المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وهج القناديل ( رواية )


محمد غالمي
09-07-2008, 06:26 AM
وهج القناديل (رواية)يسرني أن أضع بين يدي أعضاء دار الأدباء وزوارها الكرام أولى تمرات إبداعي الروائي (وهج القناديل) المنشورة في كتاب ورقي عن إحدى دور النشر بالمملكة المغربية.. يتناول المتن الروائي مرحلة عصيبة من تاريخ المغرب على عهد الحماية الفرنسية، وسوف أحرص بإذن الله على نشرها في حلقات متسلسلة، وكلي أمل في أن تروقكم وتنال رضاكم..
ملحوظة: هذه المجموعة المزمع نشرها اختير لها من العناوين: "وهج القناديل" وهي الطبعة الثانية من "نزيف القناديل" وقد حذفت منها فصول وأضيفت فصول جديدة، وهي بحق جد منقحة ومزيد فيها..
محمد غالمي
الرواية:
دب العياء في جسم الفتى وألح عليه النوم الذي ظل يداعب أجفانه منذ وطأت قدماه درج الحافلة. استوى على المقعد الخلفي جهة اليمين مما يلي النافذة، ودس رأسه بين ذراعيه المتشابكتين معتمدا على ظهر المقعد أمامه. بدا وكأنه في سبات عميق من دون أن يأبه لأزيز المحرك المتواصل ولا لهذه الحرارة المفرطة التي تكاد تخنق الأنفاس، أنفاس كتل من البشر أضناهم طول الرحلة فأخذ منهم التعب كل مأخذ، وغسل صبيب العرق وجوههم وأعناقهم. ساد المكان صمت رهيب كصمت المقابر كسره صوت محتد ندَ عن رضيع في حضن امرأة، ما فتئت رغم سطوة الحر تهدهده في رفق وتلقمه حلمة ثديها محاولة تهدئته وإجبار خاطره. لم يجد ذلك فتيلا، توالى صياح الرضيع دون انقطاع حتى ضج منه شيخ قابع في مقعد خلف المرأة يسار الحافلة. بدا الانزعاج مرسوما على جبهته المربدة، انتفض من مكانه مستشيطا غضبا معتمدا على كتف شاب يجاوره فسدد إلى ظهر المرأة لكزة مدوية ثم طفق يلوح بيمناه في عصبية لاغطا بلهجة مغربية ملتوية: "أطبقي بكفك على فمه أو القي به من النافذة فتريحينا من صخبه المزعج!" كذلك قصف المرأة بنيران لسانه البغيض واستوي على مقعده وفرائصه ترتجف من هرم لائكا بصوت مبحوح: "الويل لهذا المغرب السائب.. سبع وثلاثون سنة من عمر هذه الحضارة التي ما فتئت تطرق أبوابهم بلا جدوى.. وحوش قذرون.." طن هذا القذف في أذن الفتى طنينا كاد يمزق طبلتها ويخترق جدارها. كان في ذروة أحلامه محلقا في أجواء تلك الربوع التي ودعها بجسمه دون روحه، وكيف لا وقد نسج على بساطها أحلى لياليه، وفضاؤها الذي يعبق بأريج الذكريات لا يزال يداعب خواطره ويستفز جوارحه. فمن معين تلك الربوع نهل ومن زلال منابعها ابتلت عروقه، ولم تكن المتاعب التي تقاذفته رياحها الهوجاء لتثنيه عن عزمه أو تفل من شعاع ضميره، بل ظل صامدا قوي الشكيمة جلدا صلب العزيمة. ما يزال يجتر ذكرياته بتلذذ لولا زعيق هذا الخنزير الأجلف الذي آذى منه السمع على حين غرة لينكأ بتوجهه العنصري البغيض جراحا لم تندمل. لقد فطن لمصدر الصوت وصاحبه وأدرك بما جبل عليه من سرعة بديهة وسلامة حس ما يرمي إليه ذلك الشيخ الناقم الذي حقن المرأة بسم لسانه. رفع الفتى رأسه من بين ذراعيه وأداره يسرة صوب الرجل فرمقه بنظرات وشت بما يعتمل في صدره من حيرة وغضب. طرق خاطره فصل من حديث الذكريات مع ميسيو ريز أستاذ الرياضيات بثانوية المولى إدريس حيث درس الفتى . وعلى الرغم من سلاطة لسان المدرس لم يكن الفتى الوسيم يتوانى في استفزازه بشجاعة استفزازا جر عليه جملة من متاعب.. راح يجتر جانبا من هذه الخواطر بقلب حسير ونفس جريحة وعيناه الطافحتان بشرارة الغضب لم تبرحا الشيخ الغاضب ولا لسانه كف عن تأنيبه في صمت: "أنت وميسيو ريز من فصيلة واحدة.. كلاكما فرع من شجرة خبيثة، ولئن شق اجتثاثها من تحت الأرض فمناشيرنا جاهزة في درب صفيفح بفاس وحومة سيدي بوكيل بقصبة تادلة لفصلها من الساق" ثم التفت صوب أم الرضيع: لا عليك أيتها المسكينة، فلن تغفر وداعتك وضعفك لهذا الوحش جبروته وركوب رأسه" (يتبع)

صبيحة شبر
09-07-2008, 01:27 PM
فصل جميل من رواية نترقب قراءتها
هات لنا الفصل الثاني
أخي الكريم

عباس خرفوش
09-08-2008, 02:48 AM
شكرا لك أخي محمد
أمتعتني كثيرا في هذا المقطع الصغير من الرواية وفتحت شهيتي لاستقبال المقاطع الباقية في شغف
دمت في صحة وعافية

محمد غالمي
09-08-2008, 03:41 AM
أشكر الأخوين صبيحة وعباس على المرور الكريم وأهيب بكل الإخوة أن يتريثوا في ردودهم حالما تنتهي كل فصول الرواية فتتضح الرؤية..

محمد غالمي
09-08-2008, 03:44 AM
ثم ابتلع ريقه ومدد رأسه إلى خلف متنهدا في أسف عميق. كان الشاب الجالس يمين الشيخ يتابع حركات الفتى ويتفرس في عينيه الشاخصتين بكثير من الاهتمام وكأنه يستطلع ما تنطق به حالهما من انفعال يتأجج في النفس كاللظى. لقد ظل يساير أطوار الحادث الذي استهدف المرأة ولم يحرك ساكنا ولا أبدى امتعاضا حين رأى الحمامة تذل وتهان بغير جريرة. كان جل همه أن يجيل بصره بين المرأة المنكل بها وبين الفتى يتجرع زعاف ما عاين وسمع، وأكثر ما هاله من أمره ذلك التنهد الصاعد من الأعماق كحمم بركان، وسرعان ما افتر فوه عن ابتسامة تحمل أكثر من معنى حين رآه يستسلم لغفوة ألمت به. وبعد هنيهة انفرجت عينا الفتى على إيقاع يد تربت على كتفه فارتسم على وجهه بعض الانفعال وهو يحملق في الرجل المنتصب أمامه كالسارية، وكانت الحافلة قد توقفت عند مشارف مدينة خنيفرة لطارئ. قال الرجل وقد اعتمد بيمناه على ركيزة من حديد:
ـ معذرة سيدي إذا كنت قد عكرت عليك الصفو بالإجهاز على أحلامك وإيقاف لذيذ نومك..
لم يطمئن الفتى للرجل يختال في بزة زرقاء ازدانت بأزرار ونياشين نحاسية، ومن حزامه الجلدي يتدلى مسدس لف في غشاء. كان في حدود الثلاثين من عمره، طويلا في غير إفراط، ذا جسم ضامر تضيء في وجهه عينان خضراوان. لم يعرف الفتى أي تيار جارف ألقى به في غياهب عالم من الأوهام، ولكن سرعان ما جنح بخياله هاتكا حجب تلك الأوهام، محلقا في أجواء أنفس الذكريات، فراح يستعيد أطوار آخر نشاط له في جامع القرويين توج به زادا نفيسا ما يزال مختزنا في وجدانه، تذكر مشاركته بالأمس في التجمع الاحتجاجي الذي نظمه أساتذة القرويين وطلبتهم إحياء للذكرى السادسة لإبعاد ثلة من رموز الوطنية وإجلائهم عن وطنهم..
(يتبع)

محمد غالمي
09-10-2008, 06:38 AM
وتذكر كيف كان في مقدمة السيل العارم مرفوعا على سواعد المحتجين الذين ارتفعت حناجرهم بالتهليل والتكبير. والحق إن اليوم كان مشهودا جسد فيه حضوره كل مقومات الشخصية الفذة التي صقلت مواهبها في رحاب ثانوية مولى إدريس وجامعة القرويين. انتابه هاجس سرى في جسمه كالتيار لما استحضر جملة من الشعارات المناوئة لسلطة الحماية القائمة، وكان لا يتورع في ترديدها غير مبال بالعيون المنبثة هنالك، بيد أن ما جبل عليه من جرأة وتحد وما عهد فيه من رباطة جأش، كل ذلك أملى عليه أن يتمالك نفسه في مثل هذه الظروف الحساسة. نفض عن كاهله غبار الأوهام وما أوحت به من معاناة في الأقبية المعتمة ومكاتب الاستنطاق، واستبعد أن يكون مستهدفا فرد على موقظه ومزعج أحلامه:
ـ كيف يتسنى للنوم أن يطيب والأحلام أن تلذ داخل هذا الحمام الساخن؟ أما أحرجك العرق يغسل وجهك وسائر بدنك؟
صدرت عن الرجل ابتسامة تمج سخرية وتقطر استعلاء، إذ لمس في كلام الفتى بعض التحدي لسلطته والتطاول على شخصه، لكنه لم يجد من عزاء يعيد إليه اعتباره سوى أن رد في لهجة مستخفة تضمر سخطا وتبرما:
ـ على أي فهذه بلادكم وأنت مواليها.. حرارة ملهبة صيفا وبرد قارص شتاء..
تعمد الفتى أن يجاريه فأجاب على التو مصعدا من لهجته:
ـ ومن أرغمكم على البقاء فيها يا هذا؟ نحن هنا وأنتم هنالك فيما وراء البحر! أليس البحر يحجز بيننا وبينكم؟
لم يستطب الضابط هذه الجرأة الموسومة بالتحدي لأنها روعت نفسه كالصاعقة، ورام التظاهر بشيء من الهدوء تخالطه استهانة فطلب منه ما يثبت هويته من وثائق...
كان الفتى في شغل شاغل غير عابئ بالضابط يتفحص الوثيقتين، إذ سرعان ما سرح ببصره عبر زجاج النافذة يتملى في رحاب هذا العالم الرحب الذي لا تحده العين؛ فهذه النجود تجللها أشجار البلوط ونبات الحلفاء والسدر، وهذه الوهاد المحصنة بعواتي الصخور انبثت فيها الآجام التي اتخذت منها الأسد عرانين تأوي إليها، وجعلت منها الذئاب والثعالب جحورا تهرع إليها. سكنت الحركة وساد منطق الهدوء حتى الطيور التي كانت تصدح في أول النهار احتمت في أوكارها اتقاء حمَارة القيظ، ولم يعد يسمع من الأصوات إلا أزيز بعض الحشرات الذي يزداد حدة كلما احتد الهجير. ظل الفتى في أوج التملي بروعة ها المشهد يغمر سائر وجدانه حين بادر الضابط مستفسرا عما يعنيه الاسم المثبت على ظهر بطاقة التعريف! أدار الفتى رأسه على مهل صوب الرجل في استهانة دلت عليها حركات عينيه الشاخصتين المستفسرتين في رزانة كأنما يقول له: لم أفهم قصدك! ثم خاطبه متسائلا:
ـ لم تجشم نفسك عناء البحث عن طبيعة الاسم؟
أجاب ساخرا
ـ لأنه بدا لي غريبا وغير مألوف في أوساطكم كأحمد والعربي!
أبدى الفتى انشراحا ورد مستنكرا:
ـ وما وجه الغرابة في "بدر" ألا يعني ذلك الكوكب الذي يشع بنوره في هذه الأرجاء فيبدد ظلمات الليالي الداجية؟ (وهو يشير ببنانه إلى ما وراء النافذة)
قال الدركي وهو يلامس شاربه الكث:
ـ اسمك يعني القمر إذن؟ (ثم واصل وعيناه تجوسان في الوثيقة الثانية) لو تفضلت بفك هذه الرموز المستعصية!
أجاب بدر من دون مبالاة بالرجل يعيد إليه الوثيقة:
ـ إنها شهادة تقدير من إدارة القرويين!
ندت عن الضابط ابتسامة باهتة لم تنفرج لها شفتاه وقال:
ـ وما شأنك أنت والقرويين؟ ألست طالبا بثانوية مولاي إدريس كما هو مثبت على ظهر بطاقتك؟ على أي لم تتعب نفسك وتحملها ما لا يطاق؟

محمد غالمي
09-12-2008, 03:46 AM
ـ كيف ينال مني التعب في تلك الأجواء التي تسخو وتجود؟
وتساءل باستغراب:
ـ تسخو وتجود؟ بماذا؟
ـ بما تمدنا به من الطاقة! إن بدرا ليستمد نوره من فضاء تلك الأعتاب التي يجد فيها الجريح ما يضمد جروحه ويخفف أوصابه ومتاعبه..
عاد الوسواس يدغدغ ما بين جوانحه حين حلق بخياله إلى الوراء، فذكر كيف كان يناوش بعض زملائه التلاميذ من الفرنسيين أو بعضا من الأطر الإدارية العاملة في المؤسسة، فتراه يلح في استفزاز مشاعرهم وإثارة حفيظتهم بدعاباته المشربة بسخرية لاذعة، قال لأحدهم مرة: " لم تركتم بلادكم ونزلتم في أرضنا كالجراد؟ كيف سيكون موقفكم لو داهمنا نحن بيوتكم وصرنا أوصياء على مأكلكم ومشربكم وضابطين حركاتكم وسكناتكم؟ فهل يرضيك هذا يا سليل الغرباء؟" وذكر كيف أثار هذا الاستفزاز عواصف من الاعتراض والتنديد حركت في نفوس بعض المندسين في صفوف الطلبة كل نوازع الشر، فكانت السعاية وتعاقبت المتاعب باحتداد الفتنة، سواء في مكتب المدير عين الحاكم والكومسير أوفي مخفر البوليس. تساءل بدر في خاطره وهو شارد يختلس النظر إلى الضابط: هل يروم هذا المخلوق إيذائي ؟ وإلا فما شأنه بالقرويين؟ وإلى ماذا يرمي بسؤاله هذا الذي يعدم براءة "لم تتعب نفسك وتحملها ما لا يطاق؟" لا لا أعتقد أنه يضمر لي مكروها أو يبيت شرا، ولو كان الأمر كذلك لما توانى في الانقضاض علي وإخراجي مهانا مقرنا في الأصفاد. والحق إن بدرا لم يكن في غفلة عن تبعات مواقفه، إذ كان ذلك الهاجس يروع فؤاده ولا يبرح عقله أينما حل وارتحل، ولكن أخوف ما يخافه أن يؤذي أمه في مشاعرها إذا ما وقعت الواقعة، فيؤنبه آنئذ ضميره على ما استهان به من وصاياها الثلاث، تلك التي كانت تشيعه بها كلما حزم حقيبته وتأهب للسفر: (احذر الانزلاق في مهاوي الرذيلة والسير في مسالك الموت!.. اهتم بدروسك وجانب رفقة السوء ..) وسرعان ما انقشعت غيوم الأوهام وعاد إلى الذهن صفاؤه وإلى النفس انشراحها، فاستطرد قائلا وهو الذي أخذ على نفسها وعدا بألا يندحر أمام هذه النماذج البشرية:
ـ وهل الانتماء إلى القرويين والنهل من منابعها جريمة؟ اللهمَ إن كان ذلك بندا من بنود شريعتكم..
ندت عن الرجل ابتسامة افتر لها فوه واقترب من الفتى كأنما يريد أن يسر له أمرا فقال بصوت خفيض " كفاك منابع مولاي إدريس التي تسقيك الماء الزلال وأرح نفسك من منابع البلادة وبؤر الدجل!" في هذه الأثناء تراجع الضابط إلى الوراء بعد أن سلم الفتى وثيقتيه، وجعل يلوح بسبابته فيما يشبه التحذير "رد بالك يا قمر! ثم نكص على عقبيه. مافتئ بدر يشيع الرجل بنظراته احتقارا، وحاول أن يهضم ما لهج به الضابط ولم ينهضم فاكتفى بأن مقته في نفسه ثم أسند رأسه إلى خلف وهو كظيم. وقبل أن يغمض عينيه تفاجأ بالشاب الذي كان جالسا يسار الشيخ الأحدب ينتقل إلى المقعد الشاغر بجنبه ويملأه بدون استئذان مخاطبا إياه:
ـ كيف اختارك القدر وسلط عليك ببغاوين نغصا عليك الرحلة؟
اتسعت عينا بدر دهشة ولاح فيهما انزعاج مشوب بإنكار كأنما يقول للشاب المتطفل "خلت أنني انتهيت من أمر ببغاوين فحط بجانبي ببغاء ثالث.. لعنة الله عليكم جميعا أبناء عيسى المتمردين!
بات بدر مترددا في أن يبقي الباب موصدا في وجه محدثه تلافيا لعواقب محتملة وإراحة للضمير أو يفسح له المجال ليصول كسابقيه؟ راح يسائل نفسه وعيناه شاخصتان في سقف الحافلة: وما أدرانا في أمر هذا الشاب الذي آثر الجلوس إلى جانبي؟ ومن عساه يكون؟ ثعبان؟! فليكن.. ولساني ميزاني نزولا عند رغبة أمي.. فكلما طاب الحديث وتشنج رسمت له حدودا ما أجدر ألا يجنح وراءها، واللبيب من عرف قدره... جزاك الله خيرا ـ سيدي أحمد الفاسي ـ لقد علمتنا أصول الحكمة والتعقل وغرست في نفوسنا فلسفة الحذر، أنت الذي لا تفتأ تردد على مسامعنا قول الشاعر:
من استنام إلى الأشرار نام وفي ** قميصه منهم صل وثعبــــــان
ثم التفت جهة محدثه واستفسر فيما يشبه الاستنكار:
ـ هل أشفى الببغاء الأول غليلك؟
تنفس الشاب الصعداء بعد أن بلغ قصده في استدراج الفتى إلى الحديث فرد كمن فكت عقدة لسانه بعد خرس:
ـ صراحة لم ترضني شطحاته.. لقد حز في نفسي تصرفه الأرعن في حق امرأة مسالمة! ثم استطرد كالمتسائل: ولكن ما العمل؟ الرجل طاعن في السن ولا يتمالك نفسه من ارتعاش.. (قال ذلك وهم بفتح كتاب وضعه على ركبتيه)
آثر بدر نهج هذا النوع من الحوار ليتسنى له بعد ذلك أن يجس النبض ويسبر الأغوار مجنبا نفسه مغبة الانسياق مع كل تيار جارف قد يلقي به في مزالق التهلكة، هو في غنى عنها اللحظة، ولكن إلى حين.. إلى حين تعلق وصية الأم.. حين يفرض مبدأ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" نفسه، ثم التفت إليه بعينين شبه زائغتين وقد اكتفى بأن ردد في خاطره.."يعلم الله ما تنطوي عليه نفسك وما يتحرك في وعاء دماغك". كان الشاب منهمكا في تصفح كتابه حين داهمه بدر بسؤال ثان:
ـ وما رأيك في الببغاء الثاني؟
رفع الشاب رأسه مبقيا على سبابته تفصل بين دفتي الكتاب وأجاب:
ـ لا أخفي عنك سرا فقد كان الضابط فضوليا بعض الوقت، لكن سداد رأيك وصلابة موقفك وأنت تقرع الحجة بالحجة أهزأ من شطحاته وأكثر عبثا بها.. فما أخطأ السبيل من أسماك بدرا!

محمد غالمي
09-13-2008, 01:37 AM
ألفت انتباه كل الإخوة الأعضاء إلى إمكانية التعقيب على كل جزء من الرواية وإبداء الرأي في مضمونها وبنائها السردي إذا أرادو ذلك..
وكنت أشرت إلى الأخوين صبيحة وعباس بأن يحتفظوا بردودهم إلى حين نهاية الرواية، ولكن فكرت مليا فوجدت أن المتن الروائي شبه طويل وانتظار نهاية آخر جزء يضيع منا جميعا فرصة القراءات المتميزة والتعليقات المركزة..
تحياتي للجميع

محمد غالمي
10-04-2008, 03:21 AM
لم يجد الفتى من فائدة في التعليق على هذا الإطراء الموضوع في حكم المشبوه، فتوجه إلى جليسه مستفسرا بعد أن أثنى على نبل عواطفه كما يقتضي أدب الحديث:
ـ وما اسم حضرتك أنت؟
ـ أنا فيليب كوستي طالب في ليسي ليوطي في كازا!
ـ أنت تقيم إذن في مدينة الدار البيضاء؟
ـ لا، حاليا نقيم في تادلة.. ولكن لا أبرح الدار البيضاء إلا لماما لما لدي فيها من مآرب!
كان لاسم تادلة وقع خاص في نفس بدر، وفي لهفة انتفضت لها جوارحه، كمن تفاجئه بكسرة خبز وهو في ذروة السغب والظمأ، ردد متسائلا في همس وهو يتفرس في محاوره بعينين منزعجتين:
ـ تادلة؟ ألست من أقرباء السيد كوستي بائع قطع الغيار في الكانتنات؟
رد فيليب مزهوا:
ـ إنه أبي! فهل تعرفه يا هذا؟ (وأومأ ببنانه صوب الشيخ الناقم) وذاك الرجل غريمك يقيم هو الآخر في تادلة، ألم تسمع به هناك؟ إنه يدعى السيد باطيش صاحب ماكينة الدوم في "زمكيل"!
اشمأز بدر من ذكر الغريم فلم يعره اهتماما ثم أجاب برزانة مشوبة بالحذر:
ـ ومن في تادلة جميعها لا يعرف السيد كوستي التاجر والمقاول وصاحب الضيعة الحمراء..؟!
وقاطعه فيليب معددا بعض ممتلكات أبيه: ولنا كذلك ضيعات في آيت علي ومجاط ، أما الضيعة الحمراء فهي مقر سكنانا..
لازم الفتى بعض الصمت ساخرا من لسان محاوره المتعالي، وأشاح بوجهه صوب النافذة عن يمينه كأنما يروم تعليق الحديث والتلميح إلى الرغبة عنه، أدرك ذلك فيليب وتنبه إليه بحكم فراسته فآثر تكسير الصمت ليعيد إلى نفسه الاطمئنان ويجنبها مذلة الصد، فقال:
ـ آن لك أن تأخذ قسطا من الراحة، فالرحلة متعبة والحديث لا ينتهي..
جعل بدر يسبح ببصره في هذا الفضاء المترامي ونسائم الأصيل المحملة بأريج الحقول تنساب غبر زجاج النافذة فتداعب أنفه وسائر حواسه. ابتهج من ظلال الأدواح السامقة، والتلال الشامخة تبسط أرديتها السمراء هنا وهناك حتى لامست الصخور الصلدة الناتئة وأطفأت وهجها. ولاحت صوادح الطير سابحة في الأجواء كأنما تعبر عن فرحة أسير فك عقاله.. ما تزال الراحلة تجد في سيرها وقد اجتازت عوائق المنعرجات، وبدا الطريق مستويا تحاصره ضيعات المعمرين من كل اتجاه؛ فهذه ضيعة المعمر لوفراني التي لا يحدها النظر وقد انتصب منزلها ذو السقف القرميدي الأحمر وسط مزارع القمح والحنطة، وتلك جهة اليمين ضيعة "شارل" وقد بدت في شساعتها كبحر تسبح في أعاليه آلة حصاد تلتهم السنابل التهاما ولا يظهر منها سوى مقصورتها المربعة ، وهذا القطيع من البقر الهولندي الحلوب منبثا في الأرجاء يلس التبن والقش وبقايا الجذوع هادئا مطمئنا.. ما فتئ بدر يتملى عبر الزجاج في فردوسه شبه المفقود، فيعوج بنظراته على حقل يانع محاذ للطريق الرئيسي وقد اشتغلت في مركزه وجنباته رشاشات المياه، والمعمرة سالينا تتجول في أنحاء روضها العطر على صهوة حصانها. تفاجأ الركاب بالسائق يكبح جماح الحافلة على حين غرة فاسحا المجال لفلاحة مسنة تجوز الطريق، ما تزال تهرول وراء أتانها المحملة يقلل ماء مجلوب من بئر نائية.. ظل بدر مشدودا إليها عبر النافذة المشرعة، حتى إذا انحرفت جهة كوخ منتصب هناك في الأحراش عند قدم الجبل رجع إلى وضعه العادي، وضحك من ثقل الهمِ حتى اغرورقت عيناه!! في هذه اللحظة استفاق فيليب على سعلة كثغاء شاة مبحوحة ندت عن الشيخ باطيش، رفع عينيه إلى ما وراء النوافذ وهتف بغير إرادة مخاطبا بدرا السكران بغير سكر: ها هي ذي ضيعتنا! وذاك منزلنا، أنظر.. حول بدر بصره إلى حيث أشار الآخر وكانت نظراته تعكس كل معاني الخزي والنقمة، فماذا يرى؟ إقامة الضيعة الحمراء رابضة هناك ولا يكاد يرى منها إلا بعض نوافذها المشرعة وسقفها المزدان بالأجور الأحمر وسط لفيف من أشجار الليمون والزيتون والتفاح والتوت والإجاص، والكل تحصن بسياج من سوامق الصفصاف والسنديان المنتصبة في شموخ كأنها المردة..

محمد غالمي
10-08-2008, 04:48 AM
وجه بصره نحو محدثه ونطق في صمت مرير: تلك مزرعة لوفراني تحاذيها ضيعة شارل وحقل المعمرة سالينا، وهذه مزرعتكم وهذا مغناكم، فقد رأيت! وبآيت علي ومجاط ضيعات لكم وقد سمعت، ولكن مالي ألفاك كالحمار يحمل أسفارا؟ وإلا فما رأي ماركس وكتابه ذاك؟ وما قول نقابتكم في هذا الجشع السافر؟ (لنا هذا وهذه وتلك وهذا..) ومن أين لكم هذا؟ عجيب والله أمركم، وأغرب ما فيه لغزكم المحير! ثم تحرر من بحر خواطره وخرق حجاب وجومه مستفسرا:
ـ ولم لا تختزل الطريق وتستأذن السائق بالنزول؟
قال فيليب:
ـ بل أفضل أن أزور والدي أولا فنطمئن على بعضنا كما اعتدنا، وفي المساء نروح إلى الضيعة على متن سيارتنا الخاصة..
قال ذلك ولاح في عينيه اهتمام كأنما تعبران عن رغبة ملحة، ثم ما لبث أن تحرر لسانه من أسر التردد فاستطرد مفتعلا ابتسامة: وددت لو أتشرف بمقابلتك يوما فنواصل الحديث ونتبادل الرأي والمشورة.. أسعدني الجلوس إلى جانبك والاستئناس برجاحة عقلك وصريح قولك، أنا الذي لم أتخذ من بني جلدتي خلا ولا ندا، ولكن الصدفة خير من ألف ميعاد، فهل تمانع في أن نضرب موعدا للقاء؟
لم يكن بدر يتوقع هذا الطلب وإن آنس من الشاب قربا لاعتبارات استخلصها وهو يجس النبض ، فانتهى بألا خطر منه يحدق، وأغلب الظن أن انتماءه النقابي وكتاب "نقد الاقتصاد السياسي لكارل ماركس الذي لا يفتأ يقلب صفحاته من حين لآخر، وأباه الشهير بالسيد كوستي في قلب حي الكانتنات، كل ذلك قمين بجعل فيليب في منأى عن الشبهات.. كان بدر يستعيد هذه الهواجس حين جذبته المساكن والبنايات متناثرات، الأمر الذي ملك عليه نفسه وجوارحه فعجل في الرد من دون حسم:
ـ سوف نبث في الأمر ونقرر حين نصل..
أحس بدر بلذة عارمة انفعلت لها نفسه وخفق فؤاده حين لاح أمام ناظريه وجه الحياة النائمة وراء نهر أم الربيع المنساب، شعر بشوق جرفه نحو دنياه الفسيحة الأرجاء، نحو منشأ الصبا بأفراحه وأتراحه وملتقى آله وأخدانه. كانت سطوح الدور ـ كما يعاينها جميع الركاب ـ متلاصقة والدروب ضيقة تستقيم وتنحرف ثم تعلو وتنخفض وهي تعزف نغمتها الرتيبة وتجتر طقوسها المعهودة وتكتوي بلظى عزلتها. وفيما وراء ذلك السور العتيق ـ سور القصبة الإسماعيلية ـ بدا حي الكانتنات في كامل أبهته وأوج نخوته، شوارعه الرحبة تمتد في نظام متناسق وقد اصطفت على جنباتها سامقات النخيل فأضفت باخضرار جريدها حلة زاهية على المكان. وتلك المغاني كما تلوح من وراء الزجاج تكللها تيجان من قرميد أحمر وأخضر وتحفها أسوار من إسمنت تدلى منها اللبلاب والياسمين، وبين هذا وذاك لاحت مئذنة شاهقة في قلب المدينة، وغير بعيد عنها مئذنتان أثريتان قامتا بين أسوار القصبة الإسماعيلية.
غير بعيد عن متجر السيد كوستي بائع قطع الغيار وقف بدر وفيليب ـ وكانت الحافلة قد وصلت نقطة النهاية بعد لأي ـ واندمجا في حديث ثنائي. كان فيليب يتكلم والبشاشة تعلو محياه، وقد بدا بقامته المائلة إلى قصر ممتلئ الجسم بض اليدين، ازدان وجهه الأبيض بعينين عسليتين وأنف قرمزي، ولحيته السوداء المشذبة بعناية تغطي سائر الوجه ولم يبد أثر لشفتيه اللتين غرقتا في شعر اللحية الكثيفة والشارب الكث، وآية ذلك كله شعر أسود ناعم انسدل حتى وارى قذاله. وأما بدر فقد أسند ظهره إلى عمود كهربائي وشبك ذراعيه إلى صدره وحقيبته الجلدية بين ساقيه. كان زيه حقا مواتيا بشرته المائلة إلى سمرة، إذ أخذ يرفل في قميص صيفي أبيض شفاف أبانت فرجته عن شعيرات تناثرت في صدره، وسروال أزرق داكن وحداء أسود لامع. كان شعره الفاحم متموجا لصلابة شعيراته وقد مشطه إلى خلف فلاح من الوجه الحالم عينان سوداوان اتسعت حدقتاهما. كان الجو في هذه اللحظة لطيفا تتخلله من حين لآخر نسائم ساخنة تندر بليلة ليلاء، وجعل الظل يزحف رويدا رويدا حتى كاد يغطي واجهات المتاجر والمخابز والحانات وصالونات الحلاقة والخياطة وأبراج الكنيسة منذرا بالغروب. قال فيليب وقد ارتسمت على وجهه سمات الاطمئنان:
ـ اتفقنا إذن، سوف نلتقي يوم الأحد في بار مدام جورج!
اضطرب بدر فعلا لهذا الموعد أول الأمر اضطرابا شديدا حتى كاد يلغيه، فهو لم يعتد أصلا الدخول إلى البارات، لذلك اضطرب خاطره لا رغبة عن الموعد وصاحبه بل أراد أن يبقى كل تواصل لمحض الصدف، ولكن لأمر ما رد وهو يمد يده مودعا:
ـ فليكن بعد غد السبت.

محمد غالمي
10-15-2008, 01:03 AM
تحرك بدر في بطء يقطع الشارع الطويل حتى انتهى عند مقر قيادة الحاكم "لاكومب". جد في مشيه وهو يعبر الطريق الإسفلتي الترب إلى حي سيدي بوكيل.. صادف في طريقه وجوها كثيرة من معارفه وجيرانه في الحي، وأبرزهم الحسين الدباغ يقود دراجته العتيقة ويحمل على مؤخرتها ما أعد من جلود غنم مدبوغة، وعرضها على بعض زبائنه النصارى في حي الكانتنات. وصل الفتى إلى زنيقة اليهود وانعطف عن يسار أفضى به إلى ساحة السوق، وكانت فسيحة ترباء شبه فارغة إلا من حلقة شعبية أمها سكان الحي والأحياء المجاورة لتزجية الوقت. كانت الحركة والنشاط يحتدان في الساحة طيلة يوم الإثنين فيكتظ السوق عن آخره بما يعرض في كل أنحائه من ضروب السلع، تغزوه جحافل البدو الرحل من القرى والدواوير المجاورة لبيع سمن أو زرع أو شاة، ومن ثم ابتياع ما يكفي لمدة أسبوع من سكر وشاي وشموع، ولا يهدأ فيه تيار السابلة إلا قبيل الغروب. اصطفت في جنبات الساحة المستطيلة خربات من قصدير وحوانيت أعدت أصلا كمتاجر للتبضع، وفي الجانب الآخر أقيم المسجد الأعظم تعلوه صومعته السامقة المشرفة على سطوح دور حي سيدي بوكيل والزرايب وأكواخ حي المرس ومغاني الكانتنات الأنيقة. حول بدر بصره إلى ما وراء ساحة السوق غربا مجيلا إياه في الأزقة الضيقة ودروبها الملتوية التربى، وهذه البيوت المتلاصقة في غير نظام وقد تناسلت كالجراد وتفطرت بعض حيطانها المشرفة على الوادي، وبين الحي والوادي جثا ضريح سيدي بوكيل أبيض كالحمامة، تعلوه قبة مستديرة تطل على النهر وقد ازدان قطرها بثلاث كويرات نحاسية شدت إلى بعضها في هيئة عمودية. لم تلبث عينا الفتى أن استقرتا في ساحة العنطيز، تلك الضفة التي فوق رمالها عبث وتسلى ولها، وفي أغوار النهر المنساب سبح وغطس ومن على قمة تلك الحصيدة أو الربوة الشاهقة قفز فأثارت حركاته البهلوانية، قبل أن ينغمس في أعماق النهر، إعجاب خلانه ورفاق طفولته.. ومن كمثل "دينا" اليهودية الوديعة والجارة بالجنب، حاز السبق في الإعجاب؟ تذكر وهو يتملى في هذه المعالم الخالدة ما تجرعه من مرارة في سبيل دينا!

محمد غالمي
10-18-2008, 03:47 AM
وهذا الغاب الملتف بأشجار الصفصاف يجذب بصره جذبا فيثير فيه إحساسا كادت نفسه تنفطر من جراء إيلامه.."يا إلهي، هل أنت محاسب مخلوقك الضعيف على كبوات صباه وأفراسه؟" ومهما يكن فقد أثار منظر الغاب في نفسه ذكريات ما فتئت تربض في وعيه الباطن كالبركان لا يلبث يثور مهما طال به الرقاد.. حلقت حوله أطياف الأيام الخوالي وذكر فيما ذكر يوم شخص دور العريس بينما تقمصت دينا دور العروس، وكيف شيعه أترابه الشياطين في زفة انطلقت من جنب الوادي إلى ضريح سيدي بوكيل، وأطلقوا حناجرهم على السجية بغناء طفولي برئ وأهازيج شعبية من موروث حيهم ـ حي سيدي بوكيل طبعا ـ ثم انتصبوا وراء السور مشغلين آذانهم، حتى إذا خلا الجو لسلطان زمانه انقض على فريسته مجسدا دوره الرجولي في عبث الصبيان، وكاد يصيب الهدف لولا صياح الصبية المحتد ومقاومتها الشديدة. والحق إن هذه الزلة كلفته أبهظ الأثمان؛ إذ ما نزل عليه من العقاب في بيت أبويه كان أفدح وأفظع، على جسده الذي زخرفه السوط حينا وبطنه الذي بات على الطوى آونة إلا من كسرة خبز وجرعة ماء لا تبل غلة، وقد ألقي به في المربط فكان رابع البغلين والحمار وراء حائط ربضت خلفه النعاج. وإن ينس فلن ينسى غداة ألقى به أبوه في جوف"الطارمة" مخزن الحبوب فقضى يومه في ظلمة كجوف كهف حتى كادت رائحة الشعير الحائل تخنق أنفاسه، وأما الحشرات السارحة في كثبان القمح فلم تشفع له هي الأخرى زلته، إذ أذاقته فنونا من اللسع قضت مضجعه.. ولم يمض غير شهر على حادث دينا حتى عاود عبثه الطفولي، وكان الضحية هذه المرة حيزون ولد رحمة اليهودية الشقيق الأصغر لدينا، فقد اختلى وصحبه به في ساحة العنطيز وأصروا على ختانه كما زين لهم خيالهم القاصر، فنزعوا تبانه وباشر بدر مهمته مجسدا دور خالي إسماعيل الحلاق، بيد أن هذا الأخير كان يستعمل مقصا كبيرا من القصدير السميك كلما استدعي لختان صبية الحي، بينما استعمل بدر قطعة من حديد صدئة أحدثت جرحا غائرا في قلفة اليهودي فولى إلى بيت دويه ينزف دما...واستعاد من الذكريات ما كانت في إبانها مضحكة مسلية وأمست مع مر الزمان مخجلة مبكية، ذكر وهو سيد الفرقة وزعيمها بلا منازع يوم كان يشرف على طابور العصر كما كان يسميه، يحافظ على نظام جنوده، من صفوة رفاقه وخلانه، ويحرص على كبح جماح كل متنطع خرق الحدود فيه.. فهذا عمر ينتظر دوره على أحر من الجمر فتراه مشرئبا بعنقه نحو باب خربة كانت مأوى للعنطيز الأحمق فهجرها، حتى إذا لاح له شبح يهم بالخروج تقدم في رغبة جامحة، فانجحر من دون أن يمهل المسكينة حتى تسترد أنفاسها! كان الله في عونك يا حمارة عمي بوشتى!.. غير أن بدرا الذي أبت نفسه خوض غمار اللعبة القذرة ما لبث يتألم وهو يستعيد المهمة التي أناط نفسه بها وتجشم أتعابها من دون أن يعي تبعاتها. ألم يكن حريصا على ضبط نظام الطابور؟ ألم يتصدى يوما لحميدو الكسلان الذي ركب رأسه عصر يوم وتعجل دوره متجاوزا "حقوق" الرقاب المتلهفة؟ بلى وقد حدث هذا وكان، ولكن كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف الدهر والأوان.. وقف بدر يتملى شاخص البصر إلى الضفة الأخرى للوادي وقرص الشمس ينغرس في الأفق البعيد رويدا .. كان بعض صغار الفرنسيين يحجون إلى الربوة كل يوم أحد على دراجاتهم أو صهوات خيولهم من مساكنهم المحيطة ببناية السد، فيصطفون جنبا إلى جنب يتسلون بصيد السمك وفي أيديهم قصبات الخيزران، وآخرون آثروا القنص فصوبوا بنادقهم إلى الأرانب الراتعة في البراري المحاذية.. لم يكن أبناء حي سيدي بوكيل في الضفة المقابلة يأبهون للباسهم الأنيق، ولا تثيرهم وسائل ترفيههم الحديثة بقدر ما أثارهم وأحرجهم ما انطبع في نفوسهم من كون أولئك مجرد غرباء سقطوا بالمظلات وجاءوا ليسرقوا منهم الضفة والوادي، ذلك ما أشعرهم بدونية ممضة أكلت قلوبهم ونغصت عليهم سويعات اللهو والعبث، لذلك لم يلفوا من وسيلة يثأرون بها لأنفسهم سوى أن يعكروا هم كذلك على الدخيل صفة المتعة ويسلبوهم لذة الصيد والقنص.. أذن فيهم الزعيم بدر بصفارته العاجية فتركوا ما هم فيه من غطس في الماء وتراشق بالرمال وصيد العصافير، وأمسك كل واحد بحجرة تنفيذا للأوامر ثم جعلوا يقذفون بها قذفة رجل واحد إلى عرض المياه القريبة من الربوة فينزعج السمك ويفر، وتضيق صدور النصارى شماتة وغيظا ولم يتورعوا بدافع عصبية مقيتة جبلوا عليها في إثارة حفيظة أبناء الحي، فجعلوا يرددون جميعا في لهجة محلية ملتوية أدرك الآخرون رسالتها: " يا أولاد الزبالة.. يا وكالين النخالة وشرابين الغسالة" وفاضت نفس مراهق نصراني آخر حنقا فصوب بندقيته إلى الجمع بالضفة المقابلة وتصيب رصاصة طائشة يد أعز خلان بدر فتتسبب في بتر إصبعه، وينتفض باقي الرفاق كالعصافير المذعورة فيولون من الباغي فرارا بجلودهم صوب ضريح سيدي بوكيل يحتمون به.. دمعت عينا بدر فأوقف هذا الشريط وهو يسرح ببصره في عرض مياه النهر، ولم يبق للشمس في هذه اللحظة من أثر سوى تلك الأشعة الدامية التي تلوح في الآفاق النائية وقد عفرت بأديمها الوردي أديم الغيوم البيض ولبس الكون رداء أسمر.. بدت له الربوة والضفة والوادي ومن خلفه الضريح والحي وسائر الأهالي ليثا معطوب الساق من عضة ذئب غدار، وبدون شعور همس في خشوع.. لا تحزن أيها السقيم فسوف ينمو شعرك ويكبر وتعافى الساق وتجبر.. ولست في ريب من مناعتك فهي وحدها كفيلة برأب الصدع، وحينئذ ستتربع على عرش العرين شامخا مهاب الجانب.. سوف تكسر بنابك من غلوا جناحيك وتبقر بطون من راموا إذلالك، أنت الذي تأبى الإذلال وتأنف العيش دون ذرى الجبال.. فلا عاش رعديد آثر تركيعك واستباح إهانتك. في هذه اللحظة أتاه شخص من خلف فأوقف تيار أحلامه إذ أطبق على سائر رأسه بساعديه وغشي على بصره بكفيه، أخذ بدر يمرر أنامله على ظهر الكفين المطبقتين حتى إذا لامس الأصابع قاده خنصر مبتور إلى تحديد هوية صاحبه، إذ ليس في معارفه وأهله من بتر أصبعه سوى ولد المخزني فصاح على التو وقد أسعفه حدسه: عرفتك! أنت؟ حسام؟ على وجه السرعة أزال حسام يديه عن وجه بدر وشرع في عناقه وتقبيله مرددا في نفس الوقت: طابت عودتك.. والله لقد وطأت الحي أهلا .. ثم انطلقا متشابكي الأيدي نحو الدرب وهما يجوزان ساحة السوق عرضا. والحق إن بدرا كان لحسام خلا حميما وصديقا طيبا عزيزا، وظل على مودته حريصا، لم يحل يوما اختلافهما في الطبع دون تجدر أواصر الصداقة بينهما، تلك الصداقة التي نسجت تلابيبها في مدرسة النصارى المختلطة بالجهة الخلفية لساحة السوق، التحما وهما غلامان يافعان حتى استويا شابين ناضجين. كانا يسيران وقد توازى قدهما حتى ليخالهما الناظر توأمين، عطفا نحو رأس الدرب وحسام ممسك بحقيبة صديقه غير أن منظرا مفاجئا شدهما وأثار فيهما غريزة حب الاستطلاع

محمد غالمي
10-27-2008, 01:29 AM
لم يغب سر هذا المشهد عن بال بدر، درى كنهه ولزم مكانه هادئا رزينا شابك الذراعين إلى صدره مرسلا من عينيه نظرات ساخرة، في حين راح حسام يشرئب بعنقه مهتما حتى هوت الحقيبة من يده واندفع خطوة إلى الأمام كمن يتأهب للكر لولا أن أمسك بدر بتلابيب قميصه الأصفر.. كن ثلاث بنات يسرن في خيلاء، رافلات في فساتين حريرية شفافة انحصرت عند الركبتين وراوحت بين أزرق وأحمر وأسود. كانت طلعتهن البهية تنم حقا عن رفاه ونعمة، تتقدمهن فتاة تجد في المشي مهرولة بنعلين مرقعين كشفا عن قدمين متشققتين من خلف، وقد دلت ملاءتها الرثة التي لفت جسما شبه نحيف أنها لا تمت بصلة لعالمهن المتميز. لا ريب في أن وجهتهن كانت أول بيت قائم يسار الدرب غير بعيد عن حانوت خالي إسماعيل الحلاق وخالي سلمان السفناج. ما يزال بدر وصاحبه يتعقبان بأعينهما خطواتهن في اهتمام.. وصدقت الفراسة ولم تجانب الظنون صوابا، طرقت قائدتهن الباب ودلفن تباعا.. ضحك بدر في نفسه وهمس بازدراء لصق أذن مرافقه التائه: غريب أمر هذا الزمان الأعرج! أمسى بيت الوزانية محجا للمسلمة والنصرانية واليهودية! والحق إن حسام لا يعرف من أمر الوزانية فتيلا، وإن كان يراها جالسة فوق عتبة الدار من حين لآخر كلما يمم شطر الدرب، تكالبت عليه الظنون وانتابته الوساوس فبادر مستفسرا:
ـ ومن تكون الوزانية هذه؟ أليست خياطة، وهؤلاء الفتيات في عداد زبائنها؟
كان بدر ينتظر أن يثير حسام موضوع من اهتزت لرؤيتها جوانحه ، ولكن لا شيء من ذلك حصل ربما أجفل الملسوع متعمدا لسبب خفي.. حسام ـ كعهد صديقه به ـ فتى وسيم ثائر ولا شيء يطفئ لظى ثورته سوى أن يرى سهام عينيه تخرق صدور عذارى الدخيل.. حسام خبير في إغراق أشباه نادين في لجة من هوى خادع واهم، ولكن يبقى لذات الفستان الأسود رأي آخر، فرد متهكما:
ـ لم يجد هؤلاء سوى الوزانية تفصل وتخيط! ما أغرب ظنونك! وهل تعرف من أمر الزائرات شيئا؟
والحق يقال إن حسام كان يعرف أن من بين الحسناوات واحدة انتفضت لها جوارحه وخفق فؤاده حين مد عنقه يستطلع وكبح بدر زمام اندفاعه، وقال هامسا في أذنه: ذات الفستان الأحمر هي نادين بنت ماريوس صاحب البار، وليست ذات الفستان الأزرق سوى مونيكا بنت الحزان في زنيقة اليهود، (وأضاف وهو ينظر إلى عيني صديقه ليرى ما سيتركه القول الفصل في نفسه وعلى سحنته من الأثر) ولعل من تزهو في ثوبها الأسود الشفاف هي أحلام بنت الفتاك ترجمان الحاكم لاكومب!
كان لذكر أحلام وقع كالسهم في نفس حسام فابتلع ريقه ودارى دهشته وتساءل:
ـ وما الداعي لمجيئهن إلى دار الوزانية؟
لم تخف على بدر خافية على الرغم من غيابه عن الدرب طيلة أيام الدراسة، كانت أخبار حسام وأحلام ودقائق خصوصياتهما، فضلا عن حربه الضروس على بنات الدخيل من فصيلة نادين، جميعها تأتيه عبر البريد من الدار البيضاء إلى فاس، إذ بها يتسلى ليلا من عناء تحصيله وفيها يجد عزاء لغربته. أدرك بحدسه أن انفعال صديقه من ذكر أحلام يخفي أمرا عجبا، فعجل بالرد ساخرا مشفقا:
ـ وهل جئن لشيء غير قراءة الطالع؟
قال حسام وعيناه لم تحيدا عن الباب حيث يتوارى الهدف الموجع:
ـ قراءة الطالع؟ الوزانية إذن قارئة فنجان؟
ـ بل فناجين وأكف ورمال وما يشتهي المظلوم والمجنون والمغبون.. يا للعجب أنت بمنزلة واحد من أبناء الدرب ولم تفقه من أمر المرأة سرا!
كان حسام فعلا مدمنا على زيارة الدرب منذ ارتبط ببدر واتخذه صديقا حميما، كان يجد في مجلسه اطمئنانا وفي قربه أنسا وكلما ضاقت أنفاسه أو توترت أعصابه طار إلى رفيق دربه يسأل الحلول ويلتمس العزاء وينشد السلوى. إنه ملاذه الذي إليه يهرع وظله الذي به يتفيأ، وهو الحبيب إلى قلبه المطلع على خزائن نفسه وخبايا مكنونه ماعدا سرا يضمر آلاما مبرحة؛ آلام الخلع الكامنة في النفس كالجمرة. أليس حسام خليع أحلام وطريد جنانها؟ حقا سقطت في شراكه واقتنصها كما اقتنص أخوات لها من قبل ولبت نداء عواطفه، وازدادت الألفة تماسكا والعواطف التهابا لما وجدا نفسيهما غريبين يلتمسان المعرفة بإحدى ثانويات الدار البيضاء، بيد أن نزقه وطيشه غيرا وجهة المركب وأمسى من يومه مكتويا بلسعات الهجر..
عاد حسام يحمل الحقيبة التي سقطت أرضا حين باغته المشهد وسأل:
ـ ومن تكون الرابعة التي كانت تتقدمهم:
ـ إنها فطوش بنت الحوات..
وفي اندهاش تساءل حسام:
ـ أخت عمر؟
أجاب بدر في حسرة:
ـ فعلا هي بحدها وحذافيرها.. ألا قاتل الله الفقر..
استأنف الشابان مشوارهما صوب الدرب بيد أن حيرة حسام وما يعتمل في صدره من الاضطراب أوعزا إليه أن يختلس نظرة إلى باب الوزانية.. تأكد لبدر أن مرافقه أسكره الهول فخاطبه في هدوء يطبعه الجد والرزانة:
ـ سوف أنتظرك مساء الليلة بدارنا.. سوف نتناول وجبة العشاء والرفاق سويا..
وتسلم بدر حقيبته وصافح صديقه مودعا فواصل السير نحو الدار في خطى وئيدة وأذان المغرب يغمر الأجواء.. كان يجيل النظر في البيوت المبلطة بالجير الأبيض وقد تلاصقت جدرانها القائمة في خط متواز مع الحائط المشرف على الروضة التي امتلأت عن آخرها بالقبور..

محمد غالمي
11-04-2008, 02:25 AM
أمسى الدرب في هذه اللحظة خاليا إلا من صبية يركضون عابثين ويلاحق بعضهم البعض، وعند نهاية السور انتصب شخصان يتحادثان تارة ويستطلعان آونة مترقبين في اهتمام.. وما إن وصل بدر إلى بيت دويه وهمَ بالطرق على الباب حتى أخذت السواعد تلوح من بعيد، ولكن دون جدوى، واضطر أحد الواقفين لرفع صوته بالنداء.. تأكد بدر من مصدر النداء وهوية المهتمين فنكص على عقبيه ملبيا ..
هتف أحدهما مغتبطا مادا ذراعيه لاحتضان الضيف الرفيق:
ـ يا سبحان الله! لقد تنبأت لمقدمك وأخبرت هذا الواقف بجانبي.. سله ينبئك يا بدر(والتفت إلى زميله ) لماذا أنت صامت يا عصام؟ أما قلت لك إنني ظللت طوال اليوم أمط شفتي وأغرس فيهما أسناني؟ (وحول وجهه إلى الضيف الرفيق وأفرج عن ساعديه استعدادا لعناقه فصاح).. والله يا بدر لقد خيم علي هول حضور الغائب...
رد عصام وهو يتأهب بدوره لتحية صديقه العائد:
ـ إي والله لحق.. لقد صدقت فراستك يا غالي!
وجعل الشمل يلتئم من جديد، وليس غريبا أن تدمع العيون ويطفح التأثر في الوجوه من حرارة اللقاء.. حقا تباينت الأفكار واختلفت الطباع ولكن اندمجت المشاعر واتحدت الأفئدة فكانت مجمعا للمحبة والصفاء. توجه الفقيه الغالي إلى بدر وخاطبه بلهجة لا تخلو من عتاب:
ـ لو عرفت ما خلق غيابك في الدرب من طفرة وفي الأفئدة من شوق لأشفقت من حالنا ولو ببريد يريح خواطرنا (واستطرد في استنكار هزلي) هل أنساك فينا رفاق فاس يا فاسي؟
وأضاف عصام في لهجة لا تعدم تعريضا وقد التفت إلى الغالي كأنما يذكره: ورفاق الدار البيضاء يا هذا!
رد بدر وقد بدا في ضحكته كالمستعطف:
ـ معاذ الله يا عمي يا غالي.. لو عرفت أنت كذلك حدة الظرف العصيب الذي حتَم علي الغياب لبكيت لحالي (والتفت إلى الآخر مزيحا الغطاء عن تعريضه) لا يا عصام لا تسئ الظن بحسام وأحلام فكلاهما يسبح في بحر الهم والوهم..
لم يكن غياب بدر عن مدينته ودربه ومجمع رفقته يتعدى الشهر، بيد أن ظروفا سياسية وعلمية فرضت عليه حالة الاستثناء وقيدت رحلته إلى دويه ومنبته.. وحمد الله في النهاية أن توج الغيبة بما أحرز من توفيق في مساره الدراسي؛ عاد الفتى متوجا بشهادة الباكالوريا من ثانوية مولاي إدريس بفاس وشهادة تقدير من إدارة القرويين.. وعلم عصام والغالي بالخبر السعيد فتوالى العناق والتقبيل عربونا للمحبة والتقدير.. وما يزال الفقيه الغالي يردد.. هنيئا لنا جميعا يا بدر.. إنه لفوز مظفر وشرف لنا جميعا.. فلا تؤجل حفل النجاح..
ابتسم بدر وقال في أدب: ستبدأ مراسيم الحفل من ليلتنا هذه.. أنتما مدعوان لحفل عشاء بدارنا.. اتصلا بالأخ عمر..
واستأذن بالانصراف فانصرف مذكرا بموعد اللقاء.. ولدى وصوله عتبة الدار صادف أمامه مايير زوج رحمة اليهودية يبرح منزله بعدما جدب وراءه الباب، فتبادلا التحية مشفوعة بعناق حار..
قامت غرفة بدر في الواجهة الشرقية على سطح دار دويه ولا يفصلها عن نهاية الدرب سوى دار رحمة اليهودية، والداران كلتاهما تشرفان على روضة الأموات المنسية. عسعس الليل وغشي الدرب وما يحيط به ظلام دامس تكسره أضواء النجوم المزهرة في السماء، ولاح الضوء خافتا من النافذتين المشرعتين على الطريق الفاصل بين الدار وسور الروضة. في هذه اللحظة أقبل الصحاب جميعا فصعدوا الدرج إلى الغرفة في أمان ماعدا واحدا مرق إلى فناء الدار ليجابه ظلمة حالكة لم يهتد معها إلى عتبة المصعد المفضي إلى السطح، فقبع في مكانه درءا لخطر زلة أو اصطدام، وجرى لسانه في صوت مهموس بما تيسر من كتاب الله الحكيم.. وسرعان ما انفرجت الأزمة وخفت المحنة بإقبال سادس الرفاق متأخرا كالعادة وأنتشل الفقيه من جوف الظلام. فرشت أرض الغرفة الفسيحة بحصائر من أصيل الدوم، وعلى جنباتها بسطت الزرابي المزركشة والوسائد الصوفية، وعلى المائدة المستديرة في الوسط وضع طبق محاط بشرائح الخبز. وعلى طاولة في إحدى الزوايا صفت ضروب من الكتب وصنوف من المجلات. إنها مأوى بدر ومقر إقامته بلا جدال، أعدت له بعيدا عن إقامة الأسرة وإسطبل البهائم في الطابق السفلي، لا يلجها أبوه ولا أمه إلا بعد استئذان وبالأحرى أخته صغيرة الأسرة ووحيدتها. إنها ملتقى الأنداد وملاذهم الذي إليه يهرعون إذا عز الملاذ، كانت جلساتهم تطفح بسديد الرأي وعبثه وحلو النكتة وسافلها، وجرت العادة بأن تفتح الجلسات بما يقدم من شهي الطعام. إنها عادة متأصلة في سائر الدار، دأبت عليها السيدة حليمة أم بدر حتى اشتهرت في أوساط جيرانها ومعارفها بالسيدة الكريمة المؤمنة؛ لا تبخل على طارق باب أو مستجد عابر سبيل بما تيسر من عطائها وما ملكت يمينها، حتى رحمة اليهودية الجارة بالجنب تصلها العطايا مدرارا، وما أكثر العطايا من قمح إبان حصده ودرسه ولبن بعد دره . ولا غرابة إذا اعترف رفاق بدر بأنهم مدينون للسيدة الكريمة، مدينون لليد التي تسخو وتجود واللسان الحلو الذي يوقع في آذانهم أنغاما تنبع عطفا وأمومة.. وانهمك الصحاب في تناول ما قدم من طعام، فقال عمر وهو آخذ في مضغ اللحم بشراهة جرت عليه الأنظار ساخرة:
ـ عجبت ولله لرجل يلتهم اللحم والبطاطس ولم يستطع الاهتداء إلى العتبة المؤدية إلى ساحة الغنيمة هذه!
فطن الفقيه الغالي لهذا التعريض المكشوف ورد في أدب:
ـ كثر الله خيرك وزاد من أمثالك..
وتمادى عمر في التحرش على سبيل الإثارة فلغط:
ـ أنا صاحب الفضل عليك ومخرجك من الظلام إلى النور..!
واكتفى الفقيه بأن ردد في صوت مهموس: أعود بالله من الشيطان الرجيم وحسبي الله ونعم الوكيل..

محمد غالمي
11-11-2008, 04:33 PM
ألقى عمر بعظم بعد أن عراه عن آخر وامتص ما بجوفه، وانقض كالهر على عنقود من عنب أسود فراح يزدرد حباته في لهفة ونهم ثم قال:
ـ يعلم الله ما خلفه فراقك من ألم في نفوسنا.. يا ما أعمانا الشوق لغيابك يا أخي بدر!
جعل حميدو الحلاق يدس يده في طبق الفواكه، والتفت إلى بدر بوجه شاحب وفم اتسع فضاهى فم ضفدعة بعدما تحرر من وجومه الذي فرضه الطبق الدسم وقال ساخرا كأنما يرد على غريمه:
ـ هل في نفسك ألم الفراق أم ألم الجوع الذي ظل يفتك بأمعائك؟ وهل حقا أعماك شوق بدر أم شوق اللحم الذي تفترسه بلا هوادة؟
لم يجد عمر من بد سوى أن يدفع عن نفسه الإهانة، فرد وقد تناثر العنب من فمه شظايا:
ـ بورك فيك يا بن الخيمة الكبيرة، خيمة الخدم والحشم! خير لك أن تغلق فمك.. أما قلت لك مرارا إنه لا أحد مطلع على قهرتكم سواي؟ وهل تنكر أنكم تصبحون في كوخكم الحقير على القهوة الكحلاء وخبز الشعير؟ أما شكوت إلي مرارا وقلت إن العدس والباذنجان ألهبا أمعاءك؟.. أرحنا من نتانة فمك لا أراحك الله، وعوض الباذنجان وتين النصارى باللحم والعنب..
كاد عصام وحسام ينفجران من الضحك ما خلا بدرا الذي انشغل والفقيه الغالي في حديث ثنائي، ولم يعرا اهتماما للسجال المعهود بين عمر وحميدو على الدوام.. في هذه الأثناء اربد وجه بدر وارتسمت على أجفانه سمات الجد والوقار كأنما يؤذن بإيقاف اللجاج الهازل. كان ذلك فرصة للسيد الغالي كي يسمع صوته، فتوجه إلى المتبارزين عن يمينه والمتفرجين عن يساره، وقد ضرب كفا بأخرى حتى كادت طاقيته البيضاء تسقط لولا أن أرجعها بمنشة من الدوم ما فتئ يطرد بها الحر، فقال:
ـ وحدوا الله يا إخوة واسمعوا أتابكم الله: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" فردد الحاضرون "صدق الله العظيم" .. أخونا بدر عاد اليوم مظفرا من عاصمة العلم!.. فما أجدرنا اللحظة بأن نعوضه تعب السفر بلذيذ السمر.. إنه والله لأشد حماسا ولهفة لسماع ما جد من أحوال حينا! أعفوه ـ عفاكم الله ـ من الإحراج بهجين الكلام وسافل اللجاج، ورددوا معي "اللهم أدم عليه موفور العز والظفر واجعل فوزه وشاحا يزين صدورنا.. وهذه النعمة التي شملنا بها ـ والفضل للسيدة الكريمة ـ جعلها اللهم حسنات تمطر أجداده الراقدين هناك في الروضة الجارة.." والفقيه حين يرفع أكفه بالدعاء يغمض عينيه ويبدو كمن يتهيأ للبكاء، فيجعله ذلك عرضة للتفكه والتندر. وصدرت أولى ردود الفعل الاستهجاني من عمر، لقد أثاره هذا المظهر فأوحى إليه عالمه الخاص أن يندمج في ضحك مهموس وعيناه الذابلتان لا تبرحان الفقيه.. وأما حميدو فقد أسند مرفقه على وسادة واضعا كفه على خذه ومدد ساقيه النحيلتين حتى لامستا رجلي عصام، فقال:
ـ لشد ما برع لسانك في ترنيم الأدعيات يا شيخنا! (والتفت إلى عصام وحسام مومئا إلى عمر في غمز مكشوف).. وباسم هذا المسكين المحروم زد لسان فقيهنا ترنيما حلوا عذبا حتى تبقى النعم في بطوننا دافقة..
كف عمر عن ضحكه ولم يتأخر في صد الهجوم فخاطب غريمه:
ـ أما كفاك ما لكت من لحم طير وغنم؟ لم يبق لك ما تطمع فيه سوى لحوم البغال الجاثية في المربط أسفل.. لا ريب في أن الجان الذي أصابك بمسه قاطن في مطبخكم! أنت صريع المطبخ إذن! ( وحول عينيه ناحية القوم وهتف ملء حنجرته.. أغيثوا الرجل واحملوه على وجه السرعة إلى الفقيه المجنون بالزرايب ليصرعه.. وإذا اقتضى الحال فإلى بويا عمر مارستان المجانين التقليدي في قلعة السراغنة.. انظروا إلى الجوعان يهذي بلا حسيب ولا رقيب كلما انتابته نوبة من مس الجوع..
كاد عصام يختنق من شدة الضحك فغير مجرى الحديث الهزلي العابث وتساءل مستنكرا كأنما يرد على الفقيه الغالي:
ـ ماذا جد في حينا غير المآسي المطردة نمسي عليها ونصبح ونتجرع كؤوسها المرة زعافا!
تدخل عمر وكان في هذه اللحظة مكبا على لوحة من خشب يقص عليها مخدر الحشيش ويهرسه فيحيله دقيقا، وقد عكس ضوء الفانوس الشاحب وجهه العريض المنتفخ الخدين، فأضاف:
ـ فعلا لا جديد يذكر إلا ما كان من موت أحمد الخضار شنقا في غياب أهله! ووادي أم الربيع الذي ابتلع روسي ولد الباترون باطيش..
تغيرت ملامح بدر لدى سماعه اسم "باطيش" وتساءل مستقصيا عن الحادث الأول:
ـ ولم فعل أحمد الخضار في نفسه هذه الفعلة النكراء؟ أب لستة ينتحر؟ يا لفداحة الأمر ويا لهول المأساة!
قال عمي الغالي والمنشة تتحرك في قبضة يده:
ـ إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور...
ولم يتأخر عمر في التعقيب فاستطرد:
ـ شاع في درب سيدي بوكيل بأن فضله ورأس ماله أقبرا في بيت رابحة أم السنان القوادة في حي بو ذراع.. ولما عجز عن دفع الضائقة عمل عساسا في حي الكانتنات، بيد أنه طرد قبل أن ينهي أسبوعا، إذ ضبطه مبارك الشرطي نائما أكثر من مرة.. لجأ إلى مكينة الدوم يسأل عملا، لكن الباترون باطيش رده على أعقابه لتقدمه في السن.. وحصل ما حصل

محمد غالمي
12-05-2008, 12:21 AM
استوى عصام في جلسته وقد شعر بوخز الإبر يجرح مشاعره، وأخذ العبوس ينتشر كالغيم الداكن على صفحة وجهه فقال:
ـ كل ما عرفناه من المآسي طيلة غيابك يهون يا بدر، وليس أهون منه ما تجرعناه، إنه أقوى من أن تحتمله الضمائر الحية اليقظة!
ردد بدر في خاطره مستغربا "أقوى من أن تحتمله الضمائر الحية!" فكر في أن يطلب من حسام تدوين كل النقط الحساسة التي أثيرت ـ وما تزال تثار ـ في محضر خاص لتدرج في جدول أعمال لاحق، بيد أنه تريث مرجئا ذلك إلى نهاية الجلسة، فتساءل والاهتمام باد على محياه:
ـ أية مصيبة تجرعتم في غيابي يا عصام؟
ـ بل مصائب قوم يا بدر!
كان عصام عصر ذلك اليوم الصيفي القائظ عائدا إلى بيت أهله بعد فترة استجمام بالوادي، فأثاره مشاهد غريبة عطلت حركة رجليه ولبد في مكانه يتابع أطوار مشهد لا يخلو من مسحة تراجيدية.. طوابير من أشباح إنسية انتظم فيها الرجال والنساء والعجائز من ساكنة بوذراع والزرايب وسيدي بوكيل ودوار المرس.. يحملون الأقداح والقدور في انتظار نصيبهم من الحساء أو الرغيف والأرز والسكر.. وزحف إلى عين المكان جيوش من البدو على ظهور بغالهم وأتنهم. كانوا أشد لهفة لانتشال بعض الفتات من حق مغصوب سحق الجفاف في قراهم الزرع والضرع. واستطرد عصام وقد رفع رأسه إلى بدر الهائم.. كانت الطوابير كمائن لاصطياد من يعتبرهم الحاكم مارقين وساخني الرؤوس. خمسة رؤوس تلقفتهم يد الشرطي سرحان من فعل وشاية المدعو علاف النادل بقهوة الجبلي وحادة القوادة بحي الزرايب.. اقتيد الضحايا إلى مقر الحاكم وسلموا إلى حلاق خاص سارع إلى جز شعرهم بشفرات غير حادة ودهن رؤوسهم الصلعاء بمادة القطران، ومن تم قام سرحان والشيخ عزام بتطويفهم في حي الكانتنات ثم اقتيدوا بعد ذلك إلى زنازين انفرادية بالسجن المحلي.. وزاد في إيذاء مشاعري منظر رجل ضبط مندسا في الصف يبغي مضاعفة نصيبه من المؤونة إلا أن يدا سوداء هوت على عنقه كالحدأة وانتشلته من الطابور في جذبة هوى على إثرها أرضا وهوت عليه أقدام سرحان وعزام بالرفس واللكم.. بعيد هذه الصولة توجه الشرطي في زهو وخيلاء إلى من لا يزالون ينتظرون أدوارهم، وكان عددهم يزيد عن الثلاثين تم تصنيفهم في زمرة المغضوب عليهم بوشاية من علاف. وسرحان الشرطي طويل القامة، ذا جسم نحيل وسحنة سوداء تبرق فيها عينان لاحت منهما شرارة من نار، وكشف فمه عن أسنان متهالكة نخر جلها السوس، فقال بلهجة عنيفة "خبروا يا كلاب هل هذي وجوهكم أم أقنعة استعرتموها؟ كيف سولت لكم نفوسكم الخبيثة التي سينخرها السرطان، أن تعصوا أوامر السيد لاكومب ولي أمركم المطاع وخادم فرنسا المطيع؟ ما سر امتناعكم عن رعاية خنازير الحاكم والسهر على إطعامها وتنظيفها؟ هل نسيتم خير فرنسا يا وجوه الشر؟ (وصاح ملء عقيرته والقائد وزبانيته يميدون برؤوسهم مزهوين)..أجل، فرنسا التي خذلتم ممثلها وجئتم مطأطئي الرؤوس تسألون من أرزاقها ما تملئون به بطونكم الضامرة! أين نخوتكم التي أبنتم عنها حين امتنعتم عن المشاركة في أشغال إزالة الحجارة من ضيعات القائد صالح والترجمان الفتاك وتشجيرها؟ لم دستم على تلك النخوة البلهاء وجئتم تتوسلون من فرنسا الطعام بلا حياء؟ فرنسا يا قوم نضب ما على موائدها من العلف.. وأيسر ما تكفرون به عن عصيانكم أن تردوا الاعتبار لسيادة الحاكم والقائد والترجمان، والشروع من الآن في إنجاز ما يوكل إليكم من الأشغال إلى أجل غير مسمى.. واقتيد القوم إلى مقر الحاكم، ومن ثم شحنوا كما تشحن الماشية في عربة تجرها البغال تحت لفح الحر..
لم يكن حسام غائبا عن سيناريو حدث مماثل نسجت خيوطه على مرأى منه، ولعب فيه سرحان دوره الجنوني المعتاد، فأوحى إليه الحشيش المقصوص، والذي كان عمر من حين لآخر يزوده به، بأن يعيد أطوار المشهد الرهيب كما عاينه، فتحرر من ربقة صمته وقال:
ـ ما روعني وأنا بصدد الخروج من حديقة مغنى الحاكم، سوى منظر سرحان الشرطي وقد أطبق بكلتا يديه على عنق غلام يافع ثم أوقعه أرضا بركلة عنيفة وشرع في رفسه بلا هوادة!.. وعرفت فيما بعد بواسطة أبي، أن الغلام المنكل به لم يفر لحظة رؤيته الشرطي سرحان يجوب الشارع في جولة روتينية على متن دراجته الهوائية..!
بدت سمات الانزعاج ترخي ظلالها على وجه بدر وتوجه إلى عصام مخاطبا:
ـ وماذا حصل للرجل الذي ضبط مندسا في الصف بعد التنكيل به؟
أجاب عصام متأسفا:
ـ حمل مباشرة على ظهر حمار إلى مستوصف النصارى بالقصبة.. إنه عمي سلمان السفناج في الحي!
راح بدر يتساءل في أسى مكين ونبرة مؤلمة مستعيدا مرددا في ذات الوقت ما جاء على لسان سرحان: "أين نخوتكم التي أبنتم عنها؟ لم دستم تلك النخوة العوجاء وجئتم بلا حياء تتوسلون الطعام من فرنسا؟" وابتسم ابتسامة من أثقل الهم قلبه، وتضاعف إحساسه بالألم الباطني كالمنشار يحسك أمعاءه، فأضاف كأنما يقر بواقع مخزي: كل ذلك العذاب المهين لإزالة الحجارة من ضيعات القائد صالح والترجمان الفتاك، وإطعام خنازير الحاكم وتنظيف مرابطها..! (واستطرد والرفاق ينصتون مهتمين إلا عمر الذي انشغل بالحشيش المقصوص يزيل ما علق به من الشوائب برأس سكين).. تالله لمن المؤسف أن نستطيب الطعام ونحن معرضون كل الإعراض عن التفكير بالجياع الذين يعجزون عن سد الرمق بمثل عشر الأعشار مما نستطيع! أين القوم المنكل بهم من نخوتنا وغيرتنا على الجوع يا إخوة؟
انتفض حميدو الحلاق من مكانه وقال معرضا بعمر المنهمك في أخذ نفس من السبسي المملوء كيفا:
ـ مصائب قوم عند قوم فوائد يا أخي يا بدر!
فقه عمر على التو ما يرمي إليه الآخر فنطق:
ـ يا ما أزعجنا نقيق هذه الضفدعة يا رب! (واستطرد وقد نفخ في فوهة السبسي بعدما قذف بالرماد جانبا) خلنا أن عام الجوع ولى منذ خمس سنوات!
قال بدر محتجا:
ـ ولماذا حكم على المنبوذين والمهمشين في حي سيدي بوكيل والزرايب وبوذراع بأن يؤدوا ضريبة الجوع من سواعدهم وعلى حساب أعراضهم؟ كل ذلك والحاكم متماد في بطشه وسرحان في وعيده وتوعده، وكأن ما ألحقه بالقوم من مذلة لم يشف له الغليل.. يا ويلهم يفعلون ذلك وكأنهم يبتهجون بإحياء ذكرى "عام الحلبة"!
***وعام الحلبة واحد من السنوات العجاف، وفي عز الحرب الثانية التي ظلت تسحق العالم بلا هوادة.. أجل تسرب لهيب الحرب الظلوم، وشحت السماء، وأمسى حي سيدي بوكيل وما جاوره فريسة لطاعون المرض والجوع.. نفذ ما تبقى من مخزون القمح والشعير من بيوت المعوزين، حتى متوسطو الحال من ساكنة الدرب داهم مطابخهم مارد الجوع، ولم يبق فيها مدا واحدا من دقيق.. انفردت في الحي عائلة السيد عبد الحميد الراضي والد بدر.. حقا سمح له وضعه ـ كموظف بإدارة الأملاك المخزنية ـ أن يقتني بعض الفدادين بثمن بخس، سومة فرضها زمن المجاعة وشرارة الحرب، ولم يجد مالكوها من وسيلة لرأب صدع الجوع سوى عرضها للبيع بأفدح الأثمان، بعد أن أطلقوا سراح حميرهم وبغالهم الهلكى من جوع..
رفع عمر رأسه وبدت عيناه محمرتان، وهو لا يكف عن الضحك من فرط ما علف من مخدر"الكيف" فقال:
ـ أبعد الله عنا رياح الحلبة يا بدر.. (والتفت ناحية حميدو وركز فيه نظرات، فقه الآخر أنها تلوح لماض أغبر أسود، وتضمر استفزازا وشماتة أفدح وأمض، فلهج).. كان الله في عونك يا حلاق، أنت أولى برفع أكف الضراعة لإبعاد شبح الحلبة..
قال الفقيه الغالي:
ـ كيف كانت أحوال ساكنة الدرب في عام الحلبة؟
رد عمر كالمتأسف:
ـ لم ننس يا غالي طاحونة الموت التي ابتلعت نصفهم.. بالغوا في أكل الحلبة حتى نبضت دماؤهم..
وأضاف بدر:
ـ ومن تداعيات الحرب والجدب استشرى مرض حمى لعين حصد أرواح الصبية والشيوخ..
آثر عمر صرف الحديث عن مساره الجاد كعادته حين يروم سبيل الدعابة، فقال:
ـ ما عرف الفرنسيون والله للحلبة طعما! أذكر يوم كنت الساعد الأيمن لأبي شفاه الله، طيلة أعوام الحرب، وكنا نعرض الأسماك على الزبائن في حي الكانتنات.. هل تتصورون كيف كانت خياشيمي تنتعش بأريج ما تعبق به الأجواء؟.. غير بعيد عن مخبزة المعمر كورسيل، وبار ريجينا، وماريوس ومسيو جورج، تعبق روائح الخبز والحلويات الزكية.. ناهيك عن أريج العطر والسجائر والخمور! والحق أقول بألا رائحة للحلبة تذكر.. ولا مرأى لمريض يتأوه من حمى حارة قاتلة..
ورام إثارة من في المجلس فتمادى في غيه واستهتاره، وإن كان لا يقصد إلا لبسط بعض الأنس والفرجة احتفاء بعودة قنديل الجماعة المظفر وشرع يملأ السبسي ويضحك كما أوحى إليه عالم الكيف، فواصل).. والله لم تعرف الحلبة لبطوننا مسلكا.. كنا طيلة تلك السنة السوداء نعيش كالنصارى في بيتنا! لم تكن مائدتنا تخلو من خبز لامع كالذهب.. ناهيك عن الجبن والكوكا كولا ومصبرات الزيتون والمربى!
قاطعه عصام وخاطبه بلهجة الساخر المتكلم:
ـ ولكننا ما اعتدنا أن نشم فيك سوى رائحة الحوت التي آذت منا النفوس الأنوف!
نزلت هذه اللهجة بردا وسلاما على حميدو، وشفت منه الغليل؛ كيف لا، وهو الفتى الذي عانت أسرته ما عانت طيلة سنوات الحرب والحلبة؟ فقد أودت الحمى اللعينة بجده وأصغر إخوته.. وما يزال الاصفرار يلازم سحنته.. ألم يستفزه عمر ملوحا بضحكه الماكر؟ لذلك قال معرضا كأنما يخاطب عصام، بعد أن وجد ذريعة ليشفي غليله:
ـ رائحة الحوت النتن و(البكاك) اللعين؛ ذلك الطعم ذي السر المكين!!
تحرر الغالي من وجومه وتساءل:
ـ ما سر هذا البكاك يا أخانا؟
أجاب حميدو ضاحكا مشفقا:
ـ خير لك ألا تعرف طبيعة (البكاك) يا شيخنا! فلو عرفت السر ما بقي في بطنك مرق ولا لحم وعنب!
آثر الفقيه الصمت ليجنب سمعه ما لا يطيقه من سافل القول ورديء الكلام.. ولكن عمر طاب له أن يحول اتجاه سهم الاستخفاف والإثارة إلى الفقيه، فخاطبه:
ـ لم تسأل عن أحوال الدرب زمن الحلبة وتتستر عن أحوالك؟ (وصمت كمن ينتظر جوابا على سؤاله، لكن بدون جدوى، فأخذ نفسا من الكيف واستطرد).. ولكنك كنت في مأمن من الحلبة بلا ريب! ألم تقل لنا يوم عدت من زاوية سيدي الزوين إن الطلبة كان لهم هناك نصيبهم من الفطائر والثريد؟ (وصمت برهة ثم واصل) ولكن الفضل لشيخ القبيلة الذي انتشلكم من براثين الحلبة!
أجاب الفقيه إجابة ضج لها الرفاق ضحكا:
ـ زن كلامك يا لئيم.. فكلامنا لفظ مفيد كاستقم..
تحرك بدر من مكانه وبش في وجه الفقيه، فخاطبه متحمسا:
ـ لقد هيجت أشجاني يا غالي! فما أكثر ما كنت أستعذب هذا المطلع من الألفية، لما كان الشيخ سيدي أحمد الفاسي يخوض في شرح ابن عقيل! ثم أهاب بعمي الغالي أن يردد وإياه هذا المقطع سويا، فجعلا ينشدان والأكف توقع في هدوء ونغمة تساير إيقاع المنظومة:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم ** واسم وفعل ثم حرف الكلم
واحده: كلمة والقول عم ** وكلمة بها كلام قد يــــــؤم
اندمج عمر كغيره بسائر جوارحه، وأسعفه المخدر فراح يميد برأسه مغمضا عينيه كمن دخل في نوبة تخشع، حتى إذا كف الرفيقان عن الإنشاد اندفع مبديا إعجابه:
ـ تالله ما كنت أحسب أن شيوخ القرويين وسيدي الزوين يعلمونكم ويحفظونكم مثل هذه الأمداح النبوية!
لحسن حظه لم يسمعه إلا عصام وإلا غدا أضحوكة حميدو والغالي، فاقترب منه وهمس في أذنه: احذر أن يسمعوك.. هذا نحو وليس مدحا..

