إبراهيم مشارة
11-21-2008, 08:21 PM
واللمسة الرومنطيقية واضحة هنا خاصة في قوله " برياحه الهوجاء" إلا أن البحر هنا صار يجسد جبروت الطبيعة وقهرها وهو موقف للذات المغلوبة التي صارت ترى الوجود وكأنه تآمر عليها فلتحمل صليبها إلى ذروة الجلجلة وحيدة في معاناتها ولو كلفها ذلك حياتها ! ثم يأتي الوصف متتابعا متلاحقا فالشاعر ود لو أن قلبه كالصخر لا يتألم ولا ينزف وكأنه حسد الصخرة على بلادتها وعدم إحساسها ولو أن السقم والبرحاء نفذا إلى أعماقها فهدت صلادتها وخففت من غلواء الداء وتباريحه على الشاعر . لقد غدت الطبيعة والشاعر هنا واحدا ولم تعد موضوعا وهذا ما يضفي على التشبيهات ديناميكية ويخرجها عن رتابة التشبيهات الكلاسيكية:
ثاو على صخر أصم وليت لي
قلبا كهذي الصخرة الصماء !
ينتـــابها موج كموج مكارهي
ويــــفتها كالسقم في أعضائي
أما البحر ذاته فعاد إليه الشاعر ليضفي عليه سمة الإنسان فألحقه بزمرة اليائسين، وأي يأس؟ إنه يأس الشاعر ذاته الذي أسقطه على الوجود فتلون كله بلون أسود ، وكأن مفتاح الرؤيا تجلى في معنى لفظة " كن أيها الوجود" فكان كما أراده الشاعر وجودا ذاتيا لاحقيقة له إلا في قرارة نفس الشاعر. ويمكن فهم ذلك كله بالعودة إلى علم النفس حيث تبحث الذات إذا وقعت في كمين عن نظراء لها أصيبوا بما أصيبت به لتخف الغلواء وهو ما يجسده القول المأثور " إذا عمت خفت" وقد عمت البلوى هنا الوجود كله فالصخرة بلواها في بلادتها والبحر في كمده والوجود كله سأمان والأفق معتكر:
والأفق معتكر قريح جفنه
يغضي على الغمرات والأقذاء
ولن تجد في الشعر العربي قديمه وحديثه شاعرا أبدع في وصف الغروب شأن خليل مطران وفي الواقع فوصفه استبطان للذات وكشف لخفاياها بترصد عناصر اللوحة الطبيعية المتجلية في غروب الشمس ، ولقد رأى فيه الشاعر عبرة، وأية عبرة؟ لعلها عبرة الاضمحلال والزوال وقديما قال الشاعر:
منع البقاء تقلب الشمس
وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء صافية
وغروبها صفراء كالورس
اليوم أعلم مايجيء به
ومضى بفصل قضائه أمس
غير أن الشاعر يرى الظلام طمسا لليقين وذهابا بالنور الذي تمثل جنازته ، فالظلام يذكر بالهجوع الأبدي لولا أن الشمس تشرق غدا والحياة تبدأ دورتها من جديد لكن وحشة الروح وكآبة النفس ظلمة دامسة لن تشرق عليها شمس السرور وحق للشاعر أن يتألم لها:
ياللغروب ومابه من عبرة
للمستهام وعبرة للرائي !
أوليس نزعا للنهار وصرعة
للشمس بين جنازة الأضواء؟
أوليس طمسا لليقين ومبعثا
للشك بين غلا ئل الظلماء؟
أوليس محوا للوجود إلى مدى
وإبادة لمعالم الأشياء؟
حتى يكون النور تجديدا لها
ويكون شبه البعث عود ذكاء
ولا غرض للاستفهام هنا إلا الإثبات. أما السحاب فقد تلون بلون الدم والدم في عرف الرومنطيقيين رمز المعاناة والتباريح فلا بأس أن يشبه به خواطره الحزينة مادام قد رأى الوجود كله بتأثير من نفسه كئيبا:
وخواطري تبدو تجاه ناظري
كلمى كدامية السحاب إزائي
وولع الشاعر بالحمرة يمتد حتى إلى الدمعة وقد عهدناها بلورية شفافة عند الرومنطيقيين ولكنها عند الشاعر غدت حمراء:
والشمس في شفق يسيل نضاره
فوق العقيق على ذرى سوداء
مرت خلال غما متين تحدرا
وتقطعت كالدمعة الحمراء
وقد خان الشاعر التوفيق هنا فلو أننا سلمنا معه بحمرة الدمعة وقلنا أنها اختلطت بالدم الذي كان الشاعر ينزف به مما به من تباريح ،فأي شئ يقطع الدمعة الحمراء؟ وهو يريد وصف احتجاب جزء من قرص الشمس وراء السحاب الأحمر ولو كان أراد غير ذلك لكان أجدر به أن يقول "وتنزلت " مثلا إذا برز قرص الشمس ثانية بعد احتجابه بالغمام. وترى الشاعر في النهاية أقام مناحة وجودية وتأبينا كونيا له ، ومادام الشاعر هو قلب الوجود وإذا كان القلب تعيسا حزينا فلن يضخ إلى الوجود إلا الكآبة واليأس، فبكت الطبيعة لبكائه والزمن جسد للشاعر معنى الزوال بهذا المشهد الرومنطيقي الحزين الجامع بين لوعة المعنى ودلالة اللون:
فكأن آخر دمعة للكون قد
مزجت بأدمعي لرثائي
وكأني آنست يومي زائلا
فرأيت في المرآة كيف مسائي !
