتهجاها بعده برونقٍ.
أكتب على لوحتي حروف الهجاءِ وأرسم على دِفتري أرقاما وأعدادا. وأنا رائقةُ المزاج أرنو إليه لا هفةً، لأدفئ بنظراته الحنون إصراري إلى التطلع.
ولاستمكنت في أوقات الاستراحة أن أَنِطًَّ ككرة داخل ساحة المدرسةِ الواسعةِ بحرية، ولأنشدت لأستاذي نشيد الصباحِ.
وأنا أقف وقوف المحارب أمام علم بلادي، أرنو إلى ألوانه الزاهيةِ.
ولرفعت أصبعي لأُجيبَ على أسئلته المحفزة.
الست صغيرةً فتيةً،!؟ ويحَِقُّ لي أن أساير الركبَ، وأن أتعلم لأنفضَ عن حياتي غبارَ الجهل، وأن أُضيئَ شوارعَ زماني بشموعِ العلم.
آه.. كم هي قاسيةٌ هذه الحياة، قاسيةٌ حد المرارةِ. سأكتب تاريخي بيدي وستكون بدايتُه من هنا من هذا الزقاقِ الضيقِ الذي أقبعُ به الآن، أمام هذه الفطائرِ الباردةِ، لفترة طويلة من اليوم.
لو كان أبي على قيد الحياة، لما رضيَ أن يراني أرتمي في متاهات هذا الذلِّ والخِزيِ. ولو كانت أمي معافاة سليمة غير عليلةٍ، لما تركتني أندُبُ حظيَ التَّعِسَ.
إن تاريخ حياتي سيبدأ من هنا، ومنذ هذا اليوم الذي ترون فيه صورتي، وسأكتب قصتي ليقرأها كلُّ أطفال العالم.
لآ أريدكم أن تقبعوا مثلي كنِفاية مرميةٍ على قارعة الطريقِ لا يبالي بوجودِها أحدٌ. ولتعلموا أن مصيَركم بأيديكُم.
لو كانت أمي معافاة لما تركتني أندب حظي التَّعِسَ، لكن من غيري سيحملُ لها خبزَ الغذاءِ وحليبَ العشاءِ.!؟ إن لم أفعل أنا هذا فالموت مصيُرنا أنا وهي.
لكني قد أغير من مسار تاريخ حياتي شيئا، من هذا المكانِ وبهذا القلمِ الذي هو الآن بين يدي، وعلى صفحات هذه الورقةِ البيضاءَ بدأت أرسمُ خط مساري.
سأسيرُ دون كللٍ وسوف أصل ربما غدا أو بعد غد، لكن قد يحدث هذا في زمن آتي. زمن سوف أتحررٌ فيه من غبنِ الحياةِ، وسوف أقطعُ صلتي بهذه القصعةِ المملوءةِ بقطع الحلوى.
ها أجراسُ الزمنِ قد بدأت تدق أطيافَ أحلامي وها أوراقُ حياتي بدأت تتساقطُ ذابلةً، رغم سني الصغير وجسدي الواهن.
كأني جدولُ بلا ماءِ وزهور بلا أريج، وكأني غيومٌ لا تحمل قطرات.
سأكتب إسمي وعنواني وسأغني أغية الصباحِ، وسوف أترك مكاني، ولا أريد أن يحتله أحدٌ بعدي.
لا أريدكُم أن تكررُوا صورتي وقِصتي.
محمد بروحو / المغرب