محمد غالمي
12-17-2008, 02:02 AM
كان ذلك سيكون مسك ختام جلستهم، ولكن بدرا يحمل من الهموم ما لا تستطيع طرائف عمر، ولا نوادر حميدو أن تخفف من عبئها أو تحد من غلوائها.. هموم من وحي الجلسة جديرة بأن تشغل باله وتحظى بأولوية بارزة في جدول الأعمال المرتقب.. راحت الصور البغيضة محملة برموز الشر وأمراء الاستكبار تتلاحق أمام ناظريه كوميض برق يؤذي الأبصار.. أول ما عنَ في أفق الخيال الباطرون باطيش.. وتوجه إلى الجلوس مخاطبا، واضعا إياهم أمام واقع مر وحقيقة دامية عاش أطوارها في الحافلة.. حز في نفسه ـ كما حز في نفوس خلانه إذ عرفوا الحقيقة الدامية والنبأ المشين ـ أن يتجرأ الباطرون وينشر غسيل كراهيته على امرأة ذنبها أن رضيعها لم يكف عن الصياح داخل الحافلة.. ورجع عمر إلى عين الصواب ينهل منها، فأشار منفعلا:
ـ كل عماله وخدمه في معمل الشموع، وماكينة الدوم في زمكيل يكتوون بنيران تسلطه واستغلاله.. شغل متواصل من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، وبأجر لا يفي بحاجة البطن.. ناهيكم عن الإذلال والعسف وسلاطة اللسان..
أشار بدر إلى حسام بأن يفتتح القائمة بإدراج اسم الباطرون، وتحت لقب مشفر.. واستجاب حسام متحفزا، وانكب يدون.. فتوالت على لسان بدر أسماء الرؤوس، والأهداف المنتقاة؛ سرحان الشرطي والشيخ عزام.. والترجمان الفتاك والقائد صالح، أو المعلم طالح كما اقتضت لغة التشفير.. وأرجؤوا أمر النادل علاف وحادة القوادة إلى جدول أعمال لاحق. وقبل فض الجلسة أصر بدر على وضع برنامج استعجالي، والحرص على تفعيله من الغد.. فطرح بعض الحلول التي من شأنها أن تخفف من وهج الضائقة عن أسر من حكم عليهم سرحان بالأعمال الشاقة في ضيعات رموز الشر وسيئي الذكر، وزرع بصيص من بسمة في وجوه أطفالهم..
واستهل حسام قائمة البرنامج المستعجل بإدراج أسرة خالي سلمان السفناج، طريح الفراش من تداعيات ما ذاق من سلخ على يد سرحان وعزام... وانصرفوا تباعا حتى لفظهم آخر درج إلى الفناء. في هذه الأثناء قال عمر مستفزا الغالي:
ـ ألا تذكر؟ ها هنا وجدتك لابدا كمن حاصره عدو فلزم مكانه مستسلما..
واكتفى الغالي بأن ردد كما فعل لحظة الحادث: أكثر الله خيرك وزاد من أمثالك.. لا أجد إلا أن أدعو لك بالعفو والتوبة النصوح..
ـ أتوب مماذا يا عمي؟
ـ من مخدر الكيف.. من هذه البلية التي تحيلك أحيانا إلى ضبع من حيث لا تدري..وانبرى يعظ ويتلو من كتاب الله.. ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة..صدق ربي العظيم..
*** دبت الحياة صباحا في درب سيدي بوكيل.. سرت الحركة في الأزقة وبدر ما يزال ممددا على فراشه داخل غرفته ومرسم أمانيه .. لم يأبه لطرق على الباب إلا حين صاحبه صوت فاتر؛ صوت أخته جاءت لتوقظه وتدعوه إلى الفطور.. حرك رأسه ونفض ما بقي عالقا في جفنيه من أثر النعاس، وخاطب أخته من وراء الباب الموصد.."سامية!.. سمعتك.. استيقظت". ونكصت الفتاة على عقبيها، وجعلت تنزل من الدرج في هدوء حتى لا يصدر عنها ما يزعج أخاها.. هذا دأبها فيما تلقنته من أصول الأخلاق والأدب، في بيت محصن بالخلال السامية؛ أصالة محتد وعراقة منبت.. وآية ذلك كله إيمان وجود وورع وتقوى. انتصب أمام النافذة اليمنى للغرفة التي باتت مشرعة على مصراعيها.. ينظر إلى الحومة التي أفاقت، وتيار الراجلين من أبناء السبيل يسعون ناشدين حوائجهم الرتيبة في مثل هذا الوقت من الصباح.. ذاك عمي الحسين الدباغ ذو القامة القصيرة، ينشر جلود الغنم على سور الروضة.. وأولئك بعض النسوة يحملن فطائر العجين إلى فرن الحي.. حول بصره جهة اليسار، فرآها تفتح الباب المحاذي لبيت دويه وتقف شابكة الذراعين إلى صدرها، تنظر بعينين ساهمتين إلى ما وراء السور المشرف على الروضة المنسية.. لم تلبث أن ترجلت في غنجها المألوف نحو السور ثم استدارت وأسندت ظهرها إلى الحائط، عجل بدر بصد مصراعي النافذة ولم يبق إلا على فرجة صغيرة، سمحت له برؤية دينا تسرق النظر من حين لآخر جهة النافذة فوق.. أكيد أن أفكارا شتى تجول أمام خاطرها كما تشي نظراتها الساهمة.. أحبت بدرا حبا جما.. حبا استقر في فؤادها نطفة منذ حادث الطفولة الذي شهدت عليه أسوار ضريح سيدي بوكيل، وكان فيه الطفل بدر عريس زمانه.. واستوى الحب كائنا قائم الذات، فرض سطوته عليها منذ تربع بدر على عرش فؤادها.. ولكن مغامرتها الحمقاء هزت أركان العرين ودنسته بأنفاس الخيانة.. وهل كان بدر سيعلم بحادث الانقلاب لولا يقظة حسام.. حقا كشفت رسالة حسام ما جدت في إخفائه وسعت في طمس معالمه.. استعاد اللحظة التي تسلم فيها البريد؛ لكم كانت شاقة عسيرة، ومحزنة محرقة! بعثرت أفكاره وكدرت صفو مزاجه، نغصت عليه ما هو فيه من عز الاستعداد لاجتياز الامتحانات النهائية.. انكشفت اللعبة التي جرت أطوارها في غيبته، وما خطر بباله أن يمسه الضر من أقرب أصدقائه.. ولكن هل يلوم عصام الذي خاطر بالرفقة والجوار والطعام، وباع الصداقة بأبخس الأثمان؟ أكيد، عطل عصام سائر حواسه، وفعل فعلة حمقاء مست أعز أصدقائه في مذبح النخوة وصميم الكبرياء.. وهل يلقي باللائمة على بنت رحمة اليهودية؟ وما بالها تخاطر بحولين من عمر الوصال لإطفاء نزوة عابرة، ظنت أنها ستدخل عالم النسيان..؟ بهذه السهولة طوت صفحات الأنس وليالي الوصال! شيعها من فرجة النافذة بنظرة حقيرة، وفسح مصراعيها بما وسع فمه أن ينفث بصاقا في الهواء.. وفعل وهو يرمقها مندمجة في سهوها، وعيناها مصوبان إلى الفرجة فوق.. أحكم إغلاق النافذة ليحجب أشعة الشمس الحارقة، ثم انصرف إلى الحمام أسفل، ومن ثم برح إلى غرفة الطعام...
كانت السيدة أمه قد أعدت فطورا استثنائيا، وزينت به وجه المائدة احتفاء بوحيدها الذي قرت عينا بأوبته المظفرة.. وجلس إلى الطبق المحبوب؛ ثريد ساخن مسقي بالسمن والبيض والحليب.. حريرة بالبيض ولحم الحمام.. فطائر مدهونة بالسمن وعسل النحل.. وكل هذا الفيض من النعيم أحرمه أمدا طويلا... كان في قمة التلذذ بعبيره المحمل بنسائم العطف والإيمان، والطهر والحنان.. وأي عبير هذا الذي أشاع في نفسه الاطمئنان والسعادة، مثل عبير هذه الأم التي جلست بجانبه؟ حطت راحتها اليمنى على ركبته، وجعلت تستقصيه عن أحواله وأحوال بني عمومته هناك في (حومة القلقليين بفاس) .. وحين رامت الاطمئنان على عدم انزلاقه وراء الموبقات السياسية المزعجة، اكتفى بأن همس خجلا من حرارة عاطفتها: لقد عملت بوصيتك ما استطعت إلى ذلك سبيلا يا أماه.. والحمد لله أن وقاني رضاك من لسع الهوام الباغية.. في هذه اللحظة دخلت سامية وأبلغت أخاها بمجيء حسام وانتظاره هناك جنب السور.. أشارت الأم إلى ابنها بأن يدعو صديقه ليشاركه الفطور، وهمت بالنهوض لولا أن أمسك بدر بساعدها.. لا يا أمي.. أريدك في أمر غاية في الأهمية..!
حقا لم يبرح باله البرنامج الاستعجالي المزمع تفعيله.. تعهد أمام الرفاق، في مجلس الأمس، بأن يتكفل بجانب المساعدة الغذائية ويرصد منها القدر الوافي.. بينما تعهد حسام وعصام برصد قدر من المال، ولكل واحد منهما وسائله الخاصة في تدبير المال! وأما بدر فلا يملك من مورد، للإيفاء بوعده ، غير مخزون (الطارمة) من فائض القمح والشعير. ومن بيده مفتاح الخزين سوى هذه الأم التي تفيض يدها بالسماحة والندى؟ يعرف بدر أن أباه حريص على ما تجود به فدادينه وماشيته.. يغدق على أسرته بما يضمن رفاهيتها، وفي المناسبات الدينية يعود المعوزين من ذوي قرابته فيغدق عليهم في حدود ما يضمن لهم عفافا وسترا وكفاية. وآفته الكامنة في أغوار نفسه أن لا يلتفت إلى المحتاجين من جيرته أو غيرهم. حز في نفس بدر أن رآه يوما ينهر عجوزا جاءت تبغي حقها في فطرة العيد! تألم وكظم حزنه إلا على أمه. وما إن غادر الأب البيت حتى بادرت حليمة ـ كعادتها على الدوام ـ فزودت ابنها ببعض القمح والسكر، وحثته على اللحاق بالمرأة وتسليمها حقها من فطرة العيد.. ظلت السيدة محرومة من مزاولة حقها في التصرف في مالية البيت وثروته الزراعية من يوم حطت قدماها في بيت الزوجية إلى هذه اللحظة.. ولا حق لها في أن تخرج حبة قمح أو مثقال ذرة من سمن خارج إرادة السيد، أو من خلف ظهره. والحق إن السيدة حليمة ما كانت لتمن على جيرانها المسلمين واليهود، وكل من طرق بابها، لو لم تبعث إلى إمام المسجد تستفتيه في رغبتها في إخراج الصدقات والزكواة خلسة من مال زوجها؛ الرجل المجبول على منع حق الله عن الجيران والزوار الغرباء.. وأفتاها الفقيه الإمام في أمرها بما استجاب لعاطفتها الدينية، فهبت تمطر خلسة، لكن في حدود ما تقتضيه الظروف الدينية والاجتماعية الملحة.. واغتنم بدر فرصة غياب الأب المرتقب عودته مساء هذا اليوم، وبدا له الظرف مواتيا لاستخلاص حق من الحقوق الملحة، وهل من مصدر متاح سوى بيت الخزين؟ أجل بيت الخزين وما جمع عليه من احتياط الزرع والزيت، والعسل والسمن .. لم يساوره أدنى ريب في أن أمه لن تخذله أو تمانع في الاستجابة لمطلبه؛ فحليمة أحرص الناس على البذل، وأكثرهم تحمسا لنثره على رؤوس المعوزين.. وفاتحها في الموضوع فأصغت إليه باهتمام، وتابعته بعين ملؤها الرأفة والإكبار.. عانقت ابنها وباركت الخطوة، ولكن لأمر ما ارتسم الانزعاج والّذهول على وجهها! طاوعت نفسها بإلحاح من إيمانها وأريحيتها، فخاطبت ابنها:
ـ خير البر عاجله يا بني.. قم من لحظتك هذه بما يرضي عاطفتك وضميرك.. أرسل في طلب من يعبئ الأكياس ويحملها إلى مستحقيها قبل أن تداهمنا العاصفة!! هل يخفى عليك طبع أبيك، وأنت ـ كما أنا ـ أعرف بسيرته.. ؟ ولدي الحبيب.. الحذر الحذر! ولا تستهن بالعواقب.. خذ كل الطوارئ على محمل الجد.. فماذا لو ضبطك متلبسا فهل تعتقد انه سيرحمني؟
ارتمى بدر في أحضان أمه دامع العينين من أريحيتها ورقة عواطفها، وأجزى لها أوفر الشكر، وعاود تقبيل يديها، ثم رفع إليها رأسه وهو جذلان، فخاطبها:
ـ بعد الظهر مباشرة يا أماه.. أؤثر وقت القيلولة؛ إذ تخف الأقدام ويخلو الدرب، فيتأتى النهوض بهذا العمل الإنساني الجبار..
وهب موليا شطر الباب وأمه في إثره تدعو له..

د. خلدية آل خليفة
12-24-2008, 05:06 PM
** أ. محمد غالمي **


.
.

التأريخ سيسطر هذه الرواية بحروف من ذهب،

وسوف نحرص نحن أيضاً على جمع فصول هذه الرواية من أجل إبرازها في إصدار إلكتروني متكامل بعد الانتهاء من عرضها كاملة هنا،

لك جل متابعتي وتقديري،،


__________________

د. خلدية آل خليفة - مملكة البحرين ...

http://a1259.g.akamai.net/f/1259/5586/1d/images.art.com/images/products/SMALL/10089000/10089748.jpg

محمد غالمي
12-25-2008, 04:22 AM
** أ. محمد غالمي **


.
.

التأريخ سيسطر هذه الرواية بحروف من ذهب،

وسوف نحرص نحن أيضاً على جمع فصول هذه الرواية من أجل إبرازها في إصدار إلكتروني متكامل بعد الانتهاء من عرضها كاملة هنا،

لك جل متابعتي وتقديري،،


__________________

د. خلدية آل خليفة - مملكة البحرين ...

http://a1259.g.akamai.net/f/1259/5586/1d/images.art.com/images/products/small/10089000/10089748.jpg

الأستاذة الكريمة خلدية آل خليفة: تحية أخوية صادقة، وعيدكم مبارك سعيد أهله الله عليك وآلك بموفور الصحة والعافية..
تالله لقد سرتني التفاتتكم الطيبة، والتي جاءت بعد قراءتكم المتبصرة لبعض أجزاء الرواية.. وإليكم أجدد الشكر على انطباعكم السليم الذي ينم بحق على شغفكم بكل عمل إنساني جاد.. وكلي أمل أن تحظى الرواية بكامل ثقتكم فور نهاية آخر جزء فيها..
وتقبلوا فائق عبارات التقدير..محمد غالمي

محمد غالمي
12-31-2008, 04:11 AM
*** تملكته الغبطة وهو يهم بفتح الباب.. هش في وجه أحلامه وآماله، وقد أضحت قاب قوسين أو أدنى من رؤية النور.. تراءت له غمامة حبلى بالمن والسلوى؛ تطفئ لوعة العطشى والجوعى، وتبعث في النفوس المجروحة بعض الدعة والسلوى.. بدت له الغيمة حجابا واقيا يشهر يافطة سوداء في وجه عزيز مستهين، لا يحض على طعام المسكين.. تهلل وجهه بالبشر وطفحت نفسه بالغبطة، فتمثل سيناريو الحدث الإنساني النبيل الذي باركته أمه؛ تخيل نفسه ـ بعد اجتياز العقبات وتجاوز مرحلة الخطر! ـ يعود بيت خالي سلمان السفناج والسبعة رجال المطمورين في قبور الحياة جورا وطغيانا.. قطع عليه حبل أفكاره رؤية دينا تسير الهوينى، في اتجاه حسام المنتظر هناك في الوجهة الأخرى من السور.. لزم مكانه بعد أن أغراه الموقف، رأى رفيقه حسام وقد لاح في عينيه الحزم، يشير إليها ملء ساعده بأن تلزم مكانها، ومن دون أن ينبس ببنت شفة.. أجل، أيقنت بأنه رفض الحديث إليها، وقفل دونها باب الحوار غيرة على أعز الخلان.. كذلك فهمت الآية، وقد غاب عنها أن القشة التي فصمت ظهر البعير أخطر مما توهمت بكثير! لم يكن حسام يتوقع أن يعرف من أحلام، في لحظة من لحظات الصحو والصفاء، حقائق تشكل خطرا على بدر وجماعته! اعتبر الرفاق دينا رمزا واعدا من رموز الوطنية، ودين بدر عليها أن سعى، طيلة سنتين من عمر الوصال إلى ترويضها، حتى ترسخت في ذهنه قناعة بأنه أفلح في قلب موازين أفكارها، لاسيما وقد تعهدت بأن تكون حلقة من فولاذ في سلسلة الرفاق.. بهذه الصورة المغرية تغلغلت في النفوس وأسكرتها حتى الثمالة.. صورة مشرقة ساهم بدر حقا في تشكيلها مغتنما تربعه على قلبها.. ولكن دينا خيبت الآمال وغيرت وجهة القارب..
جمدت في مكانها من هول الصدمة، وطاوعت نفسها حتى لا تنهار. سر بدر من رؤيتها على تلك الحال الباعثة على الرثاء والشفقة، وهزه شعور بالنخوة والعزة، فابتسم زهوا وأومأ لصاحبه أن هلمَ.. استجاب حسام للنداء وقفل خلف رفيقه غير آبه لمن قصدته تبغي الشفاعة، وكيف لا، وقد ارتسمت في ذاكرتيهما رمزا من رموز الغدر؟ ولى صوب رفيقه، وفي نيته أن يكشف عن طبيعة الخطر المحدق بالرفاق، كما أسرت بذلك بنت الترجمان الفتاك..
كان الدرب في هذه اللحظة يعج بالسابلة كخلية نحل، وبدر وحسام يسيران.. مرا بخالتي رقية السقاءة وهي تدلف نحو أحد البيوت، وقلة الماء على ظهرها المعقوف.. كانت ترسل خطواتها في حذر خوفا من العثار لعور في عينيها، فحياها بدر كعادته كلما صادفها في الطريق، ثم عطفا على دار الحارَة ضرابة "الكارطا"، وخالي الحفيظ المنتصب جنب السور كعمود كهرباء.. ثم انتهيا إلى دار الوزانية الشوافة مما يلي مخرج الدرب. في هذه الساحة أمام تلك الدار اصطف بائعو النعناع، وكرموص النصارى الشائك يعرض أكواما في عربات تجرها الأيدي، أو على ظهور الأتن والبغال. ما فتئا يشقان الدرب حتى وصلا جامع سيدي المعطي، فاجتازا الطريق الضيقة في خطى بطيئة حتى أشرفا على ساحة السوق، ولاحت الصومعة سامقة في الجهة الشرقية، وعلى قمتها عش كبير من قش وأشواك احتضن صغار اللقالق. عاجا يسارا واتجها صوب قهوة الجبلي عند نهاية الدرب صعودا.. تربعت القهوة في قلب الرفاق واستأثرت بنفوسهم فأمست قبلتهم الأثيرة. ولئن كانت لبساطتها محجا للعمال البسطاء من صغار التجار والفلاحين والحوذية والصباغين، فهي في قلوب الرفاق صالون تعبق أجواؤه بنفحات من أدب ودين وسياسة وترفيه، لاسيما وقد انفردت أجواؤها الصاخبة في الليالي المطيرة بحميمية خاصة. هناك جلسا وقد أخذت الشمس في الصعود رويدا رويدا حتى اشتد لهيبها وسط زرقة كادت تستحيل صفحة بيضاء. أخرج حسام سيجارة من علبة وضعها على حافة الطاولة، بينما وضع بدر رجلا على أخرى، وأخذ يتصفح مجلة "رسالة المغرب". جعل حسام يدخن بشراهة وفي نفسه يتغلغل همان ويتصارعان؛ قضية أحلام التي بلغت ذروة التشنج والاهتزاز، وما عقد عليه العزم من عرض أطوار المشكل على بدر والتماس وساطته.. وأم القضايا التي كشفت عن وجه آخر لبنت رحمة اليهودية، وعرت عن نواياها الخبيثة المخيبة للظنون.. ما يزال يدخن بشراهة وبدر يخلي سبيل المجلة ويرهف السمع لجليسه يروي حديثا ذا شجون...
انفلتت المجلة من بين يدي بدر من هول ما حدث به حسام! شعر بالدم يغلي في رأسه ويخزه وخز الشوك.. كان بدر مستعدا لتحمل كل ضروب الخيانة من دينا، ولكن كيف تسعفه مبادئه على استحمال وزر خيانة عظمى؟ أجل خيانة أمض من فلتات السنان، حملت لواءها تلك التي سعى في ترسيخ قيم المواطنة في نفسها، وجد في إعدادها لمهام عظام! جعل يتساءل في غمرة الصدمة..
ـ دينا تفعل؟ دينا تعبث بقيم الحب والمواطنة وتنخرط في تنظيم يهودي مناوئ يشتغل في الظلام؟
أضاف حسام:
ـ تنظيم سري يعد الأشبال المنضوين فيه ويؤهلهم للعمالة لصالح الحاكم وزبانيته!
على هذه الصورة القاتمة تبدى وجه دينا.. دينا خليلة الأمس التي عرفها صبية لعوبا، وفي سبيلها زخرف السوط جسده، ثم لازمته حتى أصبحت كظله، وهي الشابة التي اكتمل نضجها وكعب نهداها. بيد أن دينا الأمس لم تعد دينا اليوم، وأنجع سبيل رامه بدر أن جز ذلك الحبل بشفرة إبائه واكتمال وعيه.. نفثها كما ينفث المسلول من فمه الدم، ودعكها من حيث لا تعلم بأخمص قدمه اليسرى دعكا. ودخل في نوبة حوار مع النفس "..ولكن، ما بال عصام رفيق العمر يسطو على الفتات كحال ضبع يسطو على الجيف؟ حقا، صديق العمر يمسك بزمام المبادرة ويهيم وراء عرش مقطوع.. فلتجرب حظك يا عصام أخي، ولتركب ظهر الحمارة.." تحرر من خواطره والتفت إلى مرافقه الشارد وربت على كتفه هامسا في حزم:
ـ سينتهي موضوع دينا وتمسي مسوداته هشيما تذروه الرياح يا حسام.. سينتهي كما ينتهي الأجل المحتوم.. سوف ألقن اللعينة درسا قاسيا لن تنساه..
وثب إلى ذهن حسام موضوع خليلته، ولفرط حبه لها جف الريق في حلقه؛ فزع من أن يكون لدى أحلام ـ هو الآخر ـ موضوعا منتهى منه وهشيما تذروه الرياح، لذلك بادر إلى عرض المشكل على صديقه، وإن كانت الحالة النفسية لبدر في اهتزاز مطرد، على الرغم مما يبديه من الاستهانة والجدية والحزم.. كان حسام على الدوام جادا في كلامه ما حدث، جريئا في أفكاره وصريحا مع نفسه، ومع أعز من اصطفاهم لنفسه من الرفاق والخلان، وتاجهم جميعا بدر. وكيف لا، وقد تلقى منه جرعات أتمرت حسا وطنيا ورجولة تأبى الضيم على الرغم من جنوحه وراء أهوائه؟ وإن كان ينتقي لنفسه أهدافا دسمة تلبي نزواته وتغدي مشروعه النضالي، لذلك كان صيده أغلى الصيد. قالت له العالية القوادة أمس بعد ما قضى وطره في قاعة العمليات، وخرج مزهوا باسم الثغر ونادين بنت ماريوس في أعقابه مطأطئة الرأس، وقد تورد خداها من خجل: "تنعم في حور العين يا حسام.. تلذذ بلحوم الحجل والغزلان.." ولو علمت القوادة بأن نادين تبيض الذهب والفضة لأقامت الدنيا ولم تقعدها.. وهل حسام إلا صياد ماهر لا يطيب له القنص إلا في الرياض الغناء والحدائق الفيحاء؟ حقا أسعفته وسامته وطلاقة لسانه فحكمتا له بالقبول في مراتع الظباء ، يقضي الوطر في غير عناء ويسعى جادا في سبيل آخر؛ سلاحه جرأته وبهاء طلعته. ولطالما تمنى من أعماقه لو تفهمت أحلام مقاصده، ما دامت دينا وأشباهها روافد يخضعن لطلباته تحت وطأة ابتزاز عاطفي مغشوش..
أصغى بدر باهتمام لرفيقه، ولئن قدَر فيه صدق نواياه وجوهر تطلعاته، فقد رق لأحلام وقدر فيها أمورا شتى. عقدت أحلام العزم على أن تهب نفسها لحسام فيما أحل الله.. حلفت أحلام بأغلظ الأيمان ـ لحسها الوطني ونقمتها على الأجنبي ـ لتكونن رهن الإشارة مستجيبة لنداء الثأر. وفوق هذا وذاك قدر فيها إحساسها الأنثوي كامرأة، لا تقبل أن تهان كرامتها مهما كانت المبررات، لذلك توجه إلى رفيقه ناصحا واعظا:
ـ احفظ النبع الطاهر يحفظك يا حسام أخي.. لا أرى من حل لعودة المياه إلى مجراها الطبيعي سوى إعلان التوبة النصوح.. ولن ندخر جهدا في مد جسر الوصال يا حسام.. ( واستطرد مفاتحا إياه في المبلغ المالي الموعود به، والمزمع رصده لفائدة سجناء الباطل، وهو أعرف بالمصادر المغذية، فسأله:
ـ وهل استجابت الملعونة نادين للطلب؟
ـ وهل يأخذك في هذا شك يا أخي؟
وتساءل بدر باسما منشرحا:
ـ بم عللت الطلب هذه المرة؟
ـ رحلة سياحية إلى شمال المملكة!!
ضحك بدر من زهو وخاطب صديقه:
ـ يا لك من داهية! كم منحتك؟
ـ ما يكفي لإقامة أسبوع! تسلمت أمس نصف الحصة وغدا مساء ستأتي بالباقية..
ـ أين ضربتما الموعد؟
ـ في عالم عجيب! في منأى عن هموم الحياة وأوصابها.. سوف أتسلم الغنيمة في محضرك نكاية بها.. وبعدها سأعلن توبتي النصوح..
همس بدر مستغربا، وهو يحجب عن رأسه لفح الشمس بالمجلة:
ـ عالم عجيب!
رد حسام في لهجة الواثق من نفسه:
ـ عجيب وغريب.. وأغرب ما يميزه أجواؤه وطقوسه!
ـ ولكن سأكون في شغل شاغل يوم غد الأحد.. فهل نسيت؟
وكالمستنكر تساءل حسام:
ـ أي شغل هذا الذي يغتصب منك وقتا أنت أحوج إليه في تلك الأجواء؟
وفي إجابة مقتضبة رد:
ـ الموعد الذي أطلعتك عليه أو تراك نسيت؟
تذكر حسام صاحب الموعد، وهتف: الرفيق فيليب؟ حسنا، فلنعجل بالتوجه إلى العالم العجيب مساء هذا اليوم..
رد بدر مهتما:
ـ خير البر عاجله..
في هذه الأثناء ترامى إلى مسمعهما آذان الظهر، فنهضا وغادرا المكان، وقبل أن ينصرف كل واحد إلى حال سبيله، ضربا موعدا بالقهوة بعد العصر...

خالد عبد اللطيف
01-10-2009, 08:32 PM
انها نفحات ابداعية مميزة اخي محمد...تابع اننا ننتظر المزيد من الرواية.
لك تحياتي.

محمد غالمي
02-01-2009, 06:27 AM
هم بدر بمصافحة صديقه مودعا فرأى عمي نافع الحمال يجوز الطريق.. وكان في نيته أن يذهب للسؤال عنه في كوخه قبل أن يولي إلى بيت دويه. وعمي نافع ذو القامة القصيرة وجه مألوف في الدرب، تميزه وزرته الزرقاء وطاقيته البيضاء الباهتة من قدم لا تفارق رأسه.. ولوطنيته الصادقة وبغضه الشديد للاستعمار وأذنابه حاز ثقة بدر والسيدة حليمة أمه.. يكسب قوت عياله مما يحصل عليه من كده اليومي، وزاده في ذلك أتانه وعصاه وحيويته، على الرغم من إشرافه على الستين. يعيش حياته كما يقول، في عفاف وكفاف وغنى عن الناس.. استوقفه بدر وأطلعه على المهمة الموكول إليه تنفيذها، ولم يتردد في الاستجابة، فضرب له موعدا في حدود الثانية بعد الزوال.. وانصرف عمي نافع يعتمل في صدره اغتباط مزدوج؛ فهو يدرك أن ما سيحمله على ظهر دابته مسخر في سبيل الإحسان والوطن، ويعلم فوق ذلك بأن السيدة حليمة ستضاعف له الأجر كلما سخر لمثل هذه المهام. وواصل عمي نافع طريقه إلى كوخه يحمل في يده بطيخة وسكرا ونعناعا..
قال حسام:
ـ أين سيضع عمي نافع قناطير القمح؟
رد بدر:
ـ في بيت عمر بالحدَادة هل نسيت؟ إنه على علم بموعد وصول الشحنة وسيكون هناك في الانتظار..
قال حسام:
ـ حاول أن تنهي المهمة قبل العصر.. سوف ألحق بكما هناك..
رد بدر: حسنا.. بيت عمر موعدنا.. وعلى يقين أن العملية مكتوب لها النجاح مسبقا.. اطمئن أخي وصديقي..
وانصرف كل واحد إلى حال سبيله..
تناول بدر وجبة الغداء وغسل يديه ألقى نظرة على الساعة في معصمه وتأكد من أن عقارب الساعة تشير إلى الساعة الثانية بعد الغداء. استعد للمهمة التي ما فتئت تؤرقه، فأشار إلى أخته بأن تصعد إلى السطح وتحضر المصباح اليدوي من الغرفة فوق قبل أن تباشر مهمتها التي أسندت لها، بينما قامت السيدة حليمة وأحضرت ثلاثة أكياس كبيرة الحجم.. نظر بدر إلى ساعته من جديد وقال زافرا متأففا:
ـ الثانية وعشر دقائق ولم يظهر عمي نافع الحمال بعد يا أماه..!
وقفت السيدة قرب باب الغرفة حيث مخزن الحبوب والقطاني، ترتدي قفطانا يستر سائر جسدها وقد شد من الوسط بحزام من الثوب المتين، وغطت رأسها بخمار أبان من جهة الصدغين عن خصلات من شيب اكتسبت لون الحناء ووجه أبيض ازدان فيه مفرق الذقن بوشم عمودي أخضر. ازداد قلبها خفقانا وقالت بصوت خفيض ردا على ابنها:
ـ والله تأخر الحمال على غير عادته يا بني.. حدثتني نفسي بأن يكون قد رأى أباك عن بعد فغير وجهة مساره!
قال عصام مشفقا من حال أمه ووضعها النفسي الذي آلت إليه:
ـ إلى هذا الحد ذهبت بك الظنون يا أماه؟ كوني على يقين بأن أبي لن يعود من سفره قبل المغرب..
وبنبرة يطبعها الهول والأسى واصلت:
ـ والله لست في غاية الاطمئنان يا بدر.. أشعر برأسي ينتفخ وذاتي جميعها ترتجف.. ومن يدري فقد يكون أبوك في طريقه من المحطة إلى البيت؟
وسعى جادا في إجبار خاطر أمه فنبس:
ـ أريحي بالك من كل هوس يا أمي.. فلن يخذلك الله أبدا ما سعيت في درب الإحسان ورفع راية الوطن.
في هذه اللحظة سمعا قدمي سامية تهبط وتصل آخر درج فتهتف:
ـ إنه قادم يا أخي..
طفحت غيوم الرعب والهلع على محيا السيدة حليمة، وضعت يد على رأسها والأخرى على صدرها من وقع الخبر. وعلى الرغم من شعور بدر بما يشبه الخيبة فقد بدا متزنا قوي الشكيمة، فجعل يخفف عن أمه وقع الصدمة ويقول" كيف تهولين الموقف إلى درجة قصوى ونحن لم نضبط متلبسين بسرقة المخزن يا أماه.. أرجوك هوني على نفسك.." والتفت إلى أخته فخاطبها:
ـ هل وصل أبي إلى مدخل الدرب؟
أجابت سامية:
ـ ليس أبي من وصل بل عمي نافع الحمال يا أخي!
زفر بدر من أعماقه وابتسم ابتسامة مهموم لاح أمامه بريق الفرج فخاطب أخته:
ـ حملك الله إلى المقابر يا أخت.. لو كنت أفصحت مند البداية لكنت أرحتنا..
تنفست السيدة حليمة الصعداء واستغفرت ربها ثلاثا.. وسمع الدق على الباب فهرولت سامية وفتحت لعمي نافع، وصعدت إلى السطح لتباشر مهمتها كردار يترصد خطوات الأب من كل الواجهات التي تؤدي إلى مدخل الدرب. وتقدمت السيدة نحو مخزن الحبوب وفكت عقدة الخيط الذي يشد المفتاح إلى حزامها ففتحت البويب ودلف بدر بعد أن أحنى رأسه حذر الاصطدام، وشغل المصباح فأضاء بعض الظلمة المطبقة في الداخل. ودلف وراءه عمي نافع يحمل الأكياس الفارغة.. أشار إليه بملء قنطارين قمحا وقنطار عدس، ثم خرج من المخزن ولبث أمام الباب الصغير ممسكا بالمصباح وقائما بدور الإنارة. عبأ نافع الأكياس عن آخرها، وشحن القنطار الأول على ظهر الأتان، وتوجه به يسارا فانعطف يمينا في منحدر زنقة الحدادة حتى وصل دار عمر فوجده ينتظر هناك. قام هذا الأخير بمساعدته في إنزال الحمولة من على ظهر الدابة، ونقلاها إلى البيت المعد لذلك، ثم أعقبها بالشحنة الثانية فالثالثة.. رجع عمي نافع ووجد بدر ينتظره جنب الحائط أمام الدار.. فدعاه للدخول وجلس وإياه أمام مائدة قصيرة الأرجل بصحن الدار. جاءت سامية ووضعت على سطح الطاولة طبقين من السمن والعسل مصحوبين بثريد ساخن وإبريق شاي.. غادر عمي نافع المنزل محملا ببعض القمح والعدس وجمع ما تبقى من ثري،د فضلا عما نفحه به بدر من دريهمات.. ما يزال بدر ينتظر أمه العاكفة على إغلاق بويب المخزن، حتى إذا انتهت عانقها وطبع على رأسها قبلات الشكر والامتنان فانصرف ملتحقا بحسام وعمر في بيت الحدادة قريبا من ضفة الوادي. هناك اتفق الرفاق على صيغة مناسبة لتوزيع المساعدات، وضربوا لذلك موعدا بعد منتصف الليل لأن الظرف الحالي غير عادي. وبقهوة الحسن الجبلي جلس بدر وحسام أمام طاولتهما المفضلة في أحد أركان الباحة، والشمس في كبد السماء متوهجة ترسل أشعة ملهبة..
قال حسام مخاطبا بدرا في استغراب:
ـ أ رأيت كيف صادف هذا الحر الخانق ظرفا أكثر حرارة وأشد اختناقا يا رفيقي!
ظرف كغيره من الظروف، فيه اعتاد شرفاء حي سيدي بوكيل والأحياء المجاورة ـ وقد أمست العادة في حكم الواجب ـ أن ينظموا وقفات احتجاجية ومسيرات سلمية، في كل مناسبة وطنية يبدي فيها سلطان البلاد الشرعي تحديا لسلطات الحماية؛ لذلك تعبئوا إصرارا منهم في هذا اليوم على تنظيم مظاهرة سلمية إحياء للرحلة الخالدة التي قام بها السلطان سيدي محمد بن يوسف إلى طنجة، وهي الذكرى التي منعوا من إحيائها في شهر أبريل الماضي. قرروا أن ينطلق أعضاء الخلايا بعد عصر هذا اليوم من دروبهم ويكون مركز التلاقي ساحة السوق في درب سيدي بوكيل.. لهذا الغرض وضع الحاكم جنود العلانية والخفاء في حالة تأهب قصوى..
عقب بدر:
ـ حقا يا حسام إنها لصدفة، ويا لمكر الصدف يا أخي! ولكن تبقى الحياة تحت خباء الاستعمار حرا قائم الذات ما قامت للغاصب قائمة..
قال حسام:
ـ وكيف يخفت لهيب الحر يا بدر؟
أجاب بدر:
ـ وهل يخفت بغير توجيه خراطيم المياه السميكة إلى السيقان والجذور؟
عاد حسام يتساءل:
ـ والله لا أدري ما ينسج الحاكم وأذنابه من شباك في الخفاء لإجهاض التجمع..! ولا الجزاء الذي يعده للرؤوس المنتقاة!
وبلهجة لا تخلو من استهانة رد بدر:
ـ وماذا في وسعه ينسج سوى حبال الغدر؟.. وهل من جزاء يعده غير وضع المقلاة مملوءة زيتا على الجمر لقلي لحم البشر الثائر؟. أليس هذا هو الجزاء المعد لكل رأس على مقاس رؤوسنا؟ ومناوئ للغريب الباغي ورافض لسياسته الرامية إلى طمس حقيقة الوطن ورمز الوطن يا حسام أخي؟ ومهما يكن فلن يفلح الظلمة في كبح جماح الغاضبين الناقمين..
بدت ساحة السوق أمام القهوة شبه خالية إلا من رجل يدعى زريويل الحلايقي، أخذ في نزع جلبابه ثم راح يوقع على طر كبيرة الحجم، مرسلا من حين لآخر صوتا رخيما حادا لاستجلاب السابلة كدأبه كلما همَ بإقامة حلقة للفرجة في مركز ساحة السوق. هرع الصبية إلى مكان الحلقة مبتهجين مهتمين، وبعد هنيهة أخذ سيل من البشر يتدفق حتى اكتظت الحلقة عن آخرها. تحرك بدر وحسام من مكانهما تحدوهما الرغبة في مشاهدة زريويل بعد أن طال عهدهما به وبحلقته، وما لبثا أن التحقا بالحشد الغفير، وفضلا أن يستمتعا ببعض الفرجة من خلف الواقفين. ولاح لهما في الوجهة المقابلة من الحلقة وجه علاف النادل بقهوة الحسن الجبلي يشرئب بعنقه مهتما.. وزريويل رجل في الحلقة السابعة ونيف من عمره، كان طويل القامة نحيف الجسم، ولاح من وجهه الصغير المشرب بسمرة عينان زرقاوان حادتان كعيني بومة وشارب أبيض كث، وقمة ذلك كله رأس صغير أصلع. وحلقته أم الحلقات في السوق، تستأثر بخلق كثير وتجتذب نفرا كبيرا من مسلمين ويهود لما يعرضه فيها زريويل من فنون الأهازيج وروائع المسرح الذي تؤدى فيه الأدوار على السجية. وبين هذا وذاك وصلات ترفيهية تهز فيها الدعابة المضحكة والنكتة الساخرة أفئدة المتفرجين عشاق حلقة زريويل، فترتفع حناجرهم بالضحك إلى حد البكاء.. وما يذهل في الرجل فعلا كونه حريصا على تسخير فنه الساخر اعتزازا بصدق وطنيته ونكاية بمن تطاول عليه وعلى بن يوسف رمزه. ومن أمثاله التي صدح بها مصحوبة بالتوقيع على الطار، وفي نبرة رخيمة هزت أعطاف بدر وحسام.. (النصارى شيدوا الوادي الحار وجرَعونا المرار) (النصارى سكنوا الفيلات والقصور ودفنونا في القبور) (زغرد يا جميل بلسان طويل وردَ بالك من أذن العميل) (نادي يا ولد بلادي يحيا السلطان العلوي.. ورد بالك من البلاوي)....
طرب بدر لهذا النغم اللافح كلفح شمس الأصيل هذه، وحول بصره بغتة جهة علاف فلم يجد له من أثر! وتبادل وحسام نظرات مستفهمة في استغراب، ثم وليا جهة القهوة حيث كانا قبيل ذلك.. وإذ همَا بالجلوس تناهى إلى مسمعهما أصوات ترتفع بالتهليل والتكبير، رفع بدر رأسه ناحية مدخل حي الزرايب فاهتز فؤاده، وانشرحت أساريره وهو يعاين طلائع الموكب الأول تتقدم رويدا رويدا نحو مركز الساحة. نهض حسام وعاج يسارا على مدخل القهوة ليطلب إبريق شاي، فتفاجأ بالنادل علاف واقفا أمام الكنتوار! ينتظر أن يدعوه زبون لخدمة.. ابتسم حسام في وجه علاف ابتسامة صفراء معهودة وأشار إليه بإحضار الشاي ثم آب إلى مقعده حيث رفيقه..
قال بدر ساخرا بعدما علم بالخبر:
ـ انتقاله إلى الحلقة وعودته في خفة البرق إلى قواعده سالما لا تبعثان على ارتياح يا حسام..
ـ تالله هذا ما وجدتني خائضا في التفكير فيه..(وتوقف عن الكلام لسماعه حفيف الخطوات المشبوهة)
أحضر علاف الشاي ووضعه على الطاولة بعد أن سلَم على بدر ثم غادر مسرعا، موليا وجهه صوب مدخل الزرايب الذي انطلق منه موكب الحي..
وفي اندهاش نبس حسام وعيناه لم تفارقا علافا يزيد من سرعة ساقيه:
ـ أما لاحظت الاضطراب باديا عليه؟
همَ بدر بالتعقيب لولا أن أثاره وألفت انتباهه موكب حي سيدي بوكيل يشق طريقه صعودا من باب جامع سيدي المعطي، نقطة الانطلاق إلى مركز الساحة. كان في مقدمة الحشد الحسين الدباغ وخالي الحافظ ، وكلاهما يرفع قصبة طويلة يرفرف في قمتها العلم الوطني وصورة الملك محمد بن يوسف مثبتة بساق القصبة. لم يثرهما شيء أكثر من اللازم بقدر ما أثارهما منظر عمي نافع الحمَال! كان في مؤخرة الموكب يمتطي جحشا أشهب سليما معافى وهو ابن أتانه الوحيد. شد بذيله صورة للمقيم الفرنسي العام، بينما رفع بيمناه صورة محمد بن يوسف وتحكم بيسراه في زمام الجحش.. انصهر الموكب وسط الجموع الغفيرة تواصل التهليل والتكبير وتهتف بحياة سيدي محمد.. حتى زبيدة الهبيلة شوهدت تشطح وتنشد:
(سيدي محمد يا المير.. يا بو قشابة حرير..)
(اللي ما يبغيك يا المير.. تبقى دارو خالية..)

محمد غالمي
02-02-2009, 02:26 AM
وبغتة سمعت طلقات النار وتعالى في الفضاء دخان القنابل المسيلة للدموع.. بدا بدر وحسام في حال من الدهشة وهما يشاهدان الجموع تنتفض كالعصافير المذعورة، ويتفرق شملها كالثيران حين يداهمها الخطر.. استرعاهما منظر عمي الحسين الدباغ يهرول من فزع، وبدا لقصر قامته وعور عينه كقرد صغير يتمرن على القفز، ولم ينتبه لقشرة بطيخ ملقاة أمامه، فانزلقت به القدم وهوى أرضا.. ضحك بدر رغما عنه بينما تعالت قهقهة حسام، والتفت إلى صديقه ونبس كأنما يفند رأيه السابق:
ـ للأسف أفلح الظلمة في كبح جماح الغاضبين يا بدر أخي..
ـ وهل الإرادة تنكبح يا أخي؟
أجاب حسام:
ـ أبدا..
ـ إذن كفى بالله شهيدا.. إنها حملة كلاب مسعورة سرعان ما يخفت أوارها فتعضض جنوبها وتموت من سعارها..
ماكاد بدر ينهي رده حتى جاء عمر يلهت، وبدون تحية قال بصوت خفيض حذرا من علاف الذي عاد على التو ولبد عند باب المقهى:
ـ ألقي القبض على زريويل الحلايقى وخالي الحافظ وعمي نافع! اقتيدوا مصفدين تحت غطاء من اللكم واللكز!
عض بدر على شفته السفلى بالنواجذ غيضا وخاطب حسام متأففا:
ـ والآن انكشفت الأوراق وافتضحت اللعبة القدرة.. (وهو يميد برأسه) لن تفلت من العقاب يا علاف.. يمينا لأضعن حدا لغلوائك وفجورك وسمومك..
واصل حسام:
ـ وفي أقرب الآجال يا بدر أخي.. ما عدنا والله نطيق هذه الجراثيم الفتاكة..
مد عمر يده إلى علبة السجائر واستل سيجارة بغير إذن من حسام واستطرد:
ـ بالأمس وقع ثلاثة شبان في شباك حادة.. استدرجوا إلى الجحر ولدغوا شر لدغة..
وحادة امرأة في الأربعين دخلت عالم القوادة الراقية من بابه الواسع.. فقد هلك زوجها في عز شبابه وألفت الفرصة مواتية ـ وقد أسعفتها جاذبيتها وفورة عنفوانها ـ فاندمجت في عالم الكباريهات والمواخير، موئل كبار ضباط الجيش الفرنسي ورفاقهم من المغاربة الراكعين المبايعين.. في ذلك العالم راكمت تجارب عدة وأمست تلميذة نجيبة لقنت فنون المكر والدس ونصب الفخاخ، ساعدها الأيمن فتى مقطوع من شجرة يدعى علافا.. مهمتهما أن يترقبا سرحان الموفد من قبل الحاكم، فيحدد لهما الهدف ثم يشرعان في التنفيذ. أبانت حادة عن كفاءة عالية في الإطاحة برؤوس مقيدة في لوائح سوداء، أحيطت علما بنقط ضعفهم، فتعقبتهم واستدرجتهم مقتحمة خصوصياتهم الحميمة وعوالمهم الخاصة. وعلى إثر ذلك رقيت إلى رتبة ضابط ممتاز في فنون العمالة والقوادة.. بيد أن هذا الرصيد جميعه لم يشفع لها في ثني ابنها عن رميها خارج البيت؛ لقد استحمل وضعه المهين في حضن أم جانحة متهورة، فغض عن السكر والمخدرات وقوافل رواد الليل ، ولم يستحمل أن يضبطها متلبسة بين أحضان علاف النادل بقهوة الجبلي، وعلى فراش نومه عصر يوم قائظ. كان الموقف أكثر إحراجا ووقعه أشد إيلاما على النفس. تداولت الألسن بأن الابن أشبع أمه ضربا وألقى بها في الشارع خاوية الوفاض، فاستأثر لوحده بالبيت باعتباره الوارث الشرعي. وبأمر من سرحان تم إلحاقها بجناح خاص في دار العالية ريثما تسند لها مهمة تسيير ماخور يودع ريعه في صندوق أسود بمقر إدارة الحاكم لاكومب..
لم تخف على بدر هوية حادة ولا طبيعة الجحر واللدغ، فقد استحضر على التو طيفها مقرونا بذكريات عربدتها وجنونها، فثارت ثائرته من تماديها في الإيقاع بخيرة الشباب الناقم، وتقديمهم على طبق من ذهب لأزلام الحاكم لاكومب يفعلون فيهم العجائب، لذلك نفخ زافرا من فعلتها الجديدة التي خبَر بها عمر ونبس في صوت خافت:
ـ ثلاثة شبان وقعوا في كمينها دفعة واحدة؟ يا لها من أفعى ساحرة! ( وتوجه إلى حسام ملوحا بيده في تأثر وانفعال) لا بد من فعل شيء للحد من سرطان حادة وعلاف.. لن يشغلنا شاغل سوى الشروع من الآن في حبك سيناريو فعال نرى فيه الحية والثعبان عالقين في شباك من نسج أيديهما..
رد حسام على سبيل التذكير:
ـ هل نسيت أننا وضعناهم في آخر اللائحة بجدول أعمال سابق يا بدر؟
عقب الرفيق العزيز كالموقن:
ـ أدرجناهما فعلا من بين الأهداف المطلوبة، وصنفناهما في آخر اللائحة، ولكنهما تماديا في التحدي.. ولن نجبن أمام تحديهما حماية لشرفاء هذا الوطن وسلطان هذا الوطن وضميره الحي.. (وصمت برهة وحرك رأسه يمنة ويسرة مبتسما ابتسامة من أثقل الهم قلبه) والله عجبت للسلطان الهمام يتحدى، بينما جراثيم البشر العالقة في كهوف العهر والدسيسة تتواطأ ما رأيك يا حسام؟
أجاب حسام مدفوعا بالإعجاب:
ـ ماذا ننتظر ما دمنا نملك من الوسائل المسعفة ما يعجل بإطفاء الجذوة المتقدة؟ كل الظروف مناسبة لنكويهما بشحمهما يا بدر.. وأولى خطواتنا ستنطلق من العالم العجيب الذي حدثتك عنه..
قال بدر:
ـ هلا أفصحت عن طبيعة العالم العجيب وأسراره يا حسام؟
لم يكن ذاك العالم العجيب في واقع أمره سوى دار العالية في مدخل حي بوذراع؛ لقد تأكد لبدر وحسام بأن حادة وعلاف يقيمان مؤقتا في جناح خاص بدار العالية في انتظار المنصب الجديد! وعرفا بالعلاقة الحميمة التي توطدت عراها بينهما بعدما أصبحا شريكين في مؤامرة التحدي، وخادمين حقيرين لا يتورعان في إيصال الخبز الآدمي إلى فرن الحاكم والأزلام.. وفي ذلك الجناح ـ جناح العالية ـ حقن الشبان الثلاثة بسم الأفعى والحنش، وكان وضع الضحايا في الوكر الملغوم كظبي غرق في مكان موحل وأصبح هدفا يسيرا لأسد ساغب. اشتبكت خيوط العلاقة بين حادة وعلاف بتبادل رسائل غرامية، وكانا يكتبان بلغة فرنسية ركيكة على قدر مستواهما التعليمي البسيط.. وقد تمكن عمر يوما من التسلل إلى مضجع علاف بالقهوة، واستحوذ على بعض من تلك الرسائل ما يزال يحتفظ بها..
رد حسام مزيحا الحجاب عن سر العالم العجيب:
ـ دار العالية يا بدر أخي!
وفي اندهاش مشوب بتساؤل همس بدر:
ـ دار العالية؟ وفيما تفيدنا دار مشبوهة يا حسام؟
أجاب حسام بلهجة تشي بالجد والثقة في النفس:
ـ مأوى الحية والحنش يا رفيقي.. والحمد لله أن أسعفتنا الوزانية.. دورها رئيسي، ولا تقوم للسيناريو قائمة إلا بتلك امرأة ، وأنت أعلم بما للوزانية من مكانة في قلب الحاكم وزبانيته، وما تحظى به من احترام لدى الذيول والأزلام.. وأسعفنا كذلك ما بحوزة عمر من رسائل.. إذن من هناك نبدأ أولى مناوراتنا.. وكل الوسائل الضرورية لحبك السيناريو أضحت طوع يميننا، وما علينا سوى المزيد من الاجتهاد..

محمد غالمي
02-15-2009, 04:47 AM
أخذت العتمة تهتك ما تبقى من ذيول الغروب حين عاج بدر وحسام على القصبة الإسماعيلية، فتراءى شموخ أسوارها العريضة وأبوابها المقوسة. جدا في السير تحاصرهما الأسوار يسارا، وقصر الحاكم لاكومب على اليمين تسيجه أشجار السنديان والصفصاف المنتصبة كالمردة تحرس التنين، وقد انتظمت صفا طويلا موازيا للطريق حيث يعبران. أطبق الظلام على الكون وليس لهما ما يهتديان به في الطريق غير ضوء النجوم المزهرة في السماء؛ إذ لم يجد القبس الذي ترسله الفوانيس القائمة عند مدخل القصبة، ولا الأضواء الغامرة مغنى الحاكم. اقتربا من بيت لاحت الأنوار خافتة من خصاص نوافذه في الطابق الأول عند مدخل حي بوذراع.. ترامت إلى مسمعيهما أصوات مختلفة تعلو وتنخفض، لم يشك بدر في أمرها من الوهلة الأولى فانتابه بعض الإحراج.. جعل حسام يطرق بشدة على الباب الخشبي الموصد، وما لبثت النافذة أن انفتحت فظهر منها رجل أخذ يمد رأسه وينظر إلى أسفل، مجهدا بصره في محاولة للتعرف على هوية الطارق، لكن حسام بادر مخاطبا الرجل المشرئب بعنقه ليطمئنه:
ـ افتح الباب يا موحى.. أنا حسام ولد المخزني!
وحسام وجه مألوف لدى موحى خادم العالية، لتردده من حين لآخر على هذا الوكر الغريب الأطوار. وليس من الهين أن يطرق باب العالية من هب ودب إلا حسام، وقد شفع له في ذلك كونه ابن رجل سلطة بسيط يحظى بثقة الحاكم. تأكد موحى من هوية الفتى وهب مسرعا ففتح الباب بعد ثوان معدودة.. صافح حسام ومن بعده بدر ثم رفع صوتا حادا مزعجا، مرحبا كعادته حين يكون مخمورا، ولكنه تدارك هفوته فكتم صوته لأن شريعة العالية تحظر عليه أن يرفع صوته الناعق خارج باب دارها ليلا..
وقبل أن يخطو حسام خاطبه مستفسرا عن حاله:
ـ كيف الأحوال يا عمي موحى؟
طفح الانزعاج على وجه الرجل واكتفى بالإشارة من يده فاسحا لهما المجال، ثم انحرف يمينا إلى المطبخ، بينما تقدم حسام خطوات ومال جهة اليسار وبدر في إثره، حتى انتهيا إلى باب الصالون. قبض حسام بالمزلاج وانفتح الباب، ودخل فيمم شطر أريكة كبير في أحد الأركان، وأشار إلى رفيقه بالجلوس بجانبه، ثم استوى مادا ظهره إلى خلف في هدوء ينم عن اعتياده التردد على المكان، وأشعل سيجارة في ثقة تشي بكونه خبيرا بكواليس البيت وأسرار صاحبته.. بدا الصالون كبير الحجم، في مركزه على البساط الصوفي المزركش وضعت طاولة كبيرة الحجم مستديرة نضدت حولها كراسي الخيزران، ومن وسط السقف ذي العمد الخشبية المتوازية تدلى مصباح كهربائي حديث.. وفي كل ركن من أركان الصالة الأربعة قامت أريكة وبجانبها خوان عليه فانوس من زجاج في داخله شمعة. لم يطل الانتظار، إذ سرعان ما سمعت أقدام تنزل من السلم المزدان بصفائح رخامية، وتقترب من باب الصالون.. لم يخف على حسام إيقاع الأقدام، فالتفت إلى بدر وهمس عند أذنه.. "سلطانة زمانها في الطريق يا رفيق" ما كاد ينهي كلامه حتى لاح وجه العالية مشرقا باشا.. ودلفت تحمل في يدها زجاجة جعة.. نهض حسام من مقعده وحياها وتعانقا تحية وتقديرا، بينما اكتفت بأن مدت يمناها مصافحة بدر.. وسرعان ما اكتنف محياها غضب، فاستأذنت وأشاحت بوجهها جهة الباب ونادت على موحى بصوت مرتفع، فاستجاب الرجل وغادر المطبخ لا يلوي على شيء، ومثل أمامها على التو، فواجهته مظهرة الجد والحزم على الرغم من السكر الطافح في عينيها:
ـ كيف تتحداني وتصر على النهيق المنكر أمام باب الدار يا حمار؟
جف الريق في حلق الرجل ولم يجد ما يبرر به هفوته، فطفق ينظر إليها بعينين متوسلتين ضارعتين، وبغتة هوت على خده بصفعة مدوية، لم يسعفه ما هو عليه من سكر بين فانبطح أرضا كالبغل.. حجب رأسه بساعديه كأنما ليحمي نفسه من الرفس، واكتفت العالية بأن ركلته في ساقه آمرة إياه بالنهوض، فتحامل على نفسه ورفع رأسه مستعطفا مستغيثا. أشارت إلى حسام ومرافقه بالانتقال إلى الطاولة في الوسط،، وتقدمتهما تمشي الخيلاء. بدت حسناء هيفاء، مكتنزة الجسم، مترعة أنوثة وجاذبية، ومن من تلابيب فستانها يتضوع عرف الطيب، وعكس ضوء المصباح وجها يلمع بأصناف من الدهون وضروب من المساحيق. قالت مخاطبة حسام بعد أن عبت من فم القنينة بعض الجرعات، وقد أرعشت حاجبيها تهكما:
ـ لو تشرفنا باسم هذا الوجه الجديد يا وليد؟
رد حسام مبتسما في مكر:
ـ هذا بدر، قنديل سيدي بوكيل يا والدتي..
التفتت إلى بدر وتفرست في قسمات وجهه مليا ثم صاحت بصوت بح من فرط سكر وسجائر:
ـ شرفت البيت يا شعاع.. وهذي العالية شمعة بوذراع..
وأرسلت ضحكة أوحى بها الخمر، وحولت نظرها إلى حسام فخاطبته:
ـ قنينة جعة كالعادة يا حسام؟
ـ ومتى كنت خارقا العادة في رحابك الفيحاء يا صفاء السماء؟
عادت تبتسم وقد لاحت منها نظرات استغراب:
ـ يا لك من شاعر داهية! وهل كان شعرك سينطلي علي لو لم تكن نجل رجل أقدره حق قدره؟
كان بدر يتابع بأذنه ويسرح ببصره مجيلا إياه في أنحاء الصالون المزدان بستائره البنفسجية، ونفيس أثاثه وغريب لوحاته وصوره.. هذه الجوكندا في إطار فضي أخاذ، وتلك صورة في حجم كبير للعالية في فستان ليلي شفاف انحصر عند كتفيها وقد أحاط بها أمام طاولة مملوءة عن آخرها بالقناني الروحية، ثلاثة ضباط فرنسيون في زيهم العسكري.. لكن ما أثاره فعلا أن يصطدم بصره بصورتين متجاورتين في إطارين مذهبين؛ واحدة تعكس لاكومب حاكم المنطقة العسكري والأخرى للمارشال ليوطي يمتطي صهوة جواد أسود. شعر بالامتعاض وسرى في دمائه حنق ممض، ولم يخرجه من دوامة المشهد الرهيب سوى صوت العالية المبحوح تضربه على كتفه على سبيل الممازحة:
ـ صاحبك يموت في الجعة.. وحضرتك، جعة أو ويسكي؟
دارى بدر تدمره وخيبته من وحشية المشهد واصطنع ابتسامة فنبس ساخرا:
ـ تشكرين على أريحيتك يا عالية.. للأسف ما حدث أن احتسيت ولو جرعة واحدة من ذلك..
وبلهجة لا تخلو من استهزاء ردت:
ـ ولي الله يعني؟
لم يزد بدر عن قوله:
ـ افهمي الأمور كما تشائين يا معلمة.. لكل امرئ قناعاته.. (ورفع حاجبه الأيمن مطلقا ابتسامة هازئة واستطرد) وأنا لدي قناعاتي يا سيدتي!
ولئن كان حسام منشغل البال بالهدف الأسمى الذي من أجله حج وزميله إلى دار العالية، فقد ظل يتابع الحوار مبتسما، مرهفا السمع في الآن ذاته لصدى حديث ثنائي يترامى من الغرفة لصق الصالون، فخرق حجب صمته وخاطب العالية قبل أن يشرع في أولى مناوراته مستقصيا:
ـ ذري بدر وشأنه يا عالية.. إنه صديقي ورفيقي وأنا أعرف به من غيري..
وفي انزعاج لوحت العالية بيدها ناحية بدر على سبيل التهكم وخاطبته:
ـ أعذرني يا ولي الله..
والتفتت جهة موحى الراكن بعيدا عن مجمع الطاولة في انتظار أوامرها وخاطبته:
ـ أحضر أربع قناني جعة و كوب شاي..
وتوجه موحى إلى المطبخ ليعود في لمح البصر محملا بما طلب منه. في هذه اللحظة سمع صوت باب الغرفة عن يمين يوصد، وتلاه حفيف أقدام تمرق من أمام باب الصالون، فتساءل حسام وهو يروم جس النبض:
ـ من يشغل الغرفة المجاورة يا عالية؟
ووجد الجواب من فم العالية جاهزا يشي بعدم اطمئنانها على النزيلين ولو بصفة مؤقتة، فقالت وهي تزفر من حنق:
ـ الكلبة حادة والقرد علاف!
أبدى حسام اندهاشا وتجاهلا فتساءل:
ـ وماذا تفعل حادة وعلاف في بيتك؟
شربت العالية من عنق الزجاجة كعادتها، وانبرت تحكي بالتفاصيل قصة حادة وعلاف، وما لاقته من ابنها من ضرب وطرد، وحسام وبدر يصغيان متظاهرين بالاهتمام لأطوار أسطورة حقيقة لم تغب عنهما دقائقها..
وعاد حسام يتساءل هازئا:
ـ إلى أين برحت الكلبة والقرد في هذا الليل؟
قالت العالية وهي تدخن بشراهة:
ـ إلى السينما يا سيدي.. يحييان الليلة عيدا طافحا بالخمر والشواء والحشيش!
وعرف حسام وبدر على لسان العالية جديد فتوحات الكلبة والقرد، وآخرها استدراج ثلاثة فتية من خيرة أبناء الوطن؛ زلتهم، أو بالأحرى نقطة ضعفهم، انصياعهم لنزوات حمقاء عابرة عجلت بنقلهم على محمل الموت. وحادة متمرسة في نصب الكمائن والإيقاع بالرؤوس؛ كانت العادة تقتضي أن يقتفي علاف أثر الأهداف.. يتعقب خطواتهم حتى يطمئن على مواردهم ومواطنهم التي تيسر اقتناصهم.. وبتنسيق مع الكلبة ـ بعد استشارتها ـ يولي القرد مصحوبا بفتاة ترفل في ثوب البهاء والعنفوان، وسرعان ما تتحول سلاحا رحيما ينزل على الضحية بردا وسلاما.. وبهذه الوسيلة وقع الفتية الثلاثة في نسج العنكبوت، وتلقفتهم نسور الحاكم المدجنة.. وحلقت بهم إلى كهف الاستنطاق بمركز الحاكم.. انتقل علاف في الحين ولم يجف عرق صنيعه بعد، وتوجه بإذن من حادة إلى مقر الحاكم العسكري. وفي مكتب الصندوق الأسود تسلم غلافا ماليا وازنا وعاد مزهوا منتشيا.. وليس غريبا أن تكون الليلة ليلة عيد وخمر وسينما وحشيش!
اندفع بدر متسائلا وعيناه تضمران انزعاجا مكينا:
ـ وما ذنب الفتية حتى يعتقلوا بهذه الوسيلة الحقيرة الماكرة يا معلمة؟
أبدت العالية تأثرا من الوسيلة الحقيرة، وإن اعترضت مبدئيا على الذنب، فقالت وهي تهم باحتساء الخمر:
ـ هالني فعلا سبيل الغدر الذي تنتهجه الكلبة والقرد.. عجل الله برحيلها..
وصمت برهة فمدت يدها إلى علبة السجائر التي وضعها بدر أمامه، واستلت سيجارة وأشعلتها ثم أخذت نفسا طويلا، ونفتت الدخان وأتبعته عينيها، فقالت وهي تحرك رأسها كأنما تعلن رفضا، واستطردت:
ـ ولا يعني ذلك أنني أعارض اعتقال الفتية! لكن أن تنصب الفخاخ في عقر داري فهذا ما لا أستحمله (وكأنما استدركت أمرا ذا بال) لكن لا حيلة لدي..
وخاطبها حسام في تساؤل:
ـ وهل عز على سلطانة زمانها طرد الكلبة والقرد وإطفاء لهيبهما؟
جعلت العالية تدعك الثمالة المشتعلة في نافضة السجائر، وكأنما تلقي بثقل ما يعتمل في صدرها من غيظ وحنق، فقالت في غضب:
ـ التخلص منهما أهون من إطفاء عقب السيجارة هذا يا حسام..
وما المانع إذن يا أخت؟