وأما البحر الذي اختاره الشاعر لقصيدته فهو الكامل وهو يتسع بتفعيلاته الست المتكررة "متفاعلن" السباعية لتضمن المعنى والشجن والدفق العاطفي ويزيده إضمار " متفاعلن" جرسا موسيقيا عذبا تستلذه الأذن ويعلق بالقلب وأما الضرب بإضمارمتفاعلن وحذف النون مع إسكان اللام لتغدو " مستفعل" فهو أعذب ما في الكامل على كثرة أعاريضه وأضربه وحتى البارودي في رثائه لزوجته تخير هذا الضرب. لقد كنا نعد الوصف في الشعر مهارة ذهنية ولغوية معا تظهر براعة الشاعر فيه في تمثل المشبه به وكلما كان فريدا غير مسبوق وكانت علاقته بالمشبه وطيدة كلما كان الشاعر ذا عبقرية مفلقة فجاء مطران وزاد على هذا بأن أنسن الطبيعة واندغم فيها ووصفها من خلال وجدانه على سبيل التمايه أي أن تغدوا الذات والموضوع واحدا وهو بذلك مدين بلا شك للرومنطيقية الغربية التي اغتذى بلبانها وتمثل " الرؤيا" التي نص عليها وليم بليك، وقد ساعده على ذلك إضافة إلى الدفق الوجداني وقوة المخيلة وخصبها امتلاك الأداة أي اللغة التي طوعها لأغراضه البيانية ولا عجب فمن يزعم أن الغساسنة أجداده لا جرم أنه يمتلك ناصية اللغة وقد أفلح الشاعر في ذلك إلى حد بعيد وستبقى قصيدته " الأسد الباكي" خير ما يمثل مذهبه الجديد في فن الوصف على الرغم من مسحة الكآبة البادية عليها .
ثاو على صخر أصم وليت لي
قلبا كهذي الصخرة الصماء !
ينتـــابها موج كموج مكارهي
ويــــفتها كالسقم في أعضائي
أما البحر ذاته فعاد إليه الشاعر ليضفي عليه سمة الإنسان فألحقه بزمرة اليائسين، وأي يأس؟ إنه يأس الشاعر ذاته الذي أسقطه على الوجود فتلون كله بلون أسود ، وكأن مفتاح الرؤيا تجلى في معنى لفظة " كن أيها الوجود" فكان كما أراده الشاعر وجودا ذاتيا لاحقيقة له إلا في قرارة نفس الشاعر. ويمكن فهم ذلك كله بالعودة إلى علم النفس حيث تبحث الذات إذا وقعت في كمين عن نظراء لها أصيبوا بما أصيبت به لتخف الغلواء وهو ما يجسده القول المأثور " إذا عمت خفت" وقد عمت البلوى هنا الوجود كله فالصخرة بلواها في بلادتها والبحر في كمده والوجود كله سأمان والأفق معتكر:
والأفق معتكر قريح جفنه
يغضي على الغمرات والأقذاء
ولن تجد في الشعر العربي قديمه وحديثه شاعرا أبدع في وصف الغروب شأن خليل مطران وفي الواقع فوصفه استبطان للذات وكشف لخفاياها بترصد عناصر اللوحة الطبيعية المتجلية في غروب الشمس ، ولقد رأى فيه الشاعر عبرة، وأية عبرة؟ لعلها عبرة الاضمحلال والزوال وقديما قال الشاعر:
منع البقاء تقلب الشمس
وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء صافية
وغروبها صفراء كالورس
اليوم أعلم مايجيء به
ومضى بفصل قضائه أمس
غير أن الشاعر يرى الظلام طمسا لليقين وذهابا بالنور الذي تمثل جنازته ، فالظلام يذكر بالهجوع الأبدي لولا أن الشمس تشرق غدا والحياة تبدأ دورتها من جديد لكن وحشة الروح وكآبة النفس ظلمة دامسة لن تشرق عليها شمس السرور وحق للشاعر أن يتألم لها:
ياللغروب ومابه من عبرة
للمستهام وعبرة للرائي !
