أكرم سلمان حسن
08-07-2008, 11:33 AM
أحمر شفاه
بقلم: أكرم سلمان حسن (أكرم منصورة)
مروره أمام مطعم (زوربا), المختص بتقديم ثمار البحر, والذي تم افتتاحه حديثاً على زاوية الشارع المؤدي إلى بيته, عاد بربيع إلى اليوم الذي رآها فيه أول مرة. كان هذا بالضبط بتاريخ.. لم يعد يذكره, عشرات من السنين!!, أما المكان الذي شاهدها فيه يومها, فهو تماما.. حيث لا يذكر!.
داهمته أحاسيس متناقضة.. عاد إلى المنزل ساهماً.. مشتتاً.
(أهناك ما يقلقك ربيع ؟) سألت زوجته التي تحفظه عن ظهر قلب.
ـ كلا, أجاب بلهجة قاطعة, لا يوجد شيء من هذا, مجرد تعب.
ـ حسناً (بارتياح مسرحي) [ظننت أن هناك ما يزعجك] صدقته.. رغم أنها لم تفعل!!.. لكنها اعتادت ذلك.
لم يرد على جملتها الأخيرة, الحمد لله أنها توقفت عن استجوابه.. وتوقفَ عن الأرجحة و التململ, رغب بالهدوء.. والهروب من عينيها, همس(اللعنة,ترى ما بداخلي بسهولة) دخل غرفة المكتب, بحيث يتمكنُ من استرجاع تلك اللحظة, و الإحساس الغريب الذي داهمه, عندما وقفتْ بباب المكتبة.. الآن تَذَكْر.. نعم.. هناك بالضبط, كان ذلك بناء على موعد مسبق.
كان يجهلها تماما, قبل أسابيع من ذاك الموعد, وفي أمسية صيفية, كان يقرأ رواية زوربا, ويرقص معه.. على رمل شاطىء إغريقي, عندما رن جرس الهاتف, وجاءه صوت غريب عن سمعه.
( معجبةٌ.. أرغبُ بالتعرف إليك) وكان حديثاً قصيراً.. سمع ايضاً ضحكات مرافقة, و تبين أن بصحبتها عدة صديقات, وهذا عادة ما يحصل, عندما يتجمعن دون رقابة السيد, يتحدن, فيهزمن الخوف, ليحل مكانه, بعض شجاعة مختلسة.
بعد يومين جاءه نفس الصوت, لكنه هذه المرة مختلفاً! يحمل قليلَ خجلٍ.. وكثيرَ رغبةٍ, كان الصوتُ هنا, عزف أنثوي منفرد, مؤدى على مقام الكبت!!. كان ذلك واضحاً جداً لأذنه الخبيرة. فلطالما كان له أذناً موسيقيةً, فقط, حين يتعلق الأمر بصوت له علاقة بالأنثى, حتى أنه في أيام المراهقة, كانت لعبته المفضلة هي, تميز فتيات الحارة, المارات قرب منزله ليلاً, من خلال وقع خطواتهن, وكان يستمتعُ بمحاولة التكهن بهوية صاحبة الحذاء, العازف على إسفلت الشارع, هذه بوران! تمشي بخطوات مسرعة, خطوة ثم الثانية, نعم إيقاع سريع ثابت لا يتغير, أما هذه ففاطمة, إيقاع مثير, تمشي بغنج زائد و بخطوات راقصة.. خطوة ثم.... الثانية, الصمت بين الخطوتين, مدته أطول من مدة أي صمت, بين خطوتي غيرها, كان يقفزُ إلى الشرفة ليتأكد, ويُسعدُ عندما يكون مصيباً, ونادراً ما كان يخطئ, الوحيدة التي كانت تخدعه, الجارة أم فداء,زوجة الرقيب احمد, فعندما كان يعود زوجها, في إجازة,كانت تهجرُ مقام النهاوند و تؤدي على مقام البيات. أما ميساء, فتلك كان لها حكاية مختلفة.. إذ أنها وعندما كانت تقترب من بيت طلال(المقابل لبيتهم) تتباطؤ خطاها, يهدأ الإيقاع.., حتى يخال السامعُ أنها توقفتْ عن السير, النغم هنا (قرار) مي..فا.. صول.. لا.. بغية إعطاء طلال الوقت اللازم, كي يصل النافذة, و تتعانق العيون متشابكة لعدة أمتار, قبل انعطافها إلى زقاق متفرع, حيث يتحول النغم إلى (جواب) لا.. سي. كانت تؤدي سوناتا, على مقام الرصد.