محمد غالمي
02-15-2009, 04:48 AM
ما تزال العالية ـ على الرغم من تجاوزها عتبة الأربعين ـ تفيض حيوية ونشاطا. ولجت المدارس الفرنسية، ونالت حظا من التعليم في المدارس الفرنسية، واندمجت وسط الجالية بسائر كيانها، أسعفها على ذلك جمالها وما كانت تنعم به من حظوة تحت جناح أب كان قيد حياته ضابطا في الجيش الفرنسي فهلك في حادث طائرة.. وليس غريبا أن تنصهر ذات العالية في غمرة عادات وتقاليد مستوحاة من الوسط الفرنسي الراقي، تفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم، حتى إنها لا تعرف من عادات مسقط رأسها وأعرافها إلا ما تسمعه من أفواه الرواد. وأهلتها الشهادة الابتدائية فاستشيرت لمزاولة التدريس بإحدى المدارس الفرنسية، بيد أنها أبت مستهينة مستعلية، ووجدت ذاتها في مشروع احتضنته سلطة الحاكم، وأسند إليها شأن تدبيره، ساعدها الأيمن في ذلك رجل في الخمسينيات من عمره يدعى موحى القواد؛ مهمته تنحصر في استطلاع الطرائد في الأحياء الشعبية، كحي بوذراع وحي الزرائب والمرس وسيدي بوكيل.. يرصد الصبايا المكتملات الأوصاف، حتى إذا انفرد بهن عرض عليهن خدمات العالية ومكافئاتها المغرية.. اقتضت العادة أن تعلم العالية ضيفاتها الحسناوات مبادئ اللغة الفرنسية ودروسا في طقوس الأنس وفنون إسعاد الندامى من السادة الضباط. والحق إن دار العالية كانت مدرسة ذات مردودية بكل المقاييس، خولت لمديرتها والقائمة بأمرها ميزة الترقي إلى درجة ضابط ممتاز في سجلات الحاكم العسكري. كذلك امتطت العالية طواعية متن هذا الزورق، أو لعلها وجدت فيه بلسما لذاتها المثخنة بجراح اليتم والضعة، فكان مآل الزورق، في آخر المطاف، أن جرفته رياح أخر .. والعالية مشبعة بالفكر الاستعماري حتى النخاع؛ تسبح بحمده وتتصدى بكل جوارحها لمن يعاديه، في سبيل ذلك تراها تقارع الحجة بأخرى، ومزيتها أنها رفضت رفضا مطلقا أن تسخر ـ كما حادة ـ لنصب الفخاخ نقمة، والطعن من الخلف غدرا.. وحدث أن أذعنت سلطة الحاكم لموقفها، واحترمت توجهها واختياراها، ولكن تحت ضغوطه أذعنت بأن تقبل بحادة شوكة مزروعة في دارها ولو مؤقتا.. فردت على حسام متنهدة:
ـ إنها مشيئة الحاكم يا حسام.. لاكومب حاكم كريم ورجاله الذين لا يبرحون بيتي كرماء أسخياء..
وهزتها رياح المدام فتورد وجهها من سريان الراح في العروق، ورفعت القنينة تأهبا لاحتساء بعض الجرعات، فصاحت:
ـ ربنا يحفظ الحاكم ويزيد من أمثاله..
وجعلت تنشد بصوت لا يعدم خشونة وقد طفقت توقع بمؤخرة القنينة على ظهر الطاولة، وبدر يرمقها وعيناه ترسلان نظرات مزاجها المقت والسخرية:
الحاكم في البلاد مصباح الخير // وفضله على الناس فاض بالخمير :
لاحظت بعض التذمر يلوح من سحنتي جليسيها، واستشعرت منهما نفورا يشي بعدم رضاهما واقتناعهما بما تنشد، فكفت عن الغناء، وارتسمت أمارات الدهشة في عينيها وتوهج فيهما بريق مخيف، فصاحت:
ـ هل أزعجكما صوتي وطريقة إنشادي أم عكر عليكما الصفو مضمون ما أغني؟
واندفع حسام يرد وقد كلف نفسه ضحكة مدوية:
ـ لا هذا ولا ذاك يا سلطانة، ما همني سوى نادين التي تأخرت..
ما كاد حسام ينهي رده حتى تناهى إلى آذانهم طرق على الباب، وأسرع موحى ففتحه، ودخلت نادين ترفل في قميص أصفر مفتوح، وثنورة بيضاء أضفت على قدها الممشوق وشعرها الأشقر حسنا وبهاء.. نهض حسام من مقعده مستأذنا وجنح نحو اليمين حيث الغرفة المحتلة من لدن حادة وعلاف، فدفع الباب ودخلت نادين.. لم يطل حديثهما في الغرفة سوى دقائق معدودات، تسلم حسام على إثرها الشطر الثاني من الغلاف المالي الذي وعدت به استرضاء لرغبة من تراهن على أنه فارسها المغوار، وتحقيقا لحلمه الرامي إلى شد الرحال نحو الشمال طلبا للراحة والاستجمام!! استغل الظرف وجال ببصره في أنحاء الغرفة ورسم في ذاكرته تصميما محكما، ثم برحا الغرفة بعد أن جذب بابها من المزلاج، ثم عاد إلى الصالون، بينما ولت نادين شطر الباب الخارجي وانصرفت إلى حال سبيلها.. سؤال واحد ما يزال مشتعلا كالجمرة في نفسه، لم يتردد في طرحه لإثارة حفيظتها، فخاطبها وقد هم بالنهوض تأهبا لتوديع السلطانة:
ـ ولم لا تعارضين اعتقال الفتية الثلاثة يا سلطانة؟
وجدتها العالية فرصة لتشفي غليلا لم يكتب له الشفاء، لما برر به حسام استهانته، وما وشح وجهه من امتعاض لحظة إنشاد العالية، فانطلقت كالمدفع..
ـ هم أبرياء ما لم تثبت إدانتهم يا حسام.. من حق الحاكم أن يحمي النظام ويذود عن القيم، ويعمل بأوامر المقيم العام..
وأوحى إليها الخمر بأن تتمادى في استهتارها فاستطردت متخفية تحت ضمير الجمع المتكلم على سبيل التعريض:
ـ هل ننكر فضل فرنسا علينا يا حسام؟ فرنسا قدمت لنا الحضارة على طبق من ذهب.. فرنسا خلصتنا من ضوء الشموع وروث البهائم.. حاربت الكسل وقوت العزائم.. ولكن نقطة الضعف فينا أننا انزعجنا من الأنوار التي انتقلت إلينا من مدينة الأنوار لأننا اعتدنا العيش في بطون الأغوار والكهوف.. وهل ينكر هذا إلا جاحد؟
شعر بدر بلفح الحر يتسرب من فم العالية فروعت ذاته، ولبث ساهما يتابع المرافعة السوداء في وجوم مميت.. ولكن حسام قاطعها باسما كأنما يروم إقناعها بحسن نوايا صديقه..
ـ بدر ـ كما أنت وأنا ـ نموذج في الإخلاص لقيم فرنسا السامية يا عالية.. بدر مصدر النور وأكيد أنه يعشق النور ويستهجن الظلام يا عالية.. وهل يبتهل في محرابك غير المؤمن بقيم النور؟
جعلت العالية تفرغ في جوفها ما تبقى في قعر الزجاجة، حتى إذا أتت على آخرها ـ وقد بلغ منها السكر مبلغه ـ وضعتها فوق الطاولة بعنف فأحدثت دويا كطلقة رصاصة، وصاحت ملء عقيرتها.. أعزكما الله بقدر ما تعزان فرنسا وخدام فرنسا .. وأوحت لها الخمر وما هي عليه من سكر طافح فأجهشت في البكاء.. وحسام يربت على كتفها مهدئا خاطرها.. "عودي إلى الله وأكثري من الاستغفار فيخفف ما نزل.. ما أبكاك يا عالية؟
فكفت ورفعت يديها كالمتضرعة، وخاطبتهما:
ـ ادعوا معي سرا وعلانية كي يرفع الله أقدام الكلبة والقرد من منزلي هذا، فأقيم لكما حفلا لا يضاهيه حفل!
ولئن أضمر بدر عداءه المكين للعالية فقد اطمأن قلبه وارتاح خاطره لما تكنه من عداء سافر لحادة وعلاف.. أو لربما وجد في موقفها ذاك ما يهون سبيل الإطاحة برأسي الكلبة والقرد. أما حسام فقد انتفض من مكانه وهتف وقد افتر فوه عن ابتسامة عريضة:
ـ لن نقصر في الدعاء على الكلبة والقرد بالرحيل الأبدي يا سلطانة زمانها..
وقبل أن يغادرا بيتها خاطبها حسام مفتعلا بعض الجد:
ـ والله يا عالية لست مرتاحا لثنائي عالق في بيتك كالقراد.. ثنائي قذر منافق شرير، وشره أقبح من خلقته.. عجل الله بإلقائهما خارج بيتك كما تلقى الجيف في المزابل..
والعالية ترد.."آمين يا رب العالمين" واكتفى بدر بأن حرك رأسه كمن يبدي تأييدا وموافقة..
في هذه اللحظة دخل موحى وهمس في أذن سيدته فجمعت وقفتها إيذانا بفض الجلسة، واستأذنت ثم صافحت مودعة، وولت إلى حيث ضيوفها الضباط في الطابق الفوقي، في حين غادر بدر وحسام إلى حال سبيلهما. وعلى بعد أمطار من دار العالية استوقف بدر صديقه فخاطبه متسائلا في استنكار، وجبينه يرشح عرقا باردا:
ـ أسمعت على لسان العالية ما جنت يدا الكلبة والقرد يا حسام؟ أ رأيت كيف راق للملعونين أن يحييا عيدا متفردا مزاجه الخمر والشواء والسينما والحشيش؟ وعلى حساب من يا حسام أخي؟

محمد غالمي
02-27-2009, 04:56 AM
كذلك انفجرت نفس بدر بهذه الحمم البركانية، بعد أن تحول دماغه إلى مرجل يغلي.. بدر أشد يقينا بأن طقوس العربدة التي تنتشي في ميعتها حادة وعلاف، تمت فعلا على حساب ثلة من خيرة الشباب مغمورة حماسا، طافحة عزما وإخلاصا..ولشديد الأسف انطلت عليهم حبال الفتنة، واندفعوا ينشدون الدعة والسلوى، تلبية لنزوة عارضة في رحاب ما ظنوه روضا أريجا بين شدو الغواني ورنين القناني. ولكن سرعان ما استحال الروض جحرا قاتما لا تتربص فيه غير الأفاعي اللاذعة.. أما حسام فظهرت على وجهه سمات الثقة وآيات العزم والحزم، فراح يتفحص في وجه رفيقه العابس من قلق وحيرة، وخاطبه:
ـ هدئ من روعك يا بدر أخي.. لم الحيرة والقلق والهدف الذي من أجله حججنا إلى دار العالية تحقق؟.. فما الداعي للانزعاج وكل عناصر اللعبة باتت طوع يميننا؟ غرفة الكلبة وسريرها الحديدي ذو اللحاف الأبيض والوسادتين الورديتين.. رسائل الكلبة والقرد.. الوزانية الشوافة وفطوش..
رد بدر في لهجة مهموسة تنم عن يقين:
ـ أعرف بأن الوصفة غاية في الروعة وآية في النجاعة، ورب ضارة نافعة.. لن يرف لي جفن أو يطيب لي مضجع حتى نبادر من ليلتنا هذه في تدبير أم الوصفات ووضع آخر اللمسات.. وصل رأس السكين إلى جدار العظام يا حسام..
واصلا السير في جنح الظلام، وبدر لا يني يزفر من حنق، إذ طرق خاطره حادث مأسوي من توقيع حادة وعلاف، فقد تذكر أولئك الذين قام سرحان والشيخ عزام باستدراجهم تحت غطاء المساعدات.. وسلمهم للزبانية يحلقون رؤوسهم ويقومون بتطويفهم في حي الكانتنات، فجعل يهمس كمدا من تجاوزات الكلبة والقرد.. "يا ويل من بلغ بهما الاستهتار، والترنح في مستنقعات العار حدا أصبحا عنده مجرمين ضالعين، يستعذبان الرقص على الجماجم والأشلاء.. سابقت أرجلهما الريح ظفرا بقيمة ضريبة مجتباة من أجسام الشرفاء الجريحة" ما فتئا يمشيان في خطى وئيدة والليل مسبل جفنيه، والأزقة خالية والطرقات مقفرة. وعلى مقربة من الباب الرئيسي للقصبة الإسماعيلية استوقف بدر رفيقه، وقد شمله بعض الارتباك من وقوع عينيه على أبيه العائد من سفره.. كان يحمل حقيبته وهو يقبل من الشارع المحاذي لمقر قيادة الحاكم لاكومب، يسير الهوينى بقامته الفارعة ولباسه المخزني الموشى بالنياشين والأزرار النحاسية. لبد بدر وصاحبه برهة ريثما يجوز أبوه المدخل الرئيسي المفضي إلى ساحة السوق فدرب سيدي بوكيل. ودع بدر صديقه مذكرا إياه بموعد تحضير الوصفة، فانحرف يمينا نحو الطريق المؤدي إلى الدرب، وشق سبيل المنعطف المشرف على الوادي ثم مضى إلى حال سبيله.. كل الحوانيت أوصدت أبوابها ما خلا قهوة الحسن الجبلي، التي ترامى إليه منها صخب روادها يشق هدوء الليل البهيم. وقبل أن يدخل إلى الدرب التفت جهة جامع سيدي المعطي.. رأى زبيدة الحمقاء مكومة على نفسها، لا يحميها من لسع البرد غطاء وقد افترشت قطعة من كارتون مقوى وتوسدت نعليها على عتبة الجامع الملساء. اقترب من السور المشرف على الروضة، وتملكته هواجس مضنية، وألمَت به حسرة أوحى بها مرأى خربة خالي الحافظ هامدة تهجع في غمرة ظلمة موحشة رهيبة. استحضر عمي سلمان السفناج وتضاعف إحساسه بالشفقة، فجنح ناحية السور، وطفق يتأمل كمن يتأرجح بين صحراء اليأس وسراب الآمال. بدر موقن من أن خالي الحافظ وعمي سلمان كليهما مرميان في ذلك القبو الداجي البارد، المكظوظ بجماجم العزة وجثامين الشرف.. يا للحسرة وسوء المآل! وقصد بيت دويه وقد طوقته الهواجس وجثم على قلبه الهم؛ عنت له عن بعد فرقة من شرطة الحاكم على صهوات الخيول، تجوب الأزقة والدروب في دورات روتينية.. ولوما تحليه بقوة الشكيمة ورباطة الجأش لارتد على عقبيه فارا من ذعر مكنته الأشباح المزعجة..
وفي جلسة استثنائية بعيد العشاء التأم شمل الأنداد، بدر والغالي وحسام، وحميدو وعمر وعصام. صمموا العزم على ألا تأخذ الجلسة من وقتهم غير الجزء اليسير، لاسيما وقد تقدموا خطوة موفقة في لم شمل عناصر الوصفة المثالية، وليس أمامهم اللحظة سوى الشروع في تحضير لقاح فعال، كفيل بالحد من طاعون حادة وسرطان علاف.. نثر عمر أمام بدر وحسام ما كان بحوزته من رسائل متبادلة بين الكلبة والقرد، وجعل بدر يتفرس في السطور عسى أن يقتنص بعضا من الدلائل المسعفة في بناء الحبكة، فلاحظ تكرار عبارات بخط حادة من قبيل.. "يا علافي.. يا حبيبي وطبيب قلبي.. يا مهجتي.. زرني في أي وقت تشاء طبيبي.. ولا تأبه لحال ابني" أما علاف فأغلب رسائله كما لوحظ يستهلها بعبارة "حادتي ونور عيني". ضحك عاليا وأضحك الرفاق من فحوى الرسائل غير الخارج عن دائرة ألفاظ الغرام النمطية، والمدبج بفرنسية ركيكة، وصاح فيهم.. هيا يا رفاق لنجعل من لسان حادة وعلاف مدفعا يقصف بحر النار، لنجعل منهما أعجوبة زمانهما، وينطق بما ليسا أهلا له..
صاح الغالي في لهجة ساخطة ناقمة:
ـ لقنوا أعداء الله درسا قاسيا يقض مضاجعهم.. ويغشي أبصارهم.. دبروا الأمر وأعدوا العدد..(ثم تلا من سورة الأنفال): وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم..
وردوا جميعا.. صدق الله العظيم.
زين مخدر القنب الهندي لعمر أن يثير الفقيه، فلهج متسائلا:
ـ وما القوة يا شيخنا؟
أجاب الغالي مرددا حديثا نبويا يحفظه عن أحد شيوخه في سيدي الزوين: "ألا إن القوة الرمي.. ألا إن القوة الرمي.."
خرج حسام عن صمته وتساءل بدوره:
ـ ومن أين لنا بالسلاح نرمي به يا فقيهنا؟
ولم يتأخر الغالي في الرد، فصاح وقد مد يده إلى رأسه الحليق فسوى طاقيته:
ـ سلاحكم أقدامكم وأقلامكم.. سلاحكم أقدامكم وأقلامكم..
وانتفض جسم حسام تحمسا، وتوهج في عينيه بريق مخيف، فهتف بصوت يشي بحقد وشر مبيتين:
ـ أمهل يا عم يا غالي.. سوف نجرعهم أولى كؤوس الثأر.. وخطتنا بإذن الله لن تجنح عن المسار..
أما عمر فقد بدا عليه الاهتمام لمشروع الوصفة المزمع تحضيرها، ولاحت على وجهه بشاشة تنم عن تحمس قواه طبيعة الوصفة وفعاليتها، وأذكاه مخدر القنب الهندي الذي شرع يدخنه في نشوة زينت له أن يظهر حماسه النضالي، فرفع عقيرته مقهقها:
ـ أبشروا يا قوم.. الكلبة باتت مصباحا ينير والقرد أمسى طبيبا يداوي.. يا لسخرية الأقدار!
تقمص بدر دور علاف وأخذ يملي، بينما تولى عصام أمر التحرير:
حادتي ونور عيني: ما عدت أطيق العيش تحت رحمة الحاكم وكلابه: سرحان والفتاك وعزام، هؤلاء وحوش قذرون استغلوا وضعنا المزري وسخرونا في مهام قذرة نظير حفنة من مال قذر.. ندمت حقا على ما اقترفته من جنايات في حق إخوة لنا كرسوا حياتهم لتطهير الوطن من رجس الحاكم الغدار وزبانيته الأشرار..
حادتي ونور عيني: لا أخفي عنك سرا.. لقد عقدت العزم على التوبة وربط جسر الاتصال برموز النضال.. فما رأيك في أن ننتقم بأي وسيلة من هؤلاء الأشرار ونغادر الديار؟ فهل تشاطرينني الرأي يا نور عيني؟
الإمضاء: حبيبك وطبيب قلبك علاف
تنفس بدر الصعداء وزفر ملء رئتيه كمن اجتاز شوطا بالغ الأهمية، وخاطب حسام.. هيا يا رفيق اشحذ لسانك ورد على لسان الكلبة.
وانبرى حسام يملي وعصام يدون كالعادة:
إلى علافي، حبيبي وطبيب قلبي:
لا تقلق يا مهجتي.. قريبا سنحرر جسدينا من مستنقع الهوان، ونثأر لأنفسنا من عتو الحاكم سيد الأشرار.. سنتربص بفلذات أكبادهم فنذيقهم طعم الرزية إلى أن يفدوهم بوفير المال يا علاف؟ هذه أنجع وسيلة وأقوم سبيل يشفي لنا الغليل..
لا تغب عني حبيبي.. زرني في أي وقت تشاء طبيبي، ولا تأبه لحال ابني..
الإمضاء: نور عينك حادة
وتولى بدر وحسام شأن ترجمة مضمون الرسالتين إلى فرنسية شبه ركيكة على مقاس الكلبة والقرد.
وضع بدر الرسالتين، كل واحدة على حدة في الظرفين الأصليين، وخاطب رفاقه:
ـ حاجتنا الآن إلى مفتاح سر الوصفة.. (وتوجه مخاطبا عمر).. علينا بفطوش حالا.. وقبل أن يجف مداد القلم
وفطوش فتاة دون العقد الثاني، وهي أخت عمر ووحيدة أسرة خالي مولاي الطاهر صياد الحوت. تعثر نصيبها في الجمال ولم تطأ قدماها أعتاب مدرسة، ومع ذلك كانت تبدو مرحة مغمورة جرأة ونشاطا.. حازت ثقة الحاكم والترجمان وأسندت لها مهمة تدبير شأن كلابهما؛ ترعاهما حق الرعاية في بيوت خاصة بأركان الحدائق، فتسهر على نظافتها وتغذيتها، والخروج بها وراء أسوار الإقامة للتجول بها حتى تستوفي حظها من الاستجمام.. ولا تنهي عملها إلا في وقت متأخر من الليل، فتعود إلى بيت دويها وفي سلتها فتات الموائد من لحم وفواكه.. حازت إلى جانب ذلك موهبة غريبة تعلمت مبادئها وحذقت أصولها في بيت الفقيه المجنون في الزرايب، ودار الوزانية في درب سيدي بوكيل، فكانت بحق ممثلة بارعة في الخفاء بامتياز، لذلك اختيرت لهذه المهمة ثقة واقتناعا..
ونهض عمر وتوجه إلى دار دويه بالحدادة..هناك وجد أخته وقد عادت لتوها من مغنى الحاكم والترجمان، وأخبرها الخبر قبل أن يدس يده في السلة التي وضعتها عند قدميها، ويخرج جزءا من قفص صدري لدجاجة فيشرع ملتهما إياه في شره. يعلم عمر مسبقا بأن جلسة اليوم استثنائية ولا تزينها مائدة عشاء في بيت آل بدر سوى مكسرات اللوز وكؤوس الشاي. ولى بعد ذلك إلى الغرفة حيث الرفاق، وفي إثره أخته فطوش تهرول وقد امتلأ فؤادها مسرة وحبورا من الفرصة الميمونة التي سنحت بغير ميعاد.. ودعاها بدر إلى الجلوس فجلست مفتعلة بعض الحياء والأدب، ثم أخذت تصغي لبدر وحسام يجلوان عن أطوار السيناريو الموكول إليها تشخيصه.. ارتاحت فعلا للدور الذي أنيط بها، ووجدت فيه أهون وأيسر مما لعبته من أدوار غريبة في حياتها.. وإذ أبدت رضا واقتناعا، إلا أنها تظاهرت بالخجل من عرض مطلبها، أدرك ذلك بدر ولم ينخدع أو ينطلي عليه موقف لفتاة داهية مثل فطوش التي كرست جل وقتها للتمثيل على خشبة الواقع، فأجابها على الفور وهو يربت على كتفها:
ـ لن نبخسك حقك الذي أنت جديرة به. لو تعلمين كم نقدرك ونقدر مواقفك البطولية يا أختنا وأخت أعز رفاقنا..
وأضاف حسام:
ـ يكفينا أن تعلمي بما لك في نفوسنا من حب وتقدير يا أخت عمر..
ولئن كانت فطوش تدري بأن ذاك الثناء المغلف بأصباغ التقدير والبطولة لا يسمن ولا يغني من جوع، أو لعل سعيها لن يذهب هباء منثورا، إلا أنها أصرت على أن تفصح عن نواياها، وبجرأتها المعهودة سجع صوتها الذي لا يعدم رقة، فأجابت وثغرها يفتر عن ابتسامة غامضة:
ـ الدور اطلعت عليه، ويقيني كبير فيه.. وعقد العمل يا ناس؟!
لم يفاجأ بدر ولكنه بادر بالرد باسما:
ـ لن يجف عرق جبينك حتى تستخلصي كامل حقوقك يا أخت عمر..
نهضت في خفة وازداد نشاطها وتضاعف انشراحها، فغادرت الغرفة وفي إثرها أخوها عمر، ينوي مرافقتها كي يبعد عنها حمية السكارى ووحشة الليل القاتم.. وعلى وجه السرعة حج بدر وحسام وعصام إلى دار الوزانية، وفتحت لهم الباب مرحبة معتزة فأطلعها بدر على الدور الخاص بها، والموكول إليها تنفيذه بدقة متناهية تشهد لها كفاءتها العالية في قراءة الطالع. والوزانية في عرف أزلام الحاكم خبيرة في ضرب الخط وقراءة الفنجان، أسعفها على ذلك تقنياتها الباهرة في تجسيد أدوار لا تنشط إلا في عالم غيبي روحاني، عالم تشيده الوزانية على مقاس أغبياء ناقصي عقل ودين ..

محمد غالمي
03-10-2009, 06:03 AM
في عصر هذا اليوم الخريفي القائظ توجه بدر إلى بار مدام جورج التزاما بوعد قطعه على نفسه بملاقاة فيليب كوستي.. كان الأخير لحظتها جالسا على كرسي طويل القوائم أمام الكونتوار الخشبي المطلي بصباغة بنية لامعة. بدا أنه تضايق من شاب وسيم يزهو في طربوش أحمر، ويبش في وجه مدام جورج ويبادلها الحديث بفرنسية سليمة. تزحزح فيليب عن مكانه ونأى بنفسه قليلا، فاندمج يقرأ في كتاب "رأس المال" المفتوح أمامه، ومن حين لآخر يحتسي من الزجاجة عن يساره. شعر بأن شخصا دخل رحاب الحانة ووقف خلفه، أدار رأسه بتؤدة فارتسم في ملامحه وقع المفاجأة، بعد أن يئس من أن تتاح له فرصة اللقاء بمن تعرف عليه صدفة في الحافلة، واستقر رأيه على أن الواعد نكث أصول العهد والوعد. نهض من على الكرسي وأفسح ما بين ذراعيه فعانق بدرا عناقا، وأمسك بذراعه واقتاده نحو إحدى الطاولات في أقصى أركان الحانة.. أشار إليه بالجلوس تأدبا واحتفاء، واتخذ هو مجلسه قبالته، وتبودل السؤال متواترا عن الأحوال والأحباب والصحة وطول الغياب.. ضرب فيليب كفا بأخرى، فأقبل النادل في خفة وانكب على الطاولة ينظفها بمنديل، ثم وضع ـ بعد استشارة ـ زجاجتي بيرة مصحوبتين بكوبين طويلي الحجم. هش فيليب في وجه جليسه ونبس:
ـ أضاء محياك رحاب الحانة يا بدر! لحظة لا تشترى بمال.. هذا والله يوم استثنائي مما تبقى من عمر الخريف..
أجاب بدر وقد انبسطت أساريره:
ـ استثنائي حقا بحره وحرارة لقائه.. تعودنا هذه الأيام على مناخ مشرب بالبرودة، وإذا شمس اليوم تقذف اللهب..
صاح فيليب وهو يضع زجاجة أمام بدر:
ـ إذن ماذا ننتظر؟ فلنطفئ جوفينا المحترقين أولا فتبرد أجسامنا من حر اللهب..
شعر بدر بإحراج، وحاول أن يداريه بأن بش في وجه الرفيق وخاطبه بما تقتضيه أصول الأدب:
ـ تشكر فيليب.. أعذرني..
طفح الانزعاج في عيني فيليب ولم يخطر له على بال أن سيعرض بدر عن نخب، خاله عربونا للتآخي والصداقة، وتساءل مستغربا:
ـ ما بالك تأبى مشاركتي أنخاب المسرة والاعتزاز أيها الصديق العزيز؟
تضاعف إحراجه واستعاد حادثا مماثلا جرت أطواره في دار العالية بمعية حسام، حين علا وجه السلطانة اندهاش من تعففه فطاب لها أن تصنفه في غمرة أولياء الله الأتقياء على سبيل الاستهزاء، ولم يتأخر في الرد فقال حاسما موقفه:
ـ بصريح العبارة، لا أشرب خمرا وما حصل أن تسرب إلى حنجرتي منه جرعة.. فضلا عن كون ديننا لا يسوغ ذلك مطلقا ولو كان وصفة دواء.. ومن يفعل فهو آثم قلبه..
وفي محاولة منه للاستمالة والتأثير عقب فيليب في خبث:
ـ لا أجد في كأس بيرة من إثم عليك يا بدر.. اعمل بالقول الشهير.. أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله!
انفرجت شفتا بدر عن ابتسامة لا تخلو من مكر ودهاء بعد أن خبا لهيب الإحراج:
ـ شكرا لك "السيد المسيح" على سماحتك ونبل موعظتك.. واعلم بأن ما أسكر كثيره فقليله في ديننا حرام..
واقتنع فيليب في النهاية بثبات بدر على الموقف وتشبثه بالمبدأ، فدعا النادل من جديد وأشار عليه بأن يلبي طلب رفيقه بما تيسر من السائل الحلال. راح بدر يتأمل في وجوه السكارى يتفننون في بتر أوصال الزمن في ميعة سكر طافح.. كل يلغي على هواه في عالم روحاني تحرر من حواجز العقل وانفلت من رقابته؛ فذاك يبكي ليلاه، وأولئك يتفننون في أكل لحوم معارفهم، وآخرون ينتهكون حرمات بيوتهم، فلا يتورعون في نشر غسيل أسرهم وتعرية خصوصياتهم. شعر بأن عيون الفضول ترهقه بتفرسها، والأصوات تزعجه بلغطها، فضلا عن تضافر روائح عطنة، مزاجها دخان السجائر وأنفاس السكارى وما تبعث في ذاته من التقزز والغثيان، حتى إنه كان يمسك بأنفه كما لو أنه على وشك التقيؤ، إذ لم تفلح المروحات المشتغلة في صد ذلك أو التخفيف من غلوائه.. ما يزال يحدق مجيلا البصر من يمين الحانة إلى يسارها، فانتابه إحساس بالغربة وشعور بالذنب في مكان راق لفيليب أن يجعله متنزها تتجدد فيه الحياة، وتستيقظ الغرائز وتتبدد الوحشة.. وليس أمام بدر سوى التحمل ومواصلة جس النبض تريثا للظفر ببعض ما تقتضيه المرحلة الراهنة من مكتسبات. أثاره فيليب يختلس النظر ـ من حين لآخر ـ إلى شاب أنيق المظهر، آثر الوقوف أمام الكونتوار وانهمك يحادث جليسا له في همس ضاع في غمرة الصخب المحتد.. شكر بدر النادل الذي وضع أمامه مشروب كوكا كولا، وسأل جليسه وهو يومئ بعينه جهة الواقف:
ـ ما الذي أثار انتباهك هناك يا رفيق؟
وفليب يزحزح النظارة بعض الشيء عن أنفه، ويرفع عينيه مثبتا إياهما في الشابين المندمجين في حديثهما الثنائي، فرد في همس أثار حفيظة بدر:
ـ متحزب جديد في حزب عنيد!
عرف هوية الحزب الملوح إليه من الصفة التي ألصقها به فيليب.. حفزته هذه الغارة على بشاعتها ومرارتها، وأمعن النظر في الشاب الواقف يرفل في كسوته السوداء وحدائه البني اللامع، وطربوشه الأحمر الزاهي. تأكد لبدر بما لا يدع مجالا للشك بأن الرجل الربعة مناضل فد في صفوف أقوى حزب غدا يقض مضاجع الدخلاء، حتى رأوا فيه شؤما يلوح في العلياء ويهدد بفطامهم ومحو أثر جاههم ونعيمهم. أكبر بدر في ذاك الشاب الجميل المحيا، النابض حماسا موقفه البطولي الخالد الذي دونه باعتزاز في سجل يحفظ توقيعه على وثيقة المطالبة باستقلال الوطن قبل سبع سنوات خلت.. أجل أكبر فيه هذا التوجه الحالم بزمن الإنصاف ولكنه خاف عليه ـ من ناحية ـ أن يلدغ كما لدغ إخوان له من قبل في جحر حادة وعلاف.. وسرعان ما اطمأن فؤاده وهدأ خاطره؛ استحضر الوصفة المثالية التي ستحد من سرطان الكلبة والقرد.. واطمأن للسير القويم المفضي إلى ساحة الحقيقة.. استعاد اللحظة التي تسلم فيها عمر الظرف الأول وانصرف لتنفيذ مهمته بمضجع علاف بقهوة الجبلي، بينما سلك حسام بالظرف الثاني سبيل العالية. سرى في دمه إحساس بالثقة، ولم يخالجه ظن أو يساوره ريب في أهلية رفيقي دربه النزيهين المخلصين، وبادر بالرد على فيليب الذي أبدى نقمة وكشف عن موقف متصلب:
ـ بل فارس صنديد في حزب عتيد يا فيليب..
جعل فيليب يصب الخمر في الكأس ويحدث من دون أن يرفع عينيه:
ـ ولكنه من أصحاب المؤامرة يا رفيقي!
عقب بدر متسائلا:
ـ على من يتآمر يا هذا؟
اشتم فيليب في ردود جليسه ما يشي بانحيازه للشاب ذي الطربوش الأحمر، فعلا سحنته الاندهاش ورفع رأسه وأجاب ببعض الانفعال:
ـ التآمر على السيادة يا رفيقي..
وفي استغراب نطق بدر:
ـ السيادة! سيادة من يا فيليب؟
ارتشف من كأس الجعة وأشعل السيجار مجيبا في إنكار:
ـ ومن يتولى تدبير الشأن العام غير فرنسا يا رفيقي الجديد؟
ليس من عادة بدر أن يجبن أو يستكين لمثل هذه المواقف المعادية مهما تكلفه ردود أفعاله النارية من الأثمان، ولكن آثر رمي السهام وتسديد الرصاص بذوقه الخاص..
ـ لنكن صريحين يا رفيق، فمن أحق بالسيادة، أهل البلد أم دخلاء البلد؟
وجد فيليب نفسه في موقف حرج، بيد أنه أبى الظهور بمظهر الخانع الخاضع، وإن كان مقتنعا باستحالة طمس حقيقة منطقية من حقائق التاريخ، وكعادته أجاب مغلفا رده بحلة إنكارية لا تخلو من تعريض:
ـ وهل غاب عن الأذهان بأن فرنسا تربطها بالبلد معاهدة حماية؟ (وتمادى في استفزازه ملوحا ملمحا).. لم لا نكون جميعا في مستوى عقد الحماية التاريخي؟ وهل تنفع المزايدات أو تجدي المرافعات بعد تلك الخطوة التي شكلت في إبانها حدثا تاريخيا باهرا؟
وأومأ بعينيه ناحية الشاب الخائض في الحديث مع الواقف بجانبه أمام الكونتوار:
ـ لو كان صاحب الطربوش ذاك وأمثاله واعين بالحقيقة التاريخية لما تواروا في حزب يحتضن عصابة من المارقين يدبرون المكائد في الخفاء، ويسعون إلى إجهاض بنود المعاهدة بجفاء!
بلل بدر حنجرته بجرعة من مشروب كوكا كولا وقهقه عاليا حتى أثار حفيظة شيخ جالس خلفه يسكر، ونبس:
ـ أتاريخ فرنسا تعني أم تاريخ المغرب يا فيليب؟
هش فيليب في وجهه وآثر أن يجنب نفسه الخوض في جدال، يعرف مسبقا أنه لن يكسب من ورائه رهانا، فنبس باسما في عجب:
ـ يا لك من داهية صلب الفكر صعب المراس يا بدر!
وأصر بدر أن يتمادي في كيل صاع آخر من الاستفزاز، فخاطب الرفيق وهو ينقر على الطاولة بقاع قنينة الكوكا:
ـ أجبني بصريح العبارة يا فيليب.. أليس ذاك الشاب ذو الطربوش الأحمر ابنا لهذا الوطن؟
وفيما يشبه الإذعان أجاب الآخر:
ـ بلى..
ـ إذن ما ضره إن هو رام التعبير عن رأيه والمطالبة بحقه؟.. أليس الحق مكفولا بحقيقة التاريخ يا رفيق.. ألا يعتبر الماركسيون التاريخ علما وحيدا يؤمنون به؟
أجاب فيليب بلهجة متراخية من توالي الضربات:
ـ لا تسئ بي الظنون يا بدر.. لست من الفرنسيين الغلاة الذين يكرسون مبدأ الاحتلال الأبدي.. ولا أعارض مطالبة هذا الشاب وأمثاله بحقوقهم، ولكن إذا حدث فليكن بطرق سلمية حضارية لا ظلامية همجية، وإلا فقد النضال مشروعيته! فلو كتب لك أن عاينت ما جرى أمس بالدار البيضاء من مشاهد الموت والخراب ـ وكلها من توقيع الهمج المارقين ـ لغيرت رأيك في من اعتبرته من الفرسان الصناديد..
شعر بدر بسكينة تغمر نفسه فرقص من نشوة غمرت نفسه، وقطب حاجبيه وعقد ما بينهما كمن تأثر من سوء الخبر:
ـ ماذا حدث بالضبط يا فيليب؟
عبس من هول ما رأت عيناه، وجعل يحكي..
ـ اهتز درب عمر من دوي انفجار عنيف من جراء قنبلة.. وانفجار آخر ضرب السوق المركزي.. وفي درب الكبير سقطت ثلاث نسوة فرنسيات غيلة من ضربات السكين.. كل هذه العربدة من صنع أشبال حزب اعتبرته عتيدا.. أليس هذا منتهى العناد وأقصى الجحود؟ أما كان على أولئك المارقين أن يصونوا عقد الحماية ويباركوا خطواته؟
ضحك بدر وهو كاره لهذا الضحك الأليم، واستصغر ظنون محدثه واستبشع جانبا من آرائه القاتمة، فجزم بأن الرفيق المزعوم لا يصدح سوى بحق أريد به باطل، ولم يعد يفرق بين اللباب والغثاء.. لمس فيه حقا بعض الأنس والطيبة ولا يدري سبب انجذابه إليه! أهي طيبته وتأدبه، وانفتاحه وتواضعه، أم ثورية أفكاره التي رضعها ـ كما زعم ـ عن قناعة ومبدأ من أثداء الماركسية اللينينية؟ ومهما يكن فقد وجد متعة ـ على ما يشوبها من المرارة ـ في مجالسته والاستئناس بآرائه التي تمجد الطبقة الكادحة وتدافع عن اختياراتها، وإن لمس في توجهه ذاك تناقضا صارخا يكيل من خلاله بمكيالين.. وما المانع ـ وقد جعلت خيوط الألفة تلتئم ـ في أن يكيل له الصاع صاعين نكاية وزراية، ولو على سبيل الدعابة، فتساءل وعيناه تشعان سخرية ومكرا:
ـ ومتى ترفع الحماية يديها وتكف من الحجر والوصاية؟
مسح فيليب على لحيته من بلل أحدثه ما انفلت من الكأس، وخاطب جليسه بلهجة العارف بحقائق الأمور:
ـ لم يحن الوقت بعد يا رفيق.. ما تزال بنود الحماية في طور التفعيل، وها أنت ترى نتائجها تتمر رويدا رويدا.. فمن شيد القنطرة الجديدة قبل ثلاث سنوات؟ ومن بنى السد غلى نهر أم الربيع،وشق قناة الري عند مشارف سيدي بوكيل؟ من عبد الطرق وشقها في قمم الجبال وبطونها؟ من أنعم على الأهالي بالمدرسة، ولقنهم أصول النظافة ؟ من أخرجهم من ظلام الفوضى والتسيب والجنون إلى نور النظام في دولة الحق والقانون؟ من فعل هذا غير فرنسا؟ (وكمن استعرت في ذاته الحمية واصل).. هل يعلم صاحب الطربوش الأحمر أن فرنسا حين غزت هذه الديار ألفت آباءه يردون الأسواق حفاة، والقمل يسرح على خرقهم البالية.. (وأمعن في الاستفزاز والبسمة الماكرة لا تبرح جفنيه الذابلتين من خمر).. ويملئون البطون بالشعير.. وهل الشعير مندور سوى للـ ...!!

محمد غالمي
03-10-2009, 06:04 AM
وعلى سبيل الإثارة ومقارعة حجة بأخرى تصدى بدر برزانة متسائلا:
ـ هل تعتقد أن ما أنجزته فرنسا وتنجزه يتم لوجه الله وفي سبيل الإنسانية يا رفيق؟
آثر فيليب درب السلامة حذرا فسح المجال لبدر يخوض في أمور لا طاقة له بمواجهتها؛ من قبيل الاستغلال، والاستكبار الجاثم على صدور الأهالي، لذلك خفف من حدة هجومه ونبس وقد جعلت كؤوس البيرة تفعل فعلها في رأسه:
ـ اسمع يا بدر ولنعد لموطن الجد والحقيقة.. لا يماري اثنان في كون فرنسا مقتنعة بأنها لا محالة راحلة إلى موطنها الأصلي طال الزمن أو قصر.. ولكن الموقف رهين بتحسن أوضاع الشعب.. ولن يتأتى هذا إلا بتحقيق الأهداف التي رسمتها الدولة الحامية في بنود المعاهدة! (وغير مجرى الحديث حيطة من إثارة نعرة بدر واستطرد).. لا أغالي إذا قلت إنني أرثي لحال صاحب الطربوش ذاك وأشفق عليه من المنعطف الوعر الذي يسلكه (واستأنف كالمتأسف يزفر من خيبة وخذلان) وددت لو نهج سبيل هذا الشيخ الوقور الرافل في دنيا النعيم!!
لم يتأخر بدر في الرد متسائلا:
ـ أي منعطف وعر تقصد يا فيليب؟
ـ اختيار العنف كسبيل لتحقيق أطماع سياسية! ولا أخال بدرا مثلك يغفل هذا التوجه البغيض.. (وهو يضحك ويده تداعب لحيته) كان توجهك سلميا حين لقنت الضابط الدركي درسا في الحافلة.. أو نسيت؟
ولئن كان بدر مرهفا السمع للشيخ السكران من خلفه يحادث جليسا له حديثا مثيرا فقد ظل على أهبة للتصدي، ولم يمنعه انشغال أذنه بمسايرة هرطقة جليسه، فأجاب:
ـ كيف لي أن أنسى.. ولوما ذلك الدرس في جو الحافلة الملتهب لما أتيحت لي فرص ثانية لتلقينه!! (وضحكا معا عاليا، ثم واصل تسديد ضربات الرحمة الموجعة).. ولم سلكت ديكتاتورية البروليتاريا نهج العنف وسبيل القوة في روسيا القيصرية؟ وهل فعلت ذلك سوى لتحقيق مآرب سياسية ومجالات حيوية على حساب الدماء والأشلاء يا رفيق؟! (وأعاد إليه الكرة نفسها) لا أخال رفيقا ماركسيا مثل فيليب يجهل روح تلك الشريعة الحمراء!! أو هي حلال عليهم حرام على (المارقين المعاندين؟)
جد في إخفاء ما انتابه من شعور بالإحراج والارتباك، وقال مبتسما رغما عنه:
ـ ذلك شأن داخلي وصراع طبعي بين أبناء البلد الواحد.. وما نجم عنه لا يعدو أن يكون حتمية للتاريخ يا بدر.. أما وضع فرنسا في المغرب فمحكوم بقوة قانون المعاهدة المبرمة مع السلطان قبل أربعين عاما.. فلا قياس مع وجود الفارق أيها الرفيق!
أثار بدر موضوع صاحب الطربوش الأحمر ثانية ليعرف المزيد من خبايا الأمور، فضلا عن طبيعة السبيل الذي ينهجه الشيخ السكير، فتساءل مومئا بعينه إلى خلف:
ـ لم تمنيت لو سلك الشاب سبيل هذا الشيخ؟
ـ إنه رجل مخلص.. يعز فرنسا ويدافع عن وجودها.. يحترم مبادئها ويمتثل لقوانينها.. (واستدرك فأضاف بلهجة لا تخلو من أسف).. ولسخرية القدر تحول من راعي خنازير إلى ملاك كبير وشيخ ذي حظوة شهير!!
وتحمس بدر لطلب المزيد، فعرف من حديث فيليب أن هذا الرجل المسن كان فعلا مجرد راعي خنازير في ضيعة أحد المعمرين، وتوسط له هذا الأخير لدى قائد الناحية، وهو رجل سلطة مهيب الجانب، فولاه منصب شيخ "الدوار" ولما استفسر عن هوية القائد، تأكد له بأنه كان هو الآخر مجرد خادم في قصر باشا مراكش، فمن عليه سيده بمنصب قائد!. وليس غريبا أن يطلق القائد يديه فيعيث في ملك الغير فسادا وغصبا بغير موجب حق. وليس غريبا أن يرحل الغمام إلى سماء الأزلام ورعاة الخنازير.. أحس بدر بضيق خلفه تهور السلطة العميلة المتآمرة، وراق له أن يواصل درب الإثارة المبرحة، وتساءل من جديد:
ـ أتريد لصاحب الطربوش الأحمر أن ينضم إلى زمرة هذا الشيخ العربيد كي يصبح هو الآخر ملاكا كبيرا يا فيليب؟
ـ ولم لا؟ فأيهما أفضل في نظرك، أن يسلك سبيل الشيخ فيعش في اطمئنان ونعيم، أو يسلك درب الحزب العنيد فيقبر في الأقبية والسراديب؟
ندت عن بدر قهقهة عالية أثارت من جديد فضول الشيخ السكران، وهمس عند أذنه متسائلا باستهجان منكر:
ـ ومتى كانت الماركسية ولينين والبيان الثوري تبارك جميعا خطوات الإقطاع يا رفيق؟!
وعاد بدر مرة أخرى يقترب من وجهه وينبس باسما، وقد فطن الآخر إلى ما تشعه عيناه من شماتة وخبث:
ـ لم تضمر كل هذا العداء لحزب عتيد انبلج للتعبير عن تطلعات شعب صد في وجهه الباب، وحظي بثقة السلطان الشاب؟
طفح الجد على قسمات فيليب.. وامتدت يده إلى العلبة التي لم يبق فيها غير سيجار واحد، فأشعله وأخذ نفسا طويلا من الدخان، وخاطب جليسه في همس حذر:
ـ لا أخفي عنك حقيقة مادمت كسبت صداقتك ونلت ثقتك.. المقيم العام جوان على وشك توجيه إنذار لمحمد الخامس يدعوه فيه للتبرؤ من حزب الاستقلال علنا أو التنازل على العرش!
رد بدر ساخرا مستصغرا:
ـ وهل تعتقد أن جلالته سينصاع إلى أوامر المقيم المشبوهة؟
بادر فيليب بالرد السريع الجاهز على طرف اللسان، فقال في همس الواثق من ادعائه:
ـ إذا لم يفعل سوف يخلع عنوة يا بدر.. هذا جديد الأخبار وحديث الساعة!
ارتجت دواخل بدر وأفلت عن وجهه البسمة، وتساءل بلهجة المحتج المستنكر:
ـ ألا يعد هذا السلوك المدبر في الخفاء خرقا لبنود الحماية؟.. ومن خول للمقيم جوان مشروعية التطاول على رمز السيادة، والشروع في حبك المؤامرة؟
نهض فيليب بنية الذهاب إلى أقرب متجر لبيع السجائر بعد أن نفذ ما في العلبة، وخاطب بدر وهو يبش في وجهه مزهوا بما حقق من إنجاز:
ـ يا ما أرهقتني تساؤلاتك يا رفيق!.. انتظرني سأعود بعد ثوان وأحمل لك جديد المفاجأة!
أبدى بدر اندهاشا واكتفى بأن تساءل بعينيه، فرد عليه فيليب بإيماءة الطرف ناحية الشيخ، كأنما ليقول له.. هناك مصدر المفاجأة.. وبينما انصرف فيليب ليقضي وطره طفق بدر يلوك مستعيدا في غضب وتأس كل ما لغط به الرفيق الجليس.. (حزب عنيد يحتضن عصابة من المارقين يتآمرون على السيادة ويسعون إلى إجهاض بنود الحماية..!) حقا حز في نفسه هذا الهجوم الشرس على الحزب ورموزه، وعمل ما وسعه على المواجهة مستعينا بما أوتي من مدافع مضادة للنيران. لاح الانشراح على وجهه ولسانه يردد في صمت.. ذاك الحزب عتيد وسيبقى شوكة عالقة في حلقوم آبائك حتى يشرقوا بما يغرفون من دماء الأحرار الشرفاء.. ولا مناص من أن يرفعوا أياديهم ركوعا وخنوعا.. (وزاد وهو يضحك منتشيا من شماتة).. واعتبر أنت الحزب عنيدا واحسب ـ كما يحلو لك ـ رموزه مارقين.. فلا الحزب ولا الرموز، ولا كائن من كان جاهز للاعتراف بقوة البغي وسلطة الجبروت.. (وهل الشعير مندور سوى للــ..) أكمل ما في جعبتك من رصاص يا فيليب! آباؤنا حمير يا سليل الحمر الإفرنجية المسعورة.. وماذا ينتظر من جنسكم غير التجريح والتقريح؟ عجل الله برحيلكم. استفاق من سرحة خياله على صوت الشيخ يحتد من خلفه، فالتفت من فضول وجعل يتفرس في الرجل ومن يشاركه الطاولة المملوءة عن آخرها بزجاجات البيرة.. كان الرجل في حلقته السابعة، ودل لباسه التقليدي ـ جلباب وطاقية ـ على أنه مترف ذو يسار. أما جليسه فهو شاب دون الأربعين، قصير القامة، يرتدي فراجية بيضاء وعلى رأسه طاقية زرقاء، وسمات الكد والكدح مرسومة على صفحة وجهه، وقد بدا في خنوعه واستعطافه أنه مغلوب على أمره. وحتى لا يثير بدر انتباه الشيخ الغاضب حول بصره جهة الكونتوار، حيث ما يزال ذو الطربوش الأحمر منهمكا في الحديث والشراب، وأرهف السمع مصغيا يلتهم ما شذ وفد على لسان يقصف بلهيب النار.. "اسمع يا مبارك.. لقد حلفت بأغلظ الأيمان إن تسول لها نفسها الخبيثة مرة أخرى أن تشق عصا الطاعة لأكملن بها العاشرة أو أهشم رأسها بقادوم!" ورد نديمه وهو بلا ريب من أقرباء الزوجة المستهدفة "والله يا سيدي لقد ألقى بها عمي في الزريبة مقيدة اليدين والرجلين ثلاثة أيام، ولم يفك قيدها إلا بعد أن أدت اليمين وعينها على المصحف الكريم.. وتعهدت بألا تتدخل مطلقا في حياتك الخاصة.. كان عمي يقول للبتول حين يعودها في الزريبة بعد أن يطعمها ببعض اللبن الحامض وخبز الشعير: الشيخ سيد الرجال المتقين، وولي طرقي من أولياء الله الصالحين، ومن حقه أن يتزوج أكثر من عشرين!! مسح الشيخ على لحيته زهوا ونخوة، وابتسم في وجه مبارك وشرع يحدثه في همس، وبدر يجد في إرهاف سمعه، فتمكن من التقاط جانب من حديث، دل فحواه أن الشيخ وصل مسعاه في استمالة مبارك واستدراجه للانخراط في المستنقع الطرقي، وحماية طقوسه وتوجهاته الرامية إلى توطيد دعائم المحتل.. بلَغ الشيخ رسالته بعدما انهمرت سهام لسانه ترهيبا وترغيبا، ورفع صوته فخاطب جليسه.. لن أسمح للبتول بالرجوع إلى بيتي إلا بعد انتهاء مراسيم حفل زواجي.. أسمعت يا هذا؟ ضحك مبارك ملء شدقيه، ونهض من مقعده وانحنى على رأس الحاج الزهواني يطبعه بالقبل مهنئا، وشكره الشيخ على طيبوبته وحسن نيته، وسلمه دعوة شفوية لحضور الحفل المرتقب قائلا: ومن حسن حظك أن حفل زفافي سيصادف الموسم السنوي..
ورجع فيليب وفي يده علبة جديدة من الصنف الممتاز، وما إن استوى على كرسيه حتى بادره بدر بالسؤال:
ـ أية مفاجأة تحملها عن هذا الشيخ يا فيليب؟
وهل من مفاجأة يحملها ولد كوستي غير ما اقتنصته أذنا بدر؟ أجل، تأكد له أن الشيخ يحضر لحفل زفاف عظيم، سيحضره حاكم المنطقة العسكري مصحوبا بالأزلام من رجال سلطة ووجهاء وأعيان.. ويشوى الدجاج والخرفان.. ويتسابق على صهوات الخيول الفرسان.. عيد لا كالأعياد، في غمرته سيشعل الشيخ المتصابي شمعته الحادية عشرة؛ صبية دون ربيعها الخامس عشر! ولحسن الطالع سيصادف الحدث موسم الزاوية الطرقية الذي يرده لفيف الخونة المتآمرين. وبعد الذي سمع أيقن بدر بأن نظام الحماية أدرك مبكرا أهمية الفكر الطرقي، وتفطن لدوره الفعال في شد عضد المشروع الاستعماري البغيض، بغية التشويش على الشرفاء الأحرار.. وليس مستغربا أن تغدق إدارة الحاكم على هؤلاء الطرقيين ورجال الدين المشبوهين من فيض دعمها المادي والمعنوي، لتوفير ما يلزم من الراحة والسلامة لمريدي الأضرحة إحياء للموسم السنوي.. وهو يهم بتوديع الرفيق فيليب أحس بنغص اضطرب له خاطره ومشاعره، ولكن حسبه أنه أضاف لحسابه رصيدا آخر.. تصافحا بحرارة وافترقا خارج باب الحانة، وفيليب يلح على بدر بزيارته في إقامة والديه بالضيعة الحمراء..

محمد غالمي
03-27-2009, 05:06 AM
***استيقظت فطوش مبكرا وأعدت وجبة الفطور بحماس على غير عادتها.. أيقظت أمها وانتقلت إلى الخربة التي اتخذها أخوها عمر مضجعا له منذ أصبحت مستودعا للمؤونات والمساعدات، وكان قد استفاق وتهيأ للخروج إلى الوادي.. عادت إلى الغرفة اليتيمة التي تمدد في أحد أركانها أبوها خالي مولاي الطاهر، وقفت برهة تتفرس في جبينه تزخرفه المنعرجات وترتسم في عرضه أخاديد وحفر، حصيلة ثمانين حولا، تسعون منها في أحضان الوادي. ظل الوادي لخالي مولاي الطاهر رفيقا وخليلا، وجارا حبيبا بالجنب وولي نعمة؛ من ريع أغواره يحفظ أود أسرته وعلى شطه يعيش حياة كفاف وعفاف وغنى عن الناس.. ظل الوادي قبل عقود سيد نفسه إلى أن ابتلي بالدخيل فشدد على ضفافه الرقابة، ومنع الأهالي ـ ما خلا أبناءه وخدامه ـ من صيد أسماكه والاستمتاع بمائه إلا برخصة، وما أبهظ ثمن الرخصة! ومن خالف يلق في غياهب الوحشة.. عانى مولاي الطاهر من القيود المجحفة، والشروط المؤلمة التي وضعها سرحان وعزام للظفر برخصة، ولكنه أبان وهو مكره عن خضوع مزيف، وأبدى حماسا على أن يكون عينا على من يسميهم سرحان لصوص الوادي. والحق إن مولاي الطاهر ـ من شدة ورعه وتقواه، واستهجانه لنظام الحاكم القمعي وإخلاصه لملك البلاد الشرعي ـ ما ألحق أذى بصياد عابر.. كانت تقاريره اليومية إلى سرحان وعزام تشهد بأن الوادي آمن مطمئن من يد اللصوص. بقى مولاي الطاهر ممسكا بحبل الوادي حتى أقعده المرض والكساح، وتسلم عمر المشعل بينما التحقت أخته فطوش بحدائق الحاكم والترجمان وأسندت لها مهمة رعاية خنازير لاكومب، وكلاب الفتاك.. تقضي النصف الأول من النهار ببيت الحاكم والنصف الثاني بحديقة الترجمان.. تأثرت لحال أبيها الخائض في الشخير والأنين وأكبرت فيه سنوات الضنك، وتوعدت في أعماقها بأن تساهم في الثأر على قدر ما تتمتع به من مواهب صقلت في جحر الوزانية وقبو المجنون. غادرت مسكن أبويها وتوجهت إلى عملها بحديقة الحاكم.. إن أول ما تبتدئ به إخراج الخنازير من بيوتها لتأخذ حظها من شمس الصباح، وخلط الأعلاف تمهيدا لإطعامها. كانت السيدة سوزان حرم الحاكم لاكومب واقفة في باحة الإقامة تتملى ـ كعادتها كل صباح ممطر أو صاح ـ في أرجاء الحديقة أمامها.. ما غاب عن بال فطوش مواظبة السيدة على هذه الفسحة الصباحية، غير أنها تهيأت اليوم لتكون في مستوى دور اعتبرته هينا يسيرا.. وليس غريبا أن تلفي نفسها اللحظة جذلى في غاية من الانشراح، فلتتهيأ العين لتبكي ما وسعها وقد عنَ في الأفق غنم وظفر. باشرت عملها، فنكست البيوت وغمرت أرضيتها بفرشة من التبن.. اختلست نظرة إلى باب الإقامة، وتأكدت من وقوف السيدة شابكة ذراعيها إلى صدرها. جعلت تهيئ الحليب وترجه داخل رضاعات كبيرة الحجم لإطعام أجراء نفرتها أمهاتها، وسارت خطوات في اتجاه بيت المواليد الجدد.. توقفت فأسندت رأسها إلى ذراعها اليمنى كمن ألمت بها حرقة مفاجئة، ثم واصلت المشي في خطى وئيدة.. بدا أنها لم تستحمل الحركة لاستبداد الوعكة فجلست مقرفصة وأمسكت بكلتا راحتيها على رأسها. ذهلت سوزان من مرأى الفتاة، فسارت تشق البهو في خيلاء.. جازت عرض الحديقة وتوجهت إلى حيث تجثو الفتاة وتئن، وجعلت تربت على مؤخرة رأسها وكتفها ولسان حالها يسأل في إشفاق:
ـ ما بك يا فطوش؟ هل اعتراك نغص من تعب أو حمى؟ لا ترهقي نفسك يا فتاة اعملي في حدود ما تسمح به قدرتك..
تضاعف أنينها واحتد بعض الشيء، وأخذت تشهق حتى كادت تنهار والسيدة تسأل عن مصدر العلة وسبب الألم.. أمسكت بذقن الفتاة ورفعت رأسها، فلاحظت على سحنتها أعراض مأساة حقيقية؛ فالعينان احمرتا من دمع، وهالة من حزن وهم طفحا كالغيمة على صفيحة وجهها، وتحت إلحاح السيدة نبست في لهجة من أثقل لسانها الغم:
ـ لو اعتراني نغص من تعب أو حمى لهان الأمر سيدتي!
والسيدة تحملق فيها بعينين مفتوحتين عن آخرهما وتستوضحها مهتمة:
ـ احكي عن ضرك يا صبية.. لا تتركيني في حيرة من أمري..
واسترسلت تحدث مصطنعة الجد:
ـ حين أنهيت عملي أمس ويممت شطر منزلي مررت برجل وامرأة واقفين على مقربة من قهوة الحسن الجبلي في درب سيدي بوكيل.. لم يفطنا لي حين اقتربت منهما لهول ما كانا خائضين فيه.. كلام فظيع اخترق أذني.. وجبة من سهام جرحت قلبي وأدمت نفسي سيدتي.. (ونكست رأسها حسرة وكمدا والسيدة تلح في السؤال!)
ـ أفصحي يا فتاة.. فما سر الوجبة الجارحة؟
أسبلت فطوش بعض الدمع ونطقت في همس:
ـ وجبة كلها تهديد ووعيد.. ذلك مصدر العلة وسبب الألم سيدتي.. لم تستحمل أذناي فحيح نوايا مبيتة سيدتي..
وبعين حائرة ومحيا غاضب صاحت في وجهها:
ـ تهديد.. وعيد! من يتوعدان يا هذه؟
وعبس وجهها وقالت بلسان مضطرب كأنما أصابه العي: يتوعدان سيدي الحاكم والترجمان.. والشرطي سرحان والشيخ عزام..
وأدارت رأسها يمنة ويسرة كالغاضب الناقم يرفض واقعا مريرا، وقد ارتسم على رموشها حسرة وأسى، وشرعت تحكي بنبرة حزينة ما دار على لساني المتوعدين.. ( لاكومب وصعاليكه مصدر شقائنا.. هل مكتوب على جبيننا العيش على الفتات المهين؟ .. وفي مستنقع مشين؟.. انتهى زمن الرضوخ والاستعباد أيها الزبانية الأشرار.. سوف يؤدون الثمن غاليا..)
اطمأنت فطوش إلى الأثر الذي أحدثه كلامها في نفس السيدة، واندمجت في شهيق متقطع وقد أحنت رأسها من استبداد الفاجعة، والسيدة سوزان التي زعزعها القلق من فحوى الوشاية تمسك بذراعيها من جهة الكتفين وتسعفها على النهوض مثنية على مشاعرها الجياشة، محيية فيها روح الإخلاص للحاكم وآله وصحبه، وسألتها:
ـ ألم تحددي ملامحهما؟
وتعافى لسانها من فرط ما شملها من الإطراء، أو لعلها ارتاحت مما قطعته من أشواط مفضية إلى شط الغنيمة وعز الظفر، فأجابت وهي تمرر أناملها على خذها لتزيح أثر الدمع:
ـ كان الرجل قصير القامة ورفيقته تزيد عنه بعض الشيء.. لكن لم يسعفني الظلام على تحديد الملامح سيدتي..
(وكأنما تذكرت شيئا ذا بال استطردت).. أبشع وعيد التقطته أذني وانفطر له كبدي يا سيدتي، قول المرأة لمحدثها وبلهجة هجومية قاسية: "الحياة لمحمد بن يوسف والموت للحاكم والحاشية والأتباع..
عضت السيدة على شفتها وأوشكت أن تتفجر غضبا، ولكنها كظمت غيظها وتوجهت إلى الفتاة تجدد فروض الإطراء والتنويه:
ـ نقدر محبتك لنا واعتزازك بخدماتنا وغيرتك على وجودنا يا بنية.. لن يفلح المارقان أو يبلغا الأرب.. ولن يجني الناقمون في آخر المطاف غير الأشواك المدمية.. الحاكم سيد زمانه ورجاله المخلصين بالمرصاد لكل المارقين..
ولت السيدة صوب باحة الإقامة في حين استأنفت فطوش عملها فباشرت إرضاع صغار الخنازير الواحد تلو الآخر، حتى إذا أنهت سائر أشغالها في حدود الواحدة ظهرا، حملت لها واحدة من الخدم طعام الغذاء فتناولته وغادرت الحديقة لتجد السيدة في انتظارها عند المخرج الرئيسي. سلمتها سلة مملوءة بالملابس المستعملة ولفافة تحوي بعض الحلوى والفواكه، وسارت لا تلوي على شيء حتى وصلت إقامة الترجمان في أقصى حي الكانتنات.. قبلت يد حرم الفتاك كالعادة، ولكن السيدة لاحظت عليها أمارات الانفعال وسمات الغضب، فبادرتها بسؤالها في لطف:
ـ لست مرتاحة لمنظرك الحزين يا فطوش.. هل مسك مكروه؟
وضعت الفتاة السلة أرضا، ورفعت وجها شاحبا تلوح منه عينان منزعجتان لا تطرفان، وشرعت تشخص نفس الدور الذي لعبت أطواره في حديقة الحاكم بحنكة.. لبدت السيدة في مكانها مصدومة من هول النبأ المشؤوم وما حمله من وعيد قاتل..
وانتشر الخبر في حينه كأنه رياح السموم.. وفي الليلة ذاتها استنفر الحاكم رجاله؛ الفتاك وسرحان وعزام.. وانعقد في مكتبه مجلس مصغر للبث في الوشاية الجديدة التي اتخذت على محمل الجد.. وتضاربت الآراء وتعددت التخمينات، ونشط البحث عن كل السبل المؤدية إلى مكمن الداء.. وعلق سرحان مستنكرا: كيف يحدث هذا ويعلو صوت الخونة ليلا في مكان لنا فيه عين لا تنام.. وتساءل الحاكم عن العين غير النائمة؟ فتحدث سرحان أمام رئيسه بما تفرضه أصول الطاعة والاحترام، وقال:
ـ عميل لنا منضبط ومن الخدام الأوفياء سيدي..
وأضاف عزام..
ـ يغطي حي الزرايب وسيدي بوكيل وبعض الدواوير المجاورة ولا تفوته في كل ذلك شاردة ولا واردة ..
وتساءل الحاكم في عجب:
ـ ولم جرفه سيل الشرود فترك الباب مشرعا للأفاعي تصدر فحيحها ليلا في مكان مدرج في حماه ومحسوب عليه؟
وأجاب سرحان مشيدا ببطولة العميل:
ـ نحن بدورنا نستغرب الانفلات الذي حصل في غفلة عنه! ولا نستبعد أن يكون الشخصان غريبين عن الحي علما بأن علافا شخص يقظ يشم روائح الغدر من مسافات بعيدة!
ورغم الهم الذي يساوره والقلق الطافح في نظراته ضحك الحاكم ساخرا:
ـ وربما أصاب أنفه الزكام تلك الليلة! على أي من أين لنا بدليل مرشد قادر على إضاءة دروب الحقيقة؟
واندفع سرحان كمن يملك جوابا حاسما عالقا على طرف لسانه، فقال:
ـ وهل من مرشد يدلنا على خيط الحقيقة غير الوزانية يا سيدي الحاكم؟
أدار لاكومب وجهه جهة الترجمان بجانبه، وتبادل الاثنان نظرات تشي باستحسانهما المقترح، فقال:
ـ نأمل أن تدلكما الوزانية على فوهة الجحر فيخلد لها ولكما في سجلاتنا الذكر.. هيا وفقتما في مسعاكما..
نهض سرحان وعزام وانصرفا، وبقي الحاكم والترجمان لوحدهما يتداولان في أمور شتى والحيرة ناشبة مخالبها في وجهيهما..
والوزانية امرأة من شرفاء وزان، تحفظ أمداحا وأذكارا وأجزاء من القرآن.. ترملت في ريعان شبابها، فحزمت حقيبتها وهاجرت إلى منطقة تادلة؛ إذ لم يعد لها في منبتها ومنشئها مكان مادام العرف السائد يلغي الثيب من الحسبان.. طرق الزواج بابها طرقات متتاليات ولم تنصع لدوي النيات الحسنة، بله آلت على نفسها بألا تعاشر ابن أنثى في حلال أو حرام.. لقد طلقت الزواج ثلاثا وأعلنت عزوفا سرمديا مؤثرة الاعتكاف في محراب بيتها؛ تقضي النهار في خدمة الزوار وتسهر الليل في الطرب والصلاة والأذكار.. يقوم بشأن بيتها خادم لها يدعى شعيبة الأعمش، كهل قصير القامة مائل إلى بدانة، انحصرت مهامه في جلب الماء من السقاية العمومية القائمة في رأس الدرب، وإعداد الشاي، وتنفيذ ما يؤمر به داخل البيت وخارجه. بلية الوزانية أنها مدمنة على الكيف الأخضر، وما تزال تعشقه وتقبل عليه بشهية ونهم وقد جاوزت السبعين،إذ تعتبره ملهمها فيما تهيئه من الوصفات لعوادها الحمقى والمخبولين، الطامعين في نفحة من بركات يدها تداوي جراح قلب أنهكه الجوى أو تجلب حبيبا شطت به النوى! وتباينت أجناس عوادها؛ نصارى ويهود، وكل من تشتم فيه رائحة الخيانة من أشباه المسلمين مريدي الزاوية الطرقية. شاع عنها أنها ترقص إبريق الشاي وتنطق الجن وتسخره، وراوحت لغات أرواحها الخفية بين عبرية وفرنسية وعربية.. عبارات هادفة ومركزة حفظتها عن ظهر قلب واتخذتها سلاحا فتاكا تستحضره عند الضرورة ومقتضى الحال.. ذلك ما أكسبها شهرة طبقت الآفاق، ورفت رايتها عاليا تجذب الطامعين في بركة يدها من كل حدب وصوب.. ولا غرابة إذا حازت ثقة سرحان ولفيف الخونة، وفوق ذلك كله توجها الحاكم عميدة السحرة، ساعدها اليمنى في ذلك هي فطوش بنت نولاي الطاهر صياد السمك.. ومن دربة ومراس أبانت الفتاة عن كفاءة عالية في تشخيص أدوارها خفية، زادها في ذلك موهبتها وذاكرتها القوية، وما تختزنه من حكم وأمثال مستوحاة من اللغات الثلاث، وما لقنته في دار أستاذيها الوزانية والمجنون.. كلما كان الهدف سمينا دسما كان الثمن غاليا باهظا.. ولا يخفى على الوزانية جشع بنت مولاي الطاهر رغم ما تبين عليه هذه الأخيرة من الهدوء والوداعة، لذلك دأبت على اقتسام ريع الضرائب المستخلصة من أعداء الله والوطن إلى ثلاثة أقساط ؛ واحد لصندوق دعم المقاومة في حي سيدي بوكيل، والثاني لفطوش ـ وإن كان قابلا للخصم تماشيا مع طبيعة الدور الموكول إليها ـ بينما تحوز هي القسط الثالث. والحق يقال إن الشريفة آلت على نفسها أن تهب خلية شرفاء الدرب كل ما يفيض عليها من امتيازات مجتباة من صناديق الحاكم السوداء..

محمد غالمي
03-27-2009, 05:11 AM
كانت الوزانية على علم بزيارة مبعوثي الحاكم لبيتها مساء هذا اليوم، فتهيأت للحظة الثمينة وأعدت لها ما يلزم من العدد.. صلت العشاء وجلست إلى مائدة الطعام تشاطرها فطوش، ونادت على شعيبة العاكف على إعداد الشاي في المطبخ، فجاء يحمل الصينية ويضعها جانبا، ثم يجلس إلى المائدة.. نفضت المرأة يدها من الطعام وتناولت في نهم ما شاء لها من الكيف الأخضر المصحوب برشفات الشاي، أعز شيء إلى نفسها في خلوة البطن والمزاج هذه أن تتملى ـ وقد هزتها أريحية القنب الهندي ـ ساهمة الطرف باسمة الثغر في صور معلقة بدون إطارات على الجدار أمامها.. أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب واسمهان.. وأمنيتها أن تشرق أركان دارها بمذياع تشبع منه لهفة نفسها من أصوات هذه النجوم التي استهوتها أنغامها وعشقتها حتى النخاع.. ولا تفتأ تشدو نشوى إذ هزت أعطافها نشوة الكيف.. (أمانا أيها القمر المطل).. (أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعه).. (عندما يأتي المساء ونجوم الليل تنثر) في هذه اللحظة من الليل سمع طرق على الباب.. انتفضت فطوش بإيماءة من طرف، وغادرت الغرفة إلى القبو الأرضي القائم أسفل المحراب، بينما تلفعت الشريفة في ملاءتها ولفت رأسها في منديلها، وتوجهت إلى المحراب فاستوت على بساط من الصوف أمام طاولة قصيرة الأرجل، على سطحها وضعت صينية من فضة مملوءة رملا صقيلا، وصحن من نحاس يحوي خليطا من الحناء والورد والريحان، ومرشَات لعطور مستخلصة من زهر الليمون، وتناثر حولها بعض من الكتب الصفراء.. وفي كل ركن أثبتت أعواد الند المزهرة. تعمدت الوزانية أن تتريث في الاستجابة للطارق، ورفعت صوتها بالمديح وهي تنشد من قصيدة البردة:
من لي بِرَدِّ جِمَــاح مِن غَوَايتِهَـــــا // كما يُرَدُّ جِمَاَحُ الخيــلِ بالُّلُـجُمِ
فـلا تَرُمْ بالمعاصي كَسْـرَ شـهوَتهَا // اِنَّ الطعـامَ يُقوِّي شــهوةَ النَّهِمِ
وسرحان وعزام يصغيان من وراء الباب، يتمايل رأساهما ويتبادلان نظرات إكبار وإعجاب، كأنما تقر عيونهما بمكانة المرأة الروحية.. أذنت للخادم بإشارة من عينها فأسرع إلى الباب وفتحه في وجه الوافدين.. قدم فروض التحية ثم تقدمهما قائدا إياهما إلى المحراب.. كفت الوزانية عن الإنشاد وعكفت على السبحة تدير حباتها وشفتاها تنمنمان، ثم وضعتها في حجرها ورفعت كفيها ابتهالا وتضرعا.. استقبلت الزائرين، سرحان وعزام، بترحيب حار، ودعتهما للجلوس فأخذا مكانهما قبالتها.. كان المحراب متوسط الحجم، في ركنه الموالي للقبلة مدت سجادة من صوف وبجانبها حجرة تيمم ملساء، وعلى الحائط فوق اثبت اسم الجلالة، وفي الركن المقابل حيث الوزانية وضيفاها مد حصير مزركش من أصيل الدوم، على جنباته فرشت لحف وصفت مخدات.. شعر سرحان بطمأنينة وهو يجيل البصر في المحراب خاشعا متصدعا، وليس عزام بأقل منه حظا، فهذا شأنهما كلما جاءا في مهمة لدى الشريفة الوزانية..ارتاحت نفساهما لنسائم البخور الندية تتضوع في الأجواء فتزيد النفس رهبة والقلب إيمانا وثقة في ما تدره يدا الشريفة من البركات..! أبلغها سرحان سلام الحاكم وتحيته وأطلعها على ما يؤرق باله.. وما تزال تصغي إليه وأناملها تداعب حبات السبحة.. (قصدناك والمقصود الله يا شريفة.. الخطر محدق وخيوطه تنسج في الخفاء.. استبد بنا الهول وجفانا النوم، ولن يطمئن لنا خاطر حتى نهتدي إلى مكمن الضر..
ألقت المرأة بالسبحة جانبا، وتجردت من عباءتها ونزعت عن رأسها الخمار الأسود، فبدا شعرها الأشيب المنفوش أحمر من صبغة الحناء.. بدت فرائصها ترتعد وعيناها ساهمتان في صحن الرمل.. مد سرحان رأسه نحو المرأة وقد جحظت عيناه واستقرتا في جسمها ينتفض، وسائر أطرافها ترتجف تمهيدا للدخول في عالم خفي لا تدركه عين سوى عينيها، وقد يكون سائسا يفضي إلى عالم الأرواح المتمردة!.. ولكنها تذكرت ما وضعت في الحسبان بنية تنفيذه، فأشارت إلى شعيبة بأن يحضر قارورة القطران، وهب مسرعا فجاء بها ووضعها على المائدة ولبد في مكانه لأنه يعرف ما يتبع هذه المهمة من خدمة.. هشت الشريفة في وجهي الرجلين ولسانها يرطن.. لا محالة من أخذ ما تيسر من هذا السائل وقاية لكما من شر الأرواح الخفية وأذاها! وجعل شعيبة يدهن أنفيهما وصدغيهما عملا بتوجيهات مولاته.. انتشت الوزانية من أعماقها إذ لاحظت في العيون اشمئزازا وفي أسارير الوجه تقززا من رائحة القطران الحادة. مدت ساعديها من تشنج وقد تصلبتا كأنهما خشبتان.. صاحت صيحة منكرة ثم وجمت وجبينها يتفصد عرقا.. حملقت مليا في صحن الرمال كأنما عاينت أمرا عجبا، أو بالأحرى عنَ لها شيء ذو بال! رفعت رأسها ولاح في وجهها الحزن ثم صاحت في الجالسين يتابعان المشهد بنظرات إكبار تشي بضعف وانكسار: أصغيا إلي واعقلا نصيحتي.. الخطر جسيم أليم يا سرحان! ولاحظت في عينيه تساؤلا وانزعاجا واستطردت.. حية وثعبان في الجحر يزغردان!.. وأشارت إليه أن يدنو من الصحن، فمدد عنقه مضطرب الأوصال خافق الفؤاد مستطلعا، والمرأة تفك ما ارتسم على صفحة الرمل من طلاسم وتستعين في ذلك بسبابتها.. وجرى على لسانها سحر رنان، فطفقت تهذي: هذي يد كبير القوم مبسوطة تمد الرغيف.. وهذان حية وثعبان يرقصان من شبع ويزغردان تمهيدا للعض واللدغ!
حرك سرحان رأسه صعودا ونزولا وعيناه مفتوحتان لا تطرفان.. أكيد أنه أدرك فحوى الحكمة وأبعادها ومراميها، فالتفت إلى عزام الأمي ووجده ينظر إليه ويستفسر بعينيه الجاحظتين، فرد مغمغما في إنكار.. وهل كبير القوم سوى مولانا الحاكم بأمره يا شيخ عزام.. وأية يد مبسوطة بالطعام غير يده السخية المعطاء؟ ومن تكون الحية والثعبان سوى من ينكر الخير ويجحد بالنعمة؟
وتساءل مخاطبا الشريفة وقد دارى ما أكله من رعب بنظرة حازمة، ولكنها لا تخلو من استعطاف:
ـ وكيف السبيل إلى الجحر يا ولية؟ أفتينا في أمرنا جازاك الله عنا وعن مولانا الحاكم خيرا..
ـ الحل بسيط مشرف ومكلف يا سرحان.. وخموسة وحدها من بيدها المفتاح..
وعاد يتساءل مستغربا:
ـ من تكون خموسة تلك يا مولاتنا؟
ـ جنية يهودية!

