سيد سليم
10-16-2010, 09:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى السادة والسيدات الهائمين بحب المصطفى ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
إلى جميع الباحثين عن الحقيقة
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
يسعدني أن أقدم لكم ما وجدته من عرض رائع لكتاب قيم ضمن قائمة الكتب المحمدية، ألا وهو كتاب: (مشتهى كل الأمم) للباحث والمفكر الإسلامي، الكتاب الصحفي الأستاذ محمد عبد الشافي القوصي، وأقول كمقدمة للعرض:
لا زال الباحثون ينهلون من نهر من أعطاه الله الكوثر، وفضله على جميع خلقه، وأرسله رحمة للعالمين، ذلك النهر الذي لا ينضب أبدا، مهما ارتشف منه المنصفون، أو اغترف المحبون، أو شرب المقربون.
وممن وورد وذاق وشرب من ذلك المعين الأطهر: أخونا وأستاذنا الأستاذ محمد عبد الشافي القوصي ـ أكرمه الله ـ وزاده هياما على هيام في حب سيد الأنام وآله الكرام ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ ومن ذاق عرف كما قالوا.
ومن حسن حظي وتوفيق الله لي: أن تعارفت منذ سنوات على أستاذي الكاتب الصحفي محمد عبد الشافي القوصي، وقد يسر الله لي مقابلات معه وجلسات وحوارات مثمرة بكل نافعٍ ومفيد.
ولقد سعدت بالجلوس إليه والحوار معه يوم أن كان الكتاب فكرة أدخلت السعادة على قلبي، وتمنيت له التوفيق، وزرته بعدها مع أحد أقاربي؛ فرأينا عجبا! رأيناه يجلس على السجادة وسط كم كبير من المصادر والمراجع النادرة مما يثري كتابه هذا، ويخدم فكرته والهدف منه، واستمعنا إليه وهو يذكر لنا بعض ما اختاره من نصوص تخدم مبحثه الهام، وما يحفظه من أشعار لقمم الشعراء ـ من غير المسلمين ـ الذين يثنون على مشتهى الأمم ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ـ في هيام بديع، فكان قريبي كلما جلس في مجلس ثقافي أثني على موسوعية وغزارة ثقافة وفكر الأستاذ محمد عبد الشافي؛ بسبب ما رأى، وسمع من نقاش حول الكتاب.
اعتكف الأستاذ لمدة عام أو أكثر؛ باحثا ومنقبا في التراث الإنساني لكبار علماء وأعلام الديانتين: النصرانية واليهودية ـ ممن لا تخفى شهرتهم، أو تنسى إبداعاتهم ـ حتى أفرز لنا من هذا الرحيق الشهي شرابا مختلفا ألوانه فيه شفاء للناس، وليس للمسلمين فحسب.
مُحَمّــد مُشْتَهَى الأُمَم
"الكتاب" أكبر موسوعة تضم شهادات للأحبار والفلاسفة عن عظمة نبي الإسلام.
النبوات السابقة أخبرت بقرب قدوم نبيّ عظيم القدر تنتظره كل الشعوب.
"المؤلف" ربط النبوة الخاتمة بما سبقها من الرسالات السماوية.
"مُحمّد" نبي الرحمة، ونبي الملحمة، ونبي الحب، ورسول الحرية.
(مُحمّد مُشْتَهَى الأُمَم) كتاب دال على اسمه، فهو يتحدث عن رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يتناول مختلف جوانب العظمة والعبقرية والكمال الإنساني في شخص خاتم الأنبياء؛ بأقلام وشهادات ودراسات الغربيين؛ من المستشرقين والفلاسفة والأكاديميين والأحبار والرهبان، من خلال مؤلفاتهم الموثقة. وقد ربط -المؤلف- النبوة الخاتمة بما سبقها من النبوات، باعتبار أن نبوة محمد هي الحلقة الأخيرة في حلقات الوحي السماوي.