وكان يطيب لربيع أن يسمى ذلك كله.. موسيقى الكنادر (الأحذية). الحقيقة .. كانت موسيقاه المفضلة.
ـ( أتذكرني) انساب صوتها.
ـ بلى, كيف لا, صوتك لا ينسى بسهولة.
تكررت مكالماتها.. و تكرر الطرب.
بعد عدة مكالمات قررت أنها ستأتيه في المكتبة..سيراها للمرة الأولى. اتفقا أن تطلبَ منه كتاباً, بالتحديد (رواية زوربا), كانت تلك كلمة السر.
عند ساعة الصفر كان على أهبة الاستعداد , أعد لها الكثير ليقوله, جاءت على الموعد تماماً.. كان جهداً ضائعاً!. وقف جامداً كالأبله. أحْمرًّ وجهُه عندما قالت(ما بك لا ترد) دمدم معتذراً ببعض ما تيسر له من كلمات.. وبعد مغادرتها, ظل في مكانه مخدراً.. بفعل طلتها.
عينان واسعتان, يستعيد عشقه للسباحة, وتلح عليه فكرة قارب صغير, و نزهة في بحيرة!!. شعر أسود, تحضره ظلمةُ زنزانة استضافته يوماً, بشرةٌ حنطيهٌ مائلةٌ للسمرة, شفتانِ ممتلئتان. بغنج و إثارة, تنثني السفلى عند وسطها منحنية نحو الذقن, تطلب رضاباً, يطفئ الجمر المتقد. هناك.. تحت القميص الناعم, يسكن نهدان .. انبثقا أمامه.. بعنفوان, وتحدي.. يطلبان حواراً شفهياً. يعلنان رفضهما الفطام .
لتصافح عيناه عينيها, اضطر لرفع رأسه قليلاً إلى الأعلى, كانت أطولَ منه بمقدار.. أخجله.
بعد أسابيع.. كان اللقاء الثاني, تحضر له جيداً, أخلى المكتبة من روادها القلة.. جهز كل ما يلزم للمناسبة.
اتفقا على اللقاء, بمؤامرة معلنة, حيكت خيوطها, بسلسلة من العبارات الفارغة(الحوار وجهاً لوجه ضرورة, ويساعد على فهم الآخر أكثر>>,<<الثقة بالنفس موجودة ولا شيء بالإكراه) (فنجان قهوة وبعض الموسيقا) إلخ.
دخلت.. و الأصح أنها اجتاحت. كان حضورها طاغياً على المكان و الزمان.. الحاضر و المستقبل.
لحظة إغلاقه الباب, هاجمته, وبفعل القوة الدافعة لنهديها, وكي لا يسقط, اضطر للرجوع إلى الخلف, مستنداً على الحائط, أحس شمسه تشرق!! وعادت أسنانه لبنية. بجهد.. مط جسده قدر المستطاع.. و بانحناءة شاطرة منها, استلذ بطعم أحمر الشفاه ذو النوع الفاخر.. المختلف.. ثم.. بدأت شمسه برحلة الغروب الفاتنة.. المؤلمة!! غربت ببطء لذيذ.. و تكرر الإشراق.. و تكرر الغروب.. إلى أن تعبت شمسه.. واسترخت.. حل ظلام دامس.
جلس بعد رحيلها, يلتهم سيجارة, منتشياً, يفوح في الجو عطرِ تشبيبٍ نادرٍ, كانت مِزْجَةٌ سحرية, نتجتْ من بقايا عِطْرِِها, وبقايا عَرَقِها.
لحظات قليلة مرت, إحساسُ غامضُ داهمه, ما لبث أن تحول ذعراً.. كان قد تعافى حديثاً من خيوط تشده إلى ماض قريب. مليئاً بالانكسار. فلمرة واحدة.. وبعد كثير محاولات غزو تعرض لها.. هُزمَ.. هُدمت أكواخه.. سُبيت مشاعره.. وتذوق عبودية كادت تقتله.. أقسم.. لن يعودَ إلى الأسر ثانية.
قام إلى جهاز الهاتف, حمله و رماه على السقيفة.. لن تكون هناك هزيمة أخرى.
عاد سيداً.. حراً, لكنه حتى اليوم.. يحلف.. أن عطراً نادراً.. ما زال يملأ المكان.. ومقام الصبا.. ماانفك يقطن الأذنين.