محمد غالمي
03-27-2009, 05:12 AM
ولئن ظل سرحان يكابد ضروبا من القلق، فقد أمكن له أن يبتسم في شيء من الارتياح لثقته في أهلية الشريفة الوزانية ومقدرتها على ضبط مكمن الضر الذي أرق الحاكم ومعاونيه، بيد أن حيرة ساورته وإن لاحت كغيمة عابرة، فتساءل: الحل مكلف؟ وما حجم الكلفة يا شريفة؟
وردت المرأة وقد علا سحنتها الاصفرار وأخذت شفتاها ترتعدان، فنبست: نستحضر الملعونة أولا ويقضي الله أمرا كان مفعولا..
وساغ لها أن تتمادى في التنكيل فأمرت خادمها بطلي أنفي عائديها قطرانا.. وعادت أطرافها ترتج وتحلب الريق في جانبي فمها فجمعته بشفتيها ورشت عن قصد من حولها ملوحة بيدها.. فهم سرحان وعزام القصد من الإشارة، فرددا وهما يزيلان بقايا البصاق من وجهيهما: (التسليم لأسيادنا.. التسليم لمولاتنا..) وكلما توالى التلويح رددوا باللازمة: (التسليم لأسيادنا.. التسليم لمولاتنا..) والوزانية تتجشأ وتمسك برأسها فيزداد بطنها اهتزازا وارتجاجا.. عوت عواء منكرا استجابت له الجنية.. وانبعث صوت مجهول المصدر كفعل الريح حين تدمدم، ورجعت صداه حيطان الغرفة.. خيمت سحب الرعب والرهبة في سماء سرحان وعزام، ولبثا كالمصدومين وهما يتابعان الشريفة تجادل الجنية الخفية بلسان عبري لم يفقها فيه شيء.. هات مطالبك يا خموسة ولا تخذليني وإلا أعمد إلى إحراقك بما تيسر من كتاب ربنا.. ها أنا أصغي إليك.. يسري ولا تعسري.. والجنية ترد بذات اللسان العبري:.. حاجتي في حزام من ذهب ذي عيار ثقيل.. وكيس سكر وقرطين.. وكبشين أقرنين أملحين!! تحيرت الوزانية وحركت شفتيها بسرعة فأحدثتا دويا كصوت محرك، وتطاير اللعاب كالفقاقيع فغسل الوجهين ونزل على العيون المحملقة بردا وسلاما! انتفضت أمعاؤها طربا ونشوة..أرقصت شفتيها ونشبت أظافرها في شعرها ولسان حالها يردد: يسري ولا تعسري يا خموسة.. هوني ولا تغالي يا ماردة..
واستغرق الحوار بين المرأة والكائن الخفي بعض ثوان، وغابت خموسة عن الساحة فجعلت الوزانية تطلع الوافدين الرسميين على مطالب الجنية وخطوات تنفيذ المهمة للاهتداء إلى الجحر موطن الضر والبلوى.. وتوجهت بالخطاب إلى سرحان وفي عينيها ارتسم الجد والحزم: الأمر لا يحتاج إلى تأخير.. اللعينة تصر على أن يستجاب لمطالبها قبيل فجر هذه الليلة..
واندفع سرحان وقد تهلل وجهه واعتراه الحماس: لن نتردد في الاستجابة لمطالب مولاتنا.. سنحضر ما أمرنا به في الحين وفي رمشة عين.. وبرح سرحان وعزام بيت الشريفة الوزانية وكانت مدة غيابهما فرصة تسترد فيها المرأة أنفاسها وتعالج مزاجها.. وانتقلت إلى غرفة الجلوس وتربعت أما الصينية النحاسية وجعلت تدخن الكيف وتنتشي برشفات الشاي المنعنع الذي برع شعيبة في إعداده.. وبغتة سمع طرق على الباب.. ونهض شعيبة كالعادة وفتح الباب في وجهي سرحان وعزام، وقبل أن يوصد وراءهما الباب مد عنقه مستطلعا ما في جوف العربة التي أقلتهما، ولكنه تراجع إلى الوراء مذعورا من ثغاء خروف انبثق من العربة فكسر هدوء الليل على حين غرة.. أشادت الوزانية بخطوات الرجلين ويقظتهما، ونوهت بسعيهما الدؤوب صونا للمصلحة ودرءا للمفسدة، ثم توجهت لسرحان باعتباره الناطق الرسمي باسم الحاكم، فأمدته بتوجيهات من وحي خموسة اليهودية: بعد قليل اذهبا إلى ضريح الولي الصالح مولاي بوكيل.. أحكما رباط الخروفين في الباحة وضعا الأمانة وسط الضريح ، وأشعلا الشموع ثم عودا إلى هنا فننتظر حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.. بعد ذلك تولون شطر الضريح لآخر مرة.. فإن أنتم ألفيتم الشموع ما تزال متوهجة فاعلما بأن الأمانة بلغت المقصد، والسبيل إلى الجحر تعبد وانفرج..
ومضى الليل إلا أقله فعلا صوت خالي بن علال المؤذن يهزج فوق السطوح بصوته الرخيم: الصلاة خير من النوم.. وانصرف الرجلان فامتطيا العربة وانطلق البغلان يخرقان الوجوم المطبق من وقع حوافرهما حتى أشرفا على الضريح.. هناك وجدا الشموع ما تزال مزهرة كما تركوها.. ولم يبق للذهب والخرفان والسكر من أثر يذكر.. تنهد سرحان ملء رئتيه وتنفس زميله الصعداء.. تقابلا وتصافحا حمدا وشكرا على نعمة الظفر الملوح سناها من قريب، ثم قفلا راجعين للتزود من توجيهات الشريفة، وضبط آخر اللمسات لمحاصرة ما يقبع في الغار من الحيَات... أزالت الوزانية الخمار عن رأسها وجعل جبينها يندى من العرق فصاحت عاليا وقد أحنت رأسها على الصحن كأنما تترقب أن يلوح لها شيء في طي الرمل.. وعاد الصوت الخفي يملأ صدر المحراب، والوزانية تتلقف بسمعها باسمة مغمضة العينين، حتى إذا انقطع الصدى رفعت كفيها شاكرة ممتنة ونبست: أبشر يا سرحان لقد فتح المنَان وظهر البرهان!
تهللت أسارير وجه الشرطي بعد حيرة وقلق ووجوم، وهش في وجهها ونبس ممجدا منوها.. بورك فيك من ولية شريفة لا تخيب عند عتبة بابك المقاصد.. وبالغت المرأة في تجاهل الإطراء وإظهار الحزم، وواصلت حديثها تبلغ ما تلقته على لسان الجنية خموسة.. وسرحان يرهف السمع مشرئبا بعنقه إلى الأمام، وعزام ينصت واجما..( في قهوة الجبلي حنش قصير يحفظ سما زعافا في صندوق صغير..! وفي دار العالية ترقد الحية وتدس الموت في وسادة وردية!) هذا مجمل ما نطق به لسان الملعونة.. هيا هبَا من ساعتكما وتدبرا أمركما..
استغرب سرحان ما سمع وداهمت عينيه مسحة من حيرة وانزعاج، وتساءل في نفسه وهو ساهم يتلقى المفتاح المفضي إلى سبيل الحقيقة.. كيف يرقد في القهوة سم زعاف في غفلة عن علاف.. وما بال الموت يهجع آمنا في جوف وسادة وردية بدار العالية!
نهض سرحان وعزام وانحنيا على رأس الوزانية فقبلا رأسها تباعا، وغادرا الدار داعية لهما بالتوفيق ... ولكنها تذكرت أمرا ذا بال فاستوقفت سرحان وهمست في أذنه.. لا تنس أن تخبر مولانا الحاكم برغبتي في مذياع.. وابتسم في وجهها مذعنا في حياء ونبس: اعتبري رغبتك في حكم المقضية يا ولية.. وولى صوب الباب وفي إثره عزام ثم أوسعت لهما فخرجا وما تزال واقفة حتى غابت العربة عن ناظريها..
ادلهم الليل وأطبقت الظلمة بجناحيها على درب مولاي بوكيل، لم يبق مفتوحا من الأبواب غير قهوة الحسن الجبلي، ولا ضوء إلا شعاعا خافتا ينساب من بابها وخصاص نافذتها فيرسم دائرة من ضوء لم تتجاوز العتبة.. وعند الطوار أمسك الحوذي بزمام البغلين فتوقفت العربة، ونزل منها سرحان وعزام وثلاثة من المخازنية مدججين بالبنادق والهراوات.. لم يكن بالقهوة غير أربعة من الوجوه المألوفة يلعبون النرد ويحتسون الشاي. وفي الركن المقابل جلس الحسن الجبلي مستسلما للنوم يداعب جفنيه.. بيد أن الجلبة أيقظته فاشرأب بعنقه وتروَعت ذاته من رؤية سرحان يندفع نحو الداخل متجاهلا الرجل، وجعل يتفحص الأرجاء فوقع بصره في الجهة اليمنى على سرير بجانبه، في ما يلي المتكأ، خوان عتيق فوقه صندوق صغير الحجم.. سارع سرحان إلى فتحه وإخراج ما بداخله.. مناديل مطرزة وقنينة عطر، وظرف بريدي عجل بفتحه وقرأ بإمعان ما سطر على الورقة.. (علافي، حبيبي وطبيب قلبي) وما تزال عيناه تجوسان في طي السطور حتى وصل إلى الخاتمة والتوقيع (نور عينك حادة) وشعر كأنه يتجرع السم، فدلت نظراته المنزعجة على أنه يغلي حنقا وكمدا.. عض على شفته السفلى بالنواجذ.. وأمام تساؤل واندهاش عزام، وتأهب المخازنية للانقضاض حرك رأسه جيئة وذهابا كمن أحس بسكاكين الغدر تطعنه من خلف.. لم يكشف لزميله سر ما قرأ واكتفى بأن توجه للجبلي مستفسرا عن دواعي غياب علاف؟ وعرف منه بأن الأخير انقطع عن المبيت في القهوة منذ انتقلت خليلته لتقيم مؤقتا بدار العالية.. وما كانت العالية تتوقع أن يطرق بابها سرحان وعزام، وقد مضى هزيع من الليل.. لم ترتح السلطانة لما هو عليه من الغضب وما يرتسم على رموشه من الصرامة، وهي التي لم تعتد منه غير اللطف والود والمجاملة.. بيد أن الشرطي لم يزد فتيلا عن مصافحتها، فيعرج يمين غرفة الجلوس التي كانت يوما لبدر ميدانا للعبرة والدرس والمناورة، وفتح الغرفة المحتلة وتوجه لا يلوي على شيء إلى السرير، فانتشل من بطن وسادة وردية ظرفا بريديا آخر.. والتهم بتؤدة ما خفي في بطن الورقة.. (حادتي ونور عيني) حتى (حبيبك وطبيب قلبك علاف).. عرف من العالية أن الكلبة والقرد على وشك العودة من نزهتهما الليلية، فتربص ومساعديه في منحدر تحجبه مقبرة النصارى في مدخل حي بودراع.. وأقبل الشبحان يترنحان من سكر طافح.. ومن حيث لا يدريان أطبق الشراك على أقدامهما وألقيا في مؤخرة العربة كما تلقى أكياس القمامة.. وانطلق الحوذي ممسكا بزمام البغلين يشقان بحوافرهما منعطف الدرب إلى وجهة معلومة..

محمد غالمي
04-15-2009, 02:47 AM
*** ما طرق بال حادة أن تلفي نفسها يوما ملقاة في قعر قبو معتم بارد عطن، تؤثثه زنازين انفرادية كأقفاص الضباع.. تقلبت ذات اليمين وذات الشمال من هول المحنة وشدة الأرق، وهبت من مرقدها مذعورة محزونة ملتاعة.. ليس بالهين عليها أن تتبين دواعي الهواجس التي تثور في نفسها، ولا سر الخواطر التي تحتدم في بالها وفؤادها. عهدها بنفسها أنها خدوم متفانية ما قصرت لحظة في البذل والعطاء، ولا انحرفت قاطرتها عن سكة الطاعة والولاء.. استلقت على ظهرها من جديد وطفقت تراجع مسيرة نشاطها منذ جندت للتعاون تحت إمرة سرحان.. استعادت بعض هفواتها وزلاتها ولم تعثر على ما يوجب حشرها في قفص ما مندور سوى للكلاب.. أ هذا جزاء من ضحت ببيتها وابنها وشرفها لتدفع عنكم الأذى يا سرحان؟ ثلاثة أيام متتاليات في بطن هذا القفص المميت.. إرهاق حاد وبرودة قاسية وقمل لاسع وجوع ينكل بالأمعاء.. ولا أنيس سوى البق يسرح في الجدران، و تلك الفأرة الغليظة تبرح الثقب المسمى مرحاضا وتمرع في أكناف القفص محدثا منظرها في القلب رعبا قاسيا مكينا. انقبضت أنفاسها ونبست ساهمة.. أية لعنة هذه تعقبت خطواتي وغرزت براثنها في عنقي وسائر جسدي؟ خمنت في أن تكون قد طاردتها وخليلها لعنة لفيف من الشباب استدرجتهم لجحرها وقدمتهم قرابين لسرحان وعزام.. واستحضرت من وشى بهم المسجون علاف؛ الحافظ وسلمان السفناج و نافع الحمال وزريويل الحلايقي ومن لف لفهم.. ولسخرية الأقدار غادر هؤلاء الأفذاذ أقفاص هذا القبو الموبوء قبل ثلاثة أيام لتحل به حادة وعلاف ضيفين ثقيلي الظل فوق العادة. نهضت مفزوعة وقرفصت غير مستبعدة أن يكون ابنها رفع عليها دعوى لدى الحاكم، أو لعل زلة جنتها يداها يوما من حيث لا تدري!.. أو قد يكون شر البلوى هفوة لسان سال بمحظور وهي سكرى.. ومهما يكون فقد خيل إليها أنها في حلم كابوسي مزعج منهك، وعلى الرغم من ذلك فقد منت نفسها أن تنزاح الكوابيس عن صدرها وتعود إلى سالف عهدها. ساد المسلخ فوق أرضي سكون موحش رهيب.. في جانب من سقفه الإسمنتي مد قضيب من حديد شد أفقيا بالجدارين المتقابلين، وفي الركن الآخر مكتب عريض استوى أمامه الحاكم لاكومب، وعن يمينه جلس الترجمان الفتاك، بينما انتصب جهة اليسار سرحان وعزام.. وجاء السجان بحادة وعلاف مصفدين وقادهما إلى كرسي طويل غير بعيد عن المكتب، أعد لمثول الجناة. ظلت حادة مطرقة واجمة إلى أن صاح سرحان في وجهها غاضبا.. تزايد خفقان قلبها فنهضت وركبتاها ترتجفان من رعب. كان الحاكم يتفحص في وثيقتين بين يديه، أغلب الظن أنهما الرسالتان الموقعتان باسم حادة وعلاف.. جاس في ثنايا الخطوط تومض كالبرق وتلفح كحر الهجير، ثم رفع رأسه وأجال عينيه المتقدتين بين الماثلين أمامه، وسأل علاف عن اسمه ومهنته ولكن لم يظفر بجواب؛ انعقد لسان علاف ودخل في حظيرة الصم البكم الذين لا يعقلون.. كصبي غرير ينظر فيما حوله ويجهل ما يدور أمامه.. أما حادة فردت بثبات عما سئلت عنه، وإن انخلع فؤادها وتوالت دقات قلبها من رعب.. وعاد يخاطبها بلهجة استنكارية وعيناه الحادتان لا تطرفان:
ـ أي عار ألحقناه بك حادة؟ هل قصرنا يوما في رعايتك وحمايتك وصون كامل حقوقك؟ ألم نحميك من نقمة ابنك الذي صمم على قتلك؟ ألم نغدق عليك من صناديقنا بوافر المال؟ وتوقف عن استنكاره ليتيح لها فرصة التعقيب، فنبست:
ـ بلى يا سيدي لقد شملتموني بالحماية بالرعاية وسخي والمال.. وأنا بدوري لم أقصر في خدمتكم والتعاون معكم.. لم أتهاون في صد الشر والأذى عنكم..
شيعها بنظرة هازئة وجعل يقرأ في الرسالة بين يديه.. (إلى علافي، حبيبي وطبيب قلبي: لا تقلق يا مهجتي.. قريبا سنحرر جسدينا من مستنقع الهوان، ونثأر لأنفسنا من عتو الحاكم سيد الأشرار.. سنتربص بفلذات أكبادهم فنذيقهم طعم الرزية إلى أن يفدوهم بوفير المال يا علاف.. هذه أنجع وسيلة وأقوم سبيل يشفي لنا الغليل.. الإمضاء: نور عينك حادة) ووضع الرسالة جانبا وكشر عن نابه باسما وخاطبها هازئا ساخرا..
ـ فعلا، لم تقصري في خدمتنا! ولا تهاونت في حبك المكائد ونصب الفخاخ لفلذات أكبادنا! أليس كذلك أيتها العاهرة اللئيمة؟
ارتجت ذاتها رعبا والتبست عليها الأمور، وكمن وخزتها إبرة نهضت من مكانها وصاحت منفعلة:
ـ هذا ضرب من الباطل سيدي الحاكم.. ما فهت قط بكلام يسيء لمقامك أو يحط من شأنك.. ولم أتوعد أحدا من أهلك..
وتدخل سرحان فصفعها على خذها وعيناه تتأججان نارا، ثم صاح فيها زاجرا..
ـ الزمي مكانك وخفضي من صوتك واعترفي بما أفرغت على الورق من سموم ترومين بها حقن أسيادك..
وقاطعه الحاكم فخاطبها ويده تلوح بالرسالة:
ـ ومن دبج هذه الوجبة المسمومة؟ أو ترغبين في التأكد من الخط؟ حسنا..
وأمد سرحان بالوثيقة، فسلمها بدوره إليها.. أحنت رأسها على الرسالة وجعلت تتفحص وركبتاها ترتجفان.. جحظت عيناها وضلتا في مفازة موحشة تتساءلان، ولم تلفيا جوابا إلا كثبان الرمل يحرق والأشواك تدمي ورؤوس الأفاعي تنتصب مزغردة..( إلى علافي حبيبي وطبيب قلبي).. تأكدت من طبيعة الخط وأشكال الحروف وثبت لها مما لا يدع مجالا للشك بأن الخطاب كتب فعلا بخط يدها.. وحملقت مليا في عبارة ( نثأر لأنفسنا من عتو الحاكم..؟ نتربص بفلذات أكبادهم..؟) لا لم أقل هذا الكلام أبدا.. والخط؟ وفتحت عينيها على سعتهما وحملقت في الحروف مليا.. أجل هذا خطي.. ولكن! انتفخ رأسها من هول رهيب وهجمت عليها تخيلات وداهمتها هواجس وتخيلات من كل حدب وصوب، ورجحت ما خمنت به.. ارتابت في أن يكون مداد قلمها عربد لحظة ركوبها ـ من حين لآخر ـ قطار العربدة، وأن يمينها خطت ما خطته عن غير وعي.. رفعت رأسها لتلفي نفسها محاصرة بنظرات تحدق في وجهها لتستطلع حقيقتها؛ عينا لاكومب الحادتان كعيني الحدأة، وعينا سرحان اللامعتان كعيني الكوبرا.. ألمَت بها صدمة عنيفة زاغت بها عن جادة العقل والصواب.. تمزقت حبال لسانها وعجزت عن النطق من وقع الصدمة.. اعتبر الحاكم وجومها اعترافا وإقرارا بموقف عدائي يضمر الشر لآله وحاشيته، ولاح سلاح الغدر يتوعد فلذات أكباده.. ذلك ما أرقه ونغص عليه أحلى سويعاته؛ منذ علم بالخبر من سوزان حرمه وهو يتأهب وقتئذ لسهرته.. وعاد يفجر غضبه ويردد ما يحز في نفسه ويجرح كبرياءه (نتربص بفلذات أكبادهم فنذيقهم طعم الرزية..) فمن دلك على هذه الوسيلة البغيضة أيتها العاهرة الحقيرة؟ من غسل دماغك وهيأك سما زعافا يثأر ويتربص؟ هذا ما نريد أن نعرف منك.. وبأية وسيلة..
أومأ إلى سرحان وعزام فجردا حادة وعلاف من ثيابهما إلا من خرقة لكل واحد منهما تستر عورتيهما، وقاما بتعليقهما جنبا إلى جنب كما تعلق الشاة المهيأة للسلخ، فشدت أقدامهما إلى الحديدة فوق وتدلى رأساهما إلى أسفل.. شربت الكلبة والقرد من الكأس ذاتها التي شرب منها يوما الشبان الثلاثة وسلمان السفناج وعمى نافع الحمال وخالي الحافظ.. ولا تسمع في غمرة هذا الجحيم المستعير سوى لازمة.. أنطق.. اعترفي.. من...؟ كيف..؟ لم..؟ وبين هذا وذاك جرعات متتاليات من رحيق الموت؛ خرقة بالية توضع على الأنف ويصب فوقها ماء الصرف الصحي.. ولا تسمع غير حشرجة مدوية تشي بالاحتضار والاختناق..
وبعد عصر اليوم التالي شاع في درب مولاي بوكيل أن حادة وعلاف حملا إلى المستشفى العسكري بالقصبة بعد أن ساءت حالتهما ودخلا في غيبوبة تامة..
وفي مساء ذات اليوم بزغ القمر متوهجا تسبح أنواره بحمد الله في كبد السماء، وغامر درب مولاي بوكيل بعد أن أنهت مهمتها إذ انهالت كالرماح تغتال بعضا من الظلام الحالك.. ظلام ظل إلى حين يحجب الحفر والأخاديد ويطمر الفخاخ والمتاريس. وليس غريبا أن تهتز أفئدة الرفاق ابتهاجا وحبورا.. أجل، ترقبوا هذه الليلة المتفردة بطقوسها احتفاء بعيد توج سعيهم فأتمر مجدا وعزة ورفعة.. وارتفع صوت خالي بن علال يؤذن بدخول صلاة العشاء، واستجابت السيدة حليمة والدة بدر وسامية أخته للنداء العلوي فصلتا معا، بينما توجه بدر إلى جامع سيدي المعطي.. أدى الفريضة وولى مسرعا إلى الدار جذلان حتى يتسنى له استقبال صفوة الرفاق والخلان.. تفقد المطبخ ليطمئن على سير الأمور فيه، وكان فسيحا قام بأحد أركانه فرن كبير بني من طين بعلو يربو على المتر، وقد أعد خصيصا لشواء الخرفان.. وليس من يتولى هذه المهمة سوى عمي نافع الحمال الذي احترف الجزارة يوما وتخلى عنها مكرها من إفلاس.. أجل اطمأن بدر من رؤية الكبشين الأقرنين الأملحين يأخذان نصيبهما من النضج على نار فاترة، وعينا عمي نافع عليهما، فتراه يزيد من النار ويخفف منها عند مقتضى الحال، ويقلبهما على مهل حتى يأخذا لونهما الذهبي المثير للشهية. وبعد ذلك صعد بدر الدرج إلى الغرفة فوق في غاية الانشراح.. وتربع في قلبها منشرحا يبلع الريق انتشاء، ويجيل البصر في الأرجاء وقد أخذت زخرفها وزينت، ولاحت حقا في أبهى حلة.. زانها المصباح الكهربائي الحديث يتدلى من سقفها الخشبي، وعلى جدارها في الوسط علقت صورة حديثة في إطار من خشب صقيل، تؤرخ لمحمد الخامس واقفا يتوسط نجليه مولاي الحسن ومولاي عبد الله، وعلى الحصير المزركش مدت بسط زاهية الألوان برعت يد السيدة حليمة في نسجها وإقامة بنائها.. ولئن طاب نفسا واطمأن بالا إلا أن قلقا ثقيلا مزعجا من وحي بار مدام جورج، لا يني يروع ذاته ويعكر صفو مزاجه، بيد أنه استعان على إخفائه بما أبان عنه أمام الصفوة من حفاوة وحسن استقبال.. وجلس الرفاق متقابلين حول مائدة عليها صينية فضية مزدانة بكؤوس الشاي وبعض المرطبات والحلويات.. وفي الركن القصي وضعت مبخرة يتصاعد من ثقبها نسائم الند والعود والصندل.. وجعل الجميع يصغي في تخشع إلى الفقيه الغالي يفتتح المجلس السعيد ويرتل من سورة "الصافات" ما تيسر من الذكر الحكيم.. حتى إذا وصل إلى قول الله تعالى (وإن جندنا لهم الغالبون) ارتفعت الأصوات بالتكبير والتهليل وترامي من صحن الدار أسفل زغرودة طوعها لسان رخيم، أغلب الظن أنه لسان سامية أخت بدر.. هالة من القدسية جللت أركان الغرفة فارتاحت لها الأفئدة وصفت منها القلوب.. أظهر عمر في البداية حماسا، ولكن سرعان ما اكتنف وجهه العبوس.. كان في عجالة من أمره، ينتظر على أحر من الجمر أن يتوقف الفقيه حتى يتسنى له أن يعالج مزاجه بما حضره من كيف القنب الهندي.. ولم لا؟ وهو الذي تهيأ لهذه الليلة المباركة السعيدة، فاقتنى لنفسه وللوزانية ما يكفي من حزم الكيف.. وقام كعادته بتنقيته وهرسه وتطعيمه بمادة "طابا".. ولكن الغالي أبى إلا أن يواصل قراءته الجهرية، فساغ له أن يرتل نفحات ربانية تليق بالمناسبة : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا..) وعلا صوت سامية ثانية بزغرودة حادة رددت صداها حيطان الغرفة.. وعمر يمسك برأسه تارة ويلتفت يمنة ويسرة كالمترنح من حيرة واضطراب؛ لا نفورا من كلام الله ولكن لوما للفقيه الذي تلا وأطال التلاوة.. وسرعان ما تنفس الصعداء؛ إذ اطمأن قلبه للغالي يختم سورة النور ويصدح بصوت رخيم عميق.. صدق الله العظيم.

محمد غالمي
04-15-2009, 02:50 AM
شكروا الغالي ودعوا بالرحمة لوالديه إلا عمر الذي عجل بملء غليونه بمسحوق الكيف..
قال بدر:
ـ حمدا لله أن أثمر مسعانا مجدا وعزا ورفعة يا عمي يا غالي..
وأضاف حسام:
ـ وأتى اللقاح أكله في الحد من سطوة الطاعون وجبروت السرطان..
جعل عمر يدخن الكيف ويقذف بالرماد في منفضة زوده بها بدر. ثم رفع وجهه وقد دب التراخي في رموشه وصاح عاليا..
ـ سبحان مبدل الأحوال! من كن يتوقع أن تنزل حادة وعلاف ضيفين مشؤومين بجهنم الحاكم المحروسة بزبانيتها الغلاظ.. وضحك كما أوحى إليه المخدر واستطرد: يا لليوم السعيد! استقبلت الكلبة والقرد بفاكهة العلقم وكؤوس الصديد..
وعقب بدر..
ـ وتلك عدالة السماء في أجل صفائها.. إنها ذات الكؤوس التي منها احتسى الشبان الثلاثة، وسلمان السفناج وخالي الحافظ ونافع الحمال.. فلتلعق الكلبة ويحتسي القرد..
وخرج حميدو الحلاق عن صمته وقال كالمتأسف المغلوب على أمره:
ـ لو توقف الأمر عند الكلبة والقرد لهانت الأمور وتعبدت السبل.. ولكن العدو تكالب وازداد حجمه وتعددت ألوانه وأطيافه يا بن حليمة..
واندفع بدر يرد في ثقة وعزم:
ـ ومهما تكالبوا، وكيفما دبروا الكيد وأحكموا، وأيان أمرهم أجمعوا، فلن يتمكنوا من ملامسة زر المصباح وإطفاء نور الحق والهدى.. لن يحظوا بذلك أبدا.. هيهات هيهات يا حلاق!
وبسرعة بديهته تلا الغالي من سورة التوبة: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) وردد الجميع.. صدق الله العظيم.
حقا لم يستهن بدر بتكالب الأعداء وتزايد أعدادهم.. وتلك هي الحقيقة المرة التي تصدعت من جرائها جوانحه، وما تزال تؤرقه وتنغص عليه أحلى أويقاته بين أعز خلانه، ولم يفلح ما تحقق من نصر مبين في محو أثرها أو الحد من غلوائها.. نهض وحول وجهه جهة النافذة وجعل ينظر من خلالها ويتيح لنفسه قسطا من هواء يمسح عنها بعض الثقل والغمة.. داعبت خياشيمه نسائم الوادي محملة برطوبة دجنبر وبرودته.. كان الليل قد ألقى بأجنحته السوداء على الكون وتوارى البدر وراء سحاب كثيف هجم بغتة فحجب أديم السماء، وأحال الحياة في الدرب ظلاما دامسا مخيفا. عاد إلى مجلسه.. لم يطق صبرا على ما تحبل به أحشاؤه من وبيل الهم وحر المغص ولهيب الغم.. لا ترتاح دواخله حتى يلفظ ما يؤرقه.. كان حاله كمثخن تروعت أمعاؤه وغلبه الغثيان ولم يلف سوى أن يفرغ ما بجوفه ليهدأ روعه.. وجعل يبسط بين أحبته جوانب من حقائق فاحت رائحتها السامة في أجواء بار مدام جورج الداكنة .. أرخى الذهول بظلاله على الوجوه المشدودة إلى بدر يكشف عن جديد الأوراق.. فذاك فيليب صديقه الشيوعي المشبع بالفكر الاستعماري شن هجوما عنيفا على الحزب واعتبره عنيدا، وصنف رموزه في خانة المارقين... ثقل على بدر ومن يسامر في مركز القرار هذا، أن يكشف ولد كوستي عن عداء مكين للحزب العريق.. ولم يطق حسام صبرا فصاح بعد أن أجبر المزاج بما أمده به عمر من الكيف: "حزب عريق وسيبقى عريقا عالقا في حناجرهم كالمسمار الصدئ"
والشيخ الزهواني الطاعن في السن، تحول ـ بقدرة قادرـ من راعي خنازير إلى ملاك كبير.. (رجل مخلص يعز فرنسا ويدافع عن وجودها) فض الله فاك يا فيليب.. وفاضت مقل الرفاق سخرية ومقتا من تلك الشهادة الملغومة التي تغنى بها ولد كوستي في البار مشيدا بالشيخ الدمية.. ولكن المفاجأة أثارت حفيظتهم حين عرفوا بأن العجوز الطرقي تصابى في حلقته الثامنة، ولا يفتأ يتباهى بفحولة داهمتها رياح الخريف، ومع ذلك عصفت بأعراض نساء بريئات ونكلت بعزتهن ونالت من آدميتهن، وآخرهن البتول بنت عم مبارك، ذلك الرجل الذي كان يجالس الشيخ في البار.. وضحكوا تشفيا من فرط الهم لما أبلغهم بدر بأن الشيخ يعد العدة لحيازة صبية يافعة.. لم يطق الغالي صبرا فانتفض وصاح في جلسائه.."تالله ما هذا بشر، إن هو إلا شيطان رجيم" وأضاف بدر كأنما ليلقي ما علق في نفسه من الهم: بل آلة إجرامية بغيضة أولى بالتكسير والتدمير يا عمي يا غالي.. إنها الحقيقة المفجعة للتلاميذ النجباء مكفولي الزاوية الطرقية؛ وكر العفونة والدس والتدجين..
لم يبق حميدو في منأى عن حرارة الحدث.. كان منشغلا بالمرطبات يلوكها في نهم، فرفع رأسه عن الصحن الفضي ولهج والفتات يتطاير من جوانب فمه الواسع.. "هذا طاعون آخر أجل من طاعون حادة وعلاف يا بدر.. ألم أقل لك بأن العدو تكالب وازداد حجمه وتعددت ألوانه وأطيافه؟" بيد أن جانبا من الحقيقة هد كيانهم جميعا وأدمى مشاعرهم.. كبر مقتا وخسة أن يتطاول المقيم جوان على بن يوسف رمز الأمة، ويبيت نية تأليبه على الحزب ابتزازا، وإنذاره من مغبة التفاعل سرا مع رموزه.. وبدل أن تكبر فيه مواقفه الإنسانية الخالدة رامت الإقامة سبيل التآمر وتسلحت بأدوات الخسة والاستفزاز والتنكر.. تغابت عن شهامته حين وجه نداء للعلماء والوزراء قبل اثنتي عشرة سنة خلت، يحثهم على دعم فرنسا ومؤازرتها في الحرب التي أشعل فتيلها الفاشيون والنازيون.. واستهانت الإقامة بمبادئه الشجاعة لما رفض تطبيق قوانين الاستثناء التي أبرمت في فيشي.. فصاح بدر ناقما غاضبا:
ـ هل تستحق الإقامة اللئيمة هذا التكريم من ملك شهم مدافع حن الحق؟ ولكن للأسف لم يزدها ذلك إلا جحودا ونكرانا وتمردا.. وعقب حسام وقد غلبه التأثر..
ـ فلتركب الإقامة صهوة أجود وأغلى أفراسها، ونحن ورموز الشر الحقيقيون على محك الزمان الطويل يا بدر..
وجعل الفقيه يختم بجزء من حديث نبوي شريف.. (ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.. رفعت الأقلام وجفت الصحف..
ساغ لعمر أن يروم سبيل التفكه فعقب على الغالي مبتسما من مفعول الكيف: والله لقد جفت أمعاؤنا يا غالي..
وفي المطبخ أشرف بدر على تجزيء خروف مشوي إلى أقساط، وحمل الثاني إلى الغرفة فوق.. طرقت سامية باب رحمة اليهودية وفي يديها طبق من الشواء ساخن لف في منديل، وتوجه حميدو بنصيب إلى الحسين الدباغ وخالي الحافظ، بينما قصد عمر دار الوزانية فسلمها حظها من الكيف والشواء، ليعرج على دار أبويه في الحدادة حاملا حق أخته فطوش.. ثم يعود مسرعا لا يلوي على شيء إلى دار بدر، وعند الباب صادف عمي نافع يبرح إلى بيته ظافرا بأجرته وعشاء عياله.. وانطلقت أطوار المباراة حول الصحن الفضي الكبير حيث تمدد خروف ناضج محمر من لهيب الجمر، طبق شحما واكتنز لحما، ومن منظره تحلب الريق في الشفاه.. وانهالت الأيدي تقطعه إربا إربا والأفواه تلوك في شهية غير مسبوقة.. وحميدو يمضغ ويحدث والطعام يتطاير من فيه: تربت يمناك يا خموسة.. لولا حذقها وبراعتها في التمثيل لما تسنى لنا معالجة أمعائنا الجافة يا عمر..
وعقب بدر:
ـ الفضل فيما أنجز لما تضافر من سعي الجميع.. وإن كنا لم نتوقع من فطوش إلا نفعا، ولم نتوسم فيها إلا خيرا فيما تخوضه من الحروب إلى جانبنا.. والحمد لله لم تخذلنا.. (والتفت إلى عمر باسما) ولن تخذلنا أبدا ما دام الطاعون قائما وأورام السرطان مستشرية كالفطر..
رد عمر:
ـ لنمنح أنفسنا قسطا من الراحة حتى نكون جاهزين للتصدي ومواجهة كل طارئ..
بدر يعرف بأن عمر صنديد مغوار، جاهز على الدوام لمواجهة الحديد والنار، وفي ذات الوقت تراه حريصا على صرف جانب من الوقت فيما يرضي نزواته، لذلك لم يترك فرصة تمر من دون أن يبدي رأيا أو يسدي توجيها ونصحا، فرد بلهجة لا تعدم جدا ورزانة:
ـ لقد علمتنا التجارب في فاس أن الاستهانة بالوقت غير محمودة العواقب.. فليست الحياة لهوا وعبثا.. تملى في خلق الله جميعا يا عمر ترى النمل، أضعف المخلوقات على وجه البسيطة، لا تهدر الوقت فيما لا يجدي..فهل ترضى بأن تكون أدنى منها مرتبة؟ لو لم تنقطع عن الدراسة مبكرا، وكتب لك أن تنال حظك من بحر العلم والعرفان لعرفت قيمة الوقت وأدركت رياض السعادة..
رفع عمر رأسه إلى السقف بعد أن أخذ نفسا طويلا من الدخان وجعل ينفثه إلى أعلى مقهقها، حتى خاله حسام قد جن من فرط ما رادف من مسحوق القنب الهندي، وكف عن القهقهة وتساءل كأنما يخاطب السقف وإن كان كلامه موجها إلى بدر:
ـ ولكن أنت محظوظ والله.. محظوظ لأنك وجدت من يأويك في فاس ويضمن لك مقعدا وثيرا في ثانوية مولاي إدريس! أما أنا والشقي حميدو وهذا الفقيه المغشوش فلنكتو جميعنا بنار تعاستنا في هذا الدرب..
وطرح بدر موضوع فيليب من جديد وأثار الدعوة التي تلقاها لزيارته في إقامة والديه بالضيعة الحمراء.. وعلى الرغم من موقف ولد كوستي من القضية الوطنية ودفاعه عن نظام الحماية الذي اعتبره شرعيا على حد زعمه، فقد اطمأن إليه وعرف الكثير عن سيرته ومبادئه؛ كانتمائه للاتحاد العام للنقابات المتحدة المؤطر من قبل الشيوعيين، وتعاطفه مع المذهب الماركسي.. وفي المقابل أعجب فيليب بجرأة بدر وافتتن بطلاوة حديثه ومقدرته الخارقة في مقارعة الحجة بأخرى، ولا غرابة في أن ينجذب إليه كما ينجذب المسمار إلى قطعة ممغنطة..
رام عمر سبيل الدعابة ولهج:
ـ إياك أن تنسى حقنا من الزيارة المرتقبة لضيعة آل كوستي يا بن حليمة.. فهناك الإجاص والتفاح والليمون..!
ونهض الغالي وفي نهوضه إيذان بفض الجلسة، فقال: زر آل كوستي يا بدر ولا تنس نصيبك من الدنيا..ثم تلا من كتاب الله" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين أو يخرجوكم من دياركم أن تبروهم".. تناهى إلى الرفاق وهم منتصبون يتأهبون لمغادرة الغرفة صوت الرعد يزمجر، وتسرب من النافذة المفتوحة وميض البرق يكاد يخطف الأبصار..

محمد غالمي
04-28-2009, 04:52 AM
كانت ضيعة آل كوستي تسبح في ملكوت الصمت حين وصل بدر عصرا عل دراجته الهوائية، واتجه صوب الباب الرئيسي، وظلال الأشجار تبسط أجنحة الرحمة على المكان.. أحس بهواء منعش يدغدغ جسمه بعد أن خف وهج الرمضاء. انتصب أمام الباب الحديدي فلاح من شباكه ساحة ازدانت ببساط من العشب أخضر تختال فيها الطواويس، وبجانبها بركة يسبح فيها الإوز مثنى وثلاث. الكل يتفيأ بوارف من ظلال التفاح والإجاص والليمون؛ ظلال على ظلال استطابها الحمام الجاثي فوق سقوف الأجور المكعبة، فطفق يهدل بنغمات شجية، واستعذبتها العنادل فراحت تشدو بمعسول النشيد وعذب التغريد.. وبدر يهتف من أعماقه وقد داعبته أطياف الأحبة.. أقبل يا عصام وحسام.. وهرول يا غالي وحميدو وعمر.. هلموا جميعا تكحلوا الأعين فتزول عنها الغشاوة وتبرأ من العمش.. حسبكم ما تتلظون فيه من جحيم التعاسة وهول الشقاء.. فها هنا تنشرح الأفئدة! وهذه الجنان المسروقة تقرئكم السلام.. وتفتح الأذرع لكل فذ همام!
ـ ما ذا تريد يا سيدي؟ وعمن تبحث؟
فوجئ بدر بهذا الصوت يقطع عليه حبل خواطره، فالتفت متسائلا كأنما يحدث نفسه في اندهاش.. كيف حط هذا الغراب بغتة؟ وهو يهم بالرد على الرجل الماثل من وراء الشباك كجدع دوحة عريض متفحم، هتف صوتا من وراء البواب:
ـ افتح الباب يا مسعود!
عمل الشاب المفتاح في القفل المشدود إلى سلسلة من حديد فانفرج مصراعا الباب ثم دلف بدر يجر دراجته، ومسعود يتمايل من ورائه كالفيل بعد أن أوصد الباب.. وقف فيليب غير بعيد شابك الذراعين إلى صدره، وجعل يهتف مادا عنقه.. يا أهلا وسهلا بالرفيق العزيز.. يا مرحبا بالبدر يضيء رحاب الضيعة. حتى إذا وصل بدر اندمج ورفيقه يتصافحان ويتعانقان بحرارة.. فقال فيليب
ـ إن دأبك على حفظ المواعيد لخصلة تنضاف إلى خلالك المعهودة يا سيد بدر!
أجاب بدر والبسمة تشرق من صفيحة وجهه:
ـ ولا خير في من لا يرعى المواثيق والعهود.. هذا بند من بنود شريعتنا السمحة يا رفيق..
وبلهجة مستنكر مازح رد الآخر:
ـ وهل شريعتنا تبيح انتهاك المواثيق والعهود يا بدر؟
وبعذب مزاحه الملغوم رد بدر:
ـ أ شريعة المسيح تعني أم شريعة ماركس أيها الرفيق؟
ضحك فيليب ملء فمه وقال:
ـ أما قلت لك مرارا إنك حقا لداهية؟ ولكن في دهائك عبرة ولينا.. فكم هي مستملحة طرائفك عذبة نوادرك!
سار جنبا إلى جنب يتجولان في أنحاء الرياض الظليل، وفيليب يعرض محتويات الحديقة فخورا مزهوا.. فهذا مسبح الإوز.. وذاك مسبح حديث العهد أنشأه أبي خصيصا لي ولأختي.. وفي هذه المقصورة تبيت الطواويس.. وهذا البيت الصغير يأوي الكلب طوني رفيق أختي.. أما هذا القفص المسيج.. أنظر كم هو شاسع! إنه مأوى الأرانب والدجاج. عطفا على دويرة مسقوفة بالقرميد، منزوية خلف الإقامة، وأومأ ببنانه.. وذلك مسكن الخادم مسعود. واصلا المسير حتى انتهيا إلى باب الفيلا المصنوع من خشب الشوك اللامع، أحيط بألواح من الرخام الأحمر، فدلف فيليب وفي إثره بدر يجيل النظر فيما حوله واجما.. كانت الصالة التي وطئتها قدما بدر لأول مرة واسعة تضاهي في شساعتها دارين من دور مولاي بوكيل. في وسطها بسط سجاد بديع النسج زهي اللون، أحاطت به الأرائك المحفوفة بباقات من الزهور مختلفة أشكالها وألوانها. وفي ركن من أركان الصالون جلست فتاة على كرسي من قصب السكر اللامع تقرأ في مجلة.. تقدم نحوها أخوها مصحوبا بضيفه، فقدمه مثنيا على مواقفه وقوة شخصيته.. هو ذا الرفيق الجديد الذي حدثتك عنه سابقا.. إنه يدعى السيد بدر..
وردت الفتاة في نغمة رخيمة طربت لها أذنا بدر: "أشرقت الضيعة بمقدمكم يا سيد بدر.. ما أسعدنا بهذه اللحظة الميمونة!"
والتفت إلى ضيفه مشيرا إلى أخته .. "وهذي أختي صونيا وحيدة الأب كوستي".
وهمس في أدب ولطف وعيناه لم تبرحا وجه الفتاة:
ـ تشرفت يا آنستي.. سعدت برؤية الأخت الصغرى للرفيق فيليب.. وأنا كذلك لدي أخت هي وحيدة الأسرة..
قال فيليب ويده تمسح لحيته وشاربه الكثين:
ـ كانت السعادة ستغمرنا أكثر لو تشرفنا برؤية الأخت الوحيدة للعزيز بدر.. الضيعة ومن فيها في الخدمة!
بيد أن بدرا شعر بإحراج عظيم، ولكنه جد في مداراته بابتسامة مصطنعة..
جلس الشابان متقابلين على أريكتين في قلب الصالة تتوسطهما طاولة أنيقة معقوفة الأرجل، قام على ظهرها الزجاجي كأس بلور. وبينما انشغل فيليب بكتاب الاقتصاد السياسي يتمعن فيه سرح بدر ببصره في أنحاء السقف الإسمنتي الأملس الصقيل كمرآة، والسجاد الفارسي المبسوط على أرض مكسوة بالرخام ـ زعم فيليب أنه مجلوب من إيطاليا ـ وما تزال عيناه تستقصي التحف النفيسة المبثوثة في سائر الأركان.. وتتملى في لوحات عظيمة الأحجام علقت على الجدران.. تلك لوحة موناليزا تشع نظراتها بريقا يحكي عن عالم البراءة ودنيا الجمال والصفاء.. وعلى الجدار المقابل صورة للمقيم جوان، وأخرى تؤرخ للثورة الفرنسية.. وذاك مجسم للمارشال ليوطي يمتطي صهوة الفرس.. وعلى خزانة كتب وضعت صورة كبيرة للأب كوستي يعانق زوجته هيلين.. وانتهت الجولة البصرية عند الكرسي المصنوع من قصب السكر.. ولسان السكر الذي هزج قبيل ذلك مرحبا محتفيا مغردا "أشرقت الضيعة بمقدمكم.. ما أسعدنا بهذه اللحظة الميمونة". اصطدمت عيناها بعينيه وهو يختلس النظرة تلو الأخرى.. معتدلة القامة كانت، لم تكمل ربيعها السادس عشر بعد.. هي شقراء على خلاف أخيها ذي الشعر الأسود ، بيد أنهما يتقاسمان الأنف القرمزي والعينين العسليتين الواسعتين. انسدلت على جبينها الواضح خصلة من شعرها الذهبي، فرفعتها بأناملها الدقيقة إلى الوراء في غنج ودلال، وبدر يسترق النظر إلى حركات الأصابع الدقيقة تسبح في ثنايا شعرها، ولسانه يردد في حديث مكتوم عبارات الترحيب التي سال بها لسانها "أشرقت الضيعة بمقدمكم.. ما أسعدنا بهذه اللحظة الميمونة" يا لعذوبة هذا الترتيل! ويا لرقة هذا النغم الذي هب من جنانكم كالنسيم!.. ما كنت أحسب ـ وحق من فلق الحب والنوى ـ أن في روضكم ـ آل كوستي ـ لتفاحا حلوا ناطقا يعزف أعذب الألحان على أوتار قلوب الغرباء! من لي بيوم تنكشف فيه الحقائق المطمورة وراء بابكم.. وها هو الباب ينفتح على مصراعيه، ولا مانع من أن اخترق ـ عبرك طبعا ـ عالمكم العجائبي آل كوستي، وأستأنس بخفاياه.. فليرد اللسان بالمثل ويعزف أجمل الألحان.. ولتذرف العين دموع العاشق الولهان.. لن أنسى نصيبي من الدنيا يا غالي.. غدا أو بعد غد يحل بهذه الجنان كل الرفاق الحالمين.. سوف نقطف التفاح ـ معشر القناديل ـ ونجني الحلم.. بينما كان بدر يعيش في عزلة داخل أهوائه الهائمة أوقف عليه رؤياه شبح مسعود الذي ولج الصالون من دون أن يثير أية حركة.. وتوجه مباشرة إليه مستشيرا في تحفظ أملته عليه ظروف وظيفته: ماذا يريد سيدي أن يشرب؟ وكان الجواب جاهزا على طرف اللسان.. عصير تفاح من فضلكم! وصاح فيليب في وجه الخادم وفي عينيه تلوح ابتسامة ماكرة.. احذر أن تقدم للضيف خمرا! إن دينكم يحظر عليكم ذلك..
ثم عاجله بسؤال ثان قبل أن ينصرف: ـ متى غادر العمال الضيعة؟ ورد مسعود في أدب.. غادروا قبيل الثانية زوالا يا مولاي..
ـ قبل الثانية؟ أصروا على تنفيذ قرارهم؟
ـ أجل يا مولاي..
أخذ فيليب يحرك رأسه جيئة وذهابا كأنما يعبر عن رفضه وتدمره، فالتفت إلى بدر كالشاكي المتذمر.."هؤلاء العمال عصاة يا بدر..كانوا فيما سبق يعملون حتى الغروب.. ولما توالت صيحاتهم ولغطهم أقنعت أبي بتخفيض ساعات العمل رحمة بهم.. وكان لهم ما أرادوا.. وها هم يصرون على الخروج قبل الثانية زوالا بدل الرابعة..أرأيت يا بدر كيف تؤمن فرنسا للعمال كل الحريات وتضمن لهم جميع الحقوق؟ (واستدرك مستنكرا) وهل جنت في آخر مطاف غير العصيان والجحود؟ هؤلاء تعساء ولن يجنوا غير الخيبة والتعاسة..
وسنحت الفرصة لبدر فامتطى صهوة الشأن العمالي، وآثر الخوض فيه مؤثرا سبيل التعريض العابث بالمشاعر، وقال:
ـ حقا إن فرنسا دولة لبرالية، غايتها صيانة كل الحريات السياسية والنقابية، ولكن هذه الحريات ليست في نظر ماركس سوى حريات شكلية وهمية.. أليس كذلك يا رفيق؟
ـ كيف تكون هذه الحريات وهمية؟
ـ لأنها تستثمر كغطاء لمصالح البورجوازية! فكيف تجهل هذا يا فيليب والدليل الماركسي بين يديك؟
شعر بإحراج من جهله هذا الطرح الماركسي، أو لعله أدرك ضعف زاده ورصيده، وقصور إلمامه بسائر النظريات الشيوعية، فنبس في لهجة تشي بالضعف والاحتشام:
ـ على أي أنا أتبنى آراء ماركس وأعمل بمبادئ الاشتراكية العلمية في حدود معقولة! ولهذا تجدني على الدوام إلى جانب الكادحين أدافع عن حقوقهم..
انتقل بدر وفيليب وبمعيتهما صونيا إلى قلب الحديقة المعشوشب، والشمس تنحدر في الأفق البعيد حاجبة أشعتها عن دنيا الضيعة.. هناك أعد مسعود طاولة تحف بها كراسي الخيزران، وعليها وضعت آنية صفت فيها الكؤوس.. خاطب فيليب أخته وفي عينيه يطفح المكر.. "صاحبنا مغرم بالسياسة وموهوب ذو باع طويل في اللعب على حبالها يا أخت! وقد حدثني يوما أنه انصرف بحسه ووجدانه إلى الاهتمام بما يجري في محيطه.." حين سمعت الفتاة اسم بدر يردده أخوها أحست بنبضات قلبها تسرع.. كانت وهي جالسة قبالتهما منهمكة في تقليب صفحات المجلة، فاعتدلت في جلستها وقد توردت وجنتاها وأشاعت عيناها سحرا وجاذبية وهمست مخاطبة أخاها:
ـ وما قيمة الإنسان إذا تغابى عما يجري حوله؟ (وأدارت وجهها متسائلة) هل السياسة موهبة يا بدر؟ وما الذي يتعلمه الإنسان منها؟
ارتاح بدر للصوت العذب يغرد خارج سرب الرفيق، فأجاب وفي إجابته تلميح يستهدف أخاها "تعلمت من السياسة أمورا منها، أن المناضل الحقيقي هو الذي يجسد في سلوكه اليومي ما يحمله من مبادئ وأفكار، وإلا اعتبر مسيئا لمبادئه" وتوقف عن الكلام إذ تناهى إلى سمعه آذان المغرب، فاستأذن وهب من مكانه وتقدم خطوات فقام في خشوع يؤدي الفريضة ميمما شطر القبلة.. ظل فيليب وصونيا يسترقان النظر إلى شفتيه تنمان بصوت مهموس، حتى إذا انتهى من الصلاة عاد إلى مجلسه، فرام فيليب إثارته كالعادة .. ماذا كنت تردد في همس يا بدر؟ وهل من فائدة في تلك الحركات؟
ـ كنت في نشاط روحي وأنا بين يدي الرحمان..
وتمادى فيليب في استفزازه ولهج: أظن أن ذلك الفاصل الروحي عرقل ما كنا فيه من نشاط فكري وسياسي!
ابتسم بدر ساخرا وصوب سلاحه لتقويم اللسان الهازئ بغير عدة ولا عتاد فأجاب:
ـ اسمع فيليب.. الدين عندنا نحن ـ المسلمين ـ عقيدة وسلوك في الحياة.. عقيدة تغمر أنفاسنا صفاء وأفكارنا نقاء.. فكيف لهذا الدين أن يعرقل النشاط الفكري والسياسي والاقتصادي؟ إنه في صورته الإسلامية يبعث على هذا النشاط وينظمه.. ويحل من المشاكل والمعضلات ما عجزت عن حله المذاهب الوضعية.. ومن سماحته تعلق القلب والروح والضمير بأهدابه وشد على زاده بالنواجذ..
خرجت صونيا عن صمتها ونبست وعيناها مشدودتان إلى الضيف الجديد:
ـ حقا يا بدر من طبيعة الأمور أن يتعلق ضمير الإنسان وروحه وقلبه بشيء ما..
وأكمل بدر كلامها معرضا: وإذا لم يتعلق بذلك تعلق بزعيم دنيوي.. كارل ماركس مثلا.. ثم استرق النظر إلى أخيها الذي تظاهر بالقراءة والبسمة تعلو وجهه..
"لا تتغيب عنا طويلا يا بدر!" بهذه العبارة ودعته صونيا، وقد بدت عيناها وكأنهما تنطقان بسر مكين.. أمسك براحتها وأطال النظر في مقلتيها مستغلا انشغال فيليب بفتح باب السيارة الجاثمة أمام الباب الرئيسي. أطرقت خجلى وسحبت يدها من بين راحته، وخاطبت مسعودا الخائض في وضع الكؤوس الفارغة على الصينية، وأشارت إليه بحمل الدراجة الهوائية إلى صندوق السيارة، ثم غادرت الحديقة يتبعها كلبها طوني.. وانصرف بدر إلى السيارة التي تنتظره وكان الليل قد أرخى سدوله على الكون، وأنار الضوء مدخل الضيعة، ولا شيء يسمع سوى صوت المحرك الذي أمد المصابيح بالطاقة الكهربائية..

محمد غالمي
05-13-2009, 02:46 AM
**** لم يعتد بدر ـ كما يقتضي القانون العرفي للبيت ـ أن يجالس أباه حول مائدة الطعام ويشاركه الوجبة.. لا يذكر غير مرة واحدة استضافه فيها إلى غرفته الخاصة تكريما له على عودته المظفرة بشهادة علمية من فاس. كان جالسا بالقرب من أمه في المطبخ يبادلها كالعادة مكنون ذاته وأسرار أحلامه وآماله.. الوضع في تدهور مستمر يا أماه.. والبلاد جميعها على موعد مع إضراب يحيل المدينة إلى ما يشبه مقبرة أموات!
أزاحت السيدة حليمة الغطاء على الطاجين لتتفقد مستوى المرق يغلي على نار هادئة، ونبست بلهجة تضمر ما تكنه من سخط وكره لأذناب الاستعمار.. "من لي بيوم يهلك فيه البغاة الظلمة بضربة قاضية لا تبقي ولا تدر.. وهل يكتوي بنار الإضراب غير المقهورين المغلوبين على أمرهم يا بني؟ ويل للكفار على ما يفعلونه في أمة سيدنا محمد".. في هذه اللحظة أقبلت سامية وأبلغت أخاها بأن أباه يدعوه لمقابلته! تفاجأ بدر وطفح الانزعاج في جفنيه، وتبادل وأمه في وجوم نظرات يلفها التساؤل والاستفهام! لم يرتح بال السيدة حليمة فعلا لأمر هذه الدعوة غير المنتظرة، وتملكتها كما ابنها هواجس، وراودتها أفكار وتخيلات.. هل يا ترى جاءت الدعوة بمحض الصدفة لاستطلاع رأي فتاه حول مستقبله المهني بعد الحصول على شهادة مشرفة؟ أم وراء الدعوة ما وراءها من الدرس والتوجيه؟ ألا يستبعد أن يكون والده السيد عبد الحميد الراضي قد علم من وشاية واش بقناطر القمح والقطاني التي برحت مخزن الحبوب، في غيبته ومن وراء ظهره؟.. ولا يخفى على بدر ما يطبع سلوك أبيه وما يستقيم عليه طبعه من اللين والشدة، ومن السماحة بين دويه وكبح جموح يده عما يرضي خالقه.. السيد عبد الحميد أراح جسده وروحه من أداء الصلوات الخمس، وكف يده عن الزكاة إلا ما يخص به بعض دويه المحتاجين، وحسبه أن يواظب على صيام شهر رمضان .ورغم ذلك يحب بدر أباه ويقدره، ويحفظ له منزلة الأبوة وكرامتها تعظيما وتبجيلا.. وليس أمامه سوى المثول بين يديه في خضوع وخشوع.. فليصغ إليه ينشر نسائم الرحمة على مائدة العشاء، أو يزمجر مدويا كالرعد يعكر صفو الهناء.. ولتتهيأ النفس لتلقي الدرس.. وأقبل بدر على أبيه وانحنى على يده مقبلا، فأذن له بالجلوس قبالته، وفعل في أدب.. علت البشاشة والرضا وجه السيد إذ استقبله استقبال الصديق والرفيق، وجاذبه أطراف الحديث مستطلعا رأيه في أمور شتى.. لا شيء يؤرق خاطره سوى أن يرى ابنه ـ وقد أشرف على عقده الثالث ـ يستطيب حياة البطالة، ولم يستقر رأيه على عمل يليق بدرجته العلمية، أو لعله يحتفظ في مكنون ذاته بما يعتزم ممارسته من وظيفة ترضي تطلعاته وتستجيب لقناعته. وكان السيد عبد الحميد قد فاتح السيد بونيول مدير إدارة الأملاك المخزنية في موضوع ابنه.. ورحب المدير وعرض على عبد الحميد وظيفة محترمة بإدارة الأملاك بالدار البيضاء تليق بمستوى ابنه العلمي، بيد أن بدرا ـ لأمر ما ـ رفض رفضا مطلقا مقترح أبيه!
والسيد عبد الحميد شامخ القد، مائل إلى بدانة، ومن بريق عينيه الواسعتين يلوح الحزم، وعلى تقاسيم وجهه ترتسم الصرامة وقوة الشخصية.. كان وما يزال مهيب الجانب في مقر عمله وبين دويه وآله وأبناء حيه.. أسدى لفرنسا خدمة جلة حين انخرط بمحض إرادته في صفوف الجيش الفرنسي لمواجهة الغزو النازي، فكاد يلقى حتفه من رصاصة اخترقت جنبه الأيمن.. وجوزي على إثر ذلك بأن أدمج في الوظيفة العمومية وألحق بإدارة الأملاك المخزنية. كان الرجل يظهر الولاء لفرنسا، وفي ذات الوقت يضمر من وجودها حقدا دفينا وكرها عميقا.. وشعاره الخالد أن "أعرف كيف ومن أين تؤكل كتف النصر، وهيئ حرابك سرا لطعن الغريم من الظهر" وذلك شأن السيد عبد الحميد الراضي مع ابنه؛ يعتب عليه إذا استشعر منه اندفاعا طائشا نحو الموت.. فهو لا يعاكس توجه ابنه المهني، أو يعارض رغبته في إزاحة كابوس الحماية الرهيب، ولكن حسبه أن يراه بطلا مغوارا في الخفاء.. فرنسا كما يعرفها السيد عبد الحميد جحيم لا يطاق! وويل للساخنة رؤوسهم حين يجاهرون بالعصيان والعقوق. كان العشاء المشترك أيضا مناسبة تشنج فيها الحديث عن مشاهد الغضب الشعبي الذي زلزل الرباط والدار البيضاء.. وكيف جوبه من أشعلوا فتيل الثأر بالحديد والنار! وتجرأ بدر لأول مرة أمام أبيه، إذ آنس منه قربا ولمس في حضنه دفئا وسعة صدر، فنطق لسانه في أدب يليق بوقاره وهيبته.. أرى الموت أهون من ذل الحامي القسري يا أبتاه.. الإقامة العامة تزيف الحقائق في الرباط .. فكلما شعرت بالزلزال يهدد أركانها سارعت إلى توجيه ضربات استباقية موجعة تسيل من هولها الدماء وديانا.. ولتداري جرمها البشع تحرك أبواقها المأجورة، فيلغطون على أمواج إذاعة راديو ماروك معزوفة جوفاء لم تعد تنطلي على أحد من الأفذاذ الشرفاء (عصابة من المجرمين والقتلة ينشرون الرعب وسط السكان! يلحقون الدمار والخراب بالملك العام..! وتصدت السلطات بشجاعة إلى المخربين وتعقبت فلولهم فأحالتهم على العدالة) أليست هذه سيمفونية ممجوجة يتقن عزفها الكلاب والأذناب برئاسة ضابط الإيقاع سيء الذكر كيوم يا أعز من أب؟ أ بعد كل هذا العبث والعربدة أقبل بعرض بونيول؟ أربأ بنفسي أن أهرول في إثر وظيفة ملغومة تجود بها ثعابين مسمومة..
ما يزال الأب يصغي لابنه وقد أكل الحزن شغاف قلبه، وفي عينيه نظرة جامدة لا تملك أن تعبر عما يعتلج في الصدر ويتأجج في النفس.. ورغم ذلك شعر بنشوة الفخر والاعتزاز، وثمن مواقف ابنه البطولية ورحب باختياره ولوج ما يحلو له في سلك الوظيفة العمومية.. وكان آخر ما وجهه السيد من نصح لابنه، أن ردد على مسمعه شعاره الخالد.. "أصغ يا بني واعرف كيف ومن أين تؤكل كتف النصر؟ وهيئ حرابك سرا ـ أقول سرا ـ لطعن الغريم من الظهر"..
تملك بدرا تأثر عميق من فيض ما غمره به أبوه من سديد الرأي وحسن التوجيه، وما لمسه فيه من نقاء الضمير وصفاء الطوية وسخط عارم على الجلاد الطاغية .. وتوترت أعصابه وانتابه هول وكآبة فرقي الدرج وثبا.. وفي ركن من أركان غرفته انزوى مترقبا إطلالة رفاق دربه، مستسلما لخواطره.. ولم يطل الانتظار، إذ سرعان ما هلت الكواكب في سماء الغرفة.. ارتحل سيء الذكر جوان وخلفه كيوم.. جهر محمد بن يوسف بلسان وديع يدعو القائم بأمر فرنسا الجديد، وحامل مشعل الحديد إلى التعامل بميزان العقل، وفسح المجال للمغاربة بتنظيم نفوسهم في هيئات نقابية وحزبية، وتمثيل عموم الشعب المحجور في غرف صناعية ومهنية تحفظ كرامتهم وتصون حقوقهم.. وتساءل حسام عن طبيعة رد الإقامة، وبدر يجيب وفي عينيه فضول مشوب بالأسى.. وهل جنى جلالته من وراء ندائه المسالم سوى التعنت والاستهتار؟ ولكن السلطان أبى إلا أن يمعن في قذف الجنرال بعيار من نار.. فخاطبه يوم التقاه "الثبات على المبدأ شرف لنا يا جنرال". ولبس الوضع حلة جديدة تنذر بالأسوأ.. فتح جديد دشنه الجنرال العتيد؛ رفع قوائم المشانق ومد السلاسل والحبال، وفصل الكمامات على مقاس الأفواه حذرا من كل زفير يهدد حمى الدخيل بالحرق ويقوض أركانه.. ظن الجنرال أن قبضته الحديدية فزاعة فعالة تعجل بتقويض المبادئ وشل حبال الهمم والعزائم، لا غيا من حسبانه أن بن يوسف نذر حياته من البداية للذود عن سيد الأوطان، وما غره في سبيل ذلك ولد ولا جاه وسلطان.. وأن العزة والسؤدد والشرف دونها مكابدة وبذل وعناء. ولما تبين لجلالته أن الوافد الجديد يسير على نهج سلفه أبدى كدأبه شهامة ونخوة وتحديا.. امتنع عن توقيع الظهائر، ورفع من حصة المطالب. وركب السعار كيوم ولم يتورع في حل الديوان الملكي وتوجيه مذكرات تضمر الترهيب والوعيد. واستجاب الشرفاء لصوت التحدي، وتأججت في النفوس فورة الغضب، فانطلقت الشرارة في كريان سنترال في الدار البيضاء.. أضرم الهائجون النيران في كل مكان.. أجهزوا على قدر غير يسير من الجنود الفرنسيين ومن يعاضدهم من مرتزقة وخائنين. وكان رد الفعل عنيفا رهيبا كريح عاتية تضرب في البحر فتجعل موجه كالجبال والهضاب.. فالرصاص يلعلع في الجو والأرض وأرواح البراءة تتساقط كالذباب.. والدبابات تزحف في قلب الشوارع فتملأ النفوس هولا ورعبا.. والبوليس والأذناب يتعقبون الصبية والشباب.. يجهزون على الفارين ويسوقون المسالمين مصفدين، فيلقون بهم على ظهور الشاحنات كقطعان الماشية..
استيقن الرفاق من احتداد أوار الأزمة بين الجنرال والقصر، وازدادت نفوسهم تأزما وأعصابهم توترا من شيوع نبأ اغتيال النقابي التونسي فرحت حشاد، وبنشاط تمليه الثقة بالنفس نبس بدر هازئا ساخرا:
ـ نسي الجنرال ولفيف الأزلام أن الأفذاذ يحملون شعار (نموت ويحيا الوطن) وأنهم يهزجون ملء حناجرهم بما هزج به السلطان في الصحو والمنام: (إذا لم يكن من الموت بد // فمن العار أن تموت جبانا).. فلتهدأ بالا ولتطمئن خاطرا يا بن يوسف.. ولتقر عينا في أحضان قبرك يا حشاد بعد أن حزت صك الشرف..
أوذي الإخوة في مشاعرهم واكتووا بنيران المهانة من استكبار كيوم المسعور، وتطاوله على أشرف من يتشبث الشرفاء بأهداب سلطانه.. وانتقلت حمى السعار من الرباط فازداد الوضع استفحالا في مولاي بوكيل والأحياء المجاورة.. واجمع رفاق الدرب أمرهم على إقامة مهرجان خطابي بباحة جامع سيدي المعطي، تنديدا واستنكارا بسياسة المقيم العام في الرباط والقائم بأمره في تادلة، فضلا عن الدعوة إلى الإضراب استجابة إلى أوامر عليا.. يا حسرتاه! جن لاكومب وركب السعار أتباعه، وها هم يؤججون نيران الحمية ويزيدون في إيقاع وتيرة العذاب في الدرب وما جاوره.. نظام السخرة.. ألجمة وقيود.. مشانق وكهوف.. وبكل ما أوتي من حماس وهاج عزم بدر أن يواصل ركوب صهوة العز والشرف، مشمولا بشعار أبيه الخالد: (أن أعرف كيف ومن أين تؤكل كتف النصر، وهيئ حرابك سرا لطعن الغريم من خلف الظهر).. فليرسم الخرائط ويسلك سبيل التنظير. وإن لم يشارك بالجسد في تجربته الثانية هذه فالقلب والضمير وسائر الكيان في سباق مع الزمن لبسط سلطان الحق.. بدر يؤمن على الدوام بأنه لا يهاب البطش، وهو الذي مافتئ يردد أمام خلانه وأصفيائه.. جسدي قربان لثرانا الذي يعبق برائحة الحناء والقرنفل والورد والريحان..