يرى -المؤلف- أن بعثة الأنبياء جاءت لمصلحة الإنسان وهدايته، وهي ضرورة لا فكاك عنها لتجنيب العالَم الانغماس في ظلمات الأطماع والشرور والعدوان. ولو اتبع الناس في كل زمان ومكان تعاليم الأنبياء لعاشوا في سعادة غامرة، ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض. وأن هؤلاء الأنبياء أرسلهم الله تعالى إلى الأُمَم في جميع العصور؛ فلم تخلُ أُمة من رسول يهديها ويبشّرها وينذرها. وميزهم بخصائص لا يشاركهم فيها سواهم، وأيّدهم بمعجزات باهرات تملك النفوس، وتسجد لها القلوب .. لكيْ لا يكون للناس على الله حُجّة بعد الرسل. وقد جاء الأنبياء جميعاً من عند الله تعالى برسالة واحدة في أصولها وفي جوهرها، ألا وهي دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله وحده، والخضوع والطاعة لأوامره ونواهيه.
فأنبياء الله ورسله هم صفوة خَلْقه من عباده، وأبواب رحمته، وأسباب نعمته، وأُمناء وحيه، ومُبلّغو رسالاته. وهم الأطهار المعصومون -قبل النبوّة وبعدها- من أن يرتكبوا كبيرة، أوْ أن يقعوا في صغيرة تتنافى مع المروءة أوْ الشرف أوْ العفاف .. ووظيفتهم –جميعاً- إخراج الناس من ظلمات الشِرك والكُفر والفسوق والعصيان إلى نور الوحدانية والهداية والإيمان .. فكانوا بذلك دعاة الخير، وأئمة الإصلاح، وحملة المشاعل في دنيا الناس. ويستحيل على أيّ واحدٍ منهم أن يفعل مكروهاً، أو يصدر عنه أيّ سوء.
مُشتهَى الأُمـم
هذا الكتاب الصادر عن مكتبة مدبولي الصغير بالقاهرة، لمؤلفه/ محمد عبد الشافي القوصي-يقع في 300 صفحة، وعبر عشرين مبحث على التوالي، استعرض مفهوم النبوة، وبراهينها، ودلائلها، وجوانب عظمتها من خلال النقل والعقل معاً. يقول: إن الرسالات السابقة أخبرت بقرب قدوم نبيّ عظيم جليل القدر، تنتظره كل الشعوب، عبّرت عنه أسفار العهد القديم بلفظ (مُشتهَى الأمم). فتحدث الكتاب عنه بصفته نبي الرحمة، ونبي الملحمة، ونبي الحب، ورسول الحرية، والنبي الخاتم، وصاحب الرسالة العالمية، إلى جانب معجزته الخالدة "القرآن الكريم" الذي مازال يتحدى الدنيا كلها بإعجازه التشريعي والبياني والنفسي والعلمي والعددي والتقابلي وغير ذلك من أوجه الإعجاز التي تتكشف يوماً بعد يوم.
النبي الخاتـم
لم تكن دعوة النبي الخاتم بدعاً من الدعوات، بلْ كانت حقيقة كبرى لختم النبوة، فقد كانت البشرية تنتظرها بناءً على بشارات الأنبياء السابقين، وقد كان العرب ينتظرون مجيئه في ذلك الوقت لإخبار أهل الكتاب إياهم بذلك، وإخبار زعمائهم وأساقفتهم وكهنتهم كأُمَيّة بن أبي الصلت، وقِس بن ساعدة، وسطيح، وبحيرا، وورقة بن نوفل، وغيرهم .. وهذا مشهور في تاريخ العرب، ولولا ذلك ما قال القرآن: وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ [البقرة :89]. وإلاّ لكذّبه الناس في هذه الآية، ولقالوا له: ما كان أحد ينتظر مجيئك. بلْ كان جميع الأحبار والرهبان يعرفون اليوم والشهر والسنة التي سيولد فيها بناءً على رؤيا دانيال، ورؤيا حزقيال! وكانوا يعرفون اسمه، ونسبه، ومولده، ومهجره، وأوصافه، وكثيراً مما سيفعله، وما سيكون عليه أمره أكثر مما يعرفها أهله وأصحابه، بناءً على ما جاء في المزامير، وأسفار إشعياء، وحِجّي، وحبقوق، وملاخي، وزكريا، وغيرهم.
