المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرحلة المكناسية( الجزء الرابع)


المهدي لعرج
04-27-2008, 05:22 AM
الجزء الرابع

صدى الذكرى

كانت مدينة مكناس بالنسبة إلي دائماً محطة عبور إلى ما بعدها ، و بالتالي قليلة هي المرات التي زرت فيها المدينة ، و شكلت منتهى رحلتي . و أذكر أني زرتُ مكناس لأول مرة في يوم ما من الموسم الدراسي : 1979/1980 ، أخذونا في رحلة مدرسية ما تزال ذكراها تعبق في وجداني بأريج الحب و الحرمان و شذى التاريخ . و في صيف 1982 بتُّ في المدينة لأول مرة : سافرتُ إليها من فاس حيث كنت أقضي بعض الأيام رفقة صديق لي . كانت المناسبة هي ذكرى المولد النبوي ، وكان صديقي عبد الرحيم العزوزي أكثر دراية مني بما يجري و يدور ، كان أفقه أكثر رحابة مما قد أعتقد . قال لي : اليوم نسافر إلى مكناس ، كن مستعداً . لم أكن أملك حيلة من أمري فكان أكثر اعتمادي عليه . في مكناس آنذاك أخذني لزيارة موسم الشيخ الكامل الهادي بنعيسى مولى مكناس . أخبار الموسم كانت تصلنا قبل ذلك ، و تغزونا في عقر ديارنا . القرويون أيضاً كانوا يحضرون الموسم للتجارة و ربما للزيارة و التسول . و كنا منذ الصغر نخاف من عيساوة الذين يأكلون الحيوانات بفرثها و دمائها و جلودها ، و يأكلون أوراق التين الهندي ( الدرق ) الشائكة ، ويتلاعبون بالنار . كان يقال لنا أيضاً إنهم يأكلون الأطفال في لحظة الهيجان . و على الرغم من أنني عرفتُ في صغري الكثير من عيساوة إلا أني لا أحتفظ لهم في ذاكرتي إلا بشيء واحد : هو فزع الناس إليهم للتداوي من لدغات الأفاعي ما بين الربيع و الصيف حينما يكثر الخشاش و يتشقق أديم الأرض فتخرج الحيات سراعاً ، ويطأ القرويون على رؤوسها و هم لا يشعرون . أنا ما زلتُ أتذكر يوماً لدغت الحية جدتي لأبي ، ذَهَبَتْْ تَرِنُّ عند بنعيسى اد لحسن ، الذي لا شك أنه " شَرَّطَ " لها ، و مص الدم الفاسد الذي اختلط بسم الأفعى . جدتي لم تمت آنذاك بلدغة الأفعى ، شفيت إذن بلمسة الراقي . كنتُ أحمل في ذهني ، كما قلتُ كل أسباب الخوف و التوجس من عيساوة و أنا أزور الموسم خلال ذلك الصيف . و في الطريق دَبَّرْنا ما يشبه المكيدة : أن ننخرط بدورنا في حلقة الحضرة ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً . ( و كنت خائفاً من شيء آخر : أن يطوح بي الشطح فيغمى علي ، كما يحدث للكثيرين ، فكثيراً ما رأيت بعضهم يغمى عليه بمجرد ما يبدأ قرع طبولهم ) ، و بالفعل شققنا الدروب إلى الضريح و تزاحمنا بالمناكب حتى ولجناه و نحن نتمايل على إيقاع الطبول و قرعها الوثني . كنتُ أتظاهرُ بالوَجْدِ و الحالِ و أتمايل مثلما يفعلون : إلى الخلف و الأمام طبعاً . و على الرغم من أنني إنما كنت فقط أتظاهر بالتواجد ، إلا أنني كنت أيضاً أخاف أن ينقلب السحرُ على الساحر في أية لحظة . لذلك كنتُ أسترق النظر إلى ما حولي و أجرب كيف أنني ما زلتُ بالفعل على صلة تامة كاملة بعالم الحس ، و أن هذا الحس هو حس الصحو الأرضي و ليس حس الصحو الصوفي ( ثمة عالمَانِ أساسيان ، على أية حال : عالَمُ الأحياء و عالم الأموات ، و لم يُسَلِّم الصوفية قط أنهم يمكنُ أن يكونوا ضحية الوهم يوماً ! ). و شيئاً فشيئاً تسللتُ من بين الصفوف حتى أصبحتُ خارج الضريح تماماً . في تلك الليلة أيضاً بتنا بين الفقراء ، فقراء الصوفية و الدراويش ، و من جملتهم بعض معارفنا من قبيلة التسول .
كانت هذه الرحلة إذن هي المناسبة الثانية التي سيتاح لي أن أبيت فيها بالمدينة . خلال السنة الماضية ، و في مثل هذا الشهر ، و خلال اجتماع له علاقة بالثقافة و الأدب بقينا في المدينة حتى المساء الأخير . لكنني اعتذرتُ للصديق محمد إدارغة لأنه لا معنى أن تبيت ليلة الأحد بعيداً عن مقر عملك بأكثر من ثلاث مائة كيلومتراً ، مع العلم أننا لسنا في زمن القطار الفائق السرعة TGV . و الذي يقول كمن فعل ، و الصدق يشع من العيون و إنما يحس به في لجة الكلام النظراءُ . لا شيء يذهبُ سدىً ، ما من لحظةٍ إلا و تستعادُ . نحنُ، مع الأسف نضيعُ كثيراً من الوقتِ في إحصاء الأشياءِ ، و لا نعيرُ اهتماماً لإحصاء كم من نظرةٍ غيرت مجرى الأنهارِ ، كم من زفرةٍ غيرت منحى الريحِ ، كم من بسمةٍ أشعلت الربيع في غير إبانه ، كم من تنهيدةٍ لم يضعها الشاعرُ موالاً لقصيدته ، كم من إغماضةٍ ليست من قذىً طارئٍ ...
الرحلة إلى مكناس هذه المرة كانت مناسبة لتجديد اللقاء بكثير من الأصدقاء . بعضهم كنت بصحبته من أيام قليلة في أبي الجعد ، وبعضهم أجدد به اللقاء بعد انقطاع حبل الوصال ، وبعضهم سألتقيه لأول مرة . و قد أشرتُ سابقاً أنني إنما أسجل شهادتي في مثل هذه الرحلات الثقافية - التي يجمعنا فيها الأدب – لاسيما عن أولئك الذين لم يسبق لي أن ذكرتُ فيهم شيئاً مما انطبع عنهم في وجداني و ذهني ، من خلال اللقاء بهم أو مجالستهم و الحديث إليهم .

د. خلدية آل خليفة
05-04-2008, 09:55 AM
** المهدي لعرج **

http://artfiles.art.com/images/-/John-Merrill/Hands-of-Fatima-Morocco-Photographic-Print-C12220946.jpeg

.
.

مواصلة جميلة لسرد المشهد الثقافي هناك،

ترافقها الظروف الإنسانية المتعددة،

سردٌ جميل لما يسكن هاجسك من انطباعات،

يحفزني لمواصلة رحلتك بكل لهفة،

تحياتي وتقديري،،


__________________

خلدية آل خليفة - المملكة المتحدة ...

http://a1259.g.akamai.net/f/1259/5586/1d/images.art.com/images/products/SMALL/10089000/10089748.jpg

الــــغلا
05-04-2008, 07:22 PM
مهدي لعرج...

رحله رائــعه بالفعــل’’’

حقيقي استمتــعتــ كثيراً

هنا لآخر الرحلــه..

تقديــري..
الــغـــلا’’

المهدي لعرج
05-04-2008, 11:08 PM
المحترمة جداً خلدية آل خليفة
يكفيني سيدتي أن تعجب هذه الرحلة قارئة مثلك
متابعتك تعطي لحروفي بعداً آخر
و تواضعك يخجلني
طوبى لك أيتها الكريمة العميقة

المهدي لعرج
05-04-2008, 11:19 PM
الفاضلة الغلا
جمال ما تقرئين هنا سيدتي من جمال روحك و نبل أخلاقك
و يشرفني أن تستمر رحلة القراءة
تقديري