محمد غالمي
05-13-2009, 02:47 AM
.. ما يزال حقا أسيرا لمرارة التجربة الأولى، تلك التجربة التي شهد عليها أسوار فاس ومساجدها العريقة.. فذاك سيدي أحمد الفاسي يعوده، طيف لا كالأطياف يراه ماثلا في هيئة مهند ممشوق يخطف بريقه الأبصار.. كان إذا قام خطيبا في الناس انتقى أشد الكلمات وقعا في النفوس.. وهو الذي تفجر يوما لسانه بكلام كالرصاص في صحن القرويين، على إثر إقدام زبانية حاكم المدينة العسكري على شن حملات مسعورة في دروب المدينة العتيقة.. تيارات كاسحة جرفت عشرات الأبرياء العزل، ذنبهم أنهم تظاهروا احتجاجا على الإصلاحات المشبوهة التي كانت سلطات الاحتلال قد اعتزمت القيام بها آنذاك.. فهذه كلماتك الرصاصية لا تفتأ تطن في أذني.. ماثلة أمام عيني ولسانك يضرب بالسوط.. "الخزي يا عباد الله يلاحقنا ونحن نتفرج على العزة تغرق في مستنقعات الغزاة الظلمة، والنخوة تطمر في بطون مزابلهم الآسنة.. بأي ذنب هدرت دماء إخوانكم الشرفاء، ومن أباح لأعداء الله إزهاق الأرواح بذريعة الاعتراض على مشاريع الإصلاح المشبوهة؟ من شيمنا نحن ـ معشر الفضلاء ـ أن نشذب قتادة الأعداء.. ولا يخامرني أدنى شك في أن صدوركم أوسع وأرحب لوقع الرصاص من أن تنبطح في ركوع مذل لهواة الافتراس" وذكر شفيع رفيق الدرب في فاس حين انتفض من بين الجموع كالصقر، وهرول غير آبه بما يصطدم به من الأجساد، مستعينا بساعديه كمن يصارع موجا عاتيا.. حتى إذا وصل إلى الباب الرئيسي لمسجد القرويين عاجل أول ثعبان مرابط هناك وممسك برشاش ناري، فغرس في أم ظهره سكينا حتى النصل وجرده من سلاحه ثم أسلم ساقيه للريح.. راح يعدو من درب إلى آخر كالثور الهائج، ويفرغ الرصاص في كل من يصادفهم في طريقه من خونة وعملاء.. ولكن رصاصة غادرة انغرست في ظهره على حين غرة، وسقط غير بعيد عن بيته جنب السقاية في حومة القلقليين.. ورأى بدر نفسه وقتئذ ثورا هائجا في أبهاء القرويين، محمولا على السواعد هاتفا "لا عاشت فرنسا في ديارنا.. ليعد الزعماء من المنافي.. لتفك قيود الأسر وتنطلق الطيور من الأقفاص..
والتفت بدر إلى حسام وعصام وحميدو وعمر، وخاطبهم بشهامة واعتزاز.. أجل أيها الأعزاء.. في حومة القلقليين المناضلة هلك شفيع من بطش الرصاص.. ثمة ذوى غصن بان.. هناك تلاشى رداء المجد.. هوى شفيع واشتعل وانتثر لحمه رمادا.. وزج بفقيهنا العزيز سيدي أحمد الفاسي في مغارة مظلمة بسجن عين قادوس.. ولئن عطلوا فيه آلة صناعة أردية الصمود والتحدي فيكفي الآلة ما نسجت.. وكفاني فخرا أن عد ت إلى مجمعكم هذا وعلى كثفي بردة من نسج الفقيه العزيز.
وتولى بدر صياغة البيان وتحريره.. وانتشر في دروب المدينة وهوامشها كالصوت الغامر يمتد عبر الأثير.. وتقبل الناس الدعوة بعفوية تامة، واستجابوا لها فحرك ذلك في نفوسهم مشاعر الغضب؛ إذ هي تتضمن ـ فضلا عن اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد ـ احتجاجا على سياسة الحاكم العسكري في تادلة، تلك السياسة الجادة في تسخير البشر كالمعتاد للعمل في ضيعات المعمرين وأذنابهم من القواد المغاربة. وتجمع السكان عند ناصية كل درب وزقاق، وحجوا عن بكرة أبيهم إلى جامع سيدي المعطي مصب السيول الهائجة.. واحتد الهتاف وارتفعت الأصوات صداحة ملء العقائر.. لا عاش سفاكو الدماء في حينا.. الويل والثبور للحاكم.. والتحق سيل عارم من الشباب الثائر، وحال اللسان يردد شعارا مدويا زلزل الأرض من تحت أقدام العيون المندسة، والكلاب المتربصة.. (إلى الجحيم يا سرحان.. السلطان في الأمان) (الجنرال يغرق في الواد.. بن يوسف سيد البلاد) وانصهروا في الجموع المحتشدة في باحة المسجد، والعيون مشدودة إلى شاب ذي طربوش أحمر، أغلب الظن أنه الشاب الذي كان فيليب كوستي يسدد إليه نظرات مريبة في بار مدام جورج. وتوسط الحشد وراح يخطب بنبرة حماسية ألهبت المشاعر "هذه فرنسا المتسلطة على أرزاق الأشقياء والمعدمين تتفنن في إذلالهم، ولا تتورع في تجنيدهم في أعمال السخرة بلا مقابل.. أعمال شاقة تنوء بحملها البغال.. استفحل داء سرحان وعزام ولم يرحما في الشيخ شيخوخته ولا في الصبي براءته ولا في المرأة وداعتها.. وقاطعته الحناجر مرددة في نغمة تفور من حماس.. (إلى الجحيم يا سرحان.. السلطان في الأمان) وتجاوب مع الشعار خالي الحافظ وعمي نافع وسلمان السفناج، بيد أنهم آثروا الوقوف قرب الباب المفضي إلى الشارع احترازا.. وسايروا إيقاع الشعار بالتصفيق وعلى ملامحهم سمات الحذر.. وسرت نغمة الشعار في عروق الحسين الدباغ، فخال نفسه في حلقة الأناشيد الصوفية والأذكار التي غالبا ما يحييها سدنة جامع سيدي المعطي في المناسبات الدينية. تسلل إلى الوسط حيث يقف الشاب الخطيب، وراح يجدب ويحرك رأسه صعودا ونزولا.. وكلما توالى الشعار استبدت به الحيرة وجعل ينط كالقرد، ويضرب على صدره المحدودب مثيرا زوابع من السخرية والضحك. وواصل ذو الطربوش الأحمر هجمته الشرسة.. "ها هي فرنسا تتنكر لحقوق الإنسان التي رضعتها من الثورة قبل قرنين، وترتدي قناع الوحش الضاري.. تكشر عن أنيابها وتعظ رقبة حشاد، الرجل الذي ظل شعلة للمحرومين الكادحين الذين يغذون آلة فرنسا بعرق الجبين .. فلنقف صفا متراصا في وجه الهجمة الشرسة ولنحبط المؤامرات الدنيئة ونقوض سياستها المجبولة على سفك الدماء واغتيال الشرفاء الأبرياء.. لنواجه الغطرسة الناشبة أظافرها في كل أحيائنا ودروبنا بما نملك..
والتهبت المشاعر وتأججت في النفوس حمية الثأر، وتعالى في فضاء المسجد وخارج حيطانه ترديد لازمة "يا لطيف ألطف بنا". وبغتة توقفت شاحنة المطافئ في قلب الشارع، وسارع الجنود إلى تصويب خراطيم المياه مباشرة من الباب المفتوح على مصراعيه إلى بهو الجامع.. وأبى طوفان الخراطيم إلا أن يغرق عمي نافع وسلمان وخالي الحافظ القابعين خلف الباب، ولكنهم تمالكوا نفوسهم فأجمعوا الوقفة بشجاعة غير معهودة وأسلموا سيقانهم للريح.. وتفرقت الجموع في كل اتجاه.. ونشطت آلة الحملة المسعورة تديرها سلطات المقيم في كل أرجاء الحي، وسخرت لذلك زمرة من الجنود المرتزقة مدججين بالهراوات، يعدون خلف الفارين.. وجعلت الضربات تهوي على ظهور من تدركهم قبضة الهراوة.. لم يبق في المسجد سوى الإمام والشاب الخطيب المدعو عبد الصادق همام؛ ظلا معتصمين لصق المحراب في انتظار أن يهدأ الوضع وتدب الحياة من جديد في شرايين درب مولاي بوكيل.. ولكنهما لم يفطنا إلى سرحان واثنين من الأعوان يتربصون كالأفاعي لصق قهوة الحسن الجبلي.. طال انتظار سرحان وقذفت عيناه شرارة من نار، وأشار إلى مرافقيه باقتحام المسجد والإطباق على من يقبع متحصنا فيه.. وأصر الرجلان على الاعتصام داخل المحراب حتى داهمتهما حمم البركان.. وسيق مولاي عبد السلام الإمام وعبد الصادق همام مهانين مقرنين في الأصفاد.. واعتقل العشرات من الشباب الثائر..كانت زبيدة الحمقاء جالسة جنب القهوة تنسج العقيق كعادتها وتسويه حزاما لامعا مزركشا.. أثارها مرأى الرجلين مطوقين بأعتى الكلاب المسعورة، فساغ لها أن تهرول وراء الضحية والجلاد مرددة بلسانها، ضابطة الإيقاع بكفيها..
سيدي محمد يا المير يا بو جلابة حرير // اللي ما يبغيك يا المير تبقى دارو خالية
وهو النشيد الوحيد الذي تحفظه عن ظهر قلب ولا يرتفع لسانها هازجا إلا حين يشتد الخطب وتسرح الهوام في كل حي ودرب. والتفت إليها سرحان مسددا نظرة حادة تضمر شرا دفينا، كأنما يحذرها من مغبة التمادي فيما هي آخذة فيه.. ولما أصرت ساخرة انقض عليها وأجمع قبضة كفه على شعرها وجرجرها في التراب لمسافة طويلة، ثم جذب يده من شعرها تاركا إياها تعوي عواء منكرا..
شل الإضراب الحركة في أوصال كل الربوع.. وهمدت أنفاس المدينة وصارت كجسد ميت بارد.. تفاقم الوضع في درب مولاي بوكيل منذ صباح هذا اليوم.. ازداد حدة وسوءا واتخذ صورة قاتمة تنذر بالتدهور.. بدت حوانيت ودكاكين المسلمين واليهود جميعها موصدة الأبواب، ولئن استأنفت متاجر الفرنسيين ومخابزهم وصالوناتهم فتح أبوابها، وزاولت البارات والحانات نشاطها المعهود في حي الكانتنات، فقد شذ عن القاعدة متجر كوستي وحيون اليهودي تاجر الجملة؛ لا استجابة لداعي الإضراب ولكن حيطة وحذرا من الانتقام

محمد غالمي
05-15-2009, 02:40 AM
.. وخلت أسواق الخضر والفواكه كأنما ضرب على آذانها الموت، إلا من كلاب ضالة تدس أنوفها في النفايات المنتثرة بحثا عما يطفئ لظى سغبها.. كان الظرف مواتيا ليحج أصدقاء العمر تباعا إلى غرفة بدر.. أجمعوا الرأي على أن الوضع العام في غاية السوء، ونبس بدر متأففا وفي قلبه كمد وفي نفسه نار متأججة:
ـ أن الإقامة العامة ـ أيها الرفاق ـ ركبها السعار وتتحين الفرصة للثأر..
ونظر عصام إليه وفي عينيه فضول مشوب بالتوجس، وتساءل:
ـ ماذا لحق بها من الأذى حتى تضمر الثأر؟
حقا، فعلت الإقامة المستحيل لثني بن يوسف عن مواقفه الجريئة من حزب الاستقلال، والكف عن مطالبه المناصرة للقضية الوطنية، ولكنه أمعن في التحدي فازداد ثباتا على الموقف.. وشعرت الحماية على إثر ذلك بمرارة الإحراج من تصريحاته.. قذائف نارية لم يجد غضاضة في الإعراب عنها سرا وجهرا، غير مبال بالكلاب السمينة ذات العيون الحادة تنبث حوله. وليس بالغريب أن تلفي الإقامة في موقف بن يوسف تحديا، وتشعر بخيبة الظن تبعثر حساباتها وتمس هيبتها، وتقوض نخوتها وكبريائها.. وليس بالغريب أن يؤثر كيوم تشديد الخناق
وينتشر وباؤه في حمانا كالجذام.. كيوم يضمر الشر ويتربص الدوائر.. ولا يعز على طاغية لا يثقن سوى لغة الحديد أن ينفذ ما توعد به سلفه جوان، وما لوح به من تهديد بالعزل.. كل المؤشرات تشي بأن كيوم يضمر شرا مرا.. لم ينفع ترغيب ولا ترهيب أمام سلطان صعب المراس لم يزد إيمانه إلا قوة وعزمه صلابة.. العدو المتسلط عنيد، فرض نفسه بالقوة واستباح ملك الغير بالقوة، ولا حل يجدي معه سوى شريعة القوة.. ونبس من قلب حسير:
ـ أظنك وقفت على طبيعة الأذى الذي بعثر أوراق الجلاد يا عصام!
اطمأنوا إلى أن أمورهم تسلك سبيل ما يريدون، وتجري الرياح على خير ما يحبون. بالأمس القريب تنمرت حادة وعربد علاف.. عاثا في البلاد فسادا ولوثا ساحة الشرف.. وفي آخر المطاف أصبحا كقطين مهزولين منتوفين يأكلهما الجرب في غياهب السجون، أديا الضريبة أضعافا مضاعفة، استعيد نزر من المال المنهوب ليعزز الرصيد.. اقتنعوا بأن مطمحهم الوحيد الذي ما فتئ يؤرق مضاجعهم هو السلاح، وإن كان السبيل إليه وعرا والمسلك شاقا صعبا..
وتساءل بدر وفي جفنيه يرقد الحزم والعزم:
ـ وكيف نواجه التحديات بدون وفرة سلاح؟.. وما بحوزتنا من المال لا يسد ما نحن في أمس الحاجة إليه! كيوم أيها الإخوة لا يؤتمن له جانب.. وصاح فيهم كخطيب يستنهض الهمم.. اجمعوا أمركم أيها الشرفاء الأحرار فالبركان الغافي يتأهب للانفجار!
وتساءل عمر وقد أخذ نفسا عميقا من الكيف:
ـ وكيف السبيل إلى السلاح يا بدر؟
ـ المورد مضمون يا عمر.. فاس يا إخوة! كل ما يفي بحاجتنا متوقف على مدى عزمنا واستعدادنا لركوب المغامرة..
لا يخفى على الجماعة أحوال الطرق المخنوقة من عين الرقيب.. ولكن بدرا ـ بعد تفكير عميق وطرح جميع السيناريوهات القمينة بتمرير السلاح من فاس إلى تادلة عبر الطريق الرئيسية ـ عن له الحل مشعا في سماء مخيلته.. فيليب! الرفيق الشيوعي وحده المنقذ من الضلال.. ولكن كيف يستسيغ فيليب حمل سلاح يعرف مسبقا أنه سيتوجه لبني جلدته.. أليس فيليب مدافعا أمينا عن مشروع الحماية وقيمها؟ أما أخبر بدر بعدائه المكين للحزب العتيد ورموزه؟ تلك تساؤلات رد عليها بدر بما يبعث الاطمئنان في النفوس ولو بالتلميح، فقال:
لست في منتهى الغباء إلى هذا الحد.. ؟ اطمئنوا أعزائي.. سأجعل فيليب ـ بقدرة قادر ـ كمثل حمار يحمل سلاحا!!
وخرج الغالي عن صمته ونبس بلهجة تراوح بين اليأس والرجاء:
ـ هل فكرتم في مورد آخر يضمن بعض السلاح؟
ابتسم بدر في وجه الفقيه وخاطبه مطمئنا:
ـ لا تحمل هما يا غالي.. فقد جاء دور الشيخ الزهواني.. أخبرني فيليب بأن من كان راعيا للخنازير وأصبح ملاكا بقدرة قادر، يعد العدد لزفافه وإحياء طقوس زاويته..
وانتفض حميدو الحلاق كمن سمع خبرا سارا:
ـ أبلغوا الوزانية وفطوش بأن يرفعا من سقف المطالب ولا يرحما الزهواني..
وصاح الغالي:
سددوا ضربة استنزاف موجعة للعجوز المتصابي.. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون..
وكمن استدرك أمرا ذا بال فتح حميدو فمه الواسع وبش في وجه عمر معرضا:
حث فطوش بأن تطالب بمال وفير وثور سمين..!
ولكن عمر الذي قهقه مع المقهقهين وتفكه مع المتفكهين كان له رأي آخر.. فقد فتح عالم الكيف أمامه شهية الدعابة وإثارة الحفيظة، وإن كان الجميع يعلم بصفاء سريرته ونقاء ضميره. أخذ لسانه يتثاقل من كثرة ما علف من الكيف البلدي وخاطب بدرا وحسام وعصام:
ـ لماذا التحامل على فرنسا مادامت ساعية في درب الإصلاح؟
أجاب بدر موقنا بأن عمر يرمي إلى استفزاز الغالي وإثارة مشاعره متقمصا لسان فيليب:
ـ الإصلاح مسألة تهم المغاربة.. وهم قادرون على تدبير أمور بيتهم بأنفسهم..
عقب عمر بعد أن أخذ نفسا من السبسي المملوء كيفا:
ـ لا مراء في كون فرنسا سائرة في ركب إصلاح أحوال المغاربة.. وإلا فما قولك في حبال الكهرباء تمد في سائر الحي؟ وهذه الطرق تحفر وتعبد بالإسفلت.. وها أنت يا أخانا توشك أن تصبح مدرسا! فهل كان ذلك سيتحقق لولا فرنسا؟ (ورفع وجهه وهو ينظر جهة الغالي غامزا كأنما ليشهده على ما يقول).. هل فهت بغير الحقيقة والصواب يا شيخنا.. اتقوا الله في أولاد عيسى..
ركب بدر على هذا الطرح وأبى إلا أن يفجر مكامن غضبه متخيلا فيليب يتلقى الضربات المتلاحقة وينكس رأسه خجلا واستسلاما:
ـ من سول لفرنسا أن تتطاول على حقوق السيادة باسم ما يسمى إصلاحا لولا العنت والغطرسة والاستكبار؟ مسألة الشغل والتعليم والماء والكهرباء أمور بديهية وحقوق مشروعة للمغاربة، ضمنتها الدولة التي سمت نفسها حامية.. لكن ما يؤسف له يا عمر أن تركب الحماية رأسها وتجهز على ما وعدت به من حقوق.. وبدل أن تحمي الحقوق وتقضي على الامتيازات الإقطاعية، يصر لاكومب في تادلة على نهج سياسة الاسترقاق والزج بالمواطنين في أراضي الذيول المخزيين وضيعات ذوي الجاه العابثين.. يا لسوء أحوالنا! إلى متى والناس تفتك بهم نيران التعسف والجبروت.. أين نحن مما قاله المناضل المصري مصطفى كامل.. "إن من يتسامح في حقوق بلاده ولو مرة واحدة يبق أبد الدهر موزع العقيدة سقيم الوجدان.. "؟

محمد غالمي
06-17-2009, 03:45 AM
***اجتمع بدر بالرفاق ظهر هذا اليوم ووضع آخر اللمسات لخطة محبوكة تستهدف الشيخ الزهواني في أعز حفدته.. وأسند دور التنفيذ إلى فطوش وحسام. بعيد ذلك توجه إلى جامع سيدي المعطي فأدى الصلاة وانصرف إلى بيت والديه ممنيا النفس بمصادفة دينا خارج الدار.. ولم يخب ظنه، رمقها تقبل وتعوج إلى الفران جنب الوزانية.. وعند الصور وقف ينتظرها حتى خرجت تحمل طبق الخبز فأومأ إليها ببنانه ولبت لا تلوي على شيء، وإن خففت من وقع خطاها كمندهش يجهل سبب الدعوة.. وتبادل وإياها حديثا مهموسا ثم واصلت المشي منكسة الرأس بينما توجه هو إلى باب الدار.. وقضى الله أمرا كان مفعولا.. شفى الغليل وطهر القلب العليل.. وها هو الليل يطبق على الدرب بظلامه و صقيعه.. وها بدر يأوي إلى مضجعه بعدما اطمأن على حصانه عياش في إسطبل الدار.. تمدد فوق سريره بأحد أركان الغرفة يرهف السمع للرياح تعول، وأمواج الوادي تنتحب.. ارتاحت نفسه لهذه النغمة الطبيعية الصداحة، وتأجج في صدره غمرة النشوة إذ هزته رياح أخر؛ سيمفونية من لون مميز يلوح بريقها من رياض الضيعة، فينعش النفس ويداعب الخافق، وينطلق اللسان على السجية مرطنا: "غدا سأحل ضيفا على الحديقة الملاذ.. ستعزف الطواويس والعنادل نشيد المحبة والوصال.. ماذا أصابني يا رفاقي يا من وطدتم العزم على ابتزاز الشيخ المتصابي.. يا من أرقتني همومكم في الغدو والأماسي؟ ماذا ألمَ بي يا أحبابي، يا قناديل الدرب؟.. هبوا بربكم لنجدتي، وخلصوني من قبضة سجان الخوافق.. لا أستحمل ولا أطيق..غدا سأنطلق. شعر براحة نفسية وهو يستعيد شريط دينا اليهودية الذي دارت مشاهده في رحاب هذه الغرفة.... أجل طلب مقابلتها إذ صادفها ظهرا، وحسبه أن اختلى بها عصر هذا اليوم البارد الممطر. خفق فؤادها مسرة وانتفضت جوارها حبورا وبهجة.. راودتها هواجس وتداعيات وملأت سماء فكرها أوهام وتخيلات.. حامت حولها أطياف تشع فتنة وبياضا؛ وجعلت تتساءل وقد تملكها الزهو والفخار..أ حقا سيعود النبع إلى مجراه بعد شح وجفاف، أم تراها مناورة من مناوراته الترويضية المعتادة؟ وهل يا ترى التأم حبل الوصال واسترد عافيته أم وراء الدعوة ما وراءها؟ ولكن غاب عن بالها أن الأطياف تسبح في صحراء من سراب، وأن بدرا سيحيل الخلوة محاكمة مصغرة في جلسة مغلقة. واستعدت للقائه مزهوة متسربلة في أبهى زينتها بعد شهور من القطيعة ألقت بها في دنيا اليأس.. لم ينس لها انزلاقها الطائش، أو يغفر لها اندفاعها المتهور نحو مغامرة خبيثة في مستنقع آسن، وفي سبيل نزوة عابرة مدفوعة الأجر.. وبأفظع وسائل الغدر أجهزت على حب تكون جنينا منذ حادث مولاي بوكيل الطفولي.. وبعد كل هذا يحلو لها أن تمني النفس بالتئام حبل الوصال وتفجر مياه النبع اللجينية بعد جفاف ونضوب.. نست أنها هي من فرطت في الحبل، إذ جعلته في متناول رفيق عزيز استحال فأرا فعاث فيه قرضا وعبثا، وكان حريا بها أن تشد على حبل الوصال بالنواجذ. وبنخوة وإباء وطد النفس على أن يغفر خيانة الحبيب وغدر الصديق.. أجل فعل كمن أكره على تجرع السم، ولكن منغصا ثائرا فجر مكامن غضبه؛ حقا، جرح كبرياؤه من طعنة غادرة مزقت نسج الحبل حين باعت دينا نفسها بحفنة من الدراهم اختلسها عصام من صندوق أبيه التهامي المرابي.. ولكن الطعنة الثانية أصابت منه المقتل، فكانت أشد بأسا وأقوى غدرا.. وحسبه أن كشف عن أوراقها العطنة وخرق القناع عن سحنتها.. وأنبها وتمادى في التأنيب "هل تطاوعني نفسي على أن أغفر لك نواياك الحمقاء الرابضة في سريرتك السوداء؟ فأي خيانة أشد إيلاما على النفس من خيانة التآمر على الوطن وشرفائه يا دينا؟ إلى هذا الحد تنكرت لوطن ظل حضنا دافئا لآبائك وأجدادك؟ وهل فرط الوطن يوما في حمايتكم والذود عنكم؟ ألم يدرأ عنكم بطش النازية وتربص عملائها في حكومة فيشي بكم؟.. بماذا أفادكم من استقطبوكم تحت مظلة جمعية سوى شحن أدمغتكم بسموم قاتلة للحس الوطني ومدمرة لتطلعات الأمة؟ إذا اندمجت مشاعرك واستطابت رئتاك هذه الرياح المسمومة، أو ارتضيت لنفسك هذا التوجه البغيض طوعا فأنت جبانة وقحة ولئيمة حقيرة، ولا أملك إلا أن أرثي لحالك.. كشفت عن قناع الوداعة وأضمرت قناع الخزي والعار والدسيسة..". أما هي فظلت تصغي منكسة الرأس في وجوم، وكلما صعد لهجة التأنيب والتقريح توالى شهيقها.. أبرأ سقم نفسه بما فجر من مكامن غضبه، وفي ظنه أنه صحح الرؤية ووضع النقط على الحروف.. ولكن دينا أزاحت ستار الصمت ورفعت وجهها إليه وبدت عيناها محمرتين من الدمع.. عقبت برزانة وكشفت عن حقيقة الجمعية المزعومة وأهدافها، وملابسات انسياقها وراءها وفك الارتباط معها.. ومن مرافعتها استنتج بأن الهاجس المادي كان وراء اندفاعها، وأنها ترددت على مقر الجمعية السرية مرتين اثنتين من دون علم أبويها المعروفين بولائهما للسلطان محمد بن يوسف والحركة الوطنية.. ولما علما بالخبر استشاطا غضبا وأشبعاها لوما وتأنيبا حتى بلغ وعيد الأم رحمة اليهودية حد التلويح بطردها من البيت أن عاودت فعلتها. ونهض بدر يبغي فض اللقاء والتفت إليها وقد وقف قبالتها.. ارتعدت أوصالها وخفق قلبها، ونظرت إليه بعينين يشع منهما التوسل والرجاء، فخاطبها وقد جعل يربت على كتفها:
.. وما أنت من لحظتنا هذه سوى جارة، يفرض علي حق الجوار أن أحترمك وأحميك وأتجنب إيذائك.. وآخر نصيحتي إليك يا دينا، أن راعي حق الجوار واركبي وعصام طي الصحاري وموج البحار. بهذه العبارات حسم موقفه، ومد إليها يده مودعا فانسحبت في صمت بعد أن هيأ لها ظروف الانسلال إلى الباب الخارجي أسفل من دون إثارة انتباه السيدة حليمة. ما يزال متمددا على فراشه حتى تراخى جسده فهجع مستسلما لخدر لذيذ.. استوفى حقه من النوم، وما ألذ النوم في ليالي دجنبر القارصة! بات المطر يهطل مدرارا في نغمة بطيئة وإيقاع هادئ، والوادي يزمجر ماؤه الهائج فينساب إلى أذنيه صاخبا مزعجا، ثم يفتح عينين ذابلتين من بقية نعاس. وقف منتصبا أمام النافذة ينظر من فرجتها.. هذا عالم الدرب يفيق على إيقاع الرياح ووقع المطر، وسالت المياه في الأزقة وديانا وعاقت الأوحال والبرك حركة الراجلين.. في هذه اللحظة تناهى إليه صوت أخته سامية تدعوه إلى الفطور..
امتطى بدر صهوة حصانه عياش، ويمم شطر الضيعة الحمراء والأمطار تبلل هامته. بدت قمم الجبال الممتدة هناك شامخة تتحدى قسوة الطبيعة وجبروتها، وقد اتخذت من الجليد تيجانا بيضاء ناصعة. كانت صونيا واقفة تحت سقف باب دويرة مسعود، وقد دست يديها في جيبي المعطف الجلدي الأسود تترقب على أحر من الجمر إطلالة طلعته.. الوجه يضيء كغرة القمر، والعينان العسليتان ساهمتان حالمتان، تجولان هنا وهنالك.. الوقت يمضي كسرعة البرق ولا يبدو له من أثر! كانت كالحيرى، تخطو خطوتين ثم تمد جيدها الطويل إلى ما وراء الحديقة الفسيحة.. "لا شبح قادم عدا طيفه الذي أضرم النار في الفؤاد.. ماذا أرى؟ أشجار الإجاص تتمايل كالنشوى.. الطواويس واليمام والأرانب والدجاج.. الكل انطوى على نفسه داخل الأقفاص الدافئة من فرط هذا الزمهرير.. حتى الكلب طوني والقطة جوني يربضان عند المدفأة.. أما أنا فما عرف قلبي استقرارا، ولا أنا عارفة لجنوحي سببا.. أهرب من دفء الصالة ووهج المدفأة إلى عراء يلدغ برده الوجه واليدين. انتابها اليأس وعضت على شفتها السفلى ألما وحسرة، فولت من حيث أتت ذاهلة كسيرة الفؤاد لولا أن عاجلها صفير حاد استجابت له عواطفها، فالتفتت مهتمة وتنفست الصعداء.. وأخيرا.. كذلك قالت وهي تبصره يدلف نحو الحديقة، حتى إذا وصل إلى حيث هي نزل من على ظهر الحصان وخطا نحوها باسما ممسكا بالزمام.. ومن فرحة الطلعة الميمونة اندلق لسانها يلوم في لهجة استنكارية تشي بلوعة وانكسار "لم أخلفت الوعد يا بدر؟ ألم تتعهد بالزيارة في تمام الساعة الثانية بعد الزوال؟ أكثر من ساعتين مرت على الموعد المحدد" وصافحته بأدب..

محمد غالمي
06-19-2009, 03:21 AM
وعيناها البحريتان تشع ببريق الغبطة.. نادت على الخادم مسعود فجاء مهرولا وأمرته بقيادة الحصان إلى الإسطبل وإطعامه وتوفير شروط الراحة إليه.. وأمسكت براحته فسارا جنبا إلى جنب، تصغي إليه يبرر تأخره وينشد بلسان فصيح من شعر بشار بن برد:
إذا كنت في كل الذنوب معاتبا ** أخاك فلن تلقى الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ** مقارف ذنبا مرة أو مجانبه
وترجم فحوى البيتين إلى الفرنسية، فألفت في مضمون الحكمة عبرة وتوجيها.. وأثنت على فيض شمائله الأدبية والفكرية.. وما زالا يواصلان السير بتؤدة حتى وصلا بهو الصالون الدافئ. اعتادت الفتاة أن تظهر بمظهر الرزانة والوقار منذ عرفته صديقا جديدا لأخيها، بيد أن حركاتها وسكناتها سلكت مجرى آخر، وعرفت سيرا غير عادي منذ توالت زيارته إلى الضيعة. والحق إنها آنست منه قربا منذ أخذ يشنف مسمعها بطرائف ونوادر مسلية من وحي التراث العربي العريق، وبما تجود به قرائح الشعراء العرب. صونيا مغرمة بشعر العرب، وخزانتها مزدانة بنسخة من المعلقات مترجمة إلى الفرنسية. السماع يستهويها، فهي تستعذب إيقاع الشعر وتستلذ قوافيه ومواقع النبر منه.. صونيا تقول دائما إنها تجد ذاتها في شعر الطبيعة.. في الفروسية وفي النسيب.. ولا غرابة إذا وقعت عينا بدر على كتاب المعلقات السبع موضوعا على خوان جنب أريكتها. دعته مرحبة إلى الجلوس على أريكة قبالتها، وأثار فضوله الكتاب فنهض من مقعده وتناوله مستأذنا.. وليمهد السبيل إلى كسر طوق الصمت جعل ينشد ما وقعت عليه عيناه، بيتين من معلقة عنترة بن شداد العبسي:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ** مني وبيض الهند تقطر من دم
فوددت تقبيل السيوف لأنها ** لمعت كبارق ثغرك المبتســــم
استطابت إيقاع الشعر، بيد أنها تساءلت فيما يشبه الإنكار: ما سر هذا الافتتان بالدماء تراق؟ العرب عندكم تستهويهم الدماء وينتشون فرحا من رؤيتها تنزف وتسيل يا سيد بدر..
لاحظت عليه بعض الامتعاض، فرامت التخفيف من حدة لهجتها لتجبر خاطره وتضمد جراحه، فاستطردت.. شعراء العرب فرسان بواسل ودووا أنفة يأبون المهانة، حتى بعض صعاليكهم! أخي فيليب (وتغيرت ملامح وجهها لدى إثارتها اسم أخيها) شديد الاهتمام بهذه الطائفة، وقد حدثني يوما بأنهم كانوا يشكلون نواة الاشتراكية في صحاريهم الموحشة وبيدهم المقفرة.. وتوصلت بما عرفت من سيرهم فيما بعد بأنهم مثل العمال المنبوذين ينتقمون لأنفسهم من مضطهديهم وسالبي أرزاقهم.. ينهبون ويقتلون.. هم كذلك هواة الدماء.. متمردون لهم سلطتهم وسلاحهم وعقيدتهم.. لكن لم ينفعهم تمردهم في شيء.. لم يبلغوا سدة الحكم كما وصلها البلاشفة بزعامة لينين..
تملكه الإعجاب من اهتمامها البالغ بشعر العرب وقضاياه، واندهش لما حازته من قدرة فائقة على استنباط الأحكام، ولكنه ارتاب من أن تكون قد نهجت سبيل التعريض في حديثها عن الصعاليك ونضالهم القائم على القوة ضد الاستغلال.. ولم يستبعد أن تكون كنايتها لغما يستهدف الفدائيين والوطنيين الأحرار.. واستند في تخمينه إلى العمليات الفدائية الأخيرة التي نفذها الشرفاء الأبطال في الرباط والدار البيضاء. ومهما يكن فقد رثى لحالها وحال أخيها الذي خاض في الحديث ـ بدون تورع ـ عن الاشتراكية والاضطهاد وسلب الأرزاق.. وتساءل في خاطره.. وما رأي فيليب في الاضطهاد الممارس على العمال من لدن الأب كوستي وأشباهه؟
كانا متقابلين في جلستهما أمام المدفأة.. اللهب يتراقص فيضفي على الصالة هالة من السحر الأخاذ.. رقص قلب بدر من فرط مسرة وانتشاء لوجودها بقربه.. إن دبيبا دافئا بات يتدفق في روحه.. مد يده مستأذنا إلى الراديو الجاثم على خوان جنب المدفأة، وجعل يقلب موجاته فاستوقفه صوت أم كلثوم بالصدفة، وكل شيء داخل هذا الرياض العاطر بالصدفة؛ الأجاص والتفاح.. الطواويس ومسعود والأب كوستي والأم هيلين.. ولم لا الحب أليس الحب وليد صدفة؟ وأرهفا السمع للأغرودة الرائعة تنساب من الأعماق:
وحقك أنت المنى والطلب ** وأنت المراد وأنت الأرب
يا لحلو المفاجأة! رفعت صونيا رأسها عن كتاب البؤساء لفيكتور هيكو، وسألت بدرا عن صاحبة الصوت الشادي فرد:
ـ إنها أم كلثوم التي حدثتك عنها يوم استمعنا إليها على الأسطوانة تنشد: زروني في كل سنة مرة.. حرام تنسوني بالمرة..
أبدت صونيا إعجابا بالصوت الخالد، بيد أن مجيء الخادم مسعود أوقف حديثها..
ـ أبوك بعث أحد العمال يسأل عن فيليب..
ـ أين يوجد العامل المبعوث يا مسعود؟
ـ ينتظر على ظهر بغلة وراء باب الحديقة..
ـ بلغه إن فيليب سافر من جديد..
وانصرف الخادم مهرولا مرددا.. سمعا وطاعة مولاتي..
كان بدر يصغي وعيناه تتفرسان في صورة للسيد كوستي الأب داخل إطار مذهب وقد بدا بشاربه الكث كأنه ستالين.. وهذه صورة للمقيم العام الجديد كيوم في إطار من ذهب يجللها اللبلاب البلاستيكي الأخضر المتدلي كالجدائل. حول عينيه جهة الفتاة وخاطبها:
ـ أخبرني فيليب ليلة سفره بأنه سيعود في غضون أسبوع!
ـ فعلا عاد أمس، ولكن لا أدري لماذا شد الرحال ثانية إلى الدار البيضاء صباح هذا اليوم؟..
واصلت حديثها المهموس وعيناها على القطة جوني تنط فوق ظهر الكلب طوني:
ـ لم أعد أفهم من أمره شيئا.. واستدركت: ولكن هذا دأبه كلما أرسل في مهام تجارية إلى الدار البيضاء!
انزعج بدر لهذه الحقيقة المرة التي صدمته بغتة كما يصطدم من يسير في العتمة بعمود كهرباء أو ساق شجرة.. وردد في نفسه وقد تملكته الحيرة "أرسل في مهام تجارية؟ ولكنه لم يخبرني بذلك قبيل سفره.. ألم يزعم بأنه مسافر في مهمة نقابية؟ بلى وهذا ما صرح به.. فهل انصهرت المهام النقابية في المهام التجارية؟ فما أبشع هذا الزمن الممسوخ! المسخ أغرق ماركس ودثر إنجلز، وطمس معالم الاقتصاد السياسي.. لكن بقي "الفضل ورأس المال" ومن يدري فقد تكون هذه المزرعة وقصرها الشامخ، والمتجر الكبير بالكانتنات، وضيعات آيت علي، ومجاط.. كلها فضلا ورأس مال!
انتشلته من عرض خواطره متسائلة:
ـ لم أنت شارد يا بدر؟ هل يا ترى تفكر في أمر ما؟
أفاق من سهوه وأجاب:
ـ أنا؟ لا أبدا.. وجدتني أفكر في متاعب المهام التجارية التي أنيطت بالرفيق فيليب.. هو ليس ذا مراس وغير مكترث بعالم المال والتجارة

محمد غالمي
06-21-2009, 03:57 AM
ـ أنت لا تعرف شيئا عن طباع من تسميه رفيقا.. هل تعتقد أن رفقة شهور متقطعة كافية لسبر أغوار النفس البشرية ومعرفة العالم الباطني للإنسان؟ أنت تحمل الهم لمن لا هم له، وتكترث بأتعاب من لا أتعاب له..
كان ما صرحت به الفتاة كافيا لإثارة بدر، وحمله على استدراجها لكشف القناع عن وجه أخيها الشيوعي المزيف، فسأل مناورا:
ـ كيف يحدث هذا يا آنسة؟ أليس برنامجه اليومي شاقا ومتعبا؟
أرسلت ابتسامة ساخرة وقالت:
ـ هاك برنامج الرفيق الذي تراه متعبا.. فيليب يقيم بأفخم فندق قرب الميناء حتى ترسو الباخرة وتفرغ حمولتها، ثم ينتقل إلى عين المكان للإشراف على شحنها، ومن ثم يتكفل بعض عمالنا بنقلها إلى متجر أبي بحي الكانتنات..
وعاد يسأل وهو يبتسم من فرط الهم:
ـ وبعد ذلك؟
ـ يواصل جولته عابثا في الكازينوهات ويختم جنونه في فاس!
قال بدر وقد عرف جانبا خفيا من سيرة الرفيق المزعوم:
ـ مهما يكن يبق فيليب رجل أعمال محظوظا!
ردت وقد طفح على وجهها تدمر وعدم اطمئنان:
ـ حقا محظوظ بدعم وتزكية من أبي الذي أطلق له يد التسيب! وأنت كذلك أستاذ محظوظ.. أليس كذلك؟
انتهز فرصة مجيء مسعود يحمل صحنا به حلويات وفنجانا قهوة، وطفق يفكر ويؤول ويخمن، ولم يعرف من سبب لهجمة أخت على أخيها والشروع في تعريته أمام غريب لا يمت لهما بأصل ولا مفصل! ما حيره أن يلفاهما على طرفي نقيض؛ هو لا يني يعدد خصال أخته وينوه بذكائها، ويشيد بثقافتها.. ويبدي على الدوام اعتزازا بها.. ألا يكون مصدر النقمة ومنبع الكراهية ما يتفرد به من حظوة لدى والده؟ أو لأنه سكير عربيد متلاف للمال؟ وإلا فما بال الوالد يدعه يتصرف في ماله بلا حسيب ولا رقيب؟ أم وراء هذا الموقف المعاكس لتيار أخيها ما وراءه من الخوافي العظام؟ ومهما يكن فما يتلو من الأيام كفيل بخرق المستور.. وحتى لا يثير فضولها فتسأله عن سبب شروده، سارع بالرد وهو يمرر أصابعه على جبهته:
ـ بلى أنا محظوظ يا صونيا.. وليس من صانع لحظوظي سوى شهادتي وكفاءتي..
وجرى لسانها بهمس فاتر محبوب:
ـ أراك لا تؤمن بالحظوظ يا بدر!
ـ وهل المرء محظوظ سوى بعلمه وحنكته وصموده؟ وعندنا في القرآن العظيم: "وقل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولو الألباب" صدق ربي العظيم..
قالت في هدوء لطيف وكأن أذنيها استلذتا ما وقع فيهما من كلام معجز مقدس:
ـ هذا كلام أكثر عذوبة وأشد حلاوة من شعر العرب يا أستاذ!
انسابت هذه النغمة من فمها وهي ترغب من أعماقها في أن تجعل بها حدا للجدل الخائض في الشؤون الخاصة بأخيها من جهة، وما جر إليه الحديث عن الشهادة والحظوظ من جهة أخرى، فاستطردت.. كفانا الخوض في مسائل الحظ وفلسفته.. ولتسمعني كما عودتني بعضا من الأشعار أو طرائف الأخبار.. ولتكن غزلا أو بكاء على حبيب أو منزل.. أنا مولعة كما تعلم بهذا اللون.. إن سلاسته وعذوبة لفظه وحلو نغمته تكاد تفتنني عن نفسي.. فإن قالوا سحرا فهو السحر الأخاذ، يسبي القلوب ويغشي العقول ويسري في النفس حبورا ينتفض له سائر الوجدان..
فك لسانه من عقاله بفعل ما أحدثته عبارات " السحر الأخاذ.. يسبي القلوب.. يسري في النفس حبورا" فقال بصوت متهدج وقد غص الريق في حلقه:
ـ وهل يحلو الشعر إلا في روضكم العاطر يا آنسة؟
فطنت لسر ارتعاشه وانكسار صوته، فأطرقت باسمة كي تفسح المجال لعواطفه تنساب على السجية، فاسترسل وقد عادت الثقة إلى النفس المرتبكة..
ـ إن النفس لتطرب لنغمه في غمرة فضاء ربنا الواسع.. وعند سيقان شجر التفاح..
رفعت الفتاة رأسها وسوت خصلة من شعرها الذهبي المنسدل على الجبين، وتساءلت ووجهها يتدفق حياء وجمالا:
ـ في غمرة الفضاء؟ وعند سيقان أشجار التفاح؟.. أجسامنا لا تتحمل الوقوف في فضاء تلفعه البرودة القارصة.. اسمع للزمهرير يدوي في أكناف الحديقة يا بدر..
ظل لهب النار يتراقص داخل فرن المدفأة وبدر يغمره انتعاش من دفء المكان وحرارة اللسان، فقال مشيعا إياها بابتسامة معبرة من أعماق دغدغتها حرقة الجوى:
ـ الرأي رأيك ولا عاش من خيب ظنك أو خالف أمرك..
سرح بذهنه من حيث لا يدري إلى دنيا الأحلام وكأن تيارا جارفا ألقى به في متاهاتها.. إلى متى أظل أكتم سرا أنوء بحمله؟ ألم تكن هي على دراية بهذا السر؟
لاحظت عليه بعض السهو كالعادة، فرفعت رأسها وقد نم بريق عينيها عما يختلج في صدرها، فعقبت على رأيه..
ـ ولا بقي في الوجود من خذلك أورد مطلبك يا زين الفتيان.. هيا بنا نستعيض عن فضاء الصالة إلى فضاء الحديقة الفسيح..
أحس بدر بنشوة الظفر تسري في سائر كيانه، فحاول أن يداري منتهى الغبطة التي تملكته، ونبس وهو يتابع حركات الكلب والقطة يتعاركان:
ـ عجبت لهاذ التآلف والوئام بين طوني وجوني!
في ظنه أنها استوعبت الكناية، بيد أنها ردت في لهجة لم ترقه أول الأمر:
ـ عالم هذه المخلوقات أطهر من عالمنا نحن الآدميين!
وبعد فترة صمت نبس في وجهها مستغربا متسائلا في إنكار:

محمد غالمي
06-25-2009, 05:16 AM
ـ الكلاب والقطط أطهر من البشر؟ فما سر هذه اللهجة العابثة بالكرامة يا صونيا؟ هلا أبقيت نفسك في عالم الطهر يجلل هامتك، وتركت أردية الوداعة تدثر نفسك؟
ـ لا تظن بقصدي الظنون يا بدر.. إن الخبث الذي هو من شيم النفوس البشرية لا يعرف سبيلا إلى هذه المخلوقات الوديعة.. بدا له أن إشادتها بهذه المخلوقات المسالمة قد تكون عطفا واعتزازا وعربون محبة.. أو لربما أدرك أبعاد هذا التلويح وبواعثه، فشفق من حال فتاة ـ كأي فتاة ـ خاضت تجربة عاطفية وطافت حولها الأوهام فأوكلت أمرها لما يستقبل من الأيام تبحث لقلبها عن ملاذ تغمره السكينة والوئام.. ونظر إليها مليا وفي جفنيه يسبح الصدق، فهمس:
ـ أربأ بنفسي أن أدرج في لائحة هواة الخبث وعاشقي المكر والضغينة يا صونيا..
هتفت والتأثر باد على وجهها الصقيل وخديها المتوردتين من برودة الجو:
ـ هذا ما تحدث به عيناك منذ أسرني مرآك!
ما فتئا يسيران حتى اقتربا من شجرة التفاح الفرهاء، وبدا وكأن شيئا بداخله يرقص نشوة وطربا لوجودها بالقرب منه.. وأن إحساسا رقيقا بات يتدفق في طي جوانحه. والحق يقال فإن طيفها كان قد وجد السبيل إليه في عزلته داخل غرفته.. فصار يعوده خيالا ناصعا كغرة مهر.. يستأنس بحديثها ويبثها ما يعتلج في نفسه، ثم تودعه محلقة في العلياء. بيد أن إعجابه بالفتاة أذكى في ذاته صراعا مريرا بين العاطفة والطموح؛ فهو من جهة يؤمن بالحب إيمانه بالسياسة، ومن جهة ثانية، فقد آل على نفسه أن يرهن حياته في قفص العزوبة حتى تتحرر الأرض وينعتق البشر.. لا يخفي أنه أعجب بها إلى أقصى الحدود، بيد أن أخوف ما يخاف أن يسلبه هذا الإعجاب غير المأمون العواقب حريته التي لا يمكنه أن يتنفس بغيرها ما عاش على قيد الحياة، وبالأحرى أن يواجه المستجدات الآنية والمستقبلية.
قالت تكسر طوق الصمت الجاثم عند جدع الشجرة:
ـ لا شك أنك مرتاح لوظيفتك الجديدة في سلك التربية والتعليم.. لكم أنا فخورة بركوبك هذه المهمة الجديرة بكل شرف وتقدير.. لوما اهتمامي الكبير بمجال القانون لامتطيت نفس القارب..
ومهدت بذلك لتروم سبيل المناورة وجس النبض ولو بالتلميح والتلويح، فاستطردت كأنما استدركت أمرا ذا بال..
ـ ألا تفكر في إقامة حفل رمزي أحظى بشرف حضوره؟ أو ننتظر حتى تكمل دينك كما تقولون؟
رد بدر مستفسرا ويده تعبث بغصن الشجرة وإن كان لا يغيب عن دهنه مقصدها:
ـ أي دين تقصدين يا فتاة؟
وردت مدارية ارتباكها:
ـ أعني أن تتزوج بمن تجدها جديرة بالزواج من أستاذ ذي علم وتجربة ونضال!
قالت ذلك وقد أشاحت بوجهها عنه والبسمة لا تبرح محياها الجميل.. بدت كالشاردة، وإن نم شرودها عن دخيلة فتاة حالمة تملكها الزهو. لاحظ وهو يسترق النظر أن غبطة مشوبة بالدعة والاطمئنان قد وشحت الوجه الحالم الباسم، فقال:
ـ مثلي لا تراوده فكرة الزواج في الظرف الراهن يا صونيا!
رنت إليه تستفسر بعينيها رغبة في المزيد، فواصل باسطا رأيه الذي لا يعدم تلويحا رغبة في استطلاع خبايا ذاتها وأسرار مكنونها..
ـ إن الزوجة المأمولة تأبى العيش دون المغنى والحديقة.. والمسبح والقطة والكلب! ومن شب على شيء شاب عليه يا زينة الفتيات!
انبسطت أساريرها للإطراء العذب الذي نزل من نفسها منزلة الماء الصافي من ذي الغلة الصادي، ودرت ما يومئ إليه، فقالت:
ـ هذه شروط من تحلم بعالم المال الذي أحرمته.. أو افتقد قلبها نسمة حب! إنها عقبات تنصب فعلا أمام عجائز متصابين لا غير.. أما من توحدت روحاهما وألف الحب بين قلبيهما فلن يضيرهما في شيء أن يبيتا في العراء إذا حمَ القضاء.. يفترشا الثرى ويلتحفا السماء! (وازداد تلميحها تصعيدا).. إن القلوب الملتهبة حبا تمنح الأجسام مناعة ضد عصف الرياح ووخز القر وهطل المطر!
رد بدر وقد تدفق كالشلال:
ـ أحلام يقظة وصروح وقلاع من زجاج تبنى في ساحة الخيال وتنهار في أرض الواقع! تريدين أن أتزوج الآن يا صبية؟ إن مجرد التفكير فيه حاليا غير وارد.. فكيف يتم هذا والأرض تتوق إلى فصم عراه؟ أليست أرضنا من السبايا الأسيرات؟ أما عقد عليها الحامي كرها؟ أنت لا تعرفين جيدا قصة بلادي يا آنسة.. بلادي جارية اهتجنت،.. فلن تكون أما حتى تطهر الأفنية والبقاع.. بلادي تأبى أن تمسي أما للقردة والضباع.. وطني من طين يمج سلالة الهجين، ويرفض العجين بلا خمير ويأبى سطوة الخنازير.. سوف يستحيل وطني بحيرة من حمم بركان فتنبض سيول النيران وتعود روضة من رياض الجنان..
أسندت صونيا ظهرها إلى جدع الشجرة وعواطفها تكاد تتلاشى وسط هذه الزوبعة من فيض الخاطر، فخرجت من وجومها وأرسلت همسا فاترا لذيذا:
ـ ما هذه اللهجة التشاؤمية؟ ما لنا والضباع والقردة والخنازير.. والنيران والبراكين؟ أنا لم أعهد فيك غير الفتى الحالم.. الحياة جميلة يا بدر أقبل عليها ولن تضن عنك من فيضها بشيء..
تحفز من تساؤلاتها التي ساقتها بلثغة رائقة نزلت في قلبه قطرة من العسل، ونطق وفي جفنيه نظرة الرومانسي الحالم:
ـ ولكن، لم أسمع منك تعليقا ولا تعقيبا!
خفق قلبها ورجع صداه رموش عينيها العسليتين الواسعتين، واختزلت ردها بأن همست بصوت رخيم.. المحب على دين من يحب يا بدر..
حقا ثمن فيها موقفها المؤيد لأطروحته التي ساقها ببراعة في فن القول، ولكن تأجج الموقف بأن أحس بما يشبه تيارا عنيفا يوشك أن يغير وجهته، ويجرفه نحو الفتاة جرفا، لاسيما وقد أقبلت على أعلى زر بالمعطف الجلدي تداعبه بأناملها وتخلصه من عقاله في أناة.. ولكنه شعر إزاءها بإحساس مرهف سام، إحساس نأى به عن أن يظهر بمظهر المسلوب الضعيف تحركه نزوة عابرة.. لا لن أخوض في غمرة مباراة يوشحها خنجر الغدر.. أبدا لن أخضع ـ بما ملكت من رباطة الجأش وصفاء الطوية ـ للتيار الجارف قبل أن يكتمل النصاب.. لن أخاطر بركوب البحر إلا بنية ما أحل الله. اطمأن قلبه على أنه صمد في وجه تيار كاد يعصف بإرادته ويطوح بإبائه ونخوته.. أدرك أن الوقت حان ليبرح دنيا الضيعة، ولكنه عزم على أن ينتزع منها وعدا فيضمن لنفسه إلى جانبها مقعدا وراء فيليب في رحلة لا تشبه الرحلات! كان مطلبه على طرف لسانه ماثلا، غير أنه تمهل متفكرا متمليا، فهمست فيه متسائلة وفي همسها وهن وانكسار:
ـ هل من أمر أقلقك أو عكر الصفو عليك يا بدر؟

محمد غالمي
06-28-2009, 02:28 AM
وفي خضم هذا البحر من العواطف الجياشة خاطبها بهمس الحبيب الولهان:
ـ هم واحد يؤرقني ولا أخالك تخيبين أمري أو تردين مطلبي..
أحست براحته تشيع في سائر جسمها دفئا وقشعريرة، وازداد جفناها ارتخاء فنبست:
ـ هات مطالبك يا بدر.. أما قلت لك إن المحب على دين من يحب؟ هات أحلامك..
أحلم برحلة أكون فيها مشمولا بظلك..
وتساءلت باسمة وهي في غاية الاطمئنان والرضي:
ـ رحلة؟ أ في الأرض أو في السماء؟
وأشرق وجهه بابتسامة سرت في أوصالها سريان البنج في العروق، فأجاب:
ـ فيهما معا! (واستطرد) أتوق إلى زيارة فاس
ـ لأي غرض يا بدر صديقي؟
ـ لأجدد العهد بثرى يحفظ ذكريات السؤدد والمجد.. هناك يعرفك أهلي ورفاق دربي (وأضاف مستدركا) ولا محالة من أن يتولى فيليب شأن القيادة.. والرحلة بغيره ضرب من العبث والمغامرة..
وبغتة طفح الانزعاج على صفيحة وجهها الوضاء كالسحاب يداهم الصحو على حين غرة، فأدرك من حينه ما تنطق به نظراتها من رفض باطني لأخيها، وتساءلت:
ـ وما حاجتنا إلى فيليب.. أليس من الأجدر أن نسافر لوحدنا؟ وهل تكتمل رحلتنا السماوية بغير قلبين لا ثالث لهما؟
شعر بأن الوقت يضغط عليه وبأنه مرتبط بموعد محدد ليسلم حسام الحصان عياش ينفذ به هو الآخر هدف رحلة صيده الخاصة! لذلك ازداد منها قربا وعاد يربت على كتفها مما يلي جيدها فاشتد قلبها خفقانا، وهمس عند مشارف أذنها برد مسح عن طلعتها غيوم الانزعاج:
ـ أرغب في أن أشخص لحظة من لحظات مستقبلنا الزاهي وعرس عمرنا الأبدي.. أرى نفسينا خلال الرحلة جالسين جنبا إلى جنب وراء أخ العروس..
ـ وفستان الزفة الشفاف الأبيض؟
ـ حين يبيض أديم الوجود وتشرق الشموس بالسناء الموعود.. حين تسود وجوه وتبيض وجوه..
رآها تثبت نظرة حالمة في وجهه وقد اندلقت من عينيها دمعة، فأطرى على سحر مظهرها بصوت خفيض:
ـ ما أجمل عينيك يا غادة! وأجمل ما فيهما هذه النظرة الحالمة الشاعرية الرائقة، والدمعة اللامعة المنهلة من جفنيك كالزمردة.. أليست العصافير على أشباهها تقع؟
كانت حقا بحاجة إلى هذا التشبيب، ونفسها أحوج ما تكون لوقع هذه العبارات الرقيقة المؤثرة التي أعادت الدعة إلى المحيا المشرق، وطردت عنه فلول الحزن وما علق به من انزعاج وشحوب. اجل، عادت الثقة إلى النفس الحيرى وشملها الاطمئنان، واسترد المظهر الشاحب رونقه، ولاح منه بريق يقتر صفاء، وعنت في الثغر الباسم أسنان كالبرد توسطت أعلاها فلجة أضفت على ابتسامتها سحرا وجاذبية، فخرجت من دوامة الصمت وهمست:
ـ وددت لو يصدر قولك من صميم قلبك وليس من طرف لسانك..
وهو ينظر إليها بعين الإكبار همس:
ـ وحق من أبدع صورتك وأتقن صنعك ما نطق لساني إلا بإيماءة من فؤادي يا فاتنة! أما قلت يوما "شيء طبيعي في الإنسان أن يتعلق قلبه وضميره بشيء يا بدر" ثقي يا ظبية راتعة في المروج بأن ضميري وقلبي مستمسكان ومتعلقان بتلابيب فؤادك كما يتعلق العامل بمعموله في منطق النحاة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. وإني آمل لو تتفضلين أنى تشائين بزيارة درب مولاي بوكيل..
ـ وماذا لو تفضلت أنت بزيارتي غدا مساء فتؤنس وحدتي بعيون الشعر العربي.. ومن فيض لسانك الشادي.. فهل من مهيج للعواطف غير الليل والشعر وصوت الحبيب؟
ـ وما عسى أبواك يقولان عني إذا سمعا بوجودي داخل غرفتك ليلا؟
ـ لا تشغل البال بشبح الوالدين.. نسيت أن أأخبرك بأنهما مدعوان لحفل عشاء كبير وحضور مراسيم زفاف الشيخ الزهواني بفتاة أصغر من سني..
وشعرت بألم يعتصرها من الأعماق ولاحت بوادر الغضب على رموشها، وتأففت من الحسرة فنبست:
ـ والله إنه الظلم في أبشع صوره يا بدر.. رجل طاعن في السن يتمادى في اغتصاب البراءة.. أين تضع هذا الكائن الأعجوبة؟ هل تصنفه في حظيرة الآدميين أكلة اللحوم البشرية مثله، أم تضعه في عالم هذه الحيوانات المسالمة(وهي تومئ إلى الكلب والقطة؟ فأيهما أطهر يا بدر؟
وجد ضالته في الموضوع المثار وانبرى يصغي متحفزا، ومن يدري لعله يظفر اللحظة بزاد ثمين يسعف حسام وفطوش في مهمتهما..؟
ونظر إليها بعينين مفجعتين ونبس وهو كظيم:
ـ بل يوضع في حظيرة الخنازير وإن كان أخس من خنزير.. والآن تأكد لي صدق مشاعرك وصفاء سريرتك وسديد توجهك.. اكتشفت أنك قطعة مني تفور غيرة وإباء.. وما أخالك تجهلين من يكون الزهواني؟ ومصدر ثروات الزهواني؟ ومن زين العبث وأطلق اليد للزهواني؟ ( واختزل الرد عن استفهاماته، ونبس) أليس الزهواني وأشباه الزهواني صنيعة من صنائع آبائك الحامين يا صونيا؟ لا أظنك تمارين في ذلك..
ـ بلى يا بدر صديقي.. إنها لعبة المصالح تعلو فوق القيم والهمم.. ولوما المصالح ما تجرأ الزهواني وجلب إلى قصره لفيف من شيوخ الطرقية والإقطاعيين أمثاله وأجمعوا أمرهم جميعا على الشر والدسيسة!
ازدادت عيناه انفراجا وارتسم على وجهه جزع أحاله صفحة داكنة، وهو أشد ما يكون طمعا في استكناه طبيعة الشر والدسيسة.. أحس فعلا بأنها غدت جزءا لا يتجزأ منه.. وعلى إثر هذه الرؤيا المنبثقة عن توجه سليم وفكر وقاد ازداد قلبه خفقانا، واقترب منها وأمسك بذراعيها بلا شعور وهو يصغي كأنما يحيي فيها شجاعتها وغيرتها على الحق، وقد تحررت من كل مركبات النقص وأبانت عن مبدأ لا تعبث به رياح دين ولا لغة ولا جنس، إنما يحتكم لمنطق العقل وصوت الضمير. عرف بدر أن الشيخ المعني حشر زمرة الخونة في سرادقه الكبير، وعلى موائد الخمر والشواء

محمد غالمي
07-08-2009, 04:28 AM
وقعوا عريضة ضمنوها حقدهم وتآمرهم على السيادة، فزعموا بأن السلطان يسعى إلى تأليب الشعب ضد سلطات الإقامة وتحريض الشباب على التمرد والعصيان.. وفوق هذا وذاك اتهموه بالتواطؤ مع حزب وطني اعتبروه معاديا لمنطق الحماية، وساءهم أن تبنى ـ في زعمهم ـ عقيدته العدوانية وجعل يلعب لعبته! ابتسم بدر ساخرا من الهاجس مؤرق المضاجع، ومدخل الرعب في النفوس والأفئدة، وقال:
ـ أعرف سبب النعرة التي ركبت هؤلاء الأوغاد يا سونيا.. جلالة السلطان فقه اللعبة وما عاد ينطلي عليه مكرهم وألاعيبهم..
أدرك ليقظته وأنفته بأن الوقت حان كي يجمع الدخيل حقائبه ويعود من حيث أتى.. فالمغاربة ضاقوا ذرعا باحتمال النكاية والأذى.. وما عادوا يطيقون حجرا ولا حماية..
وقاطعته ولم تكن أقل تأثرا منه:
ـ أذهلني حسك الوطني الوقاد أيها الساعي في درب الأمجاد.. لكم أنت مناصر للحق ذائد عن حياضه!
ودنا منها وأمسك بيدها وهمس عند مشارف ثغرها:
ـ أما ترين الوطن ماثلا في رموشي.. في كل عرق ينبض في طي جوانحي؟
وبصوت رخيم ردت:
ـ بلى أراه شامخا على ناصيتك..
وعاد يستطلع كنه عواطفها متسائلا في رقة وتودد:
ـ وهل تأبين أن تكوني جزءا من هذا الوطن؟
صمتت برهة ونطقت وعيناها تشعان بابتسامة رضا:
ـ المحب على دين من يحب يا بدر..
وبلا شعور، وكحال من سلبت إرادته اقترب من وجهها، واكتفى بأن رسم على جبينها قبلة امتنان وبث في أذنيها همسا فاترا ريان:
ـ متى تسعد رحاب مولاي بوكيل ببهاء طلعتك يا سونيا؟
أجابته بصوت خفيض:
ـ مباشرة بعد الرحلة المأمولة إلى فاس..
وانطلقا نحو الباب الخارجي للمزرعة متشابكي اليدين.. هناك عند مسبح الإوز استوقفته مستأذنة فهرولت في اتجاه الإقامة، ثم عادت على التو وهي تحمل علبة لفت في ورق فضي لامع، وسلمتها إياه فأجزل لها الثناء.. وما زالا يتحادثان في همس حتى أقبل مسعود يتمايل كالفيل وهو يجر زمام الحصان عياش.. مدت إليه يدها وفي عينيها حزن وقلق من انصرافه، وفهم الموقف فطمأنها.. عز علي أن أبرح دفء أحضانكم مكرها.. لكن لن يطول الغياب.. وصافحته مودعة فولت مسرعة يتبعها كلبها طوني. ووراء باب المزرعة أمسك بدر بزمام الحصان، ووقف برهة وقد ألح عليه الفضول ودافع حب الاستطلاع، فجعل يزيح الورق اللامع عن العلبة.. خفق قلبه واحتد نبضه.. لبث مذهولا تشي ابتسامته بما يخالج أعماقه من حبور ومسرة.. أكبر في سره عربون المحبة وتاج الإخلاص مجسدين في هذه الساعة اليدوية المطعمة بالفضة الخالصة.. فحصها بأنامله وقربها من أذنه يسمع دقاتها المنتظمة والتأثر باد على سحنته السمراء.. من الآن حق له أن يفخر، لا من الساعة ذات الصنع السويسري الراقي، أو بما تجلبه من قيمة وتقدير يجعلانه أول فارس يلبس الساعة اليدوية في درب سيدي بوكيل.. ولكن يفخر بمن وشحته هذه التحفة اليدوية دائمة النبض...
أمست الليلة داجية والسماء مكفهرة تهطل سحبها، وبدر منزو في غرفته.. لم يهدأ له خاطر أو يطب له مضجع حتى استنفر الرفاق فحجوا ملبين والأمطار تبلل هاماتهم.. بسط بين أيديهم فصول الرحلة إلى عالم الضيعة، وما عرفه على لسان سونيا من خفايا ذات صلة بأولئك الذين جمعوا أمرهم على الشر والدسيسة، حتى انتفض حسام وصاح منفعلا: ماذا ننتظر لتنفيذ حد الموت في الزهواني؟ أليس الشيخ اللعوب أهلا لأن يكون عبرة لكل الدساسين والخونة..
وتوجه بدر إلى حسام مخاطبا إياه في هدوء ورزانة وثبات:
أصغ يا حسام صديقي.. لا ننكر بأن الوضع يزداد ترديا يوما بعد يوم.. والمؤامرات تحبك في الخفاء ضد السيادة العليا للبلاد ليل نهار.. وكل المؤشرات تنذر بالأسوأ منذ أرسل محمد بن يوسف مذكرة إلى باريس، يدعو فيها إلى تمكين المغاربة من الحريات العامة والإسراع ببدء مفاوضات جادة من أجل الاستقلال.. وهذا ما حدا بالمقيم إلى إذكاء فتيل الضغط وتسخير جميع الذيول أمثال الزهواني لإثارة الفتنة وسلك سبيل الاستعداء في حق الوطن والسيادة..
وقاطعه حسام:
ـ إذن ما المانع في أن يسقى الشيخ كأس الحمام يا بدر أخي؟
وبانضباطه وتعقله رد بدر:
ـ لم يحن الوقت بعد ليسقى الزهواني وأشباه الزهواني كأس الموت.. ولا يعني ذلك أننا سنتلكأ في حيازة ما يكفي من الذخيرة الحية للاستعانة بها يوم يشتد الخطب، والتأهب لإجهاض كل فعل جنوني يراود المقيم العام يا حسام.. فعلا، كل المؤشرات تنذر بالأسوأ.. وكل الاحتمالات يجب أن تؤخذ ـ لا محالة ـ على محمل الجد.. وما في وسعنا تنفيذه الآن هو توجيه ضربتين موجعتين للزهواني بدل ضربة واحدة..
وتطوع عمر للمهمة الأولى لحذقه أصولها، وهو ذو اختصاص في أسلوب الاستنزاف القائم على الحرق والنسف والتدمير.. بينما تولى حسام زمام المبادرة الثانية مدعوما بفطوش..
في هذه القرية الظالم شيخها، وفي عرض ساحة شبيهة بمعسكر تناثرت مئات الخيام لأهالي القرية وبدو القبائل المجاورة من مريدي موسم الزاوية الطرقية.. وغير بعيد نصب سرادق كبير قام على أعمدة من خشب مكسوة بمزركش القماش ، وشد بالأوتاد والأمراس.. و بجانبه خباء كبير أعد لإيواء الحريم ونساء علية القوم.. وتحلق المدعوون حول موائد عليها أواني من فضة صفف فيها الشواء والفواكه، ويقوم بخدمة الجميع ثلة من العبيد، كان الزهواني قد أشرف على عمليات خصيهم.. وامتلأت البطون وانفتحت شهية الفرجة، وتصدر الصف الأمامي في السرادق كبار الضباط الفرنسيين، يتوسطهم الحاكم لاكومب ببزته العسكرية الزرقاء محاطا بالشيخ عزام والشرطي سرحان.. كان عصر هذا اليوم رائقا بشمسه الدافئة وسمائه الزرقاء الصافية.. مغريا حقا بما أتاحه من متعة مكنتها أهازيج ومواويل لمختلف الفرق الفلكلورية.. أحواش وأحيدوس، وفرائد الأمازيغية تصدح بها بنات الأطلس يرفلن كالفراش في حلل بيضاء زاهية .. والفرسان على صهوات الخيل يقدمون لوحات في الفروسية ويضغطون على زناد بنادقهم دفعة واحدة... والشيخ الزهواني يزهو في جلبابه الصوفي وعمامته

محمد غالمي
07-09-2009, 03:24 AM
البيضاء، يمسك بيد حفيده حمزة، ويبش في الوجوه مرحبا، ثم يتوجه إلى خباء الحريم فتراه يوزع ابتساماته على نسائه ونساء ضيوفه وهو مخمور، ولم يستثن فطوش الجالسة لصق زوجة الترجمان الفتاك.. وكانت الفتاة قد توسلت إليها مبدية رغبتها في حضور حفل الزهواني، ولم تخذلها.. ونزلت بخباء الحريم معززة مكرمة، وقامت بمهمتها الاستطلاعية خير قيام.. كانت عيناها لا تفارقان الصبي حمزة، وقد تخلص من يد جده وأخذ يسعى بين النساء في الخباء. ولئن تراءت فرحة مرحة بين نساء الأعيان وشيوخ القبائل، في ميعة عيد أعياد الشيخ، فلم يكن خاطرها في غاية الاطمئنان؛ فجل تفكيرها منصب حول هدف أسمى والفؤاد يترقب زمن الحقيقة.. كانت ترفل في قفطان مطرز مكنتها منه السيدة حرم الترجمان قبيل الحفل. شعرت بأنفاسها تضيق من فرط صهد غير مألوف في مثل هذا الفصل الممطر، وبين هرج الفلكلور ودوي البنادق ولغط الضيوف برحت الخباء وتملت في الكون من حولها والوقت غروب.. رفعت رأسها فلاحظت سحابا كثيفا يغمر أديم السماء رويدا رويدا.. سرحت ببصرها في الجهة التي تترقب مجيء حسام منها، وعادت أدراجها إلى الساحة حيث ستجري مراسيم الزفة بعيد العشاء. في هذه اللحظة برح الزهواني خباء الحريم إلى حيث الحاكم والحاشية مندمجون في ميعة الفرجة.. لقد تملكه شعور بالفخر والاعتزاز لما حققه من إنجاز جلب له ثناء الحاكم العميم وتقديره المتين؛ ولم لا وقد أفلح الشيخ في استدراج شيوخ من فصيلته يعمهون في دجى الأمية، وحملهم على توقيع عريضة تدس في طيها تحريضا يعادي الوطن ويضمر الشر والخبث للسلطان.. فليهنأ بالا وليطمئن خاطرا وعلى مسرح العار والخيانة يبادل الأسياد أنخابا. مفارقة عجيبة أن ترى هذه الأبهة وتعاين هذه النخوة تختال في غمرة حياة لاهية باذخة.. وفي الجهة الأخرى فيما وراء السرادق حيث المضارب مبثوثة، عالم آخر يحيا حياة خاصة؛ النساء يلازمن الخيام للقيام بشأن الطبخ، والفرسان من الرجال يؤدون فريضة الحفل بما يقدمون من عروض على متون أفراسهم .. وأغلب هؤلاء يعانون الضائقة وقلة ذات اليد، ومنهم من لا يملك نعجة عرجاء، ورغم ذلك اضطروا إلى استئجار الحصان أو الخيمة أو هما معا، ناهيك عن الزاد من الطعام الذي يكفيهم طيلة سبعة أيام من الحفل، وحجوا عن بكرة أبيهم ملبين حذرا من البطش. وبغتة داهمت رياح هوجاء ساحة الحفل ومحيطها، وجعلت بعض الخيام تتهاوى على من فيها، وأومض البرق وأرعد الرعد، فأحدث في النفوس حالة من الرعب والهلع.. وفي لمح البصر انهمرت من السماء أمطار طوفانية لا عهد للأهالي بها.. تسربت المياه إلى السرادق الذي أخذ يتراقص كشراع تعبث به أمواج البحر العاتية.. وطوح الغيث الناذر بالخباء على رؤوس النساء، فتعالى الصراخ واحتد العويل.. ولوحظ الزهواني والحاكم لاكومب وسائر الضيوف يهرولون صوب مسكن الزهواني البعيد عن ساحة الحفل كمن يلاحقه عدو. وسط هذه الجلبة تمالكت فطوش أعصابها واغتنمت الفرصة فسعت في إثر الصبي حمزة.. حتى إذا عثرت عليه ضالا في الجموع المنتفضة، أمسكت به وحملته بين ذراعيها، فتسللت في غفلة عن القوم غير آبهة بالمياه تغسلها.. كادت الرؤية تنعدم من توقف بطاريات الكهرباء عن العمل، لذلك ضاعفت اهتمامها بتفحص ما حولها مجهدة بصرها،.. لم يطل انتظارها، لاح الساعد الأيمن على حصانه يعدو صوبها.. تلقف من يديها الطريدة الدسمة وهمز عياشا فولى غانما مبتهجا تنزل عليه الأمطار بردا وسلاما.. وعادت فطوش من حيث أتت ولم تنتبه إلى اخيها عمر يجتاز مدخل مزرعة الزهواني في غفلة عن القوم الغارق في لجة الداهية.. نفذ ما تكفل بتنفيذه وهوى بالسوط على بغله مغيرا مسار وجهته.. ومن لطف الأقدار به أن أقلعت السماء ولم تبلع الأرض ماءها.. خرج الزهواني من سكرة الطوفان وهزته سكرة النيران.. أجل علت ألسنتها وهي تلتهم بلا هوادة مآت الأطنان من قمح وشعير ودرة وقطاني، وامتدت إلى أهرامات التبن المرصوص فأتت عليها بالكامل.. وسبحان مبدل الأحوال! استحال الطرب والأهازيج نعيقا ونحيبا، وأمست الأبهة ضعفا وانكسارا. استفاق الزهواني على فجيعة أشد فتكا بالنفس؛ قد يتحمل على مضض ما اكتوى به من استنزاف لم يخطر على بال أو يرد على دهن، ويتجرع مكرها مأساة أحلامه المتصابية التي أجهزت عليها يد القدر على حين غرة، ولكن لن يطيق صبرا على حمزة تلك القطعة النادرة من كبده.. أجل استفاق القوم على نكبة حمزة ونشطت المزاعم وكثر الاحتمال، واشتد الافتراض بين مدع بغرق الصبي في برك مياه الطوفان، وزاعم باحتمال اختطافه.. وفطوش تتابع الموقف فتعول مع المعولات وتنتحب مع الناحبات وتندب مع النادبات، حتى إنها ألقت بنفسها في مستنقع موحل وتمرغت من شدة الحزن وألم الحرقة!! استنفر الزهواني عماله وعبيده فانتشروا في كل مكان مدججين بالبنادق والهراوات، ولكن بدون جدوى.. وبإيعاز من فطوش التي ذكرت زوجة الترجمان ببركات الشريفة الوزانية وطول باعها في فك المعضلات وعويص المشكلات، وبإشارة من حرم الترجمان، أجمع الزهواني أمره وقصد درب مولاي بوكيل يرافقه سرحان وعزام، بحثا عن بريق من أمل. كانت المرأة في هذه اللحظة من المساء قد أدت صلاة العشاء ولاذت إلى محراب المسرة والهناء.. أطفأت الراديو الذي أهداها إياه الحاكم نظير خدماتها، وأشعلت الفونو غراف المتصل به وأثبتت أسطوانة (على بلدي المحبوب والديني..) وتناولت ما تيسر من الكيف المصحوب بفناجين الشاي المنعنع.. وفي غمرة طربها وانتشائها سمع طرق غير عادي، فهرع الخادم شعيبة الأعمش وفتح الباب عن وجه الزوار.. عرفت المرأة مسبقا جوهر القضية، وإن تظاهرت بالإصغاء للزهواني يحكي مأساته في أعز حفدته وهو في حال من اضطراب يشي بعمق المأساة وهول الجرح الغائر.. استغربت المرأة من رؤية الزهواني يشهق وينتحب والدموع تبلل لحيته البيضاء..ارتمى على رأسها مقبلا يستعطف ويتوسل ملء حنجرته المبحوحة.. كادت من نشوة الكيف أن تتفجر ضحكا من هذا المنظر الهزلي الباعث على الشفقة والرثاء، بيد أنها ابتلعت زوبعة الضحك وكفت عن التسبيح وهي تبتسم مكرا وتشفيا وإن بدت للشيخ المجروح وكأنها تأثرت لوضعه وأشفقت من حاله.. ربتت على كتفه مطمئنة إياه " يجعل الله خيرا ولن يخيب لنا أمرا..ارتح يا رجل وسوف يقضي الله أمرا كان مفعولا.. وأحضر شعيبة صينية الشاي مرفقة بطبق من الحلوى.. وفجأة بدت فرائصها ترتعد، وأحدثت بشفتيها الغليظتين صوتا مصحوبا بالريق المتناثر.. هدأت ومسحت عن جبينها العرق إيذانا بحضور الجن! أومأت إلى شعيبة الذي فهم المراد بحكم العادة وطبيعة العمل، فغاب لحظة وأحضر القطران، ثم بإيماءة طرف منها جعل يدهن وجه الزهواني وسائر رأسه، والمرأة تحملق في صحن الرمل وتحادث الفراغ..! ويرتفع صوت أشد رخامة لا يعرف له مصدر.. انزعج الزهواني واضطرب خافقه، وارتجت ذاته وهو يصغي من دون أن يفقه ما ترجعه حيطان الغرفة من ألغاز وطلاسم. وبصوت خفيض ينم عن فتور وإعياء نبست متسائلة وهي تنظر إلى صحن الرمل.. ماذا؟ لا لا تسلكي سبيل التعجيز.. اعتدلي في مطلبك وإلا أستعن بكلام الله لحرقك! واعترتها نوبة جنون فتشنجت أطرافها وصاحت في هستيريا صيحة مصروع، وجعلت شفتاها ترتعش وتحدث هديرا كصوت محرك.. أرخت ذراعيها ووضعت كفيها على فخذيها بعد تشنج صاحبه إرهاق وإعياء وتمددت إلى خلف مسندة ظهرها إلى وسادة وخاطبت الزهواني.. الصوت الذي ملأ علينا المكان لجنية عجمية اسمها كولدا من هولندا! إنها متشبثة بمطالبها..
وخرج الزهواني عن صمته وانطق وقد جف الريق في حلقه.. ما طبيعة مطالبها يا مولاتنا؟
قالت الوزانية وهي تتأفف كالمتذمر:
ـ ترغب في عجل هولندي سمين بالأبيض والأسود!
واندفع الرجل والرعب باد على جفنيه:
ـ على كامل الاستعداد للإتيان بأربع عجول من فصيلة خارج هولندا لإرضاء كولدا!

محمد غالمي
07-13-2009, 04:05 AM
ـ تريث يا شيخنا.. لم تنته المطالب بعد.. كولدا تضيف إلى المطلب كيلو غراما من ذهب! وإذا أنت أبديت موافقة فعجل حالا بالأمانة..
ولم يتردد الشيخ المجروح في القبول فبرح الدار وكله عزم واهتمام.. وفي ظرف ساعتين كان لكولدا ما أرادت.. ثور سمين من الصنف الأصيل يجثو في كاروسري الشاحنة الرابضة خلف الباب، وكيس من ثوب يحفظ كيلو غراما ذهبا.. وبأمر من الوزانية حملت الفدية على وجه السرعة إلى ضريح سيدي محمد بن عبد الله وراء سور المقبرة، وأشعلت في مرقد الولي الصالح أربع شموع بأمر من الشريفة.. وقفل الزوار عائدين.. وقبل ذلك بقليل كانت فطوش قد غادرت مسرح تمثيلها في قبو الدار فتسللت من الباب الخارجي وتوجهت إلى بيت أبويها في زنقة الحدادة.. هناك تفقدت الصبي حمزة المحروس من لدن أمها وأطعمته وسقته ماء، ثم زودته بملعقة من معجون غريب! خليط من الحرمل ونواة الكيف والجوز والسكر يمزج بزيت الزيتون وتعطى للرضع ملعقة صغيرة ليلا، فتهدئ أعصابهم وتجنبهم التمادي في الصياح المزعج.. لفت الصبي في خرقة من صوف، وعلى وجه السرعة حملته بين ذراعيها وهرولت تجوز القبور ومن خلفها حميدو وعصام. مددت حمزة الهاجع في قلب الضريح ، بينما انشغل عصام وحميدو في فك وثاق الثور..
فتح شعيبة الباب لسرحان ومن معه، أما الوزانية فتوجهت إلى محرابها التعبدي بعد أن جددت الوضوء، وتربعت في مكانها واندمجت في التسبيح إلى أن أقبلوا عليها. جمعت السبحة في طي راحتها وقبلتها، ثم أشارت إليهم بالجلوس حول صينية الشاي الذي برع الخادم شعيبة في إعداده. جلسوا قريبا منها فرمقتهم بابتسامة لا تعدم حزما ولطفا، وقالت مخاطبة الزهواني: لنبدأ بسم الله ونفتتح بسورة من كتابه فيفتح الله عليك ويحقق مقصدك ومرادك.. وتلت ما تيسر من سورة فصلت، وهم يصغون في ما يشبه الخشوع، وتوقفت إذ رتلت "فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون.." وجعلت بعد ذلك تنشد ما تحفظ من أبيات في مدح سيد الخلق:
أمن تذكّرِ جيرانٍ بذي سلمِ**مزجتَ دمعاً جرى من مقلةٍ بدم
واستطردت تصدح بصوت عال من وحي اللامية الشهيرة:
مدح النبي أمان الخائف الوجل** فامدحه مرتجلاً أوغيرَ مرتجل
حتى إذا تعالى صوت خالي بن علال يهلل من فوق السطوح توقفت المرأة عن الإنشاد وتوجهت إلى الزهواني ومن معه ناصحة.. لا تندهش من وجود الصبي مستغرقا في نومه.. إن طعام الجن وسحره يبعث الأنس والسكينة في النفس ويدخل صاحبها في هجعة عميقة! هيا على بركة الله.. اطمئن بالا يا شيخ فلن تخذلك كولدا.. سوف تفي بطلبك فتقر عينا بحفيدك..
وكان للرفاق موعد في غرفة القيادة.. اندفعوا مزهوين بعزة النصر والظفر.. شفى منهم الغليل ما ألحقوه بالطاغية من أذى في نفسه وفي ماله المعتصر من عرق الأهالي.. واستدعيت لحفل العشاء فطوش، وتم تكريمها بأن وضع بدر على هامتها تاج من الذهب الخالص المنتزع من صندوق الزهواني.. أقبلوا على موائد اللحم المبخر والمرق المتبل.. ولم ينسوا حق الجيران جميعا.. رحمة اليهودية وخالي الحافظ والوزانية صاحبة النصيب الأوفر.. وطرقت الأطباق دار سلمان السفناج وعمي نافع الحمال، وإمام المسجد الخارج لتوه من سجن الحاكم لاكومب..
استفاق بدر مبكرا ومن وراء النافذة وقف يملأ رئتيه بنسائم الربيع الندية تغمر حي مولاي بوكيل.. كل التدابير اتخذت لشد الرحال إلى فاس، وملاقاة أنداد ظلوا له مؤنسين، وصلة أرحام بأعمام باتوا له راعين مهتمين مدة إقامته في مدينة العلم والوطنية..
تناول فطوره وودع أمه وسلك سبيله إلى ضيعة آل كوستي والدنيا ربيع وهاج.. وانطلقت رحلة الأرض والسماء إلى قبلة المن والعطاء.. عاجت السيارة يقودها فيليب يمينا وظلت تعبر الطريق الرئيسية المتجهة صوب فاس.. كان فيليب يحتسي من حين لآخر جرعات من البيرة وقد أطلق العنان للسيارة تلتهم الطريق المنبسطة قبل أن تلج المنحدرات والمنعطفات. وعند حافة الطريق توقف لحظة، وغادر السيارة بعيدا لإفراغ متانته من فرط الشراب.. وقف بدر شابك الذراعين ، يجيل النظر فيما حوله وصونيا لصق كتفه.. جذب بصره عن يسار مروج خضراء زاهية، وحقول شاسعة أينع فيها الزرع وهو يتمايل مع هبات النسيم.. يا لمكر الصدف! قبل ثلاث سنوات صادف هناك المعمرة سالينا على صهوة حصانها تتابع عملية السقي! وها هي الآن تتفسح راجلة بين ممرات السنابل المائسة.. وذاك المعمر شارل يقود جراره في ممر يفضي إلى مسكنه ذي القرميد الأحمر.. ولئن كتم غيظه ونقمته من هول الضيم الذي خيم عليه، والمهانة التي استشعرها فقد ظل منهار النفس مشتت الذهن خائر القوة؛ عاين الحقل المسروق يفيض بالمن والسلوى على غير أهله ومستحقيه، والسارق يختال منتشيا بتمار الغصب وقد استبدت به نزعة التملك الأعمى.. تحرر من هذه الدوامة على أصابع صونيا تربت على ركبته بعدما لاحظت سهوه، وإن كان لا يخفى عليها سر انشغاله:
ـ لم أنت واجم مذهول يا بدر؟
أدار وجهه ناحيتها وجعل يتملى في ناظريها، وإن بدا الانزعاج مرسوما على رموشه، وهمس في أذنها:
ـ أذهلني واستأثر بلبي منظر هذه الرياض الغناء والجنان الفيحاء! إني أراها، رغم ظروف الأسر بين الأسلاك الشائكة، تزداد شموخا وتحديا في بحر عينيك العسليتين! أليس ذلك مؤشرا على أنك قطعة منها كما أنا؟
آثرت أن تنهج درب المزاح والمداعبة، فبسطت راحتها على فخذه ونبست وقد علت شفتيها ابتسامة تنم عن خضوع:
ـ أراك تشرع في خوض غمار الرحلة السماوية ولم تنه الرحلة الأرضية بعد يا بدر!
واقترب منها ووقع لسانه في أذنيها نغما حجبته عن أذني فيليب موسيقى صاخبة من راديو السيارة:
ـ لا يسعني إلا أن أتوجه إلى الله شاكرا ممتنا على أن مكَنني من كائن شبيه بملاك يجمع صفات أهل الأرض والسماء!
نظرت إليه وفي مقلتيها مسحة من حرقة الجوى وأمسكت بكلتا يديه:
ـ ولا يغب عن بالك بأن الملاك يضع على رأسه تاجا سرمديا منقوشا عليه(المحب على دين من يحب)
وعاد فيليب واستأنفت الراحلة رحلتها وما تزال تطوي المنعرجات، حتى إذا تحررت من قيود التضاريس واندمجت في منبسط طويل عنَ من بعيد حاجز حديدي مسنن وضع في قلب الطريق، وانتصب ثلاثة من ضباط شرطة المرور في بزاتهم العسكرية الزرقاء، ومسدساتهم تتدلى من أحزمة شدت إلى خصورهم.. وجم بدر وهجمت عليه تخيلات و تملكته أوهام، بيد أنه طاوع نفسه فأبان عن شهامة وافتعل بشارة ظهر على إثرها بمظهر الفرح المطمئن البشوش. طبعي أن ترتعد أوصاله ويرتجف فؤاده؛ إن كمَا من المال نقدا وذهبا حري بأن يثير ـ في حال اكتشافه ـ شبهات وريبا هو في غنى عنها. امتثل فيليب للضابط الفرنسي يلوح بيده مشيرا بالتوقف، فخفف من السرعة والتزم بسيارته أقصى اليمين.. تفحص ضابط المرور الأوراق وأعادها مبتسما مؤديا التحية العسكرية لفيليب وصونيا.. واصلت السيارة شق الطريق لا تبالي علوا ولا انخفاضا وانحرافا.. و بعد لأي ضاعت في زحمة الشارع الطويل تنساب بين بنايات وأبراج المدينة الجديدة.. جازت ساحة فلورانس بدار ذبيبغ وانحرفت يمينا صوب المدينة العتيقة.. لاحت التجمعات السكنية العتيقة متناثرات فوق التلال والمنحدرات وعنت قبب المساجد والمآذن شامخات.. أركن فيليب السيارة في موقف جنب وادي يخترق المدينة العتيقة، وأسرع بدر إلى الصندوق الخلفي فأخرج حقيبته السوداء وترجل

محمد غالمي
07-13-2009, 04:07 AM
صوب حومة القلقليين وصونيا تلازمه حذو النعل للنعل.. تأكد فيليب من إيصاد الأبواب الأربعة لسيارته، فسار في إثرهما وقد بدا رزينا متزنا رغم ما احتساه من قناني البيرة أثناء الرحلة.. واستقبل بدر ومرافقاه على أصوات نساء تعلو هازجة مزغردة.. وقفت صونيا وأخوها يتابعان ـ بإعجاب الغريب ـ الأذرع تتلقف بدرا محتضنة والألسنة مرحبة.. وقدم التمر والحليب احتفاء بضيف عزيز ومن معه. وفي صالون عريق اتخذ الضيوف مجلسهم، فآثرت صونيا الجلوس لصق بدر وابتسامتها الخفيفة الرائقة تشي بما تملكها من الإعجاب من حرارة الاستقبال وطقوسه، ووداعة أهله وما أبانوا عنه من كرم وحسن ضيافة.. حتى إذا أقبل العصر جمع بدر الأمر على أن يباشر تنفيذ الخطوة الثانية من خطة تم نسجها بإحكام في غرفة القيادة بدرب مولاي بوكيل.. فليربط أول اتصال بمفتاح الصفقة ويمم شطر الزميل عبد المغيث بدرب الطالعة، والسبيل إليه جولة سياحية في دروب المدينة وأسواقها ومعالمها الأثرية، فتعقبها زيارة الحسم الثانية يطبعها الكتمان والسرية. ما كان يتوقع بأن يصادف، وبدون ميعاد، حفلا بهيجا تقيمه عائلته احتفاء بختان أصغر الصبية.. اطمأن فؤاد بدر إذ أيقن أن ملامح الخطة الثانية تغري بالتنفيذ وفي ظروف ملائمة مسعفة..
تناولوا المرطبات مرفقة بفناجين العصائر والقهوة.. جازوا درب صفيفح تطل عليهم أسوار الدور الشاهقة، وتحف بهم حيطانها السميكة يعفرها لون حنائي باهر يحكي عن زمان غابر.. تشابهت الدروب وصونيا تمسك بساعد بدر، وتمشي الهوينى زاهية في قميص وردي وسروال قصير أبيض انحصر عند الركبتين وشعرها الأشقر الناعم يداعب كتفيها.. وفيليب يتباطأ في مشيه من ورائهما ليتيح لعينيه التملي في بصمات تاريخ تليد يوشح صدر هذا البنيات الشامخ.. أجهدت صونيا نفسها لتحديد المسالك وضبط الممرات، لكنها عجزت على أن تميز مداخل الدروب الضيقة من مخارجها لتشابهها، حتى شعرت وكأنها داخل متاهة.. وعانقوا الفضاء الرحب، واندمجوا في بوتقة سوق الرصيف المغطاة بسقوف من قصب، وأنوفهم تداعبها أخلاط من روائح الخضر والفواكه واللحوم والأسماك والتوابل.. عالم ساحر يموج بالسابلة جيئة وذهابا. أذهل صونيا وهي تلاحظ ما يتفرد به أهل فاس من بشرة بيضاء صقيلة، ولكنة لطيفة تميزهم عن غيرهم ممن يقيمون خارج المدينة العتيقة. راق لها أن تصغي لبدر يزيل بعض اللبس عن أصول هذه الساكنة.. "هؤلاء هم حفدة الموريسكيين الذين طردوا من الأندلس بعد سقوط غرناطة يا صونيا.. أول مكان أقاموا به يسمى عدوة الأندلس.." واستفاض الحديث عن الأندلس وانهيار الخلافة الإسلامية بها.. بيد أن صونيا لا تعدم رصيدا تاريخيا أهلها لأن تقارع بدرا حجة بأخرى، وإن توحد رأيهما في النهاية واتفقا على أن الفساد والمؤامرات والخيانة كلها عوامل طوحت بأشد القلاع مجدا وأكثرها إشعاعا معرفيا جما.. جالوا بتؤدة منبهرين بما تقع عليه الأنظار من حركة دائبة ونشاط تجاري وصناعي دافق.. مروا بالصفارين والدباغين والعطارين والنجارين.. وفي صحن ضريح المولى إدريس مؤسس المدينة أمسكت صونيا بحدائها الأبيض الذي خلعته عند مدخل الباب، ووقفت تتأمل في النقوش والزخارف وتملكها الانبهار من أصالة الفسيفساء وفن الأربيسك يلمع كاسيا الجدران وسائر أرضية الضريح.. والنساء والرجال بين ساع في الصحن وآخر يؤدي صلاة فاتته، أو يصلي النافلة.. أما بدر فانتحى قصيا وصلى ركعتين ثم وقف ساهم الطرف يتملى في منبر الجامع.. في الكرسي الذي كان سيدي أحمد الفاسي يلقي منه محاضراته ودروسه. أجل حلقت خواطره وسبحت أفكاره في دنيا العلامة سيدي أحمد، وخطبه النارية التي طالما شحذت الهمم وقوت العزائم.. اهتزت نفسه جذلا واطمأن على أنه سيحظى قربا وينعم أنسا بالأستاذ الجليل، ولن يعدم ظنا ولا أملا في التزود بنير توجيهاته وسديد أفكاره وآرائه.. ولا من ييسر السبيل إليه ويمهد الطريق إلى طلعته سوى العزيز عبد المغيث.. فإلى دربك يا عبد المغيث. وبرحوا إلى الخارج فاقتنت صونيا شموعا وحلويات مما يعرضه الباعة أمام باب الضريح.. واستأنفوا المشي يجوبون الدروب الضيقة المزدحمة نزولا وصعودا، حتى إذا بلغوا الطالعة الكبيرة دلهم بدر على مسكن منزو في درب صغير محصور لا مخرج له.. هذا مسكن الرفيق والصديق عبد المغيث.. بالأمس القريب كان ـ كما أنا ـ طالب علم مواظبا ووطنيا ذا فكر ثاقب ثائر، واليوم فهو الأستاذ القدوة بإحدى المدارس الحرة، تلك التي أنشأها سيدي أحمد الفاسي من ماله الخاص.. دق بدر على النقَارة الحديدية المعلقة في قلب الباب.. انتظروا برهة حتى كسر وجومهم وقع خطوات خلف الباب تقترب رويدا رويدا.. وفتح السيد عبد المغيث الباب.. لبث في مكانه واجما منبهرا، وانفتحت عيناه من دهشة ولدتها صدفة ما طرقت البال قط.. وكلاهما ارتمى في أحضان الأخر معانقا محييا حتى دمعت العيون من حرقة شوق وحرارة لقاء. جدد عبد المغيث ترحيبه بالضيف العزيز ومرافقيه.. وفي باحة الدار جنب نافورة يتدفق منها الماء جلسا متقابلين على أرائك من صناعة محلية بالغة الجودة.. أبدى عبد المغيث حفاوة بعواده بأن أطعمهم ما لذ من حلويات كعب الغزال، وسقاهم ما طاب من عصائر الليمون وفناجين القهوة.. وتجاذب بدر وعبد المغيث حديثا ذا شجون أثارا خلاله ما عز من ذكريات.. كان السيد عبد المغيث صديقا أثيرا لبدر، وزميلا مثاليا في ثانوية مولاي إدريس وجامع القرويين، وفوق ذلك كله بات رفيقا عزيزا له في درب النضال.. انشغلت صونيا في أخذ صور فوتوغرافية للنافورة المزدانة بالزليج الفاسي، وفيليب يتجول في أنحاء هذا المراح الأصيل شابك الذراعين.. تبادل بدر وعبد المغيث همسا ذا شأن عرف منه القصد والغاية.. غمره شعور بالاطمئنان على أن الأمور تأخذ مسارها السليم، وإن غدا بعد العصر لناظره لقريب.. وغادر بدر ومرافقاه درب الطالعة وساروا في انحدار وقد زحف الليل غاشيا الطرقات.. أما السيد عبد المغيث فقام على التو وتوجه لإبلاغ باقي الإخوة بموضوع الزيارة وضبط ميعاد قار للتلاقي.. تجشم رهبة الليل وطول المسافة بين رفيق وآخر؛ فمن باب الجيسة إلى باب الحمراء، فباب فتوح وباب بوجلود.. وتحمس الإخوة مدفوعين بشوق عارم للتملي بطلعة بدر غاب عن سمائهم ردحا من الزمن، وأبدوا استعدادا لتلبية الأرب.. فاتصلوا من حينهم بيهودي بزناس وحاز شهرة في تهريب الأسلحة..
وصل بدر إلى حومة القلقليين محفوفا بصديقته وأخيها، وكانت العائلة قد شرعت في إحياء طقوس حفلها البهيج.. أقامت مجلسا للطرب توسطه جوق شعبي من قبائل جبالة في ضواحي فاس.. ارتدى أعضاؤه فساتين بيضاء نسائية وتمنطقوا بأحزمة حمراء.. وارتفعت أصواتهم بالمواويل رخيمة كأصوات النساء.. وبلغت الفرجة ذروتها حين تقدم غلام من أعضاء الفرقة وجعل يرقص جالسا وواقفا وعلى جنبيه وفوق رأسه صينية صفت فيها الكؤوس.. تألق ثغر صونيا بابتسامة تنم عن رضا وإعجاب، وما فتئت تتطلع إلى المغنين بوجه يفيض حبورا وبشرا، وتكبر في الغلام براعته في الغناء وفن الرقص.. وفتيات العائلة والمقربين يتحن الفرصة لأجسادهن تتمايل فرحا ونشوة على نغمات الموسيقى ودق الطبول والدفوف، وبين هذا وذاك مواويل تتعالى وزغاريد تصدح.. ليلة أنس وطرب ومرح نالت إعجابا وسلبت ألبابا. أعقب ذلك مأدبة عشاء فاخر تألق فيها وجه المائدة بما زين به من أطباق اللحم المفروم والبصطيلة المحشوة بلحم الحمام.. لم تطق صونيا وأخوها سهرا فانسحبا إلى غرفة خاصة أعدت لهما مضجعا ، في حين توجه بدر إلى دار بنت عمته المجاورة، وهناك غرفته الخاصة التي كانت ملاذه المحبب إلى قلبه منذ كان طالبا بالعاصمة العلمية.. استلقى على ظهره برهة ثم نهض وجذب حقيبته السوداء من أسفل السرير.. فتحها وتفقد ما يرقد في بطنها.. جعل يحصي الأوراق النقدية ويستعيد مصادرها التي منها انتزعت بفنية عالية لا تعدم مهارة وذكاء.. نادين بنت ماريوس منحت سهما لكسب قلب أحست خفوت نبضه! وسهم اختلسه عصام من صندوق أبيه المشهور بالتهامي المرابي، صديق تجار اليهود وممجد حكم الطغاة.. وسهم جادت به صناديق لاكومب بعد الإطاحة برأسي الكلبة حادة والقرد علاف. وحول نظره إلى الجواهر اللامعة يخطف العين بريقها.. وتذكر الضربتين الموجعتين اللتين أصابتا الشيخ الزهواني في المقتل، وحولته إلى مجرد دجاجة مهيضة الجناح تبيض الذهب من سحر الوزانية وحرفية فطوش.. أعاد الثروة إلى مخزنها واستسلم لنوم عميق.. وأسفر صبح الغد، وأقبل العصر والحركة الدائبة التي اقتضاها جو الحفل تنشط وتحتد..

محمد غالمي
07-27-2009, 04:07 AM
وأقيم مجلس الحناء في صحن الدار، وفي المركز أجلس الصبي المزمع ختانه إلى جانب أمه محاطا بالنسوة زاهيات بما تزين به من فاخر الثوب والحلي.. وعلى نغمات النفارين والطبالين انهالت هدايا الأهل والأحبة مدرارا. وتكريما لصونيا وتشريفا لمحضرها ألبست أزهى قفطان فاسي موشى بخيوط من حرير مذهب.. جلست على أريكة وقد كشفت عن ساقيها لمعلمة مشهورة تجيد النقش بالحناء، فتفننت في توشيتهما بزخارف زاهية. استمتع فيليب بالفرجة بعض الوقت، وارتاحت نفسه من عظمة التقدير وهالة الاحتفاء التي خصت بها العائلة أخته، ثم غادر إلى سيارته وتوجه إلى مقهى زنزيبار بالمدينة الجديدة لاحتساء البيرة...
اغتنم بدر الفرصة وتوجه إلى حي الطالعة الكبيرة حاملا حقيبته السوداء لملاقاة زملائه الأخيار وأنداده الأوفياء الأبرار... وصل قبل الميعاد بقليل، وسرعان ما أخذ ا رفاق درب النضال يتوافدون تباعا.. ما خطر على بال أحد أن تمنحهم الصدفة ـ ويا لجميل الصدف ـ لقاء كهذا جمع صفوة الخلان ولب الأخدان. ألهب الشوق نفوسهم فأثاروا مواقف وأحداثا نقشت بماء الذهب في خزان ذاكرتهم.. ومن وحي الشوق استحضروا روح الرفيق سعيد، الفارس الشهم الذي هلك يوما من رصاص الغدر في القلقليين.. ودمعت العيون تأثرا وتليت الفاتحة ترحما. أثار بدر موضوع الرحلة وهو في غاية الاطمئنان على أنهم لن يردوه مخذولا خزيان عما جاء في سبيله.. أشاد سيدي أحمد بالروح النضالية لبدر، تلك الروح التي عهدها فيه منذ كان طالبا يختلف إلى حلقات درسه بالقرويين وخطبه النارية بمولاي إدريس.. وأكبر بإعجاب رحلته المبرورة وسعيه المشكور. كذلك ظل الإخوة وما برحوا متحابين في الله، متشبثين بأهداب رمز السيادة والوطن، ورائدهم في هذا كله ثباتهم على المبدأ الذي صنع منهم رجالا متآزرين متعاضدين، عاقدين العزم على تطهير كل الأركان والأفنية من رجس الدخيل وعفن العميل. كان سيدي أحمد الفاسي منارا وهاجا بين هؤلاء المصابيح جميعا.. أحاط به الإخوة كالهالة فلاح وجهه الوضاء كالبدر يشع بضوء المحبة وسنا الإيمان. تزود بدر حقا من سخي وعظه وجميل توجيهه، وأحيط علما بخفايا ما يحاك في كواليس الجحيم من مؤامرات تتربص الدوائر بسيد الأوطان، وتتحين الفرص المواتية للانقضاض على رمز السيادة وهبة السلطان، فقال ومن بريق نظراته تشع أمارات الثقة والحزم وسمات التحدي والعزم:
ـ تهمة الملك في شريعة الأوغاد أنه معتصم بحبل الحق.. رافض على الدوام ما تمليه الأمزجة المتحكمة في الرقاب.. استمال جوان ولم ينفع معه ترغيب، فأرغد وأزبد ملوحا بعصا الترهيب، وفي النهاية جمع حقائبه وغادر التراب ذليلا مهانا وفي قلبه غصة..
وفي أدب ورزانة قاطع عبد المغيث أستاذه فأضاف بروح مؤمنة واثقة، ومعنويات سامية ولهجة لا تخلو من هزء وتشف:
ـ وكما تعلمون تسلم المشعل خلفه كيوم ـ رمز الشر وسيء الذكر ـ ونهج نفس الخطة، لكنه ألفى إرادة الملك أقوى من ذرع وأصلب من صخرة ..
رفع سيدي أحمد يمناه فأوسع له عبد المغيث باب الحديث، وتريث برهة فرفع رأسه وسال لسانه بفيض بلاغي مسجوع:
ـ اسمعوا يا أبنائي لآخر مستجدات ما بلغني.. إن المقيم الطاغية، مبعوث الأشرار وحامل مشعل العار، فقد كل أمل في ردع السلطان وتطويعه وإزاغته عن المسار.. وبدأ السعار يهيج أعصابه، وغير مستبعد أن يقدم الكلب المجنون على ارتكاب حماقة بعدما شقت أمامه كل سبل الردع.. اخلعوا ثوب الغفلة والبسوا دروع اليقظة، وكونوا دوما على أهبة.. استنفروا شرفاءكم وجهزوا عتادكم لمواجهة كل الطوارئ والاحتمالات.. وإذا جدَ الجد واجهوا المعتدين وانتقوا منهم السفهاء، رموز السلطة البغاة والعملاء.. تصيدوهم على ضفاف الأنهار والمنتزهات، واجعلوهم مرمى لبنادقكم وهدفا لفوهات مسدساتكم.. لا تؤذوا العزل منهم إلا من تلوثت ذمته..
تأثر من في المجلس ودعوا جميعا للفقيه الجليل بطول العمر حتى يبقى فكره الوهاج قبسا يستضاء به. في هذه اللحظة سمع عبد المغيث نقرا خفيفا على باب غرفة من خلفه، ونهض فتسلم من حرمه صينية الشاي وأطباق الحلوى. ودارت الفناجين في جو يطبعه الود والإخاء والاعتصام بحبل الحق.. وعقد العزم على أن تبقى قنوات الاتصال مفتوحة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.. واتفق على أن يتولى السيد عبد المغيث مهمة رد الأمانة إلى أهلها بما يوازيها دواء ناجعا في هيئة هدايا.. دواء يعجل بإطفاء نار السعار ويروع اللئام والأشرار، إذ في سبيله تجشم بدر هول رحلة غير محمودة العاقبة. أجل، غادر بدر مطمئنا فؤاده على أن الأمور تجري بما سطر لها في تكتم وسرية..
وتتويجا لحفل الختان بدرب صفيفح أحيت فرقة جبلية وأخرى مراكشية ليلة موسيقية بهيجة.. علا صوت العود والكمان، وصدحت الحناجر الرجولية بأصوات رخيمة من وحي الجبال المجاورة، تضاهي في نبرها رخامة أصوات النساء.. تملك صونيا إعجاب مقرون ببعض الذهول؛ إذ أثارها غلام من أعضاء الفرقة يرفل في زي نسائي جذاب، وأبان عن موهبة خارقة في الرقص والغناء.. تعالت الزغاريد، واهتزت القدود تتماوج في إيقاع منسجم طربا ونشوة.. وبين هذا وذاك وصلات من الدقة المراكشية العريقة. وفي ميعة هذا الأجواء الصاخبة وصل السيد عبد المغيث محملا بالهدية!! وعند الباب استقبله بدر وأبناء عمته ذكورا وإناثا.. علت الحناجر صادحة، والألسنة مزغردة، وحملت الهدية إلى الدار المجاورة. وفي صباح الغد تأهب بدر ومرافقيه للأوبة، فودع أبناء عمومته ونشط بينهم العناق حتى دمعت العيون من تأثر.. وأمام أنظار صونيا وفيليب شحنت في صندوق السيارة ثلاث حقائب، واحدة مملوءة عن آخرها بالأواني والأباريق والتحف وكلها من فضة خالصة سوتها أياد فاسية.. وغمرت المسرة فيليب وأخته إذ قيل لهما بأن الحقيبة البنية بما حملت مهداة لهما، إذ تكرمت بها العائلة احتفاء بالضيفين الفرنسيين. في حين أن الحقيبتين السوداوين واجهتهما هدايا من لجين وفي قعريهما يرقد أمر جلل!! وانطلقت السيارة تمخر عباب الطريق الرئيسي الرابط بين فاس ومراكش.. ولم يتنفس بدر الصعداء إلا حين أشرفت السيارة على ضيعة آل كوستي. وأمام باب الضيعة نزلت صونيا وصافحت بدرا مودعة وفي عينيها تأثر وشجن، وجاء مسعود مهرولا فحمل الحقيبة البنية وسار في إثرها، بينما واصل فيليب قيادة السيارة موصلا صديقه إلى حي مولاي بوكيل. وهناك أمام الدار تصافحا وأشار فيليب إلى بدر بأن يرافقه بعد يومين إلى نادي الضباط الفرنسيين ليؤنسه ويجاذبه أطراف ما لم يتجاذباه من حديث، زعم أن أخته استأثرت بمعظمه أثناء الرحلة.. غير أن بدرا اعتذر لدواع قدرها فيليب حق قدرها..
لم تتح لصونيا كوستي فرصة زيارة درب مولاي بوكيل إلا في أصيل هذا اليوم الصيفي القائظ .. رياح جرت بما لم يشتهه قاربها؛ مرض مفاجئ ألمَ بأمها السيدة هيلينا، فضلا عن فترة تدريب مكثفة بمكتب أحد المحامين في الدار البيضاء. أوقفت السيارة بمحاذاة الحائط المشرف على الروضة مما يلي مدخل زنقة الحدادة، سرحت ببصرها يجول في أنحاء الروضة.. والوادي يواصل المسير في هدوء وراء أشجار الصنوبر والسنديان. اشرأبت بعنقها إلى أسفل الحائط فوقع ناظراها على سطح بناء مربع الشكل منزو في الزاوية الشرقية من الروضة، وغير بعيد عنه انتثرت بعض شجيرات النبق. جذب نظرها امرأة عجوز تتمسح بجدار البناء وتقبله مرددة كلاما مبهما.. ألمت بها الحيرة وتساءلت في خاطرها ولم تتوصل إلى جواب مقنع يبرر ما عاينته.. آثرت أن ترجئ الخوض في ما يكتنف هذا العالم من أسرار إلى حين انتهاء الزيارة، بعدما تأكد لها أن البناء القائم في هيئة بيت لا يعدو أن يكون مزارا كغيره من الأضرحة المتناثرة داخل المدينة وفي هوامشها. تحركت من مكانها خطوتين، ووقفت شابكة الذراعين تنظر بإعجاب وإكبار إلى الحدادين في حوانيتهم المصفوفة في انحدار عمودي حتى ضفة الوادي.. راق لها أن تتابع حركات المعلمين ومساعديهم متقابلين مثنى مثنى.. يطوعون الحديد الملتهب بالمطارق والسنادين فيجعلون منه صفائح للدواب ومحاريث ومجمرات وقضبان شواء..

محمد غالمي
08-16-2009, 03:55 AM
وعلى حين غرة فاجأها بدر من خلف ـ كما فعل به حسام يوم العودة من فاس ـ وأطبق على عينيها.. ارتعشت لأن رقة الراحتين أفضت بلا عناء إلى مصدر الارتعاش، وخفق قلبها عازفا نغمة حب وليد صدفة.. أجل، التقيا وكان حقا لقاء جسد وحدة المشاعر وعزف نغمة الحب الآسر.. وسارا جنبا إلى جنب وراحتها في طي كفه اليمنى حتى بلغا باب الدار. لم تكن دينا بنت رحمة اليهودية تتوقع ـ وقد فتحت باب بيت أبويها صدفة ـ أن تعاين هذا المشهد الذي بدت فيه صونيا وبدر يدا في يد.. نكصت على عقبيها توا وقد اضطربت نفسها وشعرت بثقل في رأسها.. لبدت وراء الباب تلوك هما جديدا في غيض وحنق، وأقنعت نفسها بأن بدرا لم يرم بهذا الإنزال غير النكاية والتشفي. كانت السيدة حليمة على علم مسبق بزيارة الفتاة، وترحيبا وتكريما لضيفة ابنها استعدت لذلك بأن أعدت مائدة استقبال دسمة، يزينها ثريد مسقي بالسمن والعسل وصحن مملوء جبنا، حف بكؤوس الشاي المنعنع الأصيل.. وفي صحن الدار استقبلتها بين الأحضان مرحبة، ثم تقدم بدر بعد ذلك فانحنى على يد أمه مقبلا.. تملك صونيا تأثر بليغ من حفاوة هذه الأم وطيبتها، وما لمست فيها من اللطف والوداعة والحياء.. ودب في كيانها مشاعر فياضة أوحى بها هذا الفضاء المتفرد بأريج عاداته وطقوسه، وكرم أهله ودماثة أخلاقهم.. ودخلت الضيفة إلى الصالة الواسعة فصادفت سامية تسوي بعض الوسائد على أسرة الجلوس الصوفية.. حيتها تقبيلا وعناقا ثم ولت إلى حيث أمها في المطبخ.. انبهرت بنت كوستي من هذه الأريحية، وبدأت تشعر بأن هذه الطقوس المتفردة ملأت عليها تفكيرها وجعلت تتغلغل في سائر كيانها فتلقى تجاوبا من ذاتها، هي التي تختلف عن هذا الوسط لغة وجنسا وديانة.. لذلك لم تزدها تلك الخلال إلا تعلقا بأهداب هذه الأسرة النبيلة.. وتناولا ما طاب من مرطبات، ونهضت صونيا فعانقت السيدة حليمة وابنتها، وبرحت الدار إلى الخارج يتقدمها بدر.. ما تزال سامية تتابع من وراء فرجة الباب صونيا يختال قدها المياس في فستان أبيض شفاف، انحصر أعلاه عند الكتفين وأسفله فوق الركبتين، وانسدل من وراء ظهرها شعر أشقر ناعم تهفو به نسائم الغروب.. وفي خطوات متباطئة اتجها ناحية السور، وتعالت في السماء دقات المطارق تنساب من الحدادة.. ألح عليها الفضول واندفعت ممسكة بساعد بدر صوب المكان مصدر حيرتها وتساؤلها. وقفت أمام الحائط الذي انتهى ارتفاعه إلى حدود صدرها، وجعلت تمطط جيدها مستطلعة ما وراءه، عسى أن تحظى بمنظر يضاهي منظر العجوز التي كانت قبل ساعة ونيف تتمسح بأعتاب الضريح، غير أن المكان أمسى خاليا بسبب زحف الغروب.. واستفسرت صونيا عما رأت وعاينت، ولبثت مذهولة مما سمعت، وبدر لا يفتأ يمزق عن ذاتها حجب الحيرة، وإن وجد في استفسارها وتساؤلها باعثا جديدا للهياج والتوتر:
ـ يزعم الأجداد منا أن هذا المرقد لولي صالح ذي بركات يدعى سيدي محمد بن عبد الله! وشاع بين الأهالي أن التضرع بأعتابه والتمسح بجدرانه وتقبيل حيطانه يبعد النكد ويجلب السعد .. يضمن الشفاء للقريب ويعيد طلعة الحبيب! ومن يحلف به كذبا تفتك به النوائب لاحقا!
وابتسمت فتساءلت مستنكرة :
ـ وأي بركة ترتجى من الحجر ورفات البشر يا بدر؟
ـ كل شيء ممكن في زمن الحماية..
أثار الرد فضولها وازداد عجبها وعادت تسأل:
ـ الحماية! وما دخل الحماية في أمور حسم فيها الأجداد بما زعموا؟
ـ الحماية كرست العرف وروجت له بأبواقها، وأضفت عليه هالة من التقديس فجعلته مقسما به يساق إليه لابس الشبهة فيؤدي في رحابه اليمين إذا أنكر!
ولم يزدها النبش فيما يكتنف هذا الطقس الغريب من الأسرار إلا تماديا في السؤال:
ـ من يقود المشبوهين إلى الضريح؟
ابتسم وأجاب بلهجة يغلفها الهزأ والشماتة:
ـ وهل يسوق المشتبه فيهم سوى القواد والشيوخ وبأمر من الحاكم العسكري؟ لاكومب هو من سن هذا العرف المحمود يا صونيا!! أليس الحاكم ناطقا رسميا باسم كيوم يا أعز من حبيبة؟
ـ والغاية من ذلك؟
ـ تبررها الوسيلة...!
درت ـ من حدقتها وتوهج وعيها ـ أبعاد هذا التوجه الاستعماري البغيض، الرامي إلى تدجين الذوات وتكليس العقول، وترسيخ البلادة في الصدور.. وتزحزحوا عن السور، فراق لصونيا أن تتابع الحركة الدائبة والنشاط المحتدم في حوانيت الحدادة.. ألسنة النيران تؤججها أكوام الفحم الحجري ونفخ الكير المتوالي، ودقات المطارق تنهال بكل قوة على الحديد فتسويه مدى وسكاكين وصفائح دواب وقضبان الشواء.. حتى قال بدر، وهو أدرى بما انصب عليه اهتمام الحدادين.."كلما أوشك عيد الأضحى جد هؤلاء الصناع في إعداد لوازم الأضحية". رغبت صونيا في التعرف على الدرب وساكنته وضريحه الشهير بسيدي بوكيل، فأمسكت بساعد بدر ثم واصلا المشي بتؤدة يجوزان الطريق.. أثار منظرها الذي يشع رشاقة ووسامة فضوليي الدرب؛ من أمثال الوزانية التي صادف وجودها أمام الدار جثوم السيارة الأنيقة، فاستبشرت خيرا وهي تمني النفس بزبناء جدد! وهذا الحسين الدباغ يهم بالدخول إلى جامع سيدي المعطي، وهو ينظر ويمعن النظر مجهدا عينه العوراء، ولم ينتبه إلى العتبة الإسمنتية فإذا هو يسقط من عثرة .. نهض لتوه مداريا ما يحس به من نغص في ركبتيه، فالتفت إلى بدر وصاحبته المندمجين في حديث خاص، وشيعهما بنظرة حادة من عينه اليتيمة.. ورغم ما يكنه لبدر من التقدير فقد تحامل عليه في سره، فهمس في صوت خفيض قبل أن يواريه باب المسجد " الله يلعنها سلعة.. الله يلعن أولاد الحرام.. عيونكم كالخناجر أيها الخنازير.." وذاك سلمان السفناج في الجهة المقابلة، زير النساء في الدرب والخليل السابق لفاطنة أرملة الخضار المشنوق، يلوي عنقه في جهد وقد جحظت عيناه وهو يطيل النظر في الوجه الصبوح يندى صفاء ويقطر وسامة، فاستيقظت غريزته وجعل يلحس شفتيه الغليظتين، ولم ينتبه إلى قطع الإسفنج يحترق نصفها داخل مقلاة يغلي فيها الزيت، فقال معرضا بصوت مرتفع أثار انتباه المارة.."اللهم صلي على النبي.. جد علينا من فضلك ومنك يا منَان.." ثم أرجع البصر إلى المقلاة، وألقى بالقضيب الحديدي الذي يقلب به الرغيف جانبا، وأخذ يضرب على صدره بقبضة كفه وعيناه على الإسفنج يحترق.. الغوث الغوث! يا ويلي على الخرف والكبر! احترق يا عجين كما يحترق قلبي". قال بدر في خاطره بعد أن ضبطه متلبسا، وهو العزيز على نفسه لمواقفه الثابتة على المبدأ: اتق الله يا جد.. يا أبا المتزوجين والمتزوجات!
وواصلت صونيا جولتها بمعية بدر فزارت سيدي بوكيل، ووقفت تتأمل في بنائه وقبته وتنظر بإشفاق لمريديه وحجاجه.. ودلها بدر على الساحة جنب ضفاف الوادي والتي كانت مرتعا لطفولته وخزانا لحلو ومر ذكرياته.. وواصلا الفسحة عبر ضفاف الوادي وصوت خالي بن علال يؤذن بدخول وقت صلاة المغرب...

محمد غالمي
09-07-2009, 03:22 AM
كان بدر لائذا في صالون الضيافة ينعم في قيلولة دأب عليها في مثل هذا الوقت صيفا وشتاء.. وأمسى الراديو أنيسا له لا يفارقه منذ اشتراه أبوه، وكان السيد عبد الحميد الراضي حقا أول من صدح الراديو في داره.. وبغتة انتفض بدر كمن قرصته عقرب، وجعل يرهف السمع ويتساءل كالمجنون.. ما هذا الخبر يا إذاعة طنجة؟ ما الذي أسمعه؟ وفي انفعال جعل يحول الموجة حتى ثبتت في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية في لندن.. أصغى باهتمام لتعليقات المذيع.. تأكد له أن المقيم كيوم نفذ ما هدد به وتوعد.. صفعة قوية تلقاها خده على حين غرة، وإن كانت متوقعة في في كل ظرف وحين. دعا أمه بصوت عال وانكفأ على نفسه منكس الرأس، مثبتا ذقنه على قبضة كفيه.. نفضت السيدة حليمة يديها من العجين ولبت نداء وحيدها، فأسرعت لا تلوي على شيء حتى وقفت أمامه وفي عينيها اندهاش وتوسل مقرون باستفهام.. ورفع رأسه وهو يقول متأثرا:
ـ فعلها الكلب المسعور يا أمها! نفذ الوغد المؤامرة..
وجعل يحكي إليها ما بثته الإذاعة من أن سلطات الحماية أقدمت على نقل سيدي محمد بن يوسف من القصر الملكي بالرباط إلى مطار الرباط سلا على متن حافلة استقدمت من القنيطرة لهذا الغرض. فاجأها بما لم تتوقع، وبغير شعور ضربت السيدة بعرض راحتها على صدرها وقد جحظت عيناها من هول النبأ.. رفعت يديها إلى فوق ضارعة متوسلة دامعة العينين.. يا ربي لا ترينا في السلطان مكروها.. اللهم هون عليه هول العزلة والضائقة.. اللهم بجاه نبيك المصطفى شل يدي كيوم كما شلت يدا أبي لهب.. ولم تكن سامية بعيدة عن الموقف إذ وقفت هي الأخرى كالمصدومة من وقع النبأ وألمها وجرح قلبها مشهد أمها تضرب على صدرها وتنتحب كمن فقد عزيز.. وتمالك بدر نفسه ومسح دمعا ساح على خده من تأثر، فجعل يهدئ خاطر أمه ويعدها بأن زمن الثأر حان ليهلك المسعور ويحيا الوطن..
قطبت السيدة في استياء وقالت:
ـ صحيح يا بني لن يخذله الشرفاء أو يتخلى عنه الأحرار.. لكن!
ـ لكن ماذا يا أماه؟
ـ أبق نشاطك كالمعتاد في طي السرية والكتمان يا بني..
وذكره ذلك بما كانت تنصحه به زمن الدراسة من تفادي الأشرار وتجنب سبل التهلكة.. واستعاد آخر ما زوده به أبوه من التوجيه حين دعاه ليشاركه مائدة العشاء، فرفع رأسه إلى أمه وخاطبها:
ـ اطمئني أمي.. لن يفلح الظالم مهما ظلم.. نحن له بالمرصاد بكل ما أوتينا من قوة العزم وصلابة الموقف..
غادر صالة الضيافة ووقف أمام الباب الخارجي، فرأى حسام يعدو من مدخل الدرب ويتجه نحوه.. أدرك بحدسه أن صاحبه ليس بأحسن منه حالا، وأنه اكتوى هو الآخر من لهيب الخبر. وشبك ذراعيه ولبث منكس الرأس ينتظر أن يلحق به.. في هذه اللحظة كان عمر متواجدا في دار الوزانية يعد لها رزمة من القنب الهندي.. وبينما هو يهرسه وينقيه من الشوائب، والوزانية تزيد من صوت الراديو ليتسنى لها سماع نشرة أخبار إذاعة لندن، داهمهما النبأ الصاعقة..! نفض عمر يديه من عشبة الكيف وألقى بالسكين جانبا، وهب مسرعا نحو الباب الخارجي تاركا المرأة تندب حظها وتضرب على فخذيها بمطلق كفيها.. وتناهى الخبر إلى شعيبة الأعمش المنعكف على إعداد الشاي بالمطبخ، فنفض يديه وأسرع في مشيه ثم جلس قريبا من سيدته مقرفصا يشهق وينوح كالصبي.. علمت رحمة اليهودية بالخبر المشئوم فخرجت من باب دارها تهرول وجعلت تطرق على باب الدار بالجنب محمرة العينين من دموع.. وحال رحمة أن تهرع إلى السيدة حليمة فتشكو ضرها كلما جد جدها وغم صدرها. وأمام خربته انتصب خالي الحافظ كعمود كهرباء، وأخذ يضرب كفا بأخرى.. يرغد ويزبد، ويتوعد الظالم المستبد. وانتشر الخبر في سائر الدروب والأحياء، وكانت شرارته كالنار في الهشيم. التأم شمل الرفاق جميعا ـ بدر وحسام وعمر وعصام، وحميدو والغالي ـ بدوا في وقفتهم ووجومهم أمام الحائط المطل على الروضة وكأنهم يحيون لحظتهم في خضم عالم جنائزي رهيب. وفي اليوم التالي استيقظ الأهالي على نبأ آخر صاعق.. لقد ابتلي الدرب بفقيه مغشوش من شيوخ الطرقية، جاء مهتما يدعمه عزام وسرحان، فطافوا على معظم الدور والفقيه المغشوش يهيئ الرجال والنساء نفسيا، ويشرح لهم دواعي إبعاد محمد بن يوسف ومزايا السلطان الجديد المدعو محمد بن عرفة، ويعدهم بعريضة ستطرق قريبا أبوابهم، حاثا إياهم على توقيعها. استنكر الناس هذا الانقلاب الدنيء على رمز الأمة الشرعي، ولعنت الخواطر ـ سرا وعلانية ـ طلعة السلطان الدمية إذ تطلع.. لبد الناس في بيوتهم وشل السكون أوصال المدينة، وواصلت الدكاكين والمتاجر صد أبوابها فخلت الأسواق من روادها. وإذ لزمت النساء البيوت يلكن الحزن أنفاسا متقطعة، هرع الرجال إلى المساجد وظلوا بها معتصمين يرددون في أصوات عالية متناغمة دعاء مألوفا: (يا لطيف ألطف بما جرت به المقادير) .. كانت عيون الحاكم منبثة حول المسجد الأعظم فيما يشبه الطوق، وأخرى مزروعة في رحاب المسجد تحصي الأنفاس. واندس عميل يهودي يدعى موشي في كنيس بالملاح في زنيقة اليهود، وأحصى أنفاس رواده الغاضبين من خلع السلطان القدوة والرافضين خليفته الدمية ..
وشرع العملاء في طرق البيوت لحمل الناس على أن يفوا بوعدهم فيوقعوا مباركين مبايعين! وأغلب السكان لزموا الصمت ولم يأبهوا لطرقات العملاء والأذناب تكاد تكسر الأبواب.. وما لبثت أن تحركت آلة الإجرام يقودها سرحان والشيخ عزام تتعقب من تعتبرهم وطنيين عصاة ومتمردين شقوا عصا الطاعة.. تمكنت من معظمهم، في حين لاذ البعض بالفرار من باب المسجد الخلفي.. كان الرد أعنف وأقسى إذ أشرف على استنطاقهم أعتى الكلاب شراسة؛ يوري واندريه وجوليان، ثلاثة ضباط مختصين في فنون انتزاع الاعترافات تحت طائلة أفظع فنون التنكيل.. استقدم الزبانية الجدد من كوميسارية المعاريف بالدار البيضاء، وانتدبوا للعمل تحت إمرة القائد بوسيف، أمزيغي الأصل مشهور بالحية العوراء، جيء به والذئاب الثلاثة خصيصا لمدينة تادلة المعروفة ـ في قاموس الفكر الاستعماري ـ بمجمع الساخنة رؤوسهم!.. وفي ميعة هذا الظرف العصيب اجتمع الرفاق في غرفة القيادة.. وهيمنت المستجدات البغيضة على مجلسهم الاستثنائي؛ مؤامرة الخلع الدنيئة وإنزال الدمية الغريبة. وأفدح فداحة جعلت بدرا وصحبه محزونين مهمومين أن سقط في كمين القائد بوسيف شاب من حي الزرائب يدعى عبد الحق، مدرس أعزب ثائر يشهد بدر بكفاءته ونبل أخلاقه وصدق وطنيته .. قبل ثلاثة أيام أطلق عبد الحق للسانه الزمام يقذف بالحمم؛ فقد استعاض عن الدرس اللغوي بدرس من وحى الظرف البغيض، فاضت فيه نفسه نقمة وهاجت ذاته نارا على القائد الأعور الجديد ومعاونيه الذئاب.. ما خطر بخلده بأن تلميذا عميلا يتابع من المقعد الأمامي نبرات الأستاذ تزداد تقريحا وتجريحا.. وفي المساء داهم خفافيش الليل بيته ولم ينفض يديه من عشائه.. غرزوا فيه المخالب وحلقوا به إلى مخبأ الغرائب.. أجل من ليلته بات عبد الحق في مضجع غير مضجعه مستأنسا بالجرذان والهوام.. استقدم إلى طاولة الاستنطاق ثلاثة أيام متتاليات ولم تلن قناته أو يأفل بريق صموده، على الرغم من جحيم الكي بالنار، والوخز برؤوس السكاكين والإبر، والتعليق من القدمين وقلع الأظفار.. وكلما امتنع عبد الحق عن البوح وأبدى ثباتا في موقفه ضحك القائد ضحكة مجنونة واستدار في خفة مسددا إلى الخد صفعة مدوية. يئس القائد من انتزاع رأس خيط يقود إلى الحقيقة فصعد من وتيرة التنكيل ولجأ إلى أخس وسيلة إجرامية؛ وقف يبتسم منتشيا بأنات المدرس ينتهك عرضه بالقنينة!! مشهد في منتهى الخزي والاستهتار تمكن من

محمد غالمي
09-07-2009, 03:25 AM
ذوات الرفاق وملأ قلوبهم غلا ونقمة.. توارت في رموشهم سحب كثيفة من التقزز والغثيان.. وشل الخرس ألسنتهم إلا حسام الذي اندفع منفعلا وصاح من فورة ما ساوره من غم وغضب:
ـ سوف يكون الرد مناسبا (ولزم الصمت متحسر من غيض فاستطرد) و في الزمن المناسب.. وحينئذ سيعرف الظلمة أي منقلب سينقلبون..
ومضت النفوس تستشعر ضيما مشوبا بالعزم على الثأر، ولم يستحمل الغالي فخرج من وجومه ورفع صوته يتلو: "إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا، فأمهل الكافرين أمهلهم رويدا".. وجعل يحدث على ضوء الآية كالواعظ ، ليزرع بعض السكينة والأنس والدعة في النفوس المهتزة، ونبس بصوت خافت منهك من لوعة وتأس.. إنها حكمة الله اقتضت أن تضع المؤمنين الصابرين القانتين على محك البلاء.. وليس هذا الجرم العنصري البغيض علينا بغريب..ألم يعان رسول الله وصحبه ومناصروه من كيد المشركين وجبروتهم ومؤامراتهم على الدعوة؟ وماذا جنوا في النهاية؟
وقاطعه حسام مجيبا على استنكاره: وهل يجنوا غير المذلة والخيبة والخذلان يا غالي؟
وأدرج بدر في اللائحة السوداء أسماء العميل موشي والذئاب الثلاثة والحية العوراء، وتكفل حسام باقتفاء أثار أقدامهم ورصد تحركاتهم، وضبط نقائصهم ونقط الضعف فيهم، مستغلا في ذلك قرب أبيه المخزني من مركز القرار في إدارة الحاكم لاكومب. وانتدب عصام والغالي وعمر لإجهاض المؤامرة ـ مؤامرة العريضة ـ بالتواصل مع ساكنة الدرب والأحياء المجاورة سرا، وتوعيتهم بما يحذق بهم من الأخطار تحت عباءة فلاح أمي، وعجوز إقطاعي تصر الإقامة على إنزاله بالمظلة من فاس إلى الرباط ، ومبايعته سلطانا على المغاربة.. وأن اليد التي امتدت للملك الشرعي قادرة على أن تطال المخلصين من أبناء شعبه بالخنق والإجهاز.. وكلما آنس الفقيه الغالي قربا ممن يطرق أبواب منازلهم أذكى نار الحمية في النفوس.. "اتعظوا وعوا.. لا تخاطروا بأرضكم وملككم.. كيف نرضى بعجوز دمية يعمه في بحر الجهل والأمية أن يتولى أمرنا وتحت راية فرنسا؟.. اسمعوا قول جل من قائل"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم".. ولو قبل مولانا السلطان أن يتبع ملتهم وينساق مع إغراءاتهم لعرضوا عليه مال قارون.. ولكنها الشهامة والإباء حالت دون مخططاتهم الرهيبة.. فهل نرضى لأنفسنا الذل ونجاري أعداء الوطن فيما يخططون له من الكيد؟
ومضى الحول والإقامة العامة متمادية في إبعاد سلطان البلاد وقهر أشراف العباد.. وعن طريق الإذاعة، وبواسطة منشورات سرية علم أهالي درب مولاي بوكيل بإضراب عام على الصعيد الوطني، لم تفلح ألدعاية وأبواق العمالة في إجهاضه وثني الناس عن تلبية ندائه..
وفي هذا اليوم الخريفي الممهد سكونه لعاصفة هوجاء ضرب الوجوم بنسجه على سائر المدينة.. خلت الشوارع والدروب من أثر الأقدام إلا ما كان من دوريات السلطة تجوب هنا وهناك.. أما ساكنة الدرب فآثروا البقاء في بيوتهم يترقبون كل طارئ، وهرع الجيران إلى كل بيت يملك أهله جهاز راديو.. وبينما كان بدر وصحبه يتابعون سير الحدث عبر صوت العرب من القاهرة، لجأ إلى دار الوزانية الحسين الدباغ وخالي الحافظ وسلمان السفناج وعمي نافع الحمال.. التهبت المشاعر حماسا من نداء علال الفاسي يشحذ الهمم ويبري العزائم من قلب قاهرة المعز.. أثار ذلك الحمية في النفوس فخرج الناس عن بكرة أبيهم محتجين منددين. سالت بهم الشوارع، وامتزجت أصوات الرجال والصبية والنساء، وحال الألسنة تصدح عاليا بشعار:
ملكنا واحد محمد الخامس.. ملكنا واحد محمد الخامس..
وكانت الهجمة أفظع والرد أعنف وأبشع! تحركت الآلة العمياء مشحونة بطاقة زودت بها العيون والآذان النشيطة.. واعتقل من اعتقل في عز النهار، واختطف من اختطف في كبد الليل وجنح الظلام.. وبرع القائد بوسيف والذئاب؛ أندري ويوري وجوليان في تجسيد أدوارهم الهاتكة للأعراض والمنكلة بالأجساد. تناهى إلى الرفاق خبر اختطاف السيد عبد الصادق همام وخضوعه لحصة تعذيب رهيبة لم يظفر من ورائها بوسيف وسواعده الآلية بقلامة ظفر من بوح، وبعد ثلاثة أيام نفي إلى إحدى القرى النائية بجنوب المملكة..
وفي جلسة استثنائية بغرفة القيادة اجتمع بدر وصحبه.. طفح الكيل ووصل السيل الزبى، وأبت العزة إلا أن ترد الصاع صاعين وتمزق ذيول الاستكبار شر ممزق.. وعلى ضوء ما تم تجميعه من معلومات تبين أن أندريه ويوري هدفان سهلان هينان كوديعة أو مال في جيب صاحبه.. كلاهما دأب على نزهة صيد أسبوعية بضفاف أم الربيع تمتد من العصر حتى المغيب. أما جوليان فاحتاروا في أمره إذ شق السبيل إليه؛ تبين أنه يتردد على بار خاص تابع لنادي الضباط الفرنسيين في قلب الكانتنات، ولا يلجه إلا من يحمل بطاقة انتماء. تذكر بدر أن فيليب يتوفر على بطاقة، وسبق أن عرض عليه مصاحبته إلى النادي المذكور يوم الأوبة الميمونة من فاس، إلا أن بدرا اعتذر بعد أن آل على نفسه بعدم التردد على موارد الخمر ومجالسها إلا لضرورة قصوى تقتضيها مصلحة الوطن... في حين اتضح أن بوسيف أشد عسرا وأعصى على قبضة اليد؛ فمن مركز القيادة بإدارة الحاكم إلى بيته يحرسه جنديان. ما يزال بدر يسبح في أعماق خواطره متفكرا منقبا ملء عقله وكيانه، عسى أن يلفي بصيص نور أو رأس خيط يقود بلا عناء إلى عين الشر وموطن البلاء. وبغتة انتفض من مكانه مبتهجا ملوحا بقبضة يده، دافعا إياها إلى الأمام كعالم توصل لنتيجة مأمولة بعد عناء تفكير وطول تجربة.. وصاح في الرفاق "صونيا كوستي وأحلام بنت الترجمان الفتاك!.. أجل، هما رأس الخيط المفضي إلى حيث تقبع الأفاعي!" اطمأن من أعماقه لملاكه وقد اكتملت أوصافها.. تزودت من معين الحب، ورشفت منه جرعات ساحرة مهدئة منحتها حصة من تطهير غسلت ذاتها من كل الأدران.. حقا كان الحب لصونيا كتابا تعلمت فيه أبجدية الإخلاص والثبات على المبدأ، وغمرت رئتيها من أريج ما يتضوع من أركان دار حي سيدي بوكيل من عادة أصيلة وعرف إنساني نبيل.. بدر وصونيا قلب واحد في جسد واحد، وقالب استوى روحا وجسدا وكيانا ومشاعر. توصل إلى جوهر الحقيقة يحكي أن المحب فعلا على دين من يحب.. استعاد ثباتها على الموقف حين أوقفت حصة تدريبها وتجشمت متاعب العودة من الدار البيضاء إلى تادلة فور سماعها بإبعاد الملك الشرعي وأفراد عائلته إلى كورسيكا فمدغشقر.. نزلت وقتئذ بمحطة الحافلات بالكانتنات وتوجهت مباشرة إلى حي مولاي بوكيل مهتمة تحمل في جوانحها ما يحمل بدرا من هموم.. حتى إذا وصلت استدارت نحوه مرتبكة لا تدري كيف تلقاه فهرع إليها واحتضنها بين ذراعيه.. قرأ على جفنيها المنزعجتين دواعي الزيارة.. واسته وعزته مشاطرة إياه المصاب الجلل، وما خلف في النفس من حر اللوعة والتأسي. وقبل أن تودعه دامعة العين أخرجت من حقيبتها اليدوية طردا بريديا وسلمته إياه.. ومن لحظته هرع إلى مكتب غرفته واندمج في الخطاب بسائر كيانه.. "ها قد أحسست بالعيون مبثوثة من حولي.. تشيعني بنظرات شزراء تروم هدَ أحلامي ووأد مشاعري.. تجد في إطفاء جذوة فؤادي وشعلة فكري.. كل العيون من حولي تتراءى لي كعيون ذئاب جاحظة تتربص بي في بحر من الظلام.. تطاردني، لكن بدون جدوى.. ومهما يكن فلن يسهل على أظافر

محمد غالمي
09-10-2009, 03:20 AM
أرانب مذعورة شق القفص الذي يحتضن القلب المركب.. ذاك الذي ينبض عشقا جنونيا.. لقد أحببت يا بدر لكنني أديت الجزية ألما من تأنيب وسخرية.. وإني لواثقة من أن ألمي سيقودني نحو السعادة السرمدية.. بدر حبيبي.. ثق بأن كل شيء فقد معناه.. حتى عالم الضيعة الذي استنشقت هواءه حين رأيت فيه النور أمسى فارغا إلا من طيفك المشع من حولي.. إنك عدت امتدادا لذاتي الضائعة في دهاليز الضيعة وسراديب الفيلا.. حتى الطواويس والأرانب واليمام جميعها انسلخت عن وداعتها.. وأنا عجزت عن وجود معنى لحياتي في الأكناف التي تأويها إلا في طي جوانحك.. فكن لذاتي المتمردة ملاذا وموئلا إذا عز الموئل.. بدر .. لا منغص يحز في نفسي سوى ما تضمره أمي ـ سامحها الله ـ من معاناة باطنية جراء مرض خبيث ألم بها.."
اعتبر بدر نص الرسالة بيانا جليا لجوهر الحقيقة الكامن في عبارتها الشهيرة (المحب يا بدر على دين من يحب) لم يجد بعد ذلك من بد في أن يكاشفها ـ كما كاشفته ـ أسرارا مهما يكن وزنها، وهو أشد يقينا بأن هذه المسارَة تزيد من توثيق عرى المودة، واقتنع في ارتياح بأن سيجد في صونيا خير مفتاح. واستحضر طيف أحلام، الوسيمة السمراء التي عادت إلى عالم الرفاق الأجلاء.. أجل، عاد النبع إلى المجرى.. انتهى زمن الفطام وعانقت أحلام دنيا حسام، وفي صدرها تتأجج لوعة الجوى بفورة النضال والوئام.. لم يعد يساورها ريب في صدق مشاعره أو يخامرها شك في إخلاص نبضات فؤاده.. تفكرت مليا وحسمت موقفها فتجردت من تبعة الهم والوسواس.. لغت من حسبانها نادين بنت ماريوس التي كانت بحق قاموسا من وهم عطل حبال الوصال، واقتنعت بأن علاقتها بحسام لا تعدو كونها ضربا من عبث اقتضته مصلحة ودعت إليه ضرورة. اطمأن قلب بدر أكثر إذ توسم فيها مفتاحا آخر لولوج عالم القائد بوسيف المحصن واختراق خصوصياته. وبحكم الجيرة توطدت علاقة أبويها بالسيد بوسيف وحرمه منذ انتدب من الدار البيضاء في مهمة محصورة في قمع الانتفاضة وتقليم أظافر المنتفضين.. وأصبحت السيدة سميرة حرم القائد صديقة لأم أحلام، تلجأ إليها كلما غمت وضاق صدرها من زوج ذي شخصية لا تخلو من انفصام وازدواجية. والحق يقال إن بوسيف جمع صفات نمر شرس في مركز الاستنطاق، وحمل وديع في حظيرة مغنية شعبية من دير الأطلس تدعى سكينة، مومس فاتنة وعاهرة لعوب سلبت فؤاده، وغمت ناظريه بستار حجب عنه درب الفضيلة وموطن الحق. وبين هذا وذاك يمسي في بيته ثعلبا خبيثا يجيد فن المكر والنفاق. فعلا رقص بدر فرحا إذ عثر على رأس الخيط بعد عنت ومشقة وطول تفكير، ضمن المفتاحين صونيا وأحلام ـ الكفيلتين بوضع حد لنزيف أحدثه الضابط جوليان والقائد بوسيف. قدر الصحاب إنجازه فيما حبكه من خطة لا تتأتى إلا لداهية محترف، خطة رسمها بدقة وحبك السيناريو اللائق بها.. ومهدت أحلام السبيل وشحنت سميرة بعتاد نفسي مغر كله إطراء على رجل يدعى الفقيه المجنون، حتى استقر في وعيها رجلا ذا بركات ومكرمات، حلالا لأعوص العقد والمشكلات.. وتم تجنيد الفقيه الشواف وفطوش بنت الحوات بطلين لا يشق لهما غبار.. وواصل بدر حصر الأهداف المطلوبة تباعا في لائحة شملت القائد بوسيف،والضابط جوليان ثم يوري وأندريه فالعميل موشي والمعمر باطيش صاحب ماكينة الدوم ومصنع الشمع في زمكيل، وآخرهم عزام وسرحان والزهواني لضلوعهم في الإيقاع دسا ووشاية بكل وطني غيور ندد بجريمة خلع السلطان وإنزال دمية خادم وربيب للشيطان..
لم تعد سميرة تطيق خيانة القائد وتماديه في الحمق والعبث الاستهتار، لذلك طارت إلى بيت الفقيه المجنون قي الزرايب ترافقها فطوش، بحثا عن بارقة أمل تعيد للذات المجروحة عافيتها وتفرج عنها كربتها. والمجنون رجل في الحلقة السادسة من عمره، قصير القامة عريض المنكبين قوي البنية، يرتدي جلبابا من صوف أبيض، ورأسه الأصلع المستدير ملفوف بمنديل أخضر انسدل فلامس كتفيه، ولا يبدو منه غير الوجه الخمري الحليق. وغرفته متوسطة الحجم علقت على سائر جدرانها التمائم وصفائح الخيل، وفي الركن الأيمن انتصب مجسم لأفعى من نوع الكوبرا، وقد تفنن الحسين الدباغ في دبغ الجلد وحشوه بالحلفاء حتى ليخاله الناظر وحشا ضاريا حقيقيا. وأي منظر هذا أغرب من منظر كلب أسود محنط قائم في ركن قبالة الأفعى؟ استوى المجنون في جلسته متربعا وعن يمينه مجمرة تتصاعد منها أبخرة. و فوق المائدة أمامه صحن صغير الحجم عليه قطعة من قماش أبيض.. دفء وعبق ورهبة يستشعرها الزبون فيحس وكأنه استحال شخصا آخر في فضاء آخر. وللمجنون ساعد يمنى هي فطوش بنت الحوات، وأجرها مرهون بمن تستدرجهم من الضحايا. طرق على الباب طارق، وأسرع خادمه مفسحا للزائرتين بإذن من مشغله.. رفع الفقيه المجنون رأسه وشفتاه تتحركان بصوت مهموس، وأنامله تعبث بحبات السبحة بين يديه، فوقعت عيناه على فطوش الماثلة في وجوم وبمعيتها امرأة شابة غطت رأسها ومعظم جسمها بإزار مزركش، وأخفت وجهها بخمار أسود على غير العادة، حتى لم يعد يظهر منها غير الحاجبين المقرونين يجللان عينين سوداوين. كف الرجل عن التسبيح وحدق في ذات العينين الدعجاوين وقد علاهما اضطراب وانزعاج، وقال في لهجة لينة والعبوس المفتعل يلون وجهه:
ـ من منكما ذات حاجة يا مغلوبتان على أمرهما؟
اصطنعت فطوش اندهاشا وردت في ارتباك:
ـ هذه يا مولانا صاحبة الحاجة!
خاطبها بلهجته المعهودة كحاله معها كلما توفقت في استدراج ضحية:
ـ أنت غير معنية إذن يا صبية.. فلا حاجة لنا بك.. انصرفي إلى حال سبيلك.. أبعد الله عنك النوائب وارتدى لك الغلبة مفتاحا لمكنون الرجال..
طأطأت الفتاة رأسها استجابة وإذعانا، وسميرة تشير إليها بأن تنتظرها خارج الباب من دون أن تدري بأن الفأرة المرافقة لها رأي آخر..ولت فطوش وقدماها تحصيان درجات المرقاة المفضية إلى قبو أسفل، وربضت هناك في مخدع العجائب وبؤرة الغرائب في انتظار إشارة المجنون كي تشخص دورها المعهود.. حول الرجل رأسه ناحية المرأة أمامه وقال والجد باد على ملامحه:
ـ اسمعي يا بنية.. إن أسيادنا (أصحاب المكان) لا يأبهون بالأجساد الملفوفة فيما يشبه الأكفان.. الكفن يطرد الأرواح شر طردة.. انزعي عنك هذا اللحاف نزع الله عن قلبك الهم والغم.. ابتسمي في وجه من قطن هذا البيت ورفع قوائمه.. بشي في وجه هذه الأجساد الهامدة عسى أن تدغدغها البشاشة فتبعث فيها بصيصا من روح.. دوى أنينه ونحنح كالحصان محركا رأسه يمينا وشمالا..
أذعنت المرأة لأمر المجنون وجعلت تنزع عنها اللحاف وتجرد رأسها ومحياها من اللثام.. كانت دهشته قوية وهو ينظر إلى القامة الهيفاء والجسد البض الأسيل يرفل في لباس مطرز.. بدت سميرة ذات الثلاثين بحق وسيمة رائعة المنظر، عذبة الثغر، لبست في معصميها أكثر من اثني عشر سوارا من خالص الذهب، فضلا عن قرطين أضفيا على الجيد اللاحم الناعم سحرا وجاذبية.. تحفة رائقة كسرت وجه الغرفة المقنع بأشباح مرعبة أصابت لب المجنون في الصميم.. وابتسمت مكرهة، والرجل يجهد نفسه ليداري دهشته وسكرته، ويعيد لسحنته الجد والحزم والوقار، فقال:
ـ حسنا فعلت يا طير الجنان وقضيب الريحان.. لكن لن أفحصك وأعرف مواطن الضر فيك حتى يعرف أصحاب المكان من تكونين يا ظبية أضناها التيه!
وفي همس أجابت:

محمد غالمي
09-10-2009, 03:22 AM
ـ أنا سميرة بنت القائد صالح..
ـ عذراء أم ثيب يا هذه؟
وازدادت لكنتها اضطرابا فنبست:
ـ على ذمة القائد بوسيف.. ألم تسمع به في البلد؟
وكأنما تجاهل المجنون كلامها أجاب مستهزئا:
ـ كثر القواد حتى أصبحنا لا نفقه في أمرهم شيئا!
وعلى ضوء التقرير المفصل عن الضحية الذي زوده به بدر، عرف المجنون بأن القائد بوسيف الطاغية الجانح يقيم بقصره داخل ضيعته بضواحي قرية تاغزيرت.. هناك بين أحضان فاتنة عاهر تدعى سكينة من أمازيغ الأطلس، وتحترف الغناء الشعبي والرقص.. وأصبح لا يزور مغناه في حي الكانتنات، ولا المخلوعة القابعة فيه إلا مرة في الأسبوع، وعاد يسألها كالمشفق من حالها:
ـ ما ضرك يا امرأة؟ احكي مصابك إني مصغ إليك..
ـ أصابني الضر من أقرب المقربين يا مولانا.. الرجل جنح عن جادة الصواب، وآثر العيش بعيدا في أحضان مومس تدعى سكينة!
تحير وصاح كالمستغيث:
ـ يا للنساء من جور الرجال! اجلسي يا حمامة مذعورة أمام هذه المائدة ولنتوكل على الله..
أضاف خليطا من عود القماري والصندل في المجمرة، وعوى وسط زوبعة الدخان، فتمكن الرعب من فؤاد سميرة وهي تتابع حركات يده وقد جمع أصابعه وجعل يديرها حول الآنية فوق المائدة في حركة دائرية.. توقف وزفر زفرات متتابعات ولهج وهو يحملق في غطاء الآنية الأبيض:
ـ بوسيف يحمل سيفا بتارا ويدنيه من رقبتك.. وهذه ـ كما أراها في هذا القماش الأبيض ـ جنية إنسية تشهر سكينا في وجهك.. وهذا سر مصابك.. تمكن من ذاتها الهلع وهمست في ذهول وانزعاج:
ـ سكينة تحمل سكينا! والحل يا مولانا؟
ـ ولا حل إلا حين التأكد من طبيعة السيوف والسكاكين المتربصة بك! سوف أحضر الملعونة التي عبثت بمخ زوجك ذليلة مهانة.. سوف تسمعين صوتها.. سوف أشعل فيها النار حتى تفصح عن هويتها.. قولي التسليم للأجواد! وردت المرأة باللازمة كما أمرت.. وشمر على ساعديه ونبس :
ـ على بركة هذه الأرواح المنبثة.. أزيحي المنديل الأبيض من على الإناء وخبريني ما بداخله؟
ـ فارغ من كل شيء يا مولانا!
أطلق المجنون زفرة تطاير من جرائها لعابه فرشها في وجهها، ونطق:
ـ أضناك الفراغ يا زينة النساء.. (وحملق في قعر الإناء واستطرد) أنت بلا شك مقصرة في حقك.. ثلاثة أشهر وأنت منبوذة كالشاة الجرباء.. أليس الأمر كذلك؟
اندهشت سميرة لما سمعت فغص الريق في حلقها وردت:
ـ فعلا يا مولانا..
أيقن المجنون بأن المرأة أضحت في حكم الحمامة الأسيرة، وزاده ذلك تحفيزا وتشجيعا فانطلق كالمدفع ممنيا النفس بشهي الطريدة..
ـ إياك أن تقصري في حق أرواحنا.. توجهي إلى القبلة واقرئي الفاتحة والمعودتين.. هيا..
وولته ظهرها تتلو ما أمرت به، وفي لمح البصر عوض ا الإناء الفارغ بآخر جذبه من تحت المائدة وأعاد عليه نفس القماش الأبيض، وقد رافق هذه العملية صيحات وأناة يرددها ليطمس معالم حيلته. نفذت ما طلب منها فعادت إلى وضعها السالف تتابع المجنون وعيناه تجوسان في ظهر القماش كأنما يفك رموزا وطلاسم.. وقرب أذنه من الثوب الأبيض، وصاح كأنما يخاطب روحا خفية..ماذا في الأمر يا ميرة؟ ارفعي صوتك حتى أستوعب ما تقولين! وتفرس في وجه سميرة تفرس المشفق، وأشار إليها بأن ترهف السمع لميرة تجلو عن الحقيقة الضائعة.. وفجأة غمر الغرفة صوت نسائي شبيه بالنعيق لم تستوعب سميرة فحواه، وسرعان ما تلاشى بالتدريج فلبث المجنون واجما كالمصدوم وخاطب سميرة:
ـ الأمر في منتهى الخطورة يا سمورة.. اجمعي أمرك من الآن وقي رقبتك وبطنك من حر السيف والسكين!
وسرى الرعب من جديد في عروقها وشعرت بالدم تفور سخونته الواخزة من رأسها، وعلا وجهها شحوب ينم عن حرقة وألم دفينين. حاول المجنون من دهائه وطول مراسه أن يحفزها على ضبط النفس والتعقل، مطمئنا إياها على أنه سوف يسخر ما بحوزته من الأسلحة لإجهاض المؤامرة، وسميرة ترنو إليه وفي عينيها توسل واستعطاف ورجاء.. واستطرد يمزق الحجب عن سر ما يتربص بها من مهالك ومخاطر!! ـ لك الله يا سميرة.. أعمت اللعينة عينيه وأصمت أذنيه وسلبت إرادته! استغلت جانب الضعف منه وتوفقت في ابتزازه..
وكف لحظة عن الكلام وجعل يحرك رأسه صعودا ونزولا كمن يتألم من ضيم وأسى، وسميرة تثبت فيه عينين وقد خيم عليها إحساس بالفشل والهزيمة، واستطرد مؤججا نيران النقمة في باطنها.. بوسيف يستعد لتمليكها قصرا وضيعة.. وهذه هي الحقيقة الضائعة.. ولوما يقظتك وتعجيلك بعيادتي لكنت ألفيت نفسك بعد شهر خاوية الوفاض ككيس قمامة ملقى في عرض الشارع!!
وخرجت عن صمتها وخاطبته:
ـ أفتني في أمري يا مولانا أكن لك شاكرة ممتنة.. ولسيد الأسياد نظير ما ينطق به لسانه أضعافا مضاعفة..!
تحفز المجنون وقد ضمن لنفسه ما يرضي باله ويشبع نهمه:
ـ اسمعي يا ابنتي.. فما أنا إلا وسيط خير.. والحل في ما تفتي به الجنية.
ورفع عقيرته مخاطبا الفراغ.. أفتينا بأنجع الحلول يا ميرة!
وارتفع نعيق الجنية يذكي فتيل الرهبة ويطرح الحل الفصل....!
وكأنما ثارت ثائرة المجنون صاح في الفراغ عاليا.. الأعشاب المقترحة باهضة الثمن يا ميرة! وأين نعثر على عسل نحل لا يتغذى إلا على تلك الأعشاب؟ صمت لحظة وجعل يصغي والبشاشة تعلو وجهه، ثم نطق منشرحا كمن توصل بخبر سار.. حفظك الله يا ميرة وقوى إيمانك وجازاك عني وعن سميرة خيرا!
وعاد النعيق يعلو من جديد... والفقيه المجنون يبتسم ويرفع رأسه كمن وافق على مطلبها.. تستأهلين أكثر يا ميزة.. لك ما تشائين يا أمورة! وخاطب سميرة في همس:

محمد غالمي
09-12-2009, 03:23 AM
ـ إنها ترغب في ثمانية أساور نظير ما ستزودنا به من عسل.. البحث عن العسل والظفر به دونه أهوال وأخطار في الصحاري والقفار!! فهل أنت موافقة على مطلب الجنية أيتها المظلومة؟
وردت في لهفة:
ـ أكثر من موافقة يا مولانا.. على استعداد لأدفع أكثر نظير أن يشفى غليلي ويطمئن فؤادي.. أرغب في دواء يجهز على أنفاس سكينة وبوسيف..
ـ أبشري من لحظتك هذه يا سميرة.. قريبا ستريحين أعصابك من صولة الضرس الثائر.. سوف يسل كما تستل الشعرة من العجين!
وصفق المجنون تصفيقا إيذانا بالموافقة، وخاطب الفراغ:. إليك هذا الإناء الفارغ فاملئيه عسلا يا ميرة!
تريث برهة وأشار إلى سميرة بأن تزيح القماش عن الآنية، ففعلت وهتفت مذهلة:
ـ يا سبحان الله! لقد امتلأ الإناء عسلا!
رفع إليها وجهه مزهوا بما قطعه من الأشواط الموفقة، ودس خنصره في الآنية حتى أغرق نصفه فجعله في فمها، ثم أطبقت عليه بكلتا شفتيها.. سرت في جسمه قشعريرة، وانتابته رعدة من الأعماق..اتفق وإياها على أن تدفع قسطا من المال لشراء الأعشاب، فضلا عن الثمانية أساور نظير العسل إلي جادت به الأرواح الخفية! وعدها على أن الوصفة ستكون جاهزة بعد ثلاثة أيام...
أبلغ المجنون من كاتمي أسراره أن بوسيف لا يزور بيته بالكانتنات إلا صباح كل أحد، وأنه دأب على احتساء فنجان قهوة بمعية سميرة والحديث إليها بعض الوقت، لذلك التفت إليها موجها ناصحا:
ـ نصف ملعقة في فنجان القهوة أو الشاي كفيلة بإزاحته من لائحة الوجود، وبلا عين ترى أو أذن تسمع أو قلب يوجع.. وإن تمادت سكينة في الاستفزاز والتحرش فسوف نسقيها من الكأس عينها..
وقبل أن يسمح لها المجنون بالمغادرة وضعت على المائدة كل ما في معصميها من الذهب، ووعدت بأن تمنحه بعض المال. وعلى ذكر المال جعل يهمس في أذنها....! أحنت رأسها مبتسمة في حياء ثم برحت مبدية موافقة على مطلبه الجديد! وبرحت سميرة إلى خارج (العيادة) مرتاحة النفس، فوجدت فطوش منتصبة تنتظرها قريبا بعد أن أدت مهمتها أحسن أداء..عانقتها ولسان حالها يرطن:
ـ الله ينفعنا ببركة الفقيه المجنون يا فطوش أختي! بوركت خطواتك وطول انتظارك هنا.. فهل تبنى عليه قبة بعد موته؟
وفطوش ترد ساخرة:
ـ بل قبب! وسوف يصبح مزارا كمولاي بوكيل وسيدي محمد بن عبد الله وسيدي بلقاسم الزعري!
ثم وهي تستفسر في مكر وخبث لمعرفتها بطلبات المجنون التي عادة ما يختم بها مهمته:
ـ هل اتفقتما على شيء؟
وساورها الخجل وهي في ميعة الضعف والانكسار فهمست:
ـ سأزوره ليلة الجمعة المقبلة بعد صلاة العشاء.. لا أدري والله ما يريد؟ قال إن المهمة لم تنته بعد! واتفقنا على ديك يحمر في طاجين وآخر أبيض حي..
ودست يدها فيما بين صدرها وقفطانها وأخرجت نقودا نفحت بها فطوش، وقالت وهي تودعها..
ـ سوف أضاعف لك الأجر يوم تنطفئ جذوة سكينة وبوسيف..
كالجندي يلوذ لذاته ويراجع حساباته في فترة استراحته، خرج بدر وصونيا، وحسام وأحلام في فسحة استجمام خارج المدار الحضري. انطلقوا مشيا على الأقدام بعد عصر هذا اليوم من أيام أبريل الدافئة.. بلغوا شبه جزيرة على ضفاف نهر أم الربيع، ونسائم الربيع المحملة برطوبة الوادي تثلج القلوب وتنعش النفوس. جلسوا متقابلين على رمال صافية لا تبرحها ظلال الصفصاف، وتشرف عليهم ربوة صخرية قام في أعلاها ضريح الولي الصالح أبي القاسم الزعري. كانت صونيا ـ على غير عادتها ـ حيرى كسيرة الفؤاد غير مطمئنة البال، كبركان تعتمل في جوفه النار ويتهيأ للانفجار! وحتى لا تعكر صفو لحظات السكينة والصفاء، وفي ميعة أحلام وهواجس رومانسية أتاحتها طبيعة بكر فيحاء، سعت إلى مداراة غضبها بما ظهرت عليه من تجاوب في إبداء رأي أو تعقيب.. أو إرسال ضحكة منتزعة من الذات قسرا كلما أثارها موقف، أو شدها مشهد، كمشهد جحش يكر في كل اتجاه من لسع البعوض بعد أن ألقى من على ظهره امرأة عجوزا.. أدرك بدر سر الضحك المفتعل وما يحجبه من غضب وانفعال.. هاجمته أفكار وغزت عقله أوهام. هل تكون صونيا حقا فشلت في الدور الذي أوكله إليها بدر وقبلت أداءه طوعا؟ وهل يا ثرى من عائق حال دون إتمام أولى مناوراتها في تعقب الضابط جوليان؟ ألا يستبعد أن يكون فيليب أخوها قد امتنع عن تحقيق رغبتها في مصاحبته إلى نادي الضباط بالكانتنات؟ واستبعد هذا الاحتمال لما يعرفه من سلطة خفية لصونيا على أخيها.. هي بنفسها لا تعرف سر امتثاله لأوامرها ودواعي خنوعه وخضوعه في محضرها! عرفت أن بدرا اندمج في بحر أوهامه، ولم تطق صبرا على ما يعتلج في طي دخائلها.. كانت حساباته وظنونه ضربا من الوهم؛ إذ جعلت تحدث وبوادر الغضب تلوح من وجهها:
ـ وحش آدمي مجوف القلب منزوع الكبد.. كاسر ضار فاق الوحوش شراسة وضراوة.. وبوجيز القول فإن ممارساته جاوزت المدى وفاقت كل تصور! .. سبع خبيث يمارس أخبث ما تفعل السباع في ضحاياها حين تشرع في التهامها وهي على قيد الحياة!
خيم الوجوم، وتغيرت ألوان الوجوه من هول ما سمعوا حتى علا أساريرهم امتعاض وتبرم. خرق حسام حاجز الصمت مستوضحا، فخاطبته بابتسامة شاحبة:
ـ دقت ساعة الحسم لاستئصال داء الجذام يا حسام..
ـ أوضحي وخبري أين وصلت أولى المناورات يا صونيا؟.. أرجوك هوني على نفسي بنبأ الحسم السعيد؟
ولم تجد بدا فأطلعته على سير الخطة السليم.. زودته بأسرار تسربت من مكنون جوليان وهو سكران؛ تأتى لها فعلا مقابلته في أول لقاء بنادي الضباط.. ومن جميل الصدف تبين أن جوليان المبحوث عنه في هذا الفضاء المتميز يعد من معارف أخيها.. حيرها ألا يأتي ذكره على لسانه، وهو الذي اعتاد أن يحدثها عن معارفه القدامى والجدد، ومنهم بدر قبل أن تلج قدماه ضيعة آل كوستي. جلس وقتها فيليب وأخته متقابلين حول طاولة أنيقة وأسرع النادل، وهو جندي بدرجة كابرال، فوضع أمام صونيا عصير ليمون ثم فتح زجاجة بيرة مصحوبة بكوب طويل الحجم ومكن فيليب منها.. وغير بعيد عنهما أمام الكونطوار شبه الفارغ جلس شاب أشقر وسيم على كرسي طويل القوائم.. كان موليا ظهره يقرأ في جريدة لافيجي الاستعمارية، ويحتسي من حين لآخر رشفات من كأس الويسكي.. أبدى فيليب تحفظا وتجنب نداءه أو تحيته، ولكن الآخر استدار من همس الحركة فوقعت العين على العين.. قام من مجلسه وولى شطر الطاولة حيث الثنائي الأخوان.. سلم على فيليب من الوجه مبتسما، محتجا على ما اعتبره تقصيرا منه في ندائه ودعوته، خصوصا وهو من صفوة زملائه واعتاد من حين لآخر الالتقاء به.. مد يده إلى صونيا واحتفظ بها في طي راحته محييا إياها بحرارة مفرطة، والتفت إلى أخيها معاتبا.. عار عليك يا أعز الزملاء.. هذه أختك

محمد غالمي
09-18-2009, 01:47 AM
المحترمة التي طالما حدثتني عنها، وعن حسن سيرتها وجميل أخلاقها تحرمني من رؤيتها والتملي بطلعتها لولا الصدفة.. يا للصدفة العجيبة التي أتاحت لي رؤيتك! وتحررت صونيا من صمتها ونبست في هدوء.. ولكن أخي لم يحدثني عنك ولا عن سيرتك! وخلى فيليب بينه وبين الكأس الذي كان على مرمى من فمه، ونطق مجهدا نفسه على الابتسام محاولا إخفاء ما اعتراه من حرج.. لا أدري ما أصابني؟ أهو النسيان أو التقصير؟
رمقه جوليان بنظرة عتاب وخاطبه مستنكرا.. إلى هذا الحد كنت مقصرا يا زميلي؟ ليس من الحكمة في شيء ألا تذكرني أو أرد على طرف لسانك ولو مرة واحدة.. وعاد فيليب إلى الكأس يرشف منها ثم استأذن وقام يبغي المرحاض.. اغتنم جوليان الفرصة ودنا منها، وجعل ينظر إلى المحيا المتألق بالوداعة والود والصفاء.. يتملى في الخصلة الذهبية منسدلة على الجبين حتى كاد يغرق في لجة العينين الواسعتين.. تشرفت برؤيتك في أروع لحظات حياتي يا أخت زميلي.. اصطنعت بعض الحياء، ومدت أناملها الدقيقة إلى خصلة شعرها تزيحها إلى خلف تغنجا، ثم قاطعته.. وشرفي بلقائك أجل وأعظم يا جوليان.. وباقي لحظات حياتك أليست بالرائعة؟ وتحفز من اندماجها في عالمه وقد آنس منها قربا، فرد في زهو وخيلاء..مهمتنا شاقة ومضنية ولم تزدد في هذا الظرف العصيب إلا إضناء ومشقة يا صوني.. وجودنا نحن الفرنسيين أضحى مهددا في هذا البلد الجميل.. لا أظن أنك غير مهتمة بمواكبة الأحداث.. الإرهابيون اختاروا سبيل العصيان والتمرد وسلكوا درب العنف للضغط على السيد كيوم حتى يخضع ويركع فيستجيب لمطلبهم الداعي إلى إلغاء نظام الحماية وإعادة السلطان من منفاه إلى وطنه.. وسألته وعيناها تفيضان خزيا..وكيف تجابهون الموقف يا هذا؟ وجعل يطلعها عن طبيعة عمله مفتخرا بإنجازهما.. وبما يرضيك موقفنا ويرضي كل فرنسي غيور مثلك على فرنسا وسياسة فرنسا! سلي فيليب أخيك ينبئك بموقفنا وبما أعددناه للساخنة رؤوسهم من وجبات السم الزعاف يا صوني! رأت أخاها يوصد باب المرحاض فهمست بصوت خفيض.. فلنؤجل حديثنا إلى وقت مناسب يا جولي!.. وبلهفة نبس منفعلا.. متى وأين يا صونيا؟ وكان الجواب جاهزا على طرف لسانها: غدا في مثل هذا الوقت بمتجر أبي.. أتعرف موقعه؟ وقلبه يخفق من سحر عينيها الحوراوين أجاب وهو أشد لهفة: لقد دلني عليه أخوك فيليب.. إنه يقاسمنا ذات المحنة يا صونيا! اضطرب من هذا الإقرار خاطرها، وتروعت ذاتها وأحست بالريق ينشف في حلقها، حتى خال جوليان أن تغير لون وجهها من صفاء إلى دكنة مرده حياء واحترام لأخيها.. ونبست شفتاها بصوت رخيم أصاب منه المقتل.. الظرف والمكان لا يسمحان بمواصلة الحديث.. التزم بالموعد واحرص على ألا يعلم أحد بعلاقتنا.. التزم بأن تبقى أمورنا طي الكتمان يا جوليان. وعاد فيليب ولم يطل بهم المقام إلا برهة فغادروا النادي ..
وتعاقب تردد الشاب الضابط على متجر كوستي بالكانتنات، وعرفت على لسانه مآسي وويلات؛ أطوار رهيبة من التحقيقات وجحيم ما يكابده كل من طالته يد سرحان وعزام ولفيف السماسرة والأذناب.. فأية معاناته هذه أفظع من الحرق بالماء الساخن والكهرباء.. اقتلاع الأظافر وجز الشعور بشفرات غير حادة وبدون ماء.. التعليق من القدمين كالخرفان وصب القذرات والمياه الآسنة على الأنوف.. كل ذلك يهون.. ويستحمل بالقياس إلى أبشع سلاح تفنن القائد بوسيف والثعابين الثلاثة في استعماله لانتزاع حقائق واستلال اعترافات.. شيء رهيب بشع أبشع من منظر وحش ساغب يقطع لحم ضحيته إربا إربا أمام أنظار ساسة الإغريق في سويعات فرجاتهم السادية.. أمر مقرف فظيع أن تستقدم أخت الضحية أو أمه إن دعت الضرورة، فيعطي القائد الإشارة لواحد من مساعديه الذئاب.. ويتقدم المدعو جوليان، ولا يتورع في اقتراف الفاحشة في الأخت أو الأم أو ما ملكت اليمين أمام مرأى العين، عين الضحية والجلاد.. وأسوأ نهاية لمن يصنف في دائرة الخطر أن يوضع في كيس ويلقى به حيا في قعر النهر.. وعرفت على لسانه جانبا مظلما من سيرة أخيها وما حمله من مفاجآت، حتى اندفعت تسأل بغير شعور.. فيليب أخي ضابط سري؟ أجل زميل في المهنة وجندي من جنود الخفاء! وحكى بالتفصيل الدقيق كيف تم تجنيد أخيها في مدينة الدار البيضاء، ونجح في اختراق صفوف الحزب الشيوعي المغربي.. وحاز ثقة لجنته المركزية، وأصبح عضوا شهد له رفاق الحزب بالجدية والفاعلية.. بيد أن مهمته في الاتجاه المعاكس ظلت محصورة في إعداد تقارير موثقة أحيانا بالصور عن مناضلي الحزب والمتعاطفين معه من فرنسيين ويهود ومسلمين، فضلا عن تغطية سير الجلسات سرا وضبط طبيعة المداخلات.. وله مكتب قار في قسم الاستعلامات العامة بكوميسارية المعاريف بالدار البيضاء.. واتضح أخيرا ذلك السر الذي طالما أرهقها وجلب الهول عليها.. انجلت الحقيقة عن أخ خفاش يعمل في أوكار الظلام! يا لثقتك العمياء يا بدر! ولكن أحمد الله أنك لست شيوعيا وغير موجود في الدار البيضاء..
واستطردت كمن بلغ منه الغم والحسرة مبلغهما:
ـ إلى هذه الحد الذي لا يطاق وصلت المناورات يا بدر.. تمزق القناع عن وجه المدعو أخي وظهر على حقيقته.. انجلى البعد الخفي لطبيعة الجرم الحقير الذي تورط فيه جوليان.. والحقيقة تقال.. فلا رد يناسب سوى أن يسقى جوليان من نفس الكأس، لأن في قتله بالرصاص تخفيفا له ورحمة..
قالت ذلك وانهارت شاهقة منتحبة.. ومن فرط التأثر دمعت عينا أحلام، وتصبب العرق من جبين حسام.. أما بدر فظل منكس الرأس يخط على الرمال بأصابعه عبثا.. رفع رأسه وجعل يربت على كتفها وقد خف شهيقها، فخاطبها بهدوء وقد بدا عليه الجد والثبات:
ـ وكيف السبيل إلى هذا الوحش ذي الجرم الحقير يا صونيا؟
ـ اطمئن يا بدر لقد استأنس بالترويض وأسكره عطر الروض الأريج.. وقريبا سيأتي ذليلا منقادا..
ـ ألم تضربي له موعدا قارا؟ نحن أحوج ما نكون لوضع حد لجرثومة الجذام والطاعون يا رفيقة عمري وجنة حبي واشتياقي.. أو ننتظر حتى يواصل انتهاك أعراض أمهاتنا وأخواتنا أمام أنظارنا؟
ـ اسمع يا بدر عزيزي.. الأمر كما قلت لحسام محسوم فيه مسبقا.. استعد مساء غد ما بين العاشرة ومنتصف الليل.. رابض فوق التل المشرف على مقبرة النصارى، ووراء سورها الخلفي.. حين ترصد ضوءا أحمر منبعثا من خلف السيارة هب من لحظتك لا تلوي على شيء..
تنفس بدر ملء رئتيه وشعر براحة نفسية من خطة اكتملت ونضجت، وأتمرت فتحا عظيما وشيك الجني والقطوف.. أما هي فقرأت بحدسها في نظراته وابتسامته الرقيقة وارتخاء جفنيه رسالة تنويه وإكبار وإعجاب..اتصل على التو بعمر المكلف بمهمة مماثلة وأبلغه الخبر.. اتفق وإياه على أن يتم التنفيذ في نفس اليوم وفي ذات التوقيت، وإن تباينت طبيعة الهدف ومكانه. ووضع رهن إشارته الحصان عياش، وخاطبه وفي نظراته حزم وجد وعزم وثبات "انتظرنا وترقب أضواء السيارة عند جدع الشجرة القائمة يمين مخرج وادي زمكيل.." بهذه العبارات ودع بدر واحدا من صفوة الفرسان، وقنديلا يستضاء به أنى يجد الجد وتحتد البلوى...
وفي أكناف ليل داج خرق حجبه وشق سكينته عواء ذئب تناهى من بعيد، لبد بدر مترقبا أمام صخرة عظيمة في سفح الربوة المشرفة على مقبرة النصارى.. خلا لحظة إلى نفسه متأملا فيما سيقدم عليه من امتحان أعد عدته ونسج حبكة خطته.. وقر عينا وطاب نفسا أن يرى رفيقة الدرب تتجشم هول المغامرة ـ من منطلق سريرتها البيضاء وأنفتها الشماء ـ غير عابئة برهبة الليل وغدر الوحوش، وحوش آدم طبعا، وهنأ خاطرا أن عاينها تسعى بكل طاقاتها لاستقدام كلب مسعور.. وها هو يضع يده في يدها ويؤدي الدور إلى جانبها مستجيبا لنداء الضمير، خارقا

محمد غالمي
09-18-2009, 01:52 AM
وصية الأم التي كانت تشيعه بها وهو طالب، وما تزال تثنيه عن المغامرة العلنية وهو مدرس ذو شأن، وضاربا عرض الحائط بشعار أبيه الخالد "أعرف كيف ومن أين تؤكل كتف النصر؟ وهيئ حرابك سرا لطعن الغريم من الظهر" انحنى مقبلا الأرض شاكرا الرب على أن عوضته الصدفة عن قطة يهودية ماكرة بشحرورة مسيحية مسالمة الطوية تأبى الضيم...
في هذه اللحظة بالذات كان عمر قد تسلم الحصان عيوش بإذن من بدر، وتوجه إلى نهر زمكيل مغمورا يقينا من نجاح خطوته.. أجل، حسبه فخرا أن يثأر للمرأة التي أهينت قبل أربع سنوات في حادث الحافلة، والثأر لأحمد الخضار الذي انتحر من إفلاسه وتعسف باطيش عليه.. هناك على بعد من ضفة النهر لاح بناء شاهق وسط حديقة من أشجار أحيطت بسياج كبير، هو في الأصل منزل المعمر باطيش.. وعلى ساحة شاسعة أمامه أقيمت بيوت شاسعة مسقوفة بالقصدير أعدها الباطرون مصانع للشموع والحلفاء. ظل برهة يرقب مجيلا بصره جهة المعمل والنجوم المتوهجة تكسر فحمة الليل البهيم. نزل من على صهوة الحصان وربط زمامه بصخرة جنب الوادي.. جلس أرضا يجبر حال مزاجه بما حمله معه من مخدر الكيف، ثم انطلق مترجلا يحصي خطواته بدقة وتؤدة.. يحمل كالعادة عدته؛ قنينة مفعمة بغاز الإضاءة وأعواد الثقاب.. لله در عمر من حرفي حاز مهارة في تسلق الحيطان وإشعال فتيل النيران! جلس القرفصاء قريبا من السور المطل على سقوف المصنع مباشرة.. أرخى زمام أذنيه تتحسس في غمرة هذا الفضاء الداجي الرهيب.. لا أصوات ولا جلبة إلا ما تبثه في الكون أصوات الخنافس وعواء بعض الكلاب تحملها نسائم الليل من بعيد.. تريث في تنفيذ مهمته وجنح إلى ذاته وخواطره متفكرا لحظة.. نهض يستطلع يمينا وشمالا، وجعل يتسلق السور..
أما بدر فما يزال مترقبا في خلوته فوق الربوة.. ترامى إلى سمعه هدير محرك، ونهض مهتما يتابع أضواء السيارة السوداء تعبر الطريق الرئيسية بعد أن جازت القنطرة الجديدة، وتنحرف ذات اليسار حيث السور الخلفي للمقبرة.. هناك أركنت صونيا العربة وأطفأت أضواءها، وجوليان يحتسي الجعة من فم الزجاجة وهو جذلان.. وعلى نغمات موسيقى هادئة تصدح من الراديو جعل يرقص طربا وابتهاجا.. في ظنه أنه قطع فعلا أشواطا مريرة ذاق فيها حصصا من الترويض والتمنع فيما تعاقب من جلسات ثنائية في متجر السيد كوستي بائع قطع الغيار.. تدللت وترفعت في تريث جسا للنبض، بيد أنه أصرَ واستمات.. وها هو ـ كما تناغيه ذاته الواهمة ـ يوشك أن يجني تمار استماتته.. يتأهب ليسقى من ينبوع طاهر يتفجر حسنا ورشاقة وبهاء، ولا يهم أن تكون الطريدة أختا لزميل كفيليب.. راق له في ميعة السكر ونشوته أن يتباهى بإنجازاته في مخفر الاستنطاق ومذبح النفوس والأعراض.. وصونيا تطري على بطولته الحقيرة ومن عينيها تبرق ابتسامة طافحة بالسخرية والاستهزاء.. مدت يدها اليسرى إلى كتفه فيما يلي عنقه.. ودت من نقمة وغيض لو كان بيدها سكين لغرزتها في رقبته حتى النصل.. ومهما تتح لها فرصة حيازة السكين فلن تجرؤ على تنفيذ حكمها ما دام الخنزير ممتشقا سلاحه حيطة واحترازا.. أما هو فازدادت نشوته من أناملها تدب في سائر عنقه، فشعر بفخر من لذة الانتصار والظفر! وضحك من أعماقه وهو يعاين السحر ـ سحره ـ ينقلب على الساحر! أسعفه الوهم وحمية الخمر فأرسل يسراه إلى جيدها وجعل يزحف بأصابعه في ثنايا شعرها.. شعرت بأنفاسها تكاد تختنق وأعصابها توشك أن تحترق فرددت في خاطرها.. ألا قرحا وخزيا لضبع يتلمظ بلحوم النخوة والبراءة! واستحضرت فيليب أخاها ونبست في حرقة ولوعة.. وتبا وويلا لزميلك في المهنة الضابط السري وخفاش الليل.. آه.. يا لجنون وذلة المدعو أخي! فهل أنتما عالمان بجديد الخبر يا أمي وأبي؟ وشغلت زرا لصق المقود فاشتعل ضوء السيارة الأحمر من خلف، ثم جذبته من يده في لطف، ووقفت أمامه منتصبة عند باب السيارة.. خال نفسه بطلا أخضع غريمه بسلطان الهوى وجبروت الحب! وعلى توه تسلل بدر بين المسالك يجوز الأحراش والمنحدرات في بحر من عتمة تمرن عليها قبيل خوض زمام المبادرة وركوب سرج المغامرة.. اقترب من المعترك يرفع رأسه مستطلعا حينا ويخفي شخصه ويضائله حينا آخر.. وبغتة انقض الفهد على الخنزير.. طوقه من خلف فشلَ حركته بأن أطبق على سائر ظهره وصدره بساعديه كلتيهما.. سارعت صونيا إلى حزامه فجردته من سلاحه، وجعلت توثق معصميه إلى بعضهما بحزام حملته معها لهذا الغرض. وبخفة مالت إلى الجهة الخلفية للسيارة ففتحت الصندوق وأخرجت كيسا من ثوب كبير الحجم، وضعت أعلاه المفتوح في مقدمة رأسه، وما لبثت أن جذبته إلى أسفل كأنما تلبسه جلباب.. وغمزت بدرا باسمة فأسقطه بضرب من مقدمة حدائه أرضا.. سد فم الكيس بإحكام وحمل الصيد الثمين إلى صندوق السيارة..
أنجز عمر المهمة بتقنية عالية وخفة مبهرة كخفة يدي الساحر في تضليل المبثوث فيهم سحره.. ترك لهيب النيران يدب في أحشاء المعملين المجاورين، وأطلق ساقيه للريح قبل أن تتعالى ألسنة اللهب في العلياء، وهو أدرى بالمسالك والشعاب.. بلغ مربط الحصان وقفز إلى ظهره ثم ضغط على المهماز حاثا إياه على الفر.. ابتعد مسافة عن وادي زمكيل ووقف بحصانه عند جدع الشجرة على مشارف القنطرة البرتغالية .. لاحت له أضواء السيارة المعلومة تقترب من الطريق العابرة للقنطرة هبوطا .. عكسته أشعة الإنارة وربض مطمئنا على ما أنجز منتظرا في لهفة وشوق أن يلتحقا به..
تأكد بدر وصونيا من هوية الشبح القابع هناك، والسيارة ما تزال تدب في كبد الظلام وقد عطلت صونيا الإنارة حيطة وحذرا.. جنحت بها إلى أقصى اليمين حتى الشجرة الموعودة حيث يترقب عمر.. استعادوا الأنفاس وهبوا مهتمين لتنفيذ المأمورية.. تضافر سعي بدر وعمر، فأخرجا الكيس من الصندوق الخلفي.. وحملاه مهدهدين إياه ذات اليمين وذات الشمال حتى بلغا به مرتفعا يطل على النهر. وعلى الحافة وضعاه، ولم يبق سوى تسليم الوحش الجريح ضيفا على الحوت النهم في غور الوادي.. تفكر بدر مليا وهمس في أذن عمر.. أغثني بحجرة متوسطة الحجم يا عمر! هيا.. ونهض مسرعا، ولم يجد عنتا في إحضارها .. وأمام ذهولهما نطق بدر بصوت خفيض.. يجب أن يبقى مدى الحياة مقبورا في قعر الوادي ولن تطفو الجثة أبدا.. سيبقى في مزبلة التاريخ نسيا منسيا، مطموس الهوية يحير غيابه الأذهان، فلا يعرف له متجه ولا مستقر.. زالت حجب الدهشة والتساؤل، وفتح فم الكيس من جديد فوضع بدر الصخرة بين ركبتي جوليان وأعيد إحكام إغلاقه.. قالت صونيا في تشف كأنما تؤبنه، وقد هزت أعطافها نشوة الظفر:
ـ لسنا نحن من أصدر في حقك حكم الموت غرقا، إنما أرواح من قدمت أجسادها بالأمس القريب قرابين لأسماك النهر..
وجاء دور بدر فنبس وفرحة النصر تدغدغ ذاته وفؤاده:
ـ فلتسق كأس الحمام على طريقة الموت الجائر التي تفتقت بها موهبتك يا جوليان..
أما عمر فأوحى إليه مخدر الكيف الذي تناوله أثناء استراحته و ترقبه، وجعل يضحك في خفوت وقد أجمع السبابة والإبهام على جنبيه وأفرج بين قدميه كبطل يسخر من ضحيته المهزوم قبل الإجهاز عليه، واقترب من الكيس وهمس:
ـ اعتصم بهذه الصخرة عسى أن تنجيك من الغرق يا جوليان!..
وما كاد عمر ينهي كلامه حتى دفع بدر الكيس بمقدمة حدائه.. وشق صوت وقوعه في الماء صدر الليل.. صفقوا باسمين مهنئين بعضهم بعضا.. لم يهدأ لعمر خاطر حتى يضاعف من نشوة الفلاح والظفر فأخذ نفسا من العشبة السحرية، وامتطى ظهر عياش سالكا سبيلا آخر إلى درب مولاي بوكيل ، في حين واصلت صونيا قيادة السيارة إلى الضيعة الحمراء مسرورة بطلعة ضيف لا كالضيوف..

محمد غالمي
09-21-2009, 02:49 AM
في الفصل الدراسي بمدرسة البنين المركزية، جلس بدر أمام مكتبه غير بعيد عن السبورة السوداء المستطيلة.. بدا مهموما مضطرب البال، ينظر إلى ساعته اليدوية مستعجلا دقات الجرس.. لم يقصر في أداء رسالته التربوية طيلة هذه الفترة الصباحية، ولكن ليس بالحماس المألوف ولا بفورة النشاط المعروف؛ لقد أمسى البارحة فريسة للأرق ينهش أعصابه ويجفي عنه النوم منذ تلقى، بعيد الغروب، خطابا شفويا من أحد معارفه العائد لتوه من فاس.. يا لشؤم النبأ! سلطات الحماية ألقت القبض على العلامة سيدي أحمد الفاسي والأستاذ عبد المغيث، واتهمتهما بتحريض شباب المدينة العتيقة على شن عمليات فدائية استهدفت بالحرق والتخريب مصنعا للخمور ومرافق إدارية شتى.. وبعد حصص من التعذيب والحجز في زنازين انفرادية نفيا إلى صحراء نائية في الجنوب، بينما تم إيداع شباب آخرين ثائرين في سجن عين قادوس. وانتهى زمن الحصة في حدود العاشرة صباحا وغادر مباشرة إلى قهوة الحسن الجبلي على غير عادته متأبطا حقيبته.. انزوى في أحد أركانها ريثما يحتسي قهوة عسى أن تخفف عن رأسه بعض الصداع.. استعاد طيفي سيدي أحمد وعبد المغيث، واستحضر متصورا ظروف اعتقالهما ووسائل استنطاقهما، فعاش بعقله وفؤاده وسائر جوارحه فصول نكبتهما وأطوار محنتهما.. حتى إذا حل الرفاق متتالين وعلموا بالخبر المشين ثارت ثائرتهم، واستغلوا هدوء المكان ـ في مثل هذا الوقت ـ فسمحوا لأصواتهم تعلو بالتنديد والاستنكار.. وشاركهم الحسن الجبلي ـ لصدق وطنيته ـ مشاعر الحزن والتأسي.. وبكى الغالي وشهق متأثرا، وما لبث أن جفف دموعه بعد أن هدأ بدر من روعه، فتلا قول الله تعالى.. فمهل الكافرين أمهلهم رويدا.. أما حسام فلاذ برهة للصمت وتأهب للإفصاح عن مكنونه؛ لقد وجد في أحلام مصدرا موثوقا لخبر جديد أكده فيما بعد أبوه المخزني القريب من دائرة القرار، لذلك مزق حجاب الوجوم وأرسل في الوجوه ابتسامة، وإن كانت آيات التأثر راكنة في محجر عينيه، فقال:
ـ جئت أحمل إليكم البشرى فأبشروا يا إخوة..
وهم يترقبون أن تسيل البشرى على طرف لسانه تدخل الغالي ورفع صوته، وفي عينيه الضيقتين الخاملتين نظرات توسل ورجاء:
ـ هات جديد ما يثلج صدورنا يا حسام.. بشرنا أنعم الله عليك بدوام البشرى..
رد حسام وفي حركاته وتقاسيم وجهه آيات الزهو مقرونة بالتشفي:
ـ وهل من حديث أطيب للنفس وأثلج للصدر من حديث القائد بوسيف يا غالي؟ الرجل الذي جرع سميرة بنت القائد صالح مذلة الهجران.. الجبار الذي قهر العباد بالسوط ولهيب النار وخلف في نفس سميرة وحشة وفراغا..
وأضاف بدر:
ـ الوحش الكاسر الذي ارتمى في أحضان ساقطة لعوب.. الرجل الذي كان على وشك تفويت بعض ممتلكاته للعاهرة سكينة يا فقيهنا!
وضع حسام كوعيه على ظهر الطاولة، وشبك أصابعه مسندا قبضة كفيه إلى ذقنه، وطلع على الجماعة بأطوار خبر بدد الكربة وشفى بعض الغليل. ومن طرائف الخبر أن القائد بوسيف كان يشرف على وجبة استنطاق روتينية، وبغتة شعر بدوران في رأسه، واعترت جسمه حمى وسرى في ركبتيه فشل غير مسبوق.. وعلى وجه السرعة حمل إلى المصحة العسكرية في القصبة.. أحاط به الأطباء من كل جانب، فحصوا وأسعفوا ما أمكنهم الفحص والإسعاف.. كانت سميرة تترقب سقوطه من حين لآخر بعدما قامت بمهمتها وقدمت الوصفة السحرية كما أوحى بها الفقيه المجنون. وإذ أعلمت الخبر نزل في نفسها بردا وسلاما، فهبت من ساعتها مهرولة.. حتى إذا دخلت غرفة الإنعاش حيث القائد ممدد انهارت شاهقة منتحبة تضرب بكلتا يديها على فخذيها، وإن كان باطنها في واقع الأمر ينتفض حبورا ومسرة. لازمته في العيادة يومين متتاليين ولم تزدد أحواله إلا سوءا وتدهورا.. لم ينفع طبيب ولم يجد دواء، أقر المسعفون في محضرها بأن الحالة ميئوس منها وليس أمامها إلا حمله إلى البيت لتفيض نفسه في محضر زوجه وآله. حضرت سيارة إسعاف خاصة ليلا وحملت سميرة والقائد السقيم إلى مقر إقامته بحي الكانتنات. كان القمر في هذه اللحظة قد أطل من مطلعه وأرسل أشعته تغمر الكون ضياء، والشارع خال إلا من شبح ـ أغلب الظن أنه شبح العاهرة سكينة ـ مرابطة هناك ترقب الوضع عن بعد..
أثار الحديث فضول الحسن الجبلي صاحب المقهى، وهب من مكانه منتقلا إلى مجلسهم، وأخذ يسأل ساخرا مستنكرا ويرد ناقما متشفيا:
ـ ألم يصلكم نبا المدعو جوليان بعد يا شباب؟ .. كل الألسنة تتداول اختفاءه من الساحة قبل أسبوع وما ظهر له أثر أو عرفت له وجهة!..
لم يستغرب الرفاق تساؤل القهوجي وجديد ما أخبر به؛ إذ هم أصحاب الضربة الموجعة وفرسانها.. هم من وجهوا سهام الثأر والنقمة.. وبصنيعهم المجيد خفت بريق ذرع فولاذي عتيد، ظل للحاكم لاكومب والقائد بوسيف وجاء ممن يصنفون في دائرة الساخنة رؤوسهم! وعلموا من حسام وأحلام ـ بعد يومين من حادث الكيس المقبور ـ أن اختفاء الضابط جوليان في ظروف غامضة كان حقا ضربة موجعة أصابت الحاكم وحاشيته في المقتل، وهم أحوج ما يكونون إليه في مثل هذا الظرف العصيب..
وأخبروا في الحين بأن السلطات استنفرت قواتها، وفتحت قنوات الاتصال بكوميسارية المعاريف بالدار البيضاء، مقر عمله الأصلي، وبسائر المخافر والمستشفيات والفنادق، ولم يفد بحث أو يفلح تنقيب في العثور عليه أو اقتفاء أثر تواجده. كان حريا أن ينتشي الرفاق من الخسارة الفادحة التي مني بها رموز السلطة المحلية، لذلك اكتفوا بالمتابعة واجمين يتناظرون ويتغامزون.. والقهوجي يحيطهم علما بما تضارب من ادعاءات ومزاعم استقاها من بعض رواد المقهى، حتى قاطعه حسام وتساءل في مكر:
ـ ما سر غياب جوليان عن الساحة؟ بهذه السهولة خفت بريق ذرع فولاذي للحاكم لاكومب والقائد بوسيف؟
وبسذاجة الجاهل بما يجري ويدور، رد القهوجي:
ـ هذا والله يا بني ما بعث في خواطر حكام فرنسا ومعاونيهم حيرة، وولد في دواتهم المصدومة شكا وريبة..

محمد غالمي
09-25-2009, 02:15 AM
وبمنطق العارف بخفايا الأمور نبس بدر بلهجة ناقمة:
ـ جوليان ضابط قذر حقير، وليس على وجه البسيطة آدمي أذل منه وأحقر.. ومجرم خطير ملطخة يداه بدم العزة والشرف.. ومهما يكن سر غيابه عن الساحة يبق حقنة مزاجها الطاعون والجذام.. وهل من وسيلة لمجابهة الطاعون سوى التخلص منه بالإبادة والحرق يا عم؟
ما كاد بدر ينهي كلامه حتى طالعهم وجه عمر.. حيا المجلس وتوجه مباشرة إلى بدر وأعلمه بوجود مسعود ينتظره غير بعيد عن المقهى!.. هاجمته أفكار وهواجس وارتاب في شأن هذه الزيارة، فانتفض من مكانه وخرج مضطرب الخواطر من وطأة الهموم.. ما يزال مسعود ينتظر راكبا على صهوة فرس من أفراس الضيعة قرب جامع سيدي المعطي.. حتى إذا أقبل عليه بدر نزل وترجل صوبه ممسكا بالعنان. صافحه بدر ودعاه ليشاركه فنجان قهوة أو شاي، ولكن مسعودا بدا أنه في عجالة من أمره، ولم يزد سوى أن أبلغه رسالة شفوية من صونيا.. ظل بدر ممسكا بجبهته وهو يصغي لهمس الوافد المنكسر...! واعتذر عن عدم تلبية دعوته إلى المقهى لأن الظرف غير مسعفه.. ومد يده مودعا بدرا، فانصرف إلى حال سبيله لا يلوي على شيء.. رجع بدر إلى المجلس حزينا مصفر الوجه يجتر هما جديدا. لم يلزم مقعده حتى بادر بالرد على ما يكتنف أجفانهم من تساؤل لا يخفي انزعاجا:
ـ كل ما في الأمر أن السيدة هيلين والدة صونيا حملت على وجه السرعة في حالة حرجة إلى عيادة طبيب فرنسي شهير بالدار البيضاء.. المسكينة ألح عليها الداء الخبيث التي لا تعلم بسره غير صونيا..
وطمأنهم بأنها ستعود ريثما تطمئن على أحوال أمها، ولن تتأخر أكثر من يومين. في هذه اللحظة دخل رجل طويل القامة يدعى المدَاح؛ وجه مألوف وزبون من صنف آخر؛ كان في الأصل مؤنسا لرواد القهوة ليلا بما ينشده من أمداح وأوراد، قبل أن يستعيضوا عن بضاعته بالراديو.. ورغم ذلك حافظ على صلته بقهوة الجبلي، يعودها من حين لآخر مؤانسة واستجداء.. كان يرتدي جلبابا وعلى رأسه عمامة، ويحمل في يمناه مبخرة من نحاس تميد بحركة من يده يمنة ويسرة، وتتصاعد منها زوبعة من البخور ولسان حاله ينشد: اللهم صل وسلم على المصطفى ** حبيبنا محمــــد عليه الســـــــــلام
لم يبخل عليه بدر وحسام فنفحاه بما تيسر من الفرنكات. غادر بدر القهوة متأبطا حقيبته المدرسية وآذان الظهر يرتفع في الأجواء...
هلل الناس إكبارا من اندثار الضابط جوليان، وتقبلوا بارتياح ما شاع فيهم من هلاك القائد بوسيف.. بيد أن الوضع في حي مولاي بوكيل بدا في صورة قاتمة تنذر بالتدهور والانحلال. خال الرفاق أن يكون ذلك رادعا لأندريه وعبرة ليوري، لكن لا يوري اعتبر ولا اندريه ارتدع.. ازدادت حدة سعارهما فصعدا من همجيتهما، وأطلقا العنان لجنونهما يحقن النفوس الأبية والأجساد الطاهرة بفيروس الجذام والطاعون، وبمباركة الحاكم وتوجيهه، ومؤازرة سرحان وعزام. في خضم هذه الحالة من الاستثناء الرهيبة ظل بدر يتابع الوضع المنحل عن كثب، ويترقب الفرصة لاحتواء الأهداف المنشودة.. وأضحى الظرف مواتيا والأهداف قاب قوسين أو أدنى من قبضة اليد.. لم يتوان في الدعوة لجلسة طارئة ذات نكهة خاصة جمعت شمل الرفاق.. ولأول مرة ـ على درب النضال ـ تشرق غرفة القيادة بطلعتي صونيا وأحلام.. لبت صونيا النداء، ولئن طفح في مقلتيها العزم وارتسم على أساريرها الحزم ففي نفسها جرح غائر لم يندمل؛ قسمات وجهها الشاحب تعبر بحق عن فجيعة باطنية ما فتئت تكتوي بحر لظاها.. ورغم ذلك لم يزدها فستانها الأسود إلا فتنة وبهاء، ولم تأل سعيا في مطاوعة آلامها بما تبثه في الوجوه من ابتسامة لا تعدم رقة وحياء. وما استقر بهم المجلس حتى نهض بدر، وناشد الحضور بالوقوف دقيقة صمت ترحما على والدتها السيدة هيلين. وامتثلوا في جو من الخشوع، ثم خاضوا متداولين فيما يحتل مركز الاهتمام من وعيهم، باتوا موقنين بأن أهدافهم السامية تحددت بدقة واكتملت أوصافها وشروط استخلاصها، وأضحت طوع اليمين. لقد رصد بدر وحسام مسرح اللعبة؛ ذلك المنتجع الأثير الذي يحلو فيه الرتع والمرح للذئاب والخنازير، وألهب بدر الحماس في نفوس من أوكل إليهم أمر التنفيذ.. ذكر بتمادي سلطات الحماية في الضغط على الملك وابتزازه، وإغرائه لفك عزلته نظير تخليه عن عرشه وإقراره بالسلطان البديل المدعو بن عرفة.. بيد أن الملك الشرعي أبى أن يركع ويخضع للمساومة لما عوهد فيه من الشهامة والنبل والإخلاص. وأنى له أن يفعل وقد آثر النفي على الركوع والخضوع؟ وكيف يتأتى له الانبطاح وهو يتابع ـ عبر الأثير ـ مواقف أبناء شعبه يسامون كي النار ولهيب السوط، يفتحون صدورهم للرصاص، ويهبون أرواحهم وأجسادهم تكابد سعير المنافي والسجون؟ وصعد من لهجته فصاح في انفعال يضمر الوعيد والنقمة.. مهما يكن رد فعلهم مرا فادحا فردة فعلنا ستكون أمر وأفدح.. بالأمس القريب أقبر في جوليان قعر الوادي، ونضبت عروق القائد بوسيف في إقامة سميرة فانتهى زمان الحية العوراء.. ومن قبلهما انطفأت جذوة حادة وعلاف.. والسبيل إلى يوري وأندريه وموشي بات معبدا.. واستحضر بين ظهرانيهم التوجيه الخالد الذي قلد به سيدي أحمد الفاسي صدر بدر في حي الطالعة الكبيرة يوم الرحلة الميمونة إلى فاس.. وحاول أن يمثل ويتمثل قولة العلامة الشهيرة " استنفروا شرفاءكم وجهزوا عتادكم لمواجهة كل الطوارئ والاحتمالات.. وإذا جدَ الجد واجهوا المعتدين وانتقوا منهم السفهاء، رموز السلطة البغاة والعملاء.. تصيدوهم على ضفاف الأنهار والمنتزهات، واجعلوهم مرمى لبنادقكم وهدفا لفوهات مسدساتكم.. لا تؤذوا العزل منهم إلا من تلوثت ذمته"
رحماك سيدي أحمد ونور الله منفاك وأعادك إلى وطنك ودويك سالما غانما.. ها نحن قد أعددنا للفسحة ما يليق بها من زاد وعدة.. فعلى بركة الله يا حسام.. تأبط ذراع أحلام واسلكا سبيل ربكما إلى حيث يوري سليل الذئاب والهوام.. وأنت يا عصام فلا تنس نصيبك من وجبة حقير الأقزام.. وها أنا ذا ممسك بذراع صونيا.. فإلى الأمام وإن غدا لناظره لقريب..
في نزهة قنص خاصة انطلق حسام وأحلام وتوجها غربا إلى ضفة من ضفاف الوادي.. في حين انحرف بدر وصونيا شرقا وسلكا سبيل ضفة أخرى.. وفي كلتا الضفتين تمرع أهداف طازجة وطدوا النفوس على قطفها وندرها طعاما للسباع الجائعة..

محمد غالمي
09-28-2009, 01:06 AM
ما يزال حسام وأحلام يشقان الطريق حتى انتهيا إلى دغل على ربوة تطل على ضفة وادي السعيد.. ولصق دوحة عظيمة لبدا يرقبان عن بعد حذرين محتاطين.. انتشرت ظلال الأصيل وغمرت ضفة الوادي السعيد مخففة وهج الصخور المتناثرة..هبت نسائم لزجة محملة برطوبة الوادي.. كان الجو حقا مغريا بالسباحة لم يثن يوري عن الانغماس في عرض الماء، في حين جلس حارسه الشخصي القرفصاء، وهو عسكري جلاد شب على الرضاعة من حليب الذئاب، وآثر أن يتابع بعينيه صغار السمك يسبح بين الحصباء اللامعة.. لم يستسلم حسام أو تعتريه حيرة أو يأس، بل ظل يتابع المشهد وينتظر في صبر وتعقل وأناة.. وأخيرا خرج الخنزير من الماء إلى اليابسة.. وضع منديل قطني على ظهره ودعا صاحبه إلى تناول بعض السجائر الجعة. وفوق سرير من عشب أخضر يانع انتشر على طول ضفة الوادي جلسا متقابلين على كرسيين من قماش متين. همس حسام مخاطبا أحلام وعيناه لم تفارقا الطريدتين.. هيا كوني على أهبة.. صوبي السلاح إلى ظهر العسكري ودريني أتولى شأن يوري.. انظري كم هو مغر جبينه يا أحلامي! وسدد بدقة فوهة الرشاش وضغط برزانة على الزناد فخر الخنزير كالدودة صريعا ترتعد فرائصه.. وما إن دخل العسكري في نوبة ذهول صادمة حتى باغتته رصاصة على حين غرة واستقرت أسفل قفاه فانبطح معانقا محروسه..
لم تكن شبه الجزيرة على ضفة الوادي شرقا بأقل رونقا وجاذبية من ضفة وادي السعيد؛ رقعة من يابسة تؤثثها أحجار ملساء صقيلة، في أثنائها انتشر نبات الدفلى، وتضوع أريج أزهارها في دنيا تغمرها الأشجار والماء والظلال. والحقيقة أن الوادي وما تفرد به من طبيعة خلابة يبقى أعز مكان إلى قلب أندريه. لقد اكتشفه بإيعاز من إحدى خليلاته واتخذه متربعا ومصطافا ينشد فيه السكينة ويسقى الخمر والرضاب..
ما فتئ بدر وصونيا يواصلان المسير على طريق محاصرة بين هضبة صخرية عن يمين، ومنحدر عميق عن يسار ينساب في وسطه النهر هادئا تحفه الكروم والحشائش المائية وشجيرات الدفلى.. وأشرفا بعد لأي على شبه الجزيرة تحلم بين أحضان روض أريج. في هذه اللحظة كان أندريه في ميعة لهوه وانشراحه، وفي أوج لياقته وعطائه وهو يخوض وصاحبته الشقراء مقابلة في الكرة الطائرة ضد حارسيه الخاصين.. يطير ما طارت الكرة ويهوى عليها بكل قوة، فيمطر مربع الخصم بوابل من الكرات.. أجل يطير ويمطر وما خطر بباله أن السماء ستمطر بعد حين بكرات من صنف آخر. وفجأة عاجلت الحجارة المكهربة الصدور والظهور، وتساقط الخنازير كالذباب إلا الشقراء انهارت وهوت أرضا من رعب وهلع مكنتهما لعلعة الرصاص..
وفي حانوت حميدو الحلاق ظل عصام يترقب مرور دينا.. لم يستقر على حال وكأنه يحترق نارا على ظهر مشواة. أضناه الترقب والانتظار حتى كل عنقه من فرط ما أماله مستطلعا، وأخذ الشك يحاصره من كل جهة. وعلى الرغم من انشغال حميدو برأس الحسين الدباغ يحلقه فقد انتبه إلى عصام وما يصدر عنه من حركات تشي بأنه في حيرة بالغة من أمره. ومن دون عناء فطن الحلاق إلى ما يكمن وراء ذلك من الأسرار؛ إذ هو على علم مسبق بطبيعة الموعد الذي يترقبه الآخر على أحر من الجمر. وقبل أن يواجه رفيقه ويصدع بالحقيقة حول بصره مخترقا باب الحانوت إلى الحائط المشرف على الروضة، وردد في همس.. لنا ولك الله يا ثعبانا مقطوعا رأسه.. قاس العذاب يا مترقب السراب. وأخذت طلائع السيل المحرق تنطلق من فمه، ونبس كالمستنكر:
ـ لم يبق أحد في هذا الزمان المر يرعى عهدا أو يحفظ ذمة إلا من رحم ربك..
أثارت لفظة (العهد والذمة) حفيظة عصام ورفع رأسه إلى صديقه، فأرهف السمع يصغي وفي عينيه تساؤل مقرون بانزعاج.. وحميدو يرفع الموسى عن رأس الدباغ ويمهد للريح العاصفة بتساؤل واخز مستفز أجج سعير الحيرة في ذات عصام:
ـ أما توصلت بجديد الأنباء عن دينا أم تراك آخر من سيعلم؟
انتفض عصام من مكانه كالطير الذبيح وبدا من ملامحه أن نفسه ترتج ألما وخواطره تضطرب قلقا وأسى، فأجاب منفعلا:
ـ أبدا.. هل حاق بها مكر أو مسها لغوب؟
ولبث برهة كالمصدوم العاجز عن ضبط مشاعره فصاح:
ـ ساعة من الزمن انصرمت على الموعد الذي ضربته بنفسها ولم يظهر لها من أثر.. والغريب أنها أصرت على أن ألازم حانوتك ولا أبرحه حتى تمر!
رفع الحلاق يده عن رأس الدباغ وخاطبه كالزاجر المؤنب:
ـ وموعد الحسم والفصل الذي كلفت به يا عصام؟ كيف ساغ لك أن تؤثر العبث على الجد؟ تحل باليقظة وعد إلى صوابك وعانق واقعك.. حرر خواطرك من أفعى لا تحركها غير المصلحة.. دينا عبث ووهم وسراب يا عصام!
والحق إن دينا نكلت بجيبه فعلا، وتفننت في حلبه وابتزازه نظير مواعد متباعدة تحددها على مقاس ما يخدم مصلحتها.. عرفت خلاله كيف تداعب فؤاده المغرور وتعزف على أوتاره فتستل من جيبه قدرا من مال، كان أجدر وأولى أن تصب سيولته في صندوق الدعم وتصريف الأعمال بدرب سيدي بوكيل. انتظرعصام أن يفصح حميدو عن كنه النبأ بعد أن أمطره لوما وعتابا، غير أن الحلاق جنح للصمت وواصل حلاقة رأس زبونه الذي ضاق ذرعا من تباطئه.. اضطرب خاطر عصام ولم يعد يطيق صبرا، وهمس بلهجة لا تخلو من انكسار وتوسل:
ـ خبرني يا صديقي عن جديد دينا.. أنا في حيرة من أمري!
انتهى حميدو من حلاقة رأس الحسين الدباغ وامتدت يده إلى قنينة عطر، وأفرغ منها في طي كفيه ثم فركهما ومررهما على رأس الرجل، قفز الدباغ من على الكرسي كالقرد لقصر قامته ودس يده في جيبه وأخرج بعض الفرنكات نفح بها الحلاق

محمد غالمي
10-02-2009, 02:21 AM
وانصرف.. جلس حميدو إلى جانب عصام وخفض عينيه متفكرا ثم رفعهما ونظرات السخرية تشع منهما. وعلى مقربة من أذنيه جعل يردد ما تساءل به ملسوع دينا:
ـ (هل حاق بها مكر أو مسها لغوب؟) أنت من حاق به مكر الماكر يا عصام.. أنت من قدر له أن يكتوي بنار السوء والمكروه..
ونظر إليه بعين الشفقة وواصل مستنكرا قبل أن يذيقه من لسانه سوط العذاب:
ـ أي ميعاد من دينا تنتظر؟ وكم يكفيك أن تلازم الحانوت؟ دينا وصلت إلى الدار البيضاء والتحقت بأحد معاهد الدراسات العليا!
نزل الخبر في نفس الملسوع كضربة خنجر جاوزت حدود البطن.. شعر بثقل في رأسه وتصبب العرق من جبينه.. حاول أن يداري خيبته، ويضمر انتكاسته بما ظهر عليه من هدوء وثبات. ومن عساه يدري، فقد يكون الهدوء ممهدا لعاصفة لا تبقي ولا تدر؟ وطاوع نفسه المنهارة، وطاف حوله الوهم حتى ود من أعماقه لو يكون الخبر ضربا من البهتان قد يكون حميدو رام به المزاح، وأراد به الدعابة والتفكه، فنبس مبتسما:
ـ أظنك تمزح يا هذا.. دينا تكاشفني كل أسرارها.. لقيتها قبل أسبوع ووعدتني بإخلاصها لي وعدم التخلي عني .. لقد بكت أمامي وتنهدت من أعماقها.. واعترفت بأنها لا تطيق العيش بدوني!
ـ ما أتعس حظك يا عصام! لقد هوى النجم الذي تألق ضوؤه الشاحب في سماء دنياك.. بكت اللعينة حقا، ولكن بكاءها انبثق من فرحة باطنية أملاها ما جبلت عليه من النفاق والمكر والخديعة، وما عودتها عليه من العطاء.. وللأسف الشديد لم تكترث بما أغدقت أنت من وفير المال، وما سكبت من فيض المشاعر.. اعلم يا عصام أن دينا لم تصاحبك إلا رغبة في الانتقام، وإشباعا لنزوة حب المال والعناد.. أليس ذلك ما ساور بدرا يوما؟ (ورفع كفيه مناغيا وهو ينظر إلى أعلى) أمدَ الله في عمرك يا بن حليمة، لقد نصحت ولم ينتصح لنصحك عصام..
بهذه العبارات النارية ختم حميدو درسه الأخلاقي؛ درس نزلت كلماته في نفس صديقه رصاصا بعثر دواخل الذات، وبدد كل حساب. نهض عصام في هدوء ومرق من الباب من دون أن ينبس ببنت شفة، وذاته تغلي من إحساس بالمهانة وشعور بالإحباط. لبث حميدو جامدا في مكانه وقد عض على شفته من تأثر وحسرة، ولكنه استدرك أمرا ذا بال فأسرع في إثره حتى أدركه واستوقفه..همس في أذنه مربتا على كتفه:
ـ لا تنس أنك مقيد بمهمة يا عصام.. اذهب إلى بيتك واستلق على السرير لحظة يسترح ضميرك وتهدأ أعصابك، فتكون مساء هذا اليوم في مستوى الحدث الذي ينتظرك .. اخلع الضرس الثائر كما فعل بدر من قبل.. هيا صاحبتك السلامة والتوفيق..
بسرعة البرق بلغ عصام بيت أبويه، اتجه مباشرة إلى المطبخ ودس خنجرا ما بين بطنه وحزام سرواله، ثم مرق إلى غرفة نومه واستل مسدسا من تحت وسادته، ثم انصرف خارج البيت يعدو مضطرب المزاج متوتر الأعصاب..
كان الوقت مغربا والعتمة آخذة في بسط جناحيها على الكون رويدا رويدا.. توقف لحظة كأنما يبحث لنفسه عن وجهة معينة، ثم مضى جهة المسجد الأعظم كاسف البال شارد النظرات بدون هدف.. هناك لبد مختفيا وراء سارية من السواري القائمة أمام الباب الرئيسي لبيت الله بساحة السوق. لا شيء استبد بجوارحه سوى الضرس الثائر الذي كلفه من جيبه ومشاعره فوق ما يحتمل! جلس القرفصاء برهة يتفكر مستسلما للمطارق تهوي على رأسه.. يلوك في صمت ما يقد جوانحه من فنون المكر وضروب الخديعة والشماتة. رفع رأسه والساحة شبه خالية من السابلة ما عدا العميل موشي بياع مخدر الكيف ومسكر ماء الحياة.. رمقه يمشي ببطء في اتجاه رأس الدرب القائم يسار المسجد، ولبث لصق السارية متربصا يضمر الشر.. حتى إذا مرق اليهودي من أمامه بخطى وئيدة وجه إلى ظهره طعنة وأسلم ساقيه للريح.. سقط موشي صريعا أمام أنظار من خرجوا لتوهم من المسجد بعد أن أدوا صلاة المغرب .. نسي عصام أو لعله تناسى بأن أقدم على فعلة نكراء في غير إبانها، ضاربا عرض الحائط بتوجيهات رفاقه وعلى رأسهم بدر. ما يزال يعدو مشهرا السكين حتى انتهت به قدماه إلى السقاية المحاذية لزنقة الحدادة.. أخذ يتفحص ما حوله بنظرات ذاهلة، واستقرت عيناه فجأة على مونيكا بنت الحزَان تجوز ساحة السوق طولا صوب زنقة الحدادة، وفي نيتها أن تعود صديقتها فطوش كدأبها من حين لآخر.. وما إن اقتربت من أقصى الحوانيت مما يلي ضفة النهر حتى انقض عليها من حيث لا تدري! أشهر في وجهها السكين مضمخا بدماء واحد من بني جلدتها..جحظت عيناها ونضب الدم في وجهها، ولم تجد من بد سوى الإذعان لأوامره.. ساقها أمامه حتى اختفيا بين الأشجار المتناثرة على جنب الوادي.. اشتدت رهبة الظلام وأطبق الصمت إلا من أزيز حشرة أو نقيق ضفدعة، أو نباح كلب آت من الضفة الأخرى.. ومن هناك ولت مونيكا الأدبار يفتك بها الرعب والألم، ويوشح ثيابها ما يشبه لون الزعفران.. وكصعلوك متمرس فر لا يلوي على شيء مخترقا جدار الروضة الخلفي، غير مبال بالقبور المنتثرة.. تسلق السور الأمامي وقطع الطريق لاجئا إلى دار السيد عبد الحميد الراضي والد بدر.. شاع خبر الجريمتين في المدينة كالنار في الهشيم، وهزت خطورتهما أركان الإدارة الفرنسية، فتحركت الآلة العمياء تحصد اليابس والأخضر ولم تترك مكانا إلا جرفته اقتفاء لأثر عصام. أجل، أمسى رأسه مطلوبا حيا أو ميتا لما أصبح يثيره في نفوس السلطة من شكوك وشبهات وريب.. لذلك راهنت على أن يكون رأسه كنزا يميط اللثام عن ملابسات حادث وادي السعيد، وشبه الجزيرة شرق الوادي.. ومن يدري فقد يكون خيطا يقود إلى إماطة اللثام عن الضابط جوليان الذي كان ـ وما يزال ـ اختفاؤه لغزا محيرا للأذهان!! فعل عصام فعلته الحمقاء وهو لا يدري بأن تصرفه الجانح عن رقابة الضمير كاد يعصف برفاقه، ويلقي بهم جميعا في متاهات المحن، وسراديب الموت والضياع لولا التدخل العاجل للسيد كوستي، ووالد حسام؛ إذ كلاهما استغل مكانته وثقته لدى الحاكم، فأبلغاه بأن المدعو عصاما ليس في كامل قواه العقلية؛ إذ ركبه الحمق من غدر خليلة له تدعى دينا بنت رحمة اليهودية..

محمد غالمي
10-03-2009, 03:28 AM
ولما تبين لبعض أصدقائه ومعارفه تدهور أحواله وشذوذ سلوكه تخلوا عنه. ورغم ذلك لم ينج بدر وحسام وعمر وحميدو والغالي من عواصف المعاناة وأنواء المتابعات.. حقا سيقوا إلى طاولة التحقيق، وخضعوا لاستنطاق فردي خلاصته رأي واحد متفق عليه، فأخلي سبيلهم بعدما تأكد للحاكم براءتهم من مجرم مخبول...
بعد فعل عصام المنكر وما تلاه من هجمة شرسة دعا بدر إلى جلسة خاصة اقتضاها الظرف الطارئ. وتسلل الرفاق أحادى إلى غرفة القيادة حيث يتحصن عصام في منأى عن عين الرقيب.. صمت مقرون بالغم والحزن ملأ سماء الغرفة على غير العادة.. لم يتمالك بدر أعصابه فواجه عصام بلهجة عنيفة، وأمطره بوابل من اللوم والتأنيب لم يعهده منه حتى في أحلك أيام الغدر.. تصدى إليه زاجرا منكرا ما اعتبره تصرفا أخرق أرعن:
ـ ماذا أصابك ؟ أي جنون هذا وأي حمق ألقى بك في دنيا الإجرام يا عصام؟ من أفتى عليك بخرق حدود المكان والزمان؟
وتلقفه حسام ساخطا متذمرا:
ـ ومن زين لك أن تعبث بالخطة المرسومة وتتصرف على هواك؟ الإجهاز على موشي بالسكين في واضحة النهار، وأمام شهود عيان، لا يمت للعمل الفدائي بصلة.. تصرفت وكان تصرفك مطبوعا بالفداحة والرعونة.. وأفدح منه وأرعن أن تقدم بلا حشمة أو تورع فتعتدي على عرض فتاة مسالمة ذنبها أنها يهودية..
حرك ذلك في نفس بدر حمية الغضب فاستكف حساما بإيماءة الطرف، وانفجرت نفسه من فعل الجرم الصادم فسأله مستنكرا:
ـ ما ذنب مونيكا يا عصام حتى تجعلها هدفا لنوازعك المريضة؟ ولكنك معذور والمسئولية عالقة برقبة دينا.. ألقت بك أشرعة بنت رحمة اليهودية ـ وأنت لا تدري أو من حيث تدري فتجهل بأنك جاهل لا تفقه ولا تعي ـ في مستنقع الخسة والعبثية، حتى بات سعيك جميعا موسوما بالعبث..
وذكره بموقف الحزان أبيها من القضية الوطنية، وولائه للسلطان محمد بن يوسف، حتى إن موشي بلغ به حين رأى صورة الملك معلقة في واجهة غرفة ضيوفه، فتعرض وقتئذ للمساءلة.. وعاد يقذفه بحر النار:
ـ وبعد هذا الرصيد المحسوب لأبيها تقدم على تلطيخ كرامتها والعبث بعرضها.. إلى هذا الحد وصل بك الكبت وتمكن الثأر والنقمة من نفسك المجروحة؟ ولكن إذا ظهر السبب بطل العجب.. وغايتك تبررها وسيلتك يا ولد موحى التهامي..
ولم تغب فطوش عن أطوار هذه المجلس الشبيه بمأتم.. إذ لم تكف عيناها عن إسبال الدمع حرقة ولوعة منذ علمت بالحادث الأثيم الذي دمر كبرياء أعز صديقاتها.. ظلت طيلة وجبة التأنيب هذه واجمة ترمق عصاما من حين لآخر بنظرات يشع منها المقت واللعنة، والخزي والنقمة.. ولكن تدخل بدر أجج في نفسها حمية الغضب، وحفزها على أن تشفي الغليل ولو بطلقات من لسانها الهائج، فاندفعت كالمدفع الرشاش:
ـ أية جريرة اقترفتها مونيكا في حقك حتى تفعل فيها فعلتك الشنعاء؟ أما كان أولى وأجدر أن تصوب حربتك الإجرامية إلى عرض من تفننت في العبث بمشاعرك واستنزاف جيبك، بدل فتاة وديعة بريئة ذنبها أنها يهودية؟ والله لقد خيبت فينا الظنون باستهدافك فتاة لا تكن لهذه الجماعة غير الاحترام والتأييد.. فلله أبوك (وأجهشت بالبكاء)
وشحذ حميدو سكين لسانه وطفق يسدد ضربات من وخز التأنيب:
ـ أما كاشفتك حقيقة أمرها وأسديت لك النصح يوم جئت تنتظر السراب في الحانوت يا عصام؟.. أما قلت لك بالحرف اذهب إلى بيتك واستلق على السرير لحظة يسترح ضميرك وتهدأ أعصابك فتكون مساء ذاك اليوم في مستوى الحدث الذي أنيط بك؟ ولكن لسوء الخيبة كان لك جواب آخر..
وجاء دور الفقيه الغالي الذي ظل ـ طيلة حصة التأنيب والمؤاخذة ـ يتابع بعينين غشاهما القلق والألم، وشفتاه تنمنمان استعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فتوجه إلى عصام مسددا سهام عتاب قارح جارح:
ـ عار عليك ما اقترفت من فعل مشين يا عصام.. ليس ذلك من أصول الثأر والنضال .. ولكنها سوء العاقبة وخيبة المآل.. حرثت بمحراث الغدر وحصدت بآلة الغدر وما كان محصولك في النهاية غير الانتكاسة والغدر.. وهل يحيق المكر السيئ إلا بأهله؟
لم يحرك عصام ساكنا أو ينبس ببنت شفة طيلة تعرضه لضربات السنان متلاحقة من عرض الألسنة.. ظل جاحظ العينين فاغرا فاه كمريض بعلة نفسية ما تزال فيه بقية من مخدر.وفجأة لاح في وجهه بريق العودة إلى خندق الواقع.. بدا من نظراته أنه آخذ في استعادة بعض من وعيه، وانتابته صحوة فانهار باكيا منتحبا يشهق ويطيل الشهيق..
فتح بدر عينيه على سعتهما فطفح فيهما الجد والحزم، ثم واجهه بالقول الفصل:
ـ البكاء وراء الميت خسارة يا عصام.. إلى متى تظل لاجئا محتميا في غرفتي؟ (وصعد من لهجته القارحة) اسمع يا رجل..لا مخرج لك من الورطة سوى أن تحزم حقيبتك وتغادر في الحال.. لن تعود الغرفة لك من يومنا هذا حصنا تعتصم فيه.
أقلعت عيناه عن البكاء وكف عن الشهيق، وجعل يمسح مخاطه ودموعه بمنديل مكنه منه بدر..سرى في باطنه الهلع وشعر بالفشل يشل ركبتيه كالمتهم يترقب أن يصدر في حقه حكم بالموت، ورفع رأسه إلى بدر ونبس بصوت كسير متسائلا:
ـ أغادر في الحال! إلى أين يا بدر؟
ووضع مقدمة يده على جبينه وزفر بعدما توقع أن يتلقى الأمر بتقديم نفسه إلى السلطات المختصة، بيد أن بدرا أدرك ما يتردى فيه الآخر من عذاب نفسي أليم، فبادر بالقول:
ـ لقد قمت بالواجب فور وقوع الحدث.. دبرت وصونيا أمرك ورتبنا ظروف ترحيلك!