أوليس نزعا للنهار وصرعة
للشمس بين جنازة الأضواء؟
أوليس طمسا لليقين ومبعثا
للشك بين غلا ئل الظلماء؟
أوليس محوا للوجود إلى مدى
وإبادة لمعالم الأشياء؟
حتى يكون النور تجديدا لها
ويكون شبه البعث عود ذكاء
ولا غرض للاستفهام هنا إلا الإثبات. أما السحاب فقد تلون بلون الدم والدم في عرف الرومنطيقيين رمز المعاناة والتباريح فلا بأس أن يشبه به خواطره الحزينة مادام قد رأى الوجود كله بتأثير من نفسه كئيبا:
وخواطري تبدو تجاه ناظري
كلمى كدامية السحاب إزائي
وولع الشاعر بالحمرة يمتد حتى إلى الدمعة وقد عهدناها بلورية شفافة عند الرومنطيقيين ولكنها عند الشاعر غدت حمراء:
والشمس في شفق يسيل نضاره
فوق العقيق على ذرى سوداء
مرت خلال غما متين تحدرا
وتقطعت كالدمعة الحمراء
وقد خان الشاعر التوفيق هنا فلو أننا سلمنا معه بحمرة الدمعة وقلنا أنها اختلطت بالدم الذي كان الشاعر ينزف به مما به من تباريح ،فأي شئ يقطع الدمعة الحمراء؟ وهو يريد وصف احتجاب جزء من قرص الشمس وراء السحاب الأحمر ولو كان أراد غير ذلك لكان أجدر به أن يقول "وتنزلت " مثلا إذا برز قرص الشمس ثانية بعد احتجابه بالغمام. وترى الشاعر في النهاية أقام مناحة وجودية وتأبينا كونيا له ، ومادام الشاعر هو قلب الوجود وإذا كان القلب تعيسا حزينا فلن يضخ إلى الوجود إلا الكآبة واليأس، فبكت الطبيعة لبكائه والزمن جسد للشاعر معنى الزوال بهذا المشهد الرومنطيقي الحزين الجامع بين لوعة المعنى ودلالة اللون:
فكأن آخر دمعة للكون قد
مزجت بأدمعي لرثائي
وكأني آنست يومي زائلا
فرأيت في المرآة كيف مسائي !
وأما البحر الذي اختاره الشاعر لقصيدته فهو الكامل وهو يتسع بتفعيلاته الست المتكررة "متفاعلن" السباعية لتضمن المعنى والشجن والدفق العاطفي ويزيده إضمار " متفاعلن" جرسا موسيقيا عذبا تستلذه الأذن ويعلق بالقلب وأما الضرب بإضمارمتفاعلن وحذف النون مع إسكان اللام لتغدو " مستفعل" فهو أعذب ما في الكامل على كثرة أعاريضه وأضربه وحتى البارودي في رثائه لزوجته تخير هذا الضرب. لقد كنا نعد الوصف في الشعر مهارة ذهنية ولغوية معا تظهر براعة الشاعر فيه في تمثل المشبه به وكلما كان فريدا غير مسبوق وكانت علاقته بالمشبه وطيدة كلما كان الشاعر ذا عبقرية مفلقة فجاء مطران وزاد على هذا بأن أنسن الطبيعة واندغم فيها ووصفها من خلال وجدانه على سبيل التمايه أي أن تغدوا الذات والموضوع واحدا وهو بذلك مدين بلا شك للرومنطيقية الغربية التي اغتذى بلبانها وتمثل " الرؤيا" التي نص عليها وليم بليك، وقد ساعده على ذلك إضافة إلى الدفق الوجداني وقوة المخيلة وخصبها امتلاك الأداة أي اللغة التي طوعها لأغراضه البيانية ولا عجب فمن يزعم أن الغساسنة أجداده لا جرم أنه يمتلك ناصية اللغة وقد أفلح الشاعر في ذلك إلى حد بعيد وستبقى قصيدته " الأسد الباكي" خير ما يمثل مذهبه الجديد في فن الوصف على الرغم من مسحة الكآبة البادية عليها .