بقلم: أكرم سلمان حسن (أكرم منصورة)
مروره أمام مطعم (زوربا), المختص بتقديم ثمار البحر, والذي تم افتتاحه حديثاً على زاوية الشارع المؤدي إلى بيته, عاد بربيع إلى اليوم الذي رآها فيه أول مرة. كان هذا بالضبط بتاريخ.. لم يعد يذكره, عشرات من السنين!!, أما المكان الذي شاهدها فيه يومها, فهو تماما.. حيث لا يذكر!.
داهمته أحاسيس متناقضة.. عاد إلى المنزل ساهماً.. مشتتاً.
(أهناك ما يقلقك ربيع ؟) سألت زوجته التي تحفظه عن ظهر قلب.
ـ كلا, أجاب بلهجة قاطعة, لا يوجد شيء من هذا, مجرد تعب.
ـ حسناً (بارتياح مسرحي) [ظننت أن هناك ما يزعجك] صدقته.. رغم أنها لم تفعل!!.. لكنها اعتادت ذلك.
لم يرد على جملتها الأخيرة, الحمد لله أنها توقفت عن استجوابه.. وتوقفَ عن الأرجحة و التململ, رغب بالهدوء.. والهروب من عينيها, همس(اللعنة,ترى ما بداخلي بسهولة) دخل غرفة المكتب, بحيث يتمكنُ من استرجاع تلك اللحظة, و الإحساس الغريب الذي داهمه, عندما وقفتْ بباب المكتبة.. الآن تَذَكْر.. نعم.. هناك بالضبط, كان ذلك بناء على موعد مسبق.
كان يجهلها تماما, قبل أسابيع من ذاك الموعد, وفي أمسية صيفية, كان يقرأ رواية زوربا, ويرقص معه.. على رمل شاطىء إغريقي, عندما رن جرس الهاتف, وجاءه صوت غريب عن سمعه.
( معجبةٌ.. أرغبُ بالتعرف إليك) وكان حديثاً قصيراً.. سمع ايضاً ضحكات مرافقة, و تبين أن بصحبتها عدة صديقات, وهذا عادة ما يحصل, عندما يتجمعن دون رقابة السيد, يتحدن, فيهزمن الخوف, ليحل مكانه, بعض شجاعة مختلسة.
بعد يومين جاءه نفس الصوت, لكنه هذه المرة مختلفاً! يحمل قليلَ خجلٍ.. وكثيرَ رغبةٍ, كان الصوتُ هنا, عزف أنثوي منفرد, مؤدى على مقام الكبت!!. كان ذلك واضحاً جداً لأذنه الخبيرة. فلطالما كان له أذناً موسيقيةً, فقط, حين يتعلق الأمر بصوت له علاقة بالأنثى, حتى أنه في أيام المراهقة, كانت لعبته المفضلة هي, تميز فتيات الحارة, المارات قرب منزله ليلاً, من خلال وقع خطواتهن, وكان يستمتعُ بمحاولة التكهن بهوية صاحبة الحذاء, العازف على إسفلت الشارع, هذه بوران! تمشي بخطوات مسرعة, خطوة ثم الثانية, نعم إيقاع سريع ثابت لا يتغير, أما هذه ففاطمة, إيقاع مثير, تمشي بغنج زائد و بخطوات راقصة.. خطوة ثم.... الثانية, الصمت بين الخطوتين, مدته أطول من مدة أي صمت, بين خطوتي غيرها, كان يقفزُ إلى الشرفة ليتأكد, ويُسعدُ عندما يكون مصيباً, ونادراً ما كان يخطئ, الوحيدة التي كانت تخدعه, الجارة أم فداء,زوجة الرقيب احمد, فعندما كان يعود زوجها, في إجازة,كانت تهجرُ مقام النهاوند و تؤدي على مقام البيات. أما ميساء, فتلك كان لها حكاية مختلفة.. إذ أنها وعندما كانت تقترب من بيت طلال(المقابل لبيتهم) تتباطؤ خطاها, يهدأ الإيقاع.., حتى يخال السامعُ أنها توقفتْ عن السير, النغم هنا (قرار) مي..فا.. صول.. لا.. بغية إعطاء طلال الوقت اللازم, كي يصل النافذة, و تتعانق العيون متشابكة لعدة أمتار, قبل انعطافها إلى زقاق متفرع, حيث يتحول النغم إلى (جواب) لا.. سي. كانت تؤدي سوناتا, على مقام الرصد.
وكان يطيب لربيع أن يسمى ذلك كله.. موسيقى الكنادر (الأحذية). الحقيقة .. كانت موسيقاه المفضلة.
ـ( أتذكرني) انساب صوتها.
ـ بلى, كيف لا, صوتك لا ينسى بسهولة.
تكررت مكالماتها.. و تكرر الطرب.
بعد عدة مكالمات قررت أنها ستأتيه في المكتبة..سيراها للمرة الأولى. اتفقا أن تطلبَ منه كتاباً, بالتحديد (رواية زوربا), كانت تلك كلمة السر.
عند ساعة الصفر كان على أهبة الاستعداد , أعد لها الكثير ليقوله, جاءت على الموعد تماماً.. كان جهداً ضائعاً!. وقف جامداً كالأبله. أحْمرًّ وجهُه عندما قالت(ما بك لا ترد) دمدم معتذراً ببعض ما تيسر له من كلمات.. وبعد مغادرتها, ظل في مكانه مخدراً.. بفعل طلتها.
عينان واسعتان, يستعيد عشقه للسباحة, وتلح عليه فكرة قارب صغير, و نزهة في بحيرة!!. شعر أسود, تحضره ظلمةُ زنزانة استضافته يوماً, بشرةٌ حنطيهٌ مائلةٌ للسمرة, شفتانِ ممتلئتان. بغنج و إثارة, تنثني السفلى عند وسطها منحنية نحو الذقن, تطلب رضاباً, يطفئ الجمر المتقد. هناك.. تحت القميص الناعم, يسكن نهدان .. انبثقا أمامه.. بعنفوان, وتحدي.. يطلبان حواراً شفهياً. يعلنان رفضهما الفطام .
لتصافح عيناه عينيها, اضطر لرفع رأسه قليلاً إلى الأعلى, كانت أطولَ منه بمقدار.. أخجله.
بعد أسابيع.. كان اللقاء الثاني, تحضر له جيداً, أخلى المكتبة من روادها القلة.. جهز كل ما يلزم للمناسبة.
اتفقا على اللقاء, بمؤامرة معلنة, حيكت خيوطها, بسلسلة من العبارات الفارغة(الحوار وجهاً لوجه ضرورة, ويساعد على فهم الآخر أكثر>>,<<الثقة بالنفس موجودة ولا شيء بالإكراه) (فنجان قهوة وبعض الموسيقا) إلخ.
دخلت.. و الأصح أنها اجتاحت. كان حضورها طاغياً على المكان و الزمان.. الحاضر و المستقبل.
لحظة إغلاقه الباب, هاجمته, وبفعل القوة الدافعة لنهديها, وكي لا يسقط, اضطر للرجوع إلى الخلف, مستنداً على الحائط, أحس شمسه تشرق!! وعادت أسنانه لبنية. بجهد.. مط جسده قدر المستطاع.. و بانحناءة شاطرة منها, استلذ بطعم أحمر الشفاه ذو النوع الفاخر.. المختلف.. ثم.. بدأت شمسه برحلة الغروب الفاتنة.. المؤلمة!! غربت ببطء لذيذ.. و تكرر الإشراق.. و تكرر الغروب.. إلى أن تعبت شمسه.. واسترخت.. حل ظلام دامس.
جلس بعد رحيلها, يلتهم سيجارة, منتشياً, يفوح في الجو عطرِ تشبيبٍ نادرٍ, كانت مِزْجَةٌ سحرية, نتجتْ من بقايا عِطْرِِها, وبقايا عَرَقِها.
لحظات قليلة مرت, إحساسُ غامضُ داهمه, ما لبث أن تحول ذعراً.. كان قد تعافى حديثاً من خيوط تشده إلى ماض قريب. مليئاً بالانكسار. فلمرة واحدة.. وبعد كثير محاولات غزو تعرض لها.. هُزمَ.. هُدمت أكواخه.. سُبيت مشاعره.. وتذوق عبودية كادت تقتله.. أقسم.. لن يعودَ إلى الأسر ثانية.
قام إلى جهاز الهاتف, حمله و رماه على السقيفة.. لن تكون هناك هزيمة أخرى.
عاد سيداً.. حراً, لكنه حتى اليوم.. يحلف.. أن عطراً نادراً.. ما زال يملأ المكان.. ومقام الصبا.. ماانفك يقطن الأذنين.