محمد غالمي
10-18-2009, 04:19 AM
كان لصونيا حقا كبير الفضل فيما سعت وتسعى إليه من مواقف إنسانية غاية في النبل والسمو.. طرح عليها بدر جوهر المشكل وسر الورطة لتي كان عصام لها بطلا! وبقلب رحب وحس إنساني راق وافقت وتبنت، وسخرت ما تملك من وسائل متاحة؛ إذ هي من تتكفل بترحيله وتمريره عبر سيارتها إلى الدار البيضاء، ومن ثم إيداعه رهن الإقامة الجبرية في مسكن ورثته عن أمها في منطقة عين السبع..
شعر براحة نفسية غمرت كيانه وجعل يتساءل:
ـ إلى متى أقيم هناك يا بدر أخي؟
وبلهجة يغلب عليها طابع الحزم والجد ردت صونيا:
ـ إلى أجل غير مسمى يا عصام...
وأجاب بدر بدوره:
ـ سوف تمكث هناك إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.. وما عليك إلا أن تمتثل للتوجيهات، واحذر أن تتصرف مرة أخرى على هواك وحسب ما يرضي مزاجك.. لا أظن أن وضعك سيطول أكثر من اللازم.. إن القضية الوطنية وصلت إلى دواليب الأمم المتحدة، وبوادر التسوية باتت تلوح في الآفاق.. ومهما يكن فإن إقامتك الإجبارية سارية ما بقيت للمحتل بقية..
وأصبح الصباح فحلت صونيا بدار السيد عبد الحميد الراضي.. وفي غرفة بدر حيث يقبع عصام محجوبا عن عيون السلطة اتخذت آخر الترتيبات قبل الانطلاق.. جعل يصغي لتوجيهات صارمة تفرض عليه أن يلازم الإقامة، ولا يبرحها إلا عند مقتضى الحال والضرورة، وحينئذ ليس أمامه سوى التنكر في زي امرأة والاعتماد على عكاز في المشي. في هذه اللحظة صعدت سامية الأدراج ومن خلفها تنط القطة ميمي.. وقفت لحظة أمام باب الغرفة حتى أذن لها أخوها فدخلت بأدب تحمل صينية كبيرة ازدانت بشهي الفطور.. أباريق قهوة وحليب وشاي، وثريد ساخن وصحون مترعة سمنا وجبنا وعسلا.. رتبت ذلك بنظام على المائدة ثم أشار إليها أخوها بإيماءة طرف فقهت مغزاها، فولت مسرعة، لتعود من حينها وفي يدها حقيبة سلمتها لأخيها بأدبها المعهود ثم انصرفت.. وأقبلوا على الطعام بشهية.. ألقت صونيا نظرة على ساعتها اليدوية وتبادلت وبدر نظرات تشي بأوان زمن الانطلاق. نفض يديه من الطعام، وعجل بفتح الحقيبة فأخرج ألبسة عبارة عن جلابيب وقفاطين وأحذية خاصة بالنساء.. أصرت صونيا على أن يطمس عصام معالم مظهره من لحظته هذه.. ولم يلف من بد سوى أن انتحى ركنا قصيا وجعل يخلع ملابسه الرجولية ويستعيض عنها بأخرى نسائية.. لبس قفطانا وجلبابا، ووضع على وجهه نقابا أسود، وغطى رأسه بالقب الموصول بالجلباب من جهة الكتفين فاستوى في هيئة امرأة محجبة لا يظهر منها سوى العينين والحاجبين.. رفع بدر رأسه إلى صونيا وألفاها تطاوع نفسها للجم ضحكة، أما هو فلم يسعفه المنظر البهلواني الباعث على السخرية فانفجر ضاحكا.. ولكنه استدرك الموقف تجنبا لإحراج عصام، فرد باللائمة على القطة ميمي زاعما أنها آذته بمخالبها! وبرحوا الغرفة إلى السيارة الرابضة أمام باب الدار.. وقفت سامية تتابع المشهد المثير للشفقة.. ولئن تأثرت لحاله فلم تفلح في كبح ضحكة وهي ترى عصاما يفتح باب السيارة وقد بدا في لباسه النسوي وهو يحمل حقيبته التي تحوي أغراضه كحال امرأة جار عليها الطلاق...
وما تزال صونيا تشق بسيارتها الطريق حتى أشرفت على الدار البيضاء، وانسابت بين العمارات الشاهقة إلى منطقة عين السبع حيث الإقامة الموعودة تطل على شط البحر..
ظل بدر طيلة السفر شبه واجم.. بدا من نظراته وسهوه وكأنه يضمر سرا مؤلما! لاحظت ذلك صونيا وأثارتها حالته؛ إذ لم ترتح لمنظر وجهه تداهمه سحب حالكة، ويطفح الانزعاج في رموشه.. لازمت الصمت وانشغلت بأن فتحت باب الإقامة وتقدمت خطوة إلى الأمام مفسحة مرحبة من دون أن يأفل بريق محياها الباسم.. وربما قد تكون توصلت بحدسها أن الظرف غير مناسب ليكاشفها سر ما يعتلج في صدره ويغلي في سائر كيانه، ولذلك أحجمت حاليا عن سؤاله .. جالوا في أنحاء الإقامة المنفردة بنمطها الفرنسي العريق، والتي كانت ـ إلى وقت قريب ـ مصيفا لآل كوستي.. تناولوا وجبة الغذاء وتزود عصام بما يلزم من المؤونة والمال وكل ذلك مشفوع بسديد النصح والإرشاد.. تركاه وحيدا في دنيا الجديدة وانصرفا وبدر يشير إليه بيده كأنما يحذره لآخر مرة:
ـ امتثل للتوجيهات يا عصام واحذر أن تتصرف مرة أخرى على هواك..
وانتهت المهمة بسلام من حيث لا عين رأت ولا قلب أوجع.. وعادا أدراجهما إلى السيارة فركب إلى جانبها كالمعتاد. أدرك أنها تنتظر منه الإفصاح عما يؤرقه، فانبرى يحدث وهي تصغي وعيناها على الطريق حذر الآفات والطوارئ... ولم يثنه ما هو فيه من الهم من أن يستبشر خيرا بما تناهى إليه من تغير طارئ في مواقف سلطات الاحتلال من القضية الوطنية! وابتسم منتشيا وهو يدرك أشد الإدراك بأن صقور الإقامة البغيضة وذئابها ما كانوا ليرضخوا وينبطحوا لوما ضغط الشارع، وتوالي الضربات الموجعة التي زلزلت الأرض من تحث أقدام الباغي المعتدي وأربكت فلول الخيانة.. أجل، اطمأن قلبه على أن الإعداد والاستعداد للمفاوضات يجري على قدم وساق. غير أن ما عكر صفو مزاجه، وأجج نيران الحنق والحمية في ذاته أن تتمادى سلطات حاكم منطقة تادلة الجديد في استهتارها بالحقوق البشرية.. وكل ذلك على خلفيات نكبتها في أجود رموزها الحديدية فتكا وتنكيلا، واحتد سعارها عسى أن تعثر على (الصندوق الأسود ) فتضع اليد على من جرع المنطقة لعنة النكبات. في ظل هذا الوضع الخطير الذي عجزت فيه إدارة الحاكم الجديد عن وضع اليد على الساخنة رؤوسهم، بادر بدر بتحرير منشور.. ظل برهة منعكفا على الكتابة يستنكر من خلالها سيف الإجرام المسلط على رقاب العباد، ويحظ المناضلين والمتعاطفين في درب مولاي بوكيل والأحياء المجاورة على الخروج في مظاهرات سلمية وترديد شعارات من قبيل:
ـ ابن يوسف ملكنـــــــا ... والمغرب وطننــا ـ ابن يوسف يجي غدَا ... والاستقلال ولا بد

محمد غالمي
10-20-2009, 03:23 AM
نسخ المشروع وأبقى على الأصل في طي مجلة مرجئا الإشراف على توزيعه إلى مساء الغد. في هذه اللحظة حل فيليب بدرب مولاي بوكيل على نية تزجية بعض الوقت بنادي الضباط الفرنسيين، وهو الوعد الذي التزم به يوما مع بدر ..ولبث ينتظر داخل سيارته جنب مدخل زنقة الحدادة.. حتى إذا أقبل بدر تبادلا التحية عناقا، وصعد إلى جانبه ممنيا النفس على أن تتيح له الجلسة في حانة النادي أن يتلقف الجديد مما ينسج في كواليس الإدارة المحلية. وفي صباح الغد جاءه حسام يحمل جديدا آخر أربك حساباته وبعثر أوراقه.. فقال وهو يلهث.. لتلغ توزيع المناشير الليلة.. النسخة الأصلية منها موضوعة على طاولة الحاكم الجديد يا بدر.. كيف تضيع منك بهذه السهولة والمقلاة ساخنة؟ نهض مباشرة إلى مكتبه، وفتح المجلة يقلب أوراقها بدون جدوى!
وخاطب صونيا متأففا منكس الرأس:
ـ فيليب وحده من كان برفقتي في آخر موعد معه بالنادي المشئوم..
وأدار شريط الجلسة فتذكر بأنه نهض لقضاء حاجة وترك المجلة بما حملت على الطاولة.. هل يكون فيليب قد فتح المجلة من فضول، وعثر على المنشور فاستله ودسه في جيبه؟ وبهذه السهولة يسعفه ضميره على الوشاية بصديقه الأثير، عزيز صونيا ورفيق العائلة الذي آنس منه حديثا وألفة وقربا؟ ومهما يكن يبق المنشور مجهول الهوية مادام لا يحمل اسما ولا توقيعا.. أصغت صونيا بذهول واندهاش، فرامت بسيارتها أقصى اليمين.. لبثت برهة منحنية الرأس تتفرس أمامها.. قدر صمتها وثمن تأثرها والاتجاه الذي فيه يصب، فاستطرد..
ـ أجل تأثرت يا صونيا لأنك أبيت أن أذهب ضحية غدر.. لكن على يد من؟ يا لعبث الأقدار! على يد أخ صونيا الشيوعي المزور والعميل المندس.. بل تألمت كثيرا لأنك ما رضيت لأخيك أن يكون عميلا سافلا وقوادا حقيرا يساهم في تكريس عالم الجنون..
وخرجت من شرنقة صمتها ونبست وفي ذاتها قرحة أورثها الخذلان وسوء الظن في من كان له نصيب في موت الأم:
ـ وما العمل وقد آثر أن يتحلى بزي السفالة والقوادة والخيانة؟ وما جزاء من سار على هذه السكة الصدئة غير الموت على طريقة جوليان ويوري وأندريه يا بدر حبيبي.. أرجوك امنحني من ذاتك الشاعرة أنشودة تخفف من غلواء ما يعتمل في صدري من غبن وضيم.. لا تحمل هما لفيليب ولا تعر بالا للمنشور وتداعياته.. أو تعتقد أنني سأتخلى عنك وأتجنب صهد معاناتك.. ومررت يمناها على خده باسمة، فلم يتوان في رد البشاشة إلى الوجه الحزين وهو ينشد من شعر الشابي والسيارة تلتهم الطريق:
أنت أنشودة الأناشيد غنـــــــــا // ك إله الغناء رب القصيــــد
فيك شب الشباب وشحه السحر // وشدو الهوى وعطر الورود
وتراءى الجمال يرقص رقصا // قدسيا على أغاني الوجـــــود
سجى الليل وهمد الدرب كأنما ضرب على آذانه الموت، ولم يبرح بدر غرفته بعد مغرب هذا المساء؛ إنه يدرك بكامل حسه بأن متاريس منتصبة تحاصره كما تحاصر رفاقه القابعين في أوكارهم مكرهين؛ إنها حالة نادرة من حالات الاستثناء تضرب أكناف الدرب دون سائر الدروب. هب منتصبا أمام النافذة ينظر من وراء خصاصها بعد أن أطفأ المصباح.. ماذا يرى؟ ذلك الشرطي سرحان وبجانبه الشيخ عزام! وما بال هؤلاء العساكر يدبون في إثرهما كالهوام ويسترقون النظر إلى الغرفة؟ لم يكن بدر بغافل عما يحبك في الخفاء، وهو أدرى بهذا التحرك المشبوه وخلفياته.. استدار وراح يتلمس السبيل إلى فراشه في عتمة تكسرها أضواء الشارع الخافتة وهي تتسلل عبر فجوات النافذة.. استلقى على ظهره وأذنه تختلس وقع الأقدام وحفيف المشي.. وانسحب خفافيش الليل وطلع النهار، ووقع الدرب مرة أخرى في طوق الحصار.. انتشر الغربان على طول الحائط المشرف على الروضة.. لم هذه الضجة حول منشور لا يحمل دليلا يورطه صاحبه؟ هل ينبئ أمه ويسلم نفسه؟ هل يمضي لمصيره بغير علمها؟ كيف تتقبل خبر اعتقاله، وفي غياب أبيه الخارج عن المنطقة في مهمة؟ أسئلة محيرة راودته ولم يلف لها جوابا.. لم يسعه إلا أن نفض ذهنه الكليل منها وتسلح بشهامته، فغادر البيت مواجها مصيره. جنح إلى اليمين وسار خطوات.. حتى إذا جاز حانوت حميدو الحلاق تلقفته العقبان بعدما رصدته عيون الغربان..
أحيل بدر على ضابط محقق ذي باع مشهود في انتزاع الاعترافات تحت وطء التنكيل الظاهر والباطن.. استقدم وأذن له القاضي بالجلوس مومئا بيده إلى كرسي شاغر أمام المكتب جهة اليمين.. تعرف على هويته وجعل يذكره بالمنسوب إليه، وما اعتبره جريمة التحريض على إثارة البلبلة والفوضى في الشارع العام بواسطة مناشير!
ـ بم ترد يا أستاذ؟
تحلى الأستاذ برداء الرزانة والثبات، وأربأ بنفسه أن يظهر بمظهر الخانع المستسلم؛ أسعفه على ذلك ما أراح خاطره من موقف صونيا النبيل المكلل بوساطة أبيها السيد كوستي بائع قطع الغيار في الكانتنات، وما تلقاه من ضمانات أكيدة بعدم تعرضه للسوء، فضلا عن فراغ المنشور مما اعتبره المحقق جريمة.. فلم لا يشحذ لسانه ويفجر فورة غضبه، فيعصف عقله وقلبه بما يمليه ضميره وتفرضه قناعاته؟ وأجاب إجابة الواثق من نفسه:
ـ ما كان آباؤنا ولا أسلافنا يعرفون للإجرام مسلكا ولا عرفت أقدامهم له موطنا.. فكيف نؤثر نحن ـ الخلف ـ الانسلاخ عن جلد السلف؟
ـ والمنشور الذي تروم به إغراق البلاد دنسا وفسادا؟ خلنا أننا غذينا التربة وأجدنا ريها والعناية بها، ولكن للأسف لم تنبت سوى الصبار وطفيليات العشب.. فمن أوعز إليك بهذا العمل التحريضي المنكر؟

محمد غالمي
10-24-2009, 03:13 AM
ـ لا علاقة تربطني بالمنشور أيها القاضي.. ورغم ذلك فإنني أرفع صوتي إلى جانب من حرره.. إنه براء مما اعتبرته جريمة.. ولا أثر للعنف والفوضى في طي سطوره .. محرروه فضلوا أن يركبوا حافلة السلام..
أخذ المحقق نفسا طويلا من سيجارته وهو يميد على كرسيه يمينا ويسارا، فابتسم ساخرا متعاليا ولهج:
ـ إذا ركب أصحابه اليوم حافلة السلام فمن يضمن أنهم لن يركبوا غدا قطار جهنم؟ اتقوا الله في هذا البلد الذي وفر لكم النعيم والرفاهية بلا حساب!
ـ هذه بلادنا أيها الضابط.. في رحمها شملنا الدفء حتى تسلمنا الوجود ونحن في أتم عافيتنا نسمق كجريد النخل وأفنان الزيتون، إلى أن أتى علينا حين من الدهر اكتوينا فيه بجبروتكم فأحالنا صبارا لم تنل منه مبيداتكم..
تورمت أوداج المحقق وضغط على فكه الأسفل بالنواجذ. ولئن بدا هادئا متمالكا أعصابه فإن باطنه ظل يغلي كالمرجل. راح يتحرك على كرسيه ويفتل شاربه الطويل ويتفرس في عيني بدر بسخرية واستعلاء، وخرج عن وجومه ـ وقد جد في إخفاء اندهاشه وذهوله ـ بهذا الاستعظام المزيف:
ـ ما أفصح لسانك وما أشد جرأتك! (ولبث لحظة صامتا ثم واصل مستهجنا) وما أسخن هامتك! .. ولكن إذا تمادت الهامات الساخنة في الهذيان الطائش فسوف تتداعى وتتكسر شظايا..
لم يزدد بدر إلا جرأة في اللسان ورباطة في الجأش، ونطق بما يمليه الضمير والاعتصام بالمبدأ:
ـ هاماتنا حلفت بأغلظ الأيمان ألا تتداعى أو تخر في إذلال.. وقديما قيل:
إذا لم يكن من الموت بد // فمن العار أن تموت جبانا
تملك المحقق سخط عارم وبدا كالنمر المكشر، فأرسل هذا اللفظ المشجع بدون إرادته:
ـ برافو.. برافو.. نعم الجرأة التي تفجرت سيلا من وعظ في مكتبنا العامر هذا وكأننا في قاعة درس.. لا نستغرب في أمرك إذا طلعت علينا غدا أو بعد غد زعيما للحوذية والخرازين والحلاقين وحثالة الدروب من العاهرات والقوادين.. إذا أيدت اليوم تظاهراتهم السلمية فستكون غدا مسئولا عن زرعهم ألغاما تنسف الدور وتبيد النفوس..
وسرعان ما تملكه سخط عارم وأبدى حزما فغير لهجته وخاطبه زاجرا متوعدا:
ـ حدث بوضوح عن علاقتك بأصحاب المنشور وإلا...
حافظ بدر على توازنه النفسي ونطق في ثبات:
ـ إن وسائل الإقناع لا تقوم على الترغيب والترهيب التي باتت ممقوتة مذمومة إلا في شريعة الدولة الحامية!
بقى المحقق في حيرة من أمره لأن مستنطقه لم يرتبك أو يبد على سحنته وجل. وليطمر نكسته وخيبة أمله في انتزاع أدنى اعتراف قال في مكر:
ـ لم تتردد باستمرار على ضيعة آل كوستي؟
أجاب بدر بتحد لا يخلو من تلميح:
ـ أعرف هناك شيطانا من نار وملاكا من نور!
ـ شيطان! ملاك! كيف أمسى بيت السيد كوستي مرتعا للملائكة والشياطين؟ ما هذا الاستهتار؟ لا يهم.. كيف عرفت السبيل إلى الضيعة والإقامة؟
ـ سل الشيطان الرجيم والشيوعي المزيف اللعين!!
ـ هل تدري بأنك أستاذ غير عادي ولست في كامل قواك العقلية.. أنت تهيم في عالم الخيال وتنأى عن الواقع كلما حاولت استدراجك إليه..
ـ خيالنا طموح في تمزيق حجب الليل الأسود وتحطيم القيود..
ـ كفى من المزايدات.. ما قولك الأخير؟
ـ أن تسترد الأرض عافيتها ونسترد في حضنها حريتنا ويلتئم شملنا؟
ـ ومتى كانت فرنسا عقبة كؤودا في درب حريتكم؟
ـ ومن استعبد الأهالي وسرق منهم كل شيء؟
قال المحقق وقد زوى وجهه كأنما ليحسم الأمر:
ـ تحمل مسؤوليتك وعاقبة أمرك وتبعة جرأتك.. فهل من كلمة أخيرة؟
لم يزد بدر عن بيت للشاعر المعري أنشده وتوجه بابتسامة ساخرة:
ساس الأنام شياطين مسلطة // في كل أرض من الواليين شيطان
دل منظر المحقق على أنه في حالة من التوتر والتشنج والاضطراب.. تأهب لتوجيه صفعة إلى خد بدر، لكنه تراجع كاظما غيظه وحنقه وكابحا جموح اندفاعه؛ لعن في نفسه كوستي والظرف الذي جمعه به، ورغم ذلك صاح عاليا حتى تطاير اللعاب من فمه..
ـ أخرس أيها الكلب؟
وأشار إلى الشرطي المداوم أما الباب.. هيا قده و زج به في القبو الأرضي..
أمسك الشرطي بذراعه وساقه، فالتفت إلى المحقق ساخرا وردد في خاطره مستهجنا.. قريبا ستعرف أينا الكلب يا أحقر من كلب..

محمد غالمي
10-31-2009, 03:02 AM
في هذه الفترة من الظهيرة استلقى بدر كالعادة ينشد قيلولة مستأنسا بالراديو.. ظل يترقب زحف الأصيل فينعم بلقاء صونيا بعد أسبوع من غياب لا يعرف له سببا ولا مبررا..استعاد أطوار التحقيق فانتابه إحساس بالفخر.. لا يهم ما أدين به؛ ثمان وأربعون ساعة في القبو.. شهران من حبس موقوف التنفيذ..غرامة نقدية قوامها ألف فرنك.. كل ذلك يهون في مقابل ما ظهر به من شهامة ونبل، وجرأة وحزم. وهل كان سيجازف لو لم يلف الأرضية مستوية والتربة مطوعة؟ كان حقا للسيد كوستي والد صونيا اليد الطويلة في تنقيتها من الجذوع المشوكة والحجارة الصلدة المسننة.. ولم يجد حرجا في التصدي لمناورات وأحابيل المحقق بما صدع به من منطق سليم يجلو عن جوهر الحقيقة ومكمن الداء، وبالتالي جعل المحقق في حال من الدهشة حتى لعن في نفسه اليوم الذي عرف فيه السيد كوستي.. أجل لوما كوستي لهوت كف الضابط على خدك صفعا مبرحا.. ولوما أريحية أعز من تحب لشرع الضابط ـ من أول جرأة واندفاع منك ـ في تقطيع لسانك على طاولة الاستنطاق إربا إربا.. انتشله صوت المذيع يزف للمغاربة أمرا جللا! دنا من الراديو وجعل يزيد في الصوت ويصغي ملء جوارحه.. "الوفد المغربي المفاوض في مدينة سايس بيكو ينتزع من ممثلي سلطات الاحتلال اتفاقا مبدئيا على رفع الحجر والحماية.. ووصل الوفد إلى مدينة سان كلود بفرنسا لاستكمال إجراءات التفاوض.."
فأي خبر هذا تجودين به يا أمواج الأثير..؟ وأية بهجة هذه شملت الذات وجعلت تنفض عن الكاهل غبار العبث السلطوي البغيض؟ نهض واتجه إلى النافذة المطلة على الشارع المحصور بين سور الروضة والدور. فتحها ليفسح لضوء الأصيل يكسر عتمة الغرفة، فتناهى إليه أزيز سيارة. اشرأب بعنقه والتفت يمين النافذة.. خفق فؤاده وانشرحت نفسه من طلعتها البهية، لوح بيده وانصرف يبغي الباب الخارجي.. هدأ خاطره لرؤيتها ولم يطمئن قلبه على ما وشح صفيحة وجهها من هالة الهم والحزن.. ورغم ذلك لم تغب عن جفنيها ابتسامتها المرتسمة على زاوية ثغرها الطافح بالرقة والبراءة؛ ابتسامة دأبت أن تطالعه بها عند كل موعد وملتقى فتشمله الراحة، ويهدأ باله وتنشرح نفسه. دعاها إلى البيت مرحبا كالمعتاد لكنها اعتذرت مؤثرة أن تحادثه في الهواء الطلق.. أوصدت باب السيارة وتقدمت خطوات من السور المشرف على الروضة فأسندت إليه ظهرها، وبدر واقف أمامها شابك الذراعين..أدرك من نظراتها وهيئتها أن منغصا يركن في بؤبؤي عينيها، ولكن أنى له أن يعرف جلية أمرها وموطن البلوى منها؟ وحسبه أن يبادر بسؤالها:
ـ ما سر أمرك يا صونيا؟ تالله لم يطمئن فؤادي لمنظرك.. فأي هم نغص هناء وجودك وعكر صفو مزاجك؟
قبل أيام كان أبوها قد توصل باستدعاء عاجل من كوميسارية المعاريف بالدار البيضاء، مذيل بعبارة (لغرض يهمك!) حينها خيم عليه الذهول وانتابه إحساس بالحيرة يصاحبها هلع باطني.. السيد كوستي من وجهاء الجالية المقيمة بتادلة، وذو نفوذ لدى سلطات الحماية بها لمزاجه الاستعماري، وإن عد من الحمائم الجانحين دوما للسلم والأمان.. استشار ابنته في الأمر واستغرب ـ كما استغربت ـ الغرض من الاستدعاء العاجل!.. خمن وفكر وحول الاحتمال في كل واجهة واتجاه، وانتهى على ألا علة تقتضي حضورا مستعجلا إلى مقر أم المخافر، اللهم إذا جاءت العلة من فيليب.. أ يكون الابن المدلل تشاجر مع أحد في إحدى حانات العاصمة الاقتصادية، أو لعله ارتكب حماقة أو تورط في حادثة سير من فعل السكر والتهور؟ إنها نفس العلل التي طرحتها صونيا تخمينا واحتمالا. وإذ انبلج ضوء الفجر في الآفاق وبسط رداءه الفضي على الضيعة الحمراء أسرعت صونيا إلى السيارة فشدت الرحال وبجانبها أبوها يلوك في صمت جديد همومه المزعجة، ولم يبرأ جرحه بعد من ارتحال حرمه السرمدي.. فقد تركت الراحلة هيلين فعلا حلقة فراغ شاسعة في دنياه العامة والخاصة.. تغير أسلوب حياته رأسا على عقب، وغدا ميالا إلى العزلة.. ولاحظت ابنته ـ عقب الحدث المؤلم ـ ما طرأ من تحول في سلوكه وطبعه ومزاجه.. وها هو يصفع بمنغص جديد، لذلك تند عنه من حين لآخر آهات، فتدرك صونيا أن أباها يشقى في بحر لجي من المعاناة، وأنه لا محالة يتوجس خيفة من هول المفاجآت. وبكوميسارية المعاريف استقبلهما كبير الضباط بأدب وحفاوة ودعاهما إلى الجلوس على كرسيين شاغرين أمام مكتبه.. وما استقر بهما المجلس حتى نهض من على كرسيه، واقترب من السيد كوستي وجعل يربت على كتفه ويهمس.. عزاؤنا في الراحل فيليب واحد يا سيد كوستي.. أعرف بأن الخبر مؤلم ولكن لا مفر من مواجهة الحقيقة! جحظت عينا كوستي من وقع الصدمة وفغر فاه يصغي ولم يسعفه لسانه الذي تعطلت حباله. فقبل يومين عقدت إحدى النقابات العمالية بدرب عمر في الدار البيضاء جلسة طارئة تمهيدا لانطلاق أحد مؤتمراتها.. جلس فيليب بين الصفوف معززا وفد الحزب الشيوعي.. ارتاب أحد أعضاء الحزب من حركاته المشبوهة التي لا تستقر على حال، وازداد ظنه وتقوت شكوكه وهو يعاين فيليب يخرج من جيب معطفه آلة صغيرة للتسجيل، ويضعها فوق ركبتيه المحجوبتين بتلابيب المعطف، فيضغط على زرها ثم يرسل لها العنان تتلقف هدير الرياح وقصف الرعود تهز أركان المقر من تضارب آراء المجتمعين وتعارض أفكارهم، وما رافق ذلك من احتداد الألسنة.. أجل سلك هذا المنعرج المميت ظنا منه أن خطواته سعت سعيا موفقا في طي السر والكتمان.. غاب الذي ظل يختلس النظر من خلفه لحظة، وكان غيابه إذانا بهجمة شرسة شنتها الصقور الهائجة.. حلقت فوق رأسه كالغيمة السوداء المرتحلة على حين غرة، وما لبثت أن هوت عليه فأمسكت برقبته وشلت حركاته.. وأخيرا تمزق القناع عن الوجه الخفي.. تأكد من في المجلس بأن فيليب يغرد على هواه خارج السرب.. مذكرة وقلم وآلت تصوير وآلة مسجلة جميعها وسائل إثبات آثر العميل المفضوح العزف عليها.. وفجأة هوت عليه الأقدام بالركل والرفس حتى همد آخر عرق في بدنه.. تدلى لسانه وجحظت عيناه وساح الدم من أذنيه، وحمل كما تحمل الجيف إلى مزبلة التاريخ...
عاد الضابط يتأفف ويعظ على شفته السفلى محركا رأسه من خيبة أمل وتأس، وخاطب كوستي المصدوم.. أسفنا كبير يا سيد كوستي.. فقدنا جميعا رجلا من خيرة ضباطنا السريين! أما صونيا فتملكتها فرحة عارمة من الأعماق، ولكن ساءها أن ترى أباها على هذه الحال الباعثة على الرثاء والشفقة.. ولم يسعها إلا أن تظهر بمظهر من نال منها التأثر، وتصغي إلى الضابط الكبير يقول.. أكيد أن الإدارة العامة ستصرف لكما تعويضا محترما! لكنها حدجته بنظرة لا تخلو من إباء واستعلاء ونبست قبل أن تمد يدها إلى ساعد أبيها ويبرحان.. فلتحتفظ الإدارة بالتعويض لنفسها أما نحن ففي غنى عن فتات الصناديق السوداء يا حضرة الضابط!.. وعاد الضابط يسأل.. وأمر الجثة؟ إنها جاهزة للدفن.. وردت صونيا من دون أن تلتفت إليه.. لا حاجة لنا بها.. تدبروا أنتم أمرها وإذا طاب لكم فألقوها في قاع البحر.. وسارت مسعفة أباها وهو يرمي الخطوات متثاقلة.. حتى إذا اقتربت من السيارة انهار وهوى أرضا.. وفي رمشة عين حضرت سيارة إسعاف وأقلت الرجل على وجه السرعة إلى أقرب عيادة في حي المعاريف وهو في حالة حرجة..
أحست بحلقها يجف فتوقفت لحظة عن الحديث ذي الشجون، وحركت رأسها حسرة ثم انهارت في بكاء صامت، وبدر يربت على كتفها.. رفعت إليه وجهها ونبست وبقايا الدمع تغسل خدها:
ـ من الأفضل أن نركن داخل السيارة ونواصل الحديث.. (وأسندت ذراعيها إلى المقود وواصلت حديثها وبدر يصغي وقد تزحزح عن مجلسه واقترب منها) هذا سر أمري وعلة همي وأحزاني يا بدر.. أبي يعيش بين الموت الحياة.. أدى الضريبة من تهور ابن أحمق أرعن.. لعب دور الفتى الحيوي اليقظ ، والمؤهل ليكون ساعدا يمنى تعفيه بعضا من متاعب عالم المال والتجارة.. وحاز ثقة عمياء فكان له ما أراد. لم يضره انحرافه وعبثه بالمال في غير طائل بقدر ما أضر بأمي وعجل بمضاعفات دائها اللعين.. لكن لو كان علم أي منزلق تردى فيه فلذة كبده لكان قضى قبل الأوان يا أعز من في الوجود.. هل رأيت أي منغص هذا الذي نغص هنائي وعكر صفو مزاجي؟
عاد بدر إلى وضعه السابق، واستوى في جلسته بعدما اتخذ من كتف صونيا متكأ وهو يسمع تفاصيل الأسطورة الحقيقة.. قدر ظروفها وتألم لحالها بقدر ما أشفق على أخيها ورثى لحاله، وتوجه إليها مخاطبا:
ـ لا أنكر بأن وجود أخيك ضرب من العبث أفرزه ـ كما قلت ـ الإفراط في التدلل وإطلاق زمام اليد تعبث في المال بلا حسيب ولا رقيب، وضحالة المستوى المعرفي الذي جعله ربما ضحية تغرير واستلاب.. ومهما يكن يبق فيليب أخاك.. ورجائي فيك أن تعيدي النظر في موقفك وتحضري مراسيم تشييع جنازته.. وعفا الله عما سلف.. ولئن اكتوى الغير بنيران ضرائبه فقد أدى الضريبة أضعافا مضاعفة يا صونيا.. حسبه تلك الميتة المذلة النكراء.. أما أنت فوجودك ليس عبثا.. أنت خلقت لتركبي دروب المحن ومسارب أشق المهام.. أنت كبيرة ما كبر قلبك وفائضة بالشمائل ما فاضت ذاتك يمنا وسماحة.
شعرت ـ قبل أن تولي شطر الضيعة الحمراء ـ بلسانه المؤازر يخفف من غلواء همومها وانقباض ذاتها...
في صباح هذا اليوم الخريفي من أيام نونبر استقلت صونيا وبدر السيارة إلى مدينة الدار البيضاء.. وبإيحاء من عظيم التقدير ومكين الاعتزاز شارك حسام وأحلام إلى جانبهما في مراسيم تشييع جنازة فيليب. كان الهواء يهفو رطبا لطيفا، والموكب يشق الشوارع والطرقات حتى بلغ كاتدرائية المدينة .. وفي داخل الحرم الكنسي انتصبت الهامات تصغي لمقطع موسيقي من سيمفونية بيتهوفن الذي يجله فيليب قدر جلاله.. أضيئت الشموع وعلت الأصوات متناغمة بالتراتيل والأناشيد.. تلاشت الخواطر والمشاعر جميعا في هذا الخضم الجنائزي، وبدا على الوجوه أثر الخشوع.. انتهت المراسيم بدفن فيليب في إحدى المقابر الفرنسية، فتوجهت صونيا ومرافقوها إلى العيادة حيث أبوها يحتسي كؤوس الموت السريري أنفاسا متقطعة.. كان السيد كوستي مسجى جاحظ العينين، لم يعد يميز بين عواده جميعا، حتى صونيا انمحت من صفحة ذاكرته وغدت أمام ناظريه مجرد شبح كباقي الأشباح المحيطة به. حاولت التحدث إليه ولم تفلح في أن تنتزع منه كلمة أو إيماءة طرف.. ومن أين لها ذلك ولم تبق في أبيها من باقية سوى عينين منفتحتين على ظلمة سرمدية، لقد شل الجسد وتلاشت أوتار اللسان وانطفأ نور العين. فاض قلبها حسرة وأسى وحركت رأسها لوعة، ولم تسعفها الدموع تبلل خدها من لوعة. بكى حسام أسفا وتأثرا، وعانقتها أحلام مواسية، ثم أمسك بدر براحتها مهدئا من روعها. لم يبق من برنامجهم اليومي سوى تفقد أحوال عصام ومده بما يلزم من مال ومئونة، ثم شد الرحال إلى قصبة تادلة.. بيد أن بدرا صاح فيهم وهو يجذب صونيا من يدها.. هلم إلى أقرب مقهى نشرب شايا أو قهوة فنجبر خواطرنا ونبعد الأرق عن عقولنا وأجسادنا، ومدبرها حكيم..
برحوا العيادة وشقوا السبيل إلى السيارة الراكنة يمين الرصيف.. تفاجئوا بالأشغال العامة تجري على قدم وساق في عرض الشارع الكبير ومحيطه؛ فالأعلام الوطنية تعلق فوق البنايات وأمام واجهات الدور والمتاجر، وحبال المصابيح الكهربائية على اختلاف ألوانها تمد في عرض الشارع وطوله، والأرصفة وسيقان الأشجار تبلط بالصباغة البيضاء.. قد يكون بدر توصل بحدسه إلى ما تجسده هذه الحركة الذائبة من فأل حسن. وما خاب ظنه ولا خذله تخمينه، عرفوا من نادل القهوة أن الملك محمد الخامس سيحل بعد يومين بأرض الوطن غانما من الديار الفرنسية! غمرت الفرحة صونيا وأحلام، ونهض بدر من مكانه وأمسك بيد حسام فجذبه وهو يصيح ملء عقيرته.. وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.. صدق ربي العظيم.وجعل الأربعة يرقصون طربا ونشوة. وفي جلستهم العائلية حول الطاولة العريضة تبادلوا التهاني والتبريك في غمرة الانتشاء بساخن الشاي ولذيذ الحلويات. وبغتة لاحظ بدر بعض القلق يجتاح جبين صونيا ويخيم عليها الوجوم، فأخذ مجلسه عن يمينها والتفت إليها ومن نظراته تنبثق الأسئلة.. أدركت الموقف ثم همست قريبا من أذنه:
ـ أخاف أن أستيقظ وأجد نفسي تمضغ أحزانها وتكتوي بحر وحدتها بلا رفيق ولا أنيس..
ـ لن تكتوي بوحدتك من الآن يا صونيا.. فكيف يحدث وقد جاء الفرج وعاد الحق إلى النصاب.. لم تعد بلادي جارية مستعبدة.. انظري إلى الرايات تخفق والمصابيح تزهر في عز النهار.. أليس ذلك مؤشرا على تطهير الأفنية؟.. (دنا منها وسال لسانه بما أعاد الأنس والدعة إلى قلبها.. في بحر هذا الأسبوع سأشملك برداء الأنس الأبدي.. سأوشح صدرك بقلادة الخلود ما طالت الأزمنة والعهود.. وأتوج نفسي ـ بمباركتك طبعا ـ أبا لك وأما وأخا، ورفيقا في الدرب روحا وجسدا على نية ما يرضي الله ورسوله!

محمد غالمي
11-03-2009, 03:42 AM
لحن جميل انساب إلى أعماقها وشرع في تطهير ذاتها.. كان هذا البوح سبيلا لأن يشعرها بولادة جديدة ومحفزا للتعبير عن خلجات نفس ملتاعة، فهمست:
ـ وهل بقي في الوجود سواك يا بدر؟ لو كانت الجوارح غير اللسان تنطق لأبلغتك بأنني أترقب لحظة عمري تلك على أحر من الجمر.. ذلك الحدث الذي سيؤرخ لأسعد لحظات حياتي وأزهى وأحلى أيام عمري.. حينئذ أهتف ملء لساني وجوارحي وأردد.. يا يوم مولدي!
ظلت أحلام تتابع مندمجة في خضم حديث وردي عبق أهاج مشاعرها وحرك عاطفتها، فالتفتت ناحية حسام وفي جفنيها ترقد أسئلة من وحي عالم صونيا وبدر.. أدرك حسام ذلك وأطلق ابتسامة لطيفة تحمل أكثر من معنى، وهتف وقد رأى الأحلام تكبر في عين أحلام:
ـ لا ألفى من حائل يحول دون أن نركب نحن ـ الاثنين ـ قطار الحياة في بحر الأسبوع ذاته يا أحلام..
وبرحوا القهوة تغمرهم الحيوية والنشاط فاستقلوا السيارة إلى درب السلطان، ومن أكبر المتاجر اقتنت صونيا لحوما وفواكه وورود، ومن ثم إلى عين السبع.. وهي تهم بإيقاف السيارة قرب باب إقامتها ربت بدر على كتف صونيا وهمس قريبا من أذنها اليمنى كمن استدرك شيئا فاته: لقد فاتحت أمي وأبي في الموضوع.. الإعداد لليوم الموعود قائم على قدم وساق في بيتنا يا صونيا! إنها المفاجأة التي كنت سأزفها إليك مباشرة بعد عودتنا من رحلتنا هذه..
لم يكن لعصام هناك من عمل في أيام إقامته الإجبارية سوى المطالعة وتلاوة القرآن والاستماع إلى الراديو، ظل وأمسى وبات متفردا بهمومه ومعاناته.. كان في هذه اللحظة يتأهب لصلاة العصر حين سمع طرقا على الباب.. يا لعظيم المفاجأة! من يا ترى أرى؟ بدر وصونيا وحسام وأحلام! تغلغل سناء طلعاتهم في كيانه واضمحل من مرآهم الاغتراب .. أجل رآهم ملء العين، وما أسرع ما خف وهج قلقه وقسوة وحدانيته! وزال عن صدره عبء الوسواس، وتلاشى هاجس الخوف من سوء العاقبة والمآل.. كيف لا وقد زفوا إليه النبأ السعيد؟ شملوه باليمن الذي ظل له مترقبا منذ استيقظ من جنون طارئ، ووجد نفسه حبيسا بين جدران أربعة، لا يشم نسمة الهواء خارجا إلا متخفيا في لباس امرأة مسنة.. اطمأن قلبه وشعر بنخوة الاعتبار، إذ تلقى وعدا صادقا، ضمن له مكانا بين الرفاق العاقدين العزم على التوجه إلى الرباط لحضور عيد الأوبة المظفرة، والتملي بطلعة الملك.. رفهوا عن عصام وشاركوه مائدة الطعام، ومن ثم مكنه بدر بقدر من المال فودعوه ونكصوا على أعقابهم إلى السيارة راجعين.. وفي مدينة وادي زم توقفت صونيا في إحدى محطات البنزين للتزود بالوقود.. فتح حسام نافذة السيارة وأخرج رأسه فجعل ينظر ويطيل النظر.. شيء ما أثار باله وجذب طرفه! منظر غريب لاح له عن بعد! وجعل يتفرس أكثر، ولم يهدأ خاطره حتى فتح الباب الخلفي عن يمين وتقدم إلى الأمام خطوات، فلبث مذهولا غير مصدق عينيه.. هما ما في ذلك من ريب.. من هذا المخلوق المعتوه الذي يراه يا ترى؟ رجل مكفوف البصر يرتدي جلبابا باليا مرقعا، تقوده امرأة نحيفة الجسم شاحبة الوجه، عمشاء لا يستر جسدها غير ملاءة استحال لونها الأبيض إلى سواد من فعل ما علق به من بقع الطعام والسوائل..قصدت حسام ويدها ممدودة استجداء.. دس يده في جيبه ونفحها ببعض الريالات.. أجل فعل بلا تردد رثاء وإشفاقا لا سخرية وتشفيا.. وخرج بدر وأحلام من السيارة والتحقت بهما صونيا، والكل يمعن النظر في المآل الذي انتهت إليه حادة وعلاف!.. ولم يزد بدر على قوله.. ولله في خلقه شؤون.. ثم واصلت السيارة حرق الطريق..
بعد حياة مليئة بالكفاح والعطاء انتقل خالي الحافظ صباح هذا اليوم إلى دار البقاء.. مات الرجل الذي عاش ما تبقى من عمره حياة لا تخلو من زهد.. مات شامخ القد.. حارس الدرب والمناضل الفذ.. ولا غرابة أن يتصدر الموكب الجنائزي شموع الدرب جميعهم إلا عصاما.. وفي المقبرة الجديدة بمحاذاة مقبرة النصارى أودعوا جثمانه الطاهر جوف الثرى.. وارتجل بدر كلمة تأبينية فأشاد بخصال الرجل.. ذكر بمسيرته الخالدة التي تأسست من بدايتها على مواجهة قوى الاستكبار.. حارب الحافظ طوعا في صفوف الجيش الفرنسي فخاض ضراوة الحرب الكونية الأولى، وشارك في حرب الهند الصينية، ولبى نداء محمد الخامس الداعي إلى مساندة فرنسا في مقاومة المد النازي.. وخرج الرجل من المعمعة ـ كما دخل إليها ـ بطلا شهما، جسد نموذجا مثاليا للمحارب المغربي الأبي في أبهى صوره.. ولكن للأسف خرج خاوي الوفاض إلا من معاش هزيل، عرف كيف يدبر به حياته في عفاف وكفاف وغنى عن الناس.. ولشديد الأسف جوزي بأن أهين ونكل به في السجن يوم ألقي عليه القبض في مظاهرة السوق الشهيرة.. أجل اعتقل خالي الحافظ وذنبه أنه رفع لسانه بالحق.. عاش الرجل ما تبقى من عمره وحيدا في دنيا الصمت، وسلم روحه لبارئها في رحاب الصمت. وفي المساء توهجت شموع درب مولاي بوكيل، وضربت خيمة كبيرة أمام حانوت الراحل ومن صندوق الدعم والمساعدة أقام بدر وصحبه عشاء الميت.. حضره فقراء الدرب جميعا وحفظة القرآن من معلمي الكتاتيب القرآنية، وأحيوا الأمسية بالتلاوة والمديح والأذكار.
وفي الصباح الباكر انطلق الوفد على متن سيارتين صوب عاصمة المملكة.. ركب بدر إلى جانب صونيا في سيارتها وأقلا معهما فطوش والوزانية الشوافة، في حين ركب في سيارة أحلام، فضلا عن حسام، كل من حميدو وعمر والحسين الدباغ.. وبعد لأي عانقت السيارتان أجواء العاصمة الاقتصادية.. وبعد استراحة تناولوا خلالها قهوة ومرطبات توجهوا إلى منطقة عين السبع.. كانت المفاجأة أقوى من أن يصدق عصام ما حملته! فطوش والوزانية والحسين الدباغ؟ ما كاد يرى هذه الوجوه حتى انتابه شبه انهيار من شوق مكين وتأثر شديد.. أطبقوا عليه بالأحضان مهدئين من روعه، معزينه في محنته.. وملأ رئتيه من أريج الأنس يعبق من ثنايا تلابيبهم، حتى خال نفسه بين أحضان درب سيدي بوكيل يمرح فوق ترابه، ويتغذى منتعشا من مائه وهوائه.ما فتئ يصغى باهتمام لمستجدات ما طرأ في غيابه من الأحداث، بيد أن ما أحزنه وضاعف آلامه أن يرحل خالي الحافظ إلى دار البقاء ولم يتبع جنازته أو يحضر عشاءه.. ولئن تشفى من الميتة النكراء التي مني بها القائد بوسيف وذئابه الثلاثة؛ جوليان ويوري وأندره، فقد رثى من أعماقه لحادة وعلاف وما فعلته بهما دورة الزمان، وما طبعت به حياتهما من وضع مزر يبعث على الشفقة..

محمد غالمي
11-23-2009, 01:12 AM
وبعد استراحة قصيرة حول صينية الشاي نهضوا جميعا وبرحوا الإقامة. توجهوا للسيارتين الرابضتين وأخذوا مقاعدهم، في حين ركب عصام إلى جانب الوزانية وفطوش، فعادت العربتان للطريق تلتهمانه حتى تلاشتا وانمحى أثرهما بين الشاحنات والسيارات، والحافلات الجاثمة في محيط مطار الرباط سلا. منظر بهيج أثار في النفوس مشاعرها الوطنية الصادقة.. اشرأبت الأعناق تستطلع، وعلت الحناجر تدعو للملك بالعيش، وخفقت الأفئدة وهفت المقل ترنو لطلعة جلالته يطل من باب الطائرة، وبجانبيه الأمير مولاي الحسن ومولاي عبد الله.. ارتفعت السواعد ملوحة من شوق، والأصوات تردد: (ملكنا واحد، محمد الخامس..) ازدادت النفوس تأثرا من مشهد جلل تتراقص فيه الأعلام الوطنية الحمراء ذات النجمة الخماسية الخضراء، وكأنها شقائق النعمان انتثرت في حقل فسيح الأركان واسع الأرجاء، تتراقص الأيادي وترتفع الهامات وتهفو الصور.. وجلالته يخطب في جموع شعبه.. الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور..
ولأريحيتها المعهودة ارتأت صونيا أن تدعو القناديل لوجبة غداء بأرقى فنادق العاصمة، تكريما لمساعيهم النبيلة واحتفاء بعودة الملك المظفرة.. لم يطق عمر صمتا فراق له أن يرفه على النفوس بما جبل عليه من إثارة الحفيظة؛ أسعفه ما تناوله من مخدر الكيف خفية في مرحاض الفندق، فقال معرضا على سبيل الدعابة:
ـ من كان يتوقع أن يرى بأم عينيه حميدو والحسين الدباغ يجلسان جنبا إلى جنب في أرقى مطعم بالعاصمة؟
وقاطعه حميدو وهو ينهش فخذ دجاجة مشوية:
ـ ومن كان يتخيل أن ولد الحواة وأخته فطوش ستطأ أقدامهما مدينة الدار البيضاء والرباط؟
لم يذكر الوزانية لأنها تعرف الدار البيضاء والرباط أكثر مما تعرف بلدها وزان الذي هاجرت منه...
رفهوا فعلا عن دواتهم بما احتد بين عمر وحميدو من جدال محبب، علت على إثره القهقهات مدوية في رحاب هذا الفندق المتميز.. ونهضوا يبغون السبيل إلى بلدتهم منشرحين...
بعد عشاء هذا اليوم الأغر شهد بيت السيد عبد الحميد الراضي ولادة جديدة، وانبعاثا كولادة الوطن وانبعاثه.. وحق لصونيا من لحظتها هذه أن تنعم بما منت النفس به، وتهتف ملء لسانها وجوارحها: يا يوم مولدي! لاح البيت كالجوهرة تلمع في قلب حي سيدي بوكيل.. فواجهة الباب زينت بثلاث رايات وطنية ومصابيح كهربائية راوحت بين أصفر وأحمر وأخضر. وفي الداخل امتلأت صالة الضيوف الفسيحة عن آخرها بثلة من حفظة كتاب الله، وبعض المداحين والمنشدين، بينما جمعت الحجرة المقابلة مدعوين من الأقارب والجيران والمعارف، أبرزهم الحسين الدباغ وسلمان السفناج وعمي نافع الحمال.. وفي الدور العلوي أعد صالون خاص احتل الجهة الشرقية وأضحى موازيا لغرفة بدر غربا.. فرشت أرضيته بسجاد كبير محفوف بالزرابي الصوفية والوسائد والكنبات.. وعلى الجدار المواجه للباب علقت صورة كبيرة للملك محمد الخامس وعن يمينها صورة للسيد عبد الحميد الراضي في لباسه المخزني.. وعلى الباب أسدل ستار من ثوب أزرق شفاف يعكس أجواء الصالة المضاءة.. ليس غريبا أن يحجز بدر مائدة عشاء بغرفته لرفاق دربه وصفوة خلانه.. أجل تلقوا دعوة خاصة منه تشريفا لهم بحضور عقد قرانه، واستلذ القناديل دفء المكان، ولمسوا في حضنه خزانا لذكريات لا تبلى. وفي غمرة القرآن يتلى صعد السيد عبد الحميد إلى صالته الخاصة فوق، وفي إثره رجلان أغلب الظن أنهما شاهدا عدل، يتأبط أحدهما كراسة. أزاح عبد الحميد ستار الباب الأزرق وأوسع للرجلين. اتخذا مكانهما حول صينية عليها أطباق الحلوى والتمر وكؤوس الحليب.. وسرعان ما لحق بدر بأبيه يزهو في بذلة زرقاء داكنة وقميص أبيض وحداء أسود لامع.. انحنى على أبيه وهمس في أذنه فبرح الصالة إلى غرفة القيادة وعاد بمعية شموع حياته. دخلوا إلى قلب الصالة أحادى.. حسام وعمر وحميدو والغالي، وفي أعقابهم السيد عبد المغيث الذي تجشم مشقة السفر ليشارك بدرا ـ رفيق مسالك تعليمه ونضاله بفاس ـ عيد أعياده؛ يوم مولد صونيا وزمن انبعاثه.. وفي الركن الآخر جلسوا جنبا إلى جنب يتابعون مراسيم إبرام عقد القران وتوثيقه. نودي على صونيا فصعدت الأدراج على إيقاع المديح والزغاريد.. وحيت الجميع بابتسامتها اللطيفة وتقدمت إلى حيث يجلس بدر قريبا من العدلين.. بدت بهية رائقة المظهر تميس في قفطان من حرير أبيض مطرز وشد خصرها الدقيق بحزام من الذهب الخالص، وفي قدميها شربيل فاسي باهر.. جعل الموثق الشرعي يدون ما يلزم من معطيات حول الهوية وقيمة المهر، وموافقة الطرفين المتعاقدين على سنة الله ورسوله.. مد القلم لبدر وأشار عليه بالتوقيع أسفل ففعل.. حتى إذا جاء دور صونيا أجفلت وامتنعت عن تناول القلم، وبالأحرى التوقيع! ألقت الجميع في لجة من الاستغراب والذهول، إذ مزقت حجب الوجوم وطالبت بإحضار إمام المسجد الأعظم!.. لم يفهم بدر في الأمر شيئا.. احتار ـ كما أبوه ورفاقه ـ من إجفالها عن التوقيع! وازدادت حيرته وتبعثرت مشاعره، وتقلب مزاجه من إصرارها على حضور إمام المسجد الأعظم!.. ومن حسن الصدفة وجميل الحظ أن يتواجد السيد محمد بن الحسين إمام المسجد الأعظم بين من شملتهم الدعوة. غير أنه ما يزال مندمجا مع القراء يتلو ما تيسر من كتاب الله.. حتى إذا ختموا السورة تقدم نحوه بدر بأدب، وقبل يديه وهمس قريبا من أذنيه.. نهض الرجل مستجيبا وسار خلفه فصعدا إلى فوق. هب الرفاق وقبلوا يد الفقيه العلامة بالتتابع إلا صونيا التي اكتفت بمد يمناها مصافحة.. هيأ له بدر مقعدا فأشار إليه بالجلوس في أدب وحياء.لقد حاز الرجل هيبة ووقارا ونال تبجيلا واحتراما، لما ميزه من غزارة علم وتفقه في الدين، فضلا عن مظهره الجميل ووجهه المشرق الوضاء يلوح كغرة القمر.. اقترب من الفتاة وخاطبها في لطف:
ـ ما بك يا صبية؟
رنت إليه وفي جفنيها يرقد سر جلل، وهمست:
ـ أريد أن أشهدك يا سيدي فقط؟
ـ تشهدينني ؟ في ماذا يا فتاة؟ في هذين الرجلين كل الكفاية.. هما وحدهما من يخول لهما القانون الشهادة بصحة ما وثقا..

محمد غالمي
12-16-2009, 02:28 AM
بدت كالشاردة الساهمة في عالم غيبي! وخيمت على بدر سحب من أفكار سود فراح يتساءل في خاطره.. أ نادمة صونيا على قرارها أم تراها تبحث عن ضمانات أخر؟ ووسط عيون مندهشة وأعناق ممددة، ونفوس مترقبة رفعت يدها اليمنى وأشهرت سبابتها ونطقت بصوت جهري : أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.. وأعادتها ثلاث مرات.. تعالت الأصوات من كل جانب تدعو لها بالتوفيق، وتبارك أعظم إنجاز توجت به مسيرتها النضالية الخالدة إلى جانب بدر.. ومن وقع المفاجأة لم تصدق عينا بدر ولا أذناه؛ وهو الذي علمها مبادئ الشريعة، وأحفظها سورا قصارا تغلغل شعاعها في ذاتها.. وكلما غمَ صدرها تلت سورة وعاودت تلاوتها ـ وهي على مسيحيتها ـ فتشعر بالسكينة تشملها والأمن والدعة تغمرانها.. أجل لم تصدق عيناه المنفتحتان على سعتهما دهشا..غمر السرور فؤاده واطمأن خاطره؛ فما زرع من بدور النور آتت أكلها رطيبا سائغا.. فاندفع صوبها بلا شعور وضمها إلى صدره ولبث لحظة متخذا من كتفها متكأ.. سحبها من ساعدها وبرحا الغرفة إلى السلم ودموع النشوة والفرح تبللان رموشهما. زف الخبر السعيد إلى السيدة حليمة وسامية، ورقص فؤادهما جدلا وأسبلتا الدمع تأثرا، وعلت الزغاريد حتى بلغ صداها سائر الأرجاء المحيطة بالدار.. وهي وسط الأذرع تتلقفها ضما وعناقا لاح عليها بعض الاضطراب وجدت في التحرر من طوق الأجساد النسوية، ثم تسللت إلى المطبخ وكأنها تذكرت أمرا ذا بال وسامية في إثرها.. لم يهنأ لها خاطر حتى حظيت بما فيه رغبت؛ خمار من حرير أبيض أحضرته سامية على التو، فوشحت به رأسها وسائر عنقها ولم يبد منها غير الوجه يلوح ضياؤه كالبدر الساطع...
وتعبيرا عن فرحة العودة المظفرة والانبعاث الميمون، أقيمت بساحة السوق بحي سيدي بوكيل ـ على غرار سائر الأحياء المناضلة في كل ربوع المملكة ـ منصة كبيرة لاحتضان أمسية فنية أحياها فريق من شباب الحي الهواة؛ فرحا بعودة الملك المظفرة إلى عرشه وأرض وطنه.. كان منهم العواد والكمنجي والنياتي، والموقع على الطر والدربكة.. وفي الصف الأمامي جلس الأهل والأحبة يتوسطهم بدر وصونيا كالقلادة وسط العقد.. بدت أحلام في أوج انشراحها وسعادتها وهي تحادث حسام في الجانب الآخر من الصف الأمامي.. صعد إلى المنصة المسربلة بالأعلام الوطنية وحبال المصابيح الكهربائية الفقيه الغالي، مرتديا جلبابا أبيض شفاف، وقد استبدل الطاقية بطربوش أحمر وجلس في قلب الخشبة يتلو أمام ميكرفون ما تيسر من سورة هود.. خيم الصمت على ساحة السوق ممتلئة عن آخرها.. وأرهفت الأسماع تصغي في تخشع للغالي تصدح حنجرته "ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور..."
وتلته مجموعة من تلاميذ المدارس الحرة بلباس موحد.. وعلت أصواتهم تنشد على إيقاع موسيقي منسجم:
مغربنا وطننا روحي فداه ** ومن يدس حقوقه يذق رداه
دامي له، روحي له، ومما ملكت في كل آن
للحرية جهادنا حتى نراها ** والتضحية سبيلنا إلى لقاها
وأثار المقطع حماس الجموع الجالسة والمنتصبة، وعلت أصوات ثلة منهم تهتف ملء الحناجر:
ملكنا واحد، محمد الخامس.. ملكنا واحد محمد الخامس
وفي غفلة عن عيون المتفرجين ومنظمي الحفل انسلت زبيدة الهبيلة من بين الصفوف الأمامية وصعدت إلى المنصة فجعلت ترقص وتوقع براحتيها وقدمها اليمنى هازجة في انشراح..
سيدي محمد يا المير، يا بو قشابة حرير ** اللي ما يبغيك يا المير تبقى دارو خالية
تركها المشرفون على حالها حتى أشبعت لهفة نفسها رقصا وطربا.. ومن ذا الذي يجرؤ على إيذاء زبيدة أو يغبنها حقها في التعبير عن مشاعرها الخالصة تجاه رمز السيادة؟ كانت ـ وهي الحمقاء المخبولة ـ لا تتردد في رفع عقيرتها شادية مغردة بلازمة "سيدي محمد يا المير" على مسمع من زبانية الحاكم سيء الذكر،لاكومب، وكلابه البائدين سرحان والشيخ عزام وسائر الأزلام.. وكان نصيبها حينئذ أن جفف بها سرحان الأرض في إحدى حملاته القمعية بدرب مولاي بوكيل.. كانت المفاجأة حقا أشد إثارة وشوقا...
وتوالى على المنصة فريق آخر من صبية الكتاتيب القرآنية، فأنشدوا بأصواتهم الرخيمة ما فجر العيون دمعا وهز أركان الأبدان قشعريرة: *يا ملك المغرب.. يا بن عدنان الأبي
*نحن جند للفدى.. نحمي هذا الملـــك
واختتم الحفل بمسرحية هزلية شخص فيها بعض الشباب حادث الجمعة الخالد الذي أبان فيه المناضل الوطني علال بن عبد الله شهامة لا تنسى وغيرة لا تبلى، حين استهدف بسيارته سلطان الاستعمار بن عرفة العائد لتوه في موكبه بعد صلاة الجمعة. وتوالت فقرات الحفل الساهر حتى الهزيع الأخير من الليل...
في ضيعة المرحوم كوستي وقف بدر عند حافة المسبح يجيل النظر فيما حوله.. وسرعان ما غمر ذاته شذا الماضي المترع بحلو الذكريات ومرها، العابق بالحب والألفة والسماحة والوئام.. حامت حول ذهنه أطياف زاهية تنصع بياضا، فهزت مشاعره وعزفت على أوتار فؤاده حتى طفح الدمع على مقلتيه.. تذكر حين ولج الضيعة لأول مرة، وفيليب ـ قيد حياته ـ يعرض محتوياتها فخورا مزهوا.. هذه الطواويس واليمام والعنادل.. وهذا المسبح ودويرة مسعود.. حقا انتابه حينئذ إحساس كإحساس الغريب في عقر داره، وألفى نفسه وقتئذ كالربيب اليتيم تحت رحمة غريب استحوذ على كيان أمه واستباح الجسد بلا حسيب ولا رقيب.. وها بدر يتسلم من صونيا المفتاح ويدلف معززا مكرما.. وهاهو ـ كما منَى النفس يوما أمام أترابه وخلانه وصفوة أحبته ـ يلج الضيعة ولوج الفاتحين.. وهل كان سيعرف قلبه السبيل إلى صونيا لولا فيليب؟ فلا يسعه اللحظة إلا أن يدعو له بالرحمة والغفران.. وهل كان سيعرف فيليب لولا الحافلة التي جمعتهما صدفة من فاس إلى تادلة قبل خمس سنوات؟ وهل وهل...؟ وهكذا تتشابك الأسباب وتتوالى العلل والوسائل فتلد أشأم الغايات حينا و أيمنها آونة.. ومهما يكن فحسبه الآن أن يعاين الأحلام تعانق الواقع رويدا رويدا.. وليدخل دنيا الضيعة من أبوابها الواسعة سلطانا مظفرا كما دخلها يوما آباؤه وأسلافه. نظر إلى الساعة الأثيرة في

غالب الذيابي
12-24-2009, 01:47 PM
.
.
.



تسلم عزيزي ، قلم ساحر
.
.
.
.
.

محمد غالمي
12-29-2009, 02:25 AM
تشكر العزيز غالب على حست الالتفاتة..
تحياتي
محمد غالمي

محمد غالمي
12-29-2009, 02:26 AM
معصمه، واشرأب بعنقه ناحية الباب الخارجي فبدا وكأنه يترقب حلول زائر ما.. لم يغيب عن باله أن صفوة الخلان وخيرة الأخدان أجمعوا أمرهم، وعقدوا عزمهم على زيارته بمقامه الجديد في ضيعة الراحل كوستي، على نية تجديد آيات التهاني والتبريك، وتوثيق عهود المحبة الصادقة والرفقة الخالصة اللتين ألفتا بينهم ردحا من الزمان.. عشقوا ثرى مدينتهم وسماءها وواديها وبسطاء ناسها جميعا.. كانت فطرتهم تنزع دوما إلى الذود عن أصالة التربة وطيب هوائها وصفاء مائها..وإذ ادلهم الخطب واشتدت البلوى استجابت عواطفهم المجروحة وقاموا قومة رجل واحد لا يبغي بديلا عن مسح ذيول الغم والكرب، زادهم في ذلك إرادة وعزم وحسن تدبير.. إرادة أججها في الذات إيمان قوي في الله الراعي قضيتهم.. وبعد لأي أشرقت بنور ربها السماء، وعاد الرونق وتجلى الصفاء.. وعلت الراية خفاقة في العلياء.ابتهج وغمرته المسرة منذ علم بميعاد الزيارة الميمونة.. لم تثنه شواغل عن إعداد ما يلزم من عدد تليق بنجوم مزهر ضياؤها في الروح والبدن.. وما أجدرهم بأن يفعموا النفوس ويكحلوا المقل بما يثلج الصدور من جميل المفاجأة!.. ولهذا الغرض مكن مسعودا من مفاتيح السيارة وأشار إليه بالذهاب إلى درب سيدي بوكيل، ووضعها رهن الإشارة.. وما يزال يمعن النظر في التحفة اليدوية التي أهدتها إياه صونيا عربون إخاء ومودة..أكيد أنهم على وشك الوصول..
كذلك همس من فرحة يغمرها الشوق وهو ينظر ناحية دويرة مسعود.. عن له حسام يمسك بذراع أحلام ويقبلان ناحيته ـ وكانا قد حلا بالضيعة الحمراء قبيل الظهر ـ لقد تركهما قبل قليل يتجاذبان أطراف الحديث مع السيدة حليمة وصونيا بصالون الضيافة الكبير في الضيعة؛ ذلك الذي قال فيه بدر يوما إنه يضاهي دارين من دور سيدي بوكيل! لوح لهما وسلك ممر الباب الخلفي للمزرعة، مدخل الثيران والبقر الحلوب، ووقف يتملى برهة في الفضاء الشاسع والدنيا ربيع.. لاح القطيع يقوده راعيان من رعاة المزرعة، ويزحف كالجيش من البراري المتاخمة فينطلق كالسيل بين الحقول والمروج اليانعة.. في هذه اللحظة سمع أزيز السيارة تقترب وهب من حينه لاستقبالهم مسرعا في مشيه. نزل مسعود من السيارة وانتظر لحظة حتى خرج الأحبة، ثم استدار إلى خلف ففتح صندوق العربة، وأوسع لهم فأخرجوا ما أحضروه من هدايا رمزية.. وكان عمر أول من تقدم لتحية بدر، وتلاه الفقيه الغالي فحميدو الحلاق ثم عصام الذي استعاد حريته بأمر ملكي سامي أبطل كل الأحكام والمتابعات.. تقدم ببذلته الرمادية وحذائه البني اللامع محفوفا بأمه، وارتمى بين أحضان بدر وقد عجز عن التحكم في دموعه، فدس رأسه في صدر صديقه وأجهش منتحبا في صمت.. أكيد أن الضمير الواخز المؤنب استيقظ فيه من جديد، وأن ذاته ـ التي تعافت من علة مكنتها بنت رحمة اليهودية ـ استيقظت كالبركان وجعلت تقصفه بحمم اللوم والمؤاخذة.. لعن ذلك اليوم الذي سولت له فيه نفسه أن يؤذي أعز صديق وأجل رفيق بخنجر الغدر، فكانت التبعة أمر من العلقم تجرعها وسقى أحبته جرعة منها.. تعانقا عناقا طويلا حتى قال عمر كأنما يخاطب بدرا على سبيل المزاح والتفكه.. احذر أن يعاوده مرض الجنون فيخالك موشي المقبور ولا يتردد في عضك أو الإجهاز عليك! ضحكوا عاليا.. تقدم بدر نحو السيدة أم عصام الواقفة غير بعيد، وقد لفت جسدها ورأسها في إزار، ووضعت على وجهها نقاب أسود انحصر في أعلى الأنف.. انحنى على يدها مقبلا، وانساب لسانه مرحبا. واصلوا السير يجوزون الممر الظليل بين أدواح الصنوبر والسنديان السامقة.. يملئون العين بما تقع عليه من أشجار الفواكه وبساط العشب اليانع الممتد على طول الساحة. انبسطت الأسارير وانشرحت النفوس من رؤية حسام منتصبا شابك الذراعين، يتابع حركات الإوز يسبح في عرض البحيرة، وأحلام بجانبه ترسل شعرها الأسود الناعم حتى مست أهدابه أسفل ظهرها. قادهم بدر إلى صالون الضيافة العريق وحيوا صونيا وقبلوا يد السيدة حليمة.. ونشط عناق حار بين أم عصام والسيدة حليمة التي لم تسعها فرحة.. برح بدر وأعزة ضيوفه إلى عرض الحديقة ينعمون بنسائم الأصيل وسحر الغروب. وجد بدر نفسه محفوفا بكواكب أناروا الضيعة وبثوا الروح من جديد في سائر أوصالها.. شهب ازداد قبسهم ضياء في ملكوته الجديد، وملكوا عليه الأمر بما أثاروا من جميل الذكريات خففت عن ذاته ما انتابه من إحساس بالغربة في مكان ما يزال حديث عهد به.. ومهما يكن تبق الضيعة الملاذ الآمن البديل.. ولم لا، وفي أركانها وأبهائها توهج ضوء القناديل؟
وهل المساء واحتدت الحركة في سائر ربوع الضيعة.. نهض الخدم بأمر تأثيث فضاء الحفل على قدم وساق.. فضربوا سرادقا كبيرا في عرض الحديقة مما يلي مسبح الإوز.. مدوا على واجهته حبلا طويلا تتدلى منه المصابيح الكهربائية زاهية الألوان، تتوسطها في أعلى المدخل صورة كبيرة للملك محمد الخامس محاطا بإفراد أسرته، وتعلوها الراية المغربية. وفي الواجهة الأمامية أقيمت منصة خشبية لعرض فقرات الحفل، وأمامها صفت الكراسي بانتظام.. ما خطر ببال الخلان أن رفيق دربهم أعد العدة لإقامة حفل ساهر على شرفهم، وكأن هذه الأمسية التي تركها للمفاجأة تنذر بأمر جلل.. ما كان بدر يتوقع أن يتقدم يوما عصام طالبا يد سامية عبد الحميد.. واعتبر وأمه هذه الخطوة مجرد استشارة، على أن تتم مراسيم الخطبة الرسمية في بيت درب مولاي بوكيل لاحقا.. فأية مفاجأة هذه غطت على كل المفاجآت؟ ما إن علم بالخبر من أمه حتى داهمته أفكار من وحي جانب من ماض سيء الذكر لعصام.. نوازعه العمياء التي قادته إلى دينا بنت رحمة اليهودية، وتفننت الأخيرة في حلبه ونتف جيبه، ومن ثم درئه مخذولا مهانا.. جنونه الطارئ الذي خلفته مغبة الغدر.. اعتداؤه الشنيع على عرض مونيكا بنت الحزان، وخرق قانون الجماعة.. ورغم ذلك جد في محو هذه الصور القاتمة من شريط أعز أصدقائه.. بارك كما باركت أمه الخطوة في انتظار الرأي الحاسم للسيد عبد الحميد الراضي..
ومدت الموائد مزدانة بأطباق عليها خرفان جدَ الطباخون في شيها وإعدادها.. وتخللتها الفواكه الطازجة والمشروبات الغازية..
وكالعادة وإن لم يكن في الحسبان افتتح الفقيه الغالي الحفل الساهر بما تيسر من كتاب الله.. صعد إلى المنصة بعد ذلك جماعة من الشبان ببدلات تراوح بين أبيض وأسود وأنشدوا بصوت جماعي ..
يا ملك المغرب.. يا بن عدنان الأبي
نحن جند للفدى.. نحمي هذا الملك
وبرع فتى آخر فكان نجما متألقا على الخشبة، إذ صدح بصوت شجي رخيم..
عدت يا خير إمام .. عدت بالأماني العظام
عدت للعرش عزيزا .. رغم أحداث جسام
وعاد فريق الإنشاد إلى المنصة وتعالت الأصوات متناغمة بأنشودة..
يا صاحب الصولة والصولجان .. تملى بالملك وعش في امان
وما فتئ الحفل زاهرا متوهجا توهج القناديل حتى تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.. وبرح الرفاق الضيعة شاكرين ممتنين عاقدي العزم على تماسك اللحمة وصيانة العهد..
انتهى.
قصبة تادلة في: 20/12/2009