ولما بُعِثَ نبيّ آخر الزمان (الموعود) أمر بما أمر به المرسلون من قبله: الإيمان بالله، وإخلاص العبادة لخالق الكون، أيْ جاء مصدّقاً لإخوانه المرسلين من قبله ... فآمن به أهل زمانه من عُبّاد الأصنام، وكثير من الأحبار، والرهبان -بعدما تثبّتوا من صِدْق رسالته ودلائل نبوته- وعلى رأسهم: سيّدهم وابن سيّدهم، وعالمهم وابن عالمهم الحبر الأعظم (عبد الله بن سَلاَم) ووهْب بن منبّه، وكعب الأحبار، والنجاشي "ملك الحبشة". ولوْ لم يُسْلِم غير هؤلاء من أهل الكتاب لكفى! فما الظن إذا أسلم وشَهِدَ لهذا الدين الكثير والكثير من علماء أهل الكتاب الذين سمعوا ما أُنزِل على الرسول، فقالوا رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:83].
واستمر هذا الحال إلى العصر الحديث، فقد آمن به، وشهد له كثير من الأحبار والرهبان، أمثال القس لوزان، الذي يقول: "مُحمّد هو الإنسان الوحيد الذي عُرِفَتْ كل صغيرة وكبيرة عن حياته. وأفصح القس "بوش" أنه النبيّ الذي جاءت أوصافه في نبوءتي دانيال ويوحنا. وأوضح "مونتجمري وات" أنّ عظمتهُ في إنجازاته المطلقة التي لم يحققها نبيّ ولا مَلِك. وأكدّ عالم اللاهوت "هانز كونج" أنه المرشد القائد إلى طريق النجاة.
وقد انحنى أمام عظمته، زعماء الغرب وعلماؤه، فاعترف "بونابرت" في مذكراته بأن مبادئ نبي الاسلام وحدها هي الصادقة، التي يمكن أن تقود الناس إلى السعادة. ورأى "غاندي" أن هذا النبيّ يملك قلوب ملايين البشر. وأكد "ريتشارد جابريل" أنّ مُحمداً صاحب أعظم عقلية عسكرية في التاريخ. ومن قبلهم قال "هرقل" أعلمُ أنه سيرث ما تحت قدميّ! وآمنَ به "النجاشي" لأنه جاء بالقول الفصل في المسيح وأُمّهُ الطاهرة.
ووقف كبار الفلاسفة مشدوهين أمام عبقريته الفذّة، وإعجاز التشريع الذي جاء به، فقال "بلاشير" إنّ إعجاز الوحي وراء نجاح رسالته. وذهب "جوستاف لوبون" إلى أنه إذا ما قِيستْ قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان (مُحمّدٌ) أعظم مَنْ عرفهم التاريخ. وقال "لامارتين" لم تتحقّق جميع صفات العظمة الإنسانية في أحد سواه. وأكد "وليام موير" أنه أتمّ من الأعمال ما يُدهِش العقول. وأوضح "كارليل" أنه لوْ لمْ يكن صادقاً لما استطاع دينه أن يعطي هذه الحضارة كلها. وهتف "توليستوي" قائلاً: أنا واحد من المبهورين بهذا النبيّ الذي اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه. وردّد المعنى ذاته "كارل بروكمان" بقوله: أرسلهُ الله إلى العالم أجمع، ليصحّح مسيرة الرسالات التي سبقته.
وأثبت المؤرخ اللبناني "فيليب حتّى" أنه لم تعرف الدنيا إنساناً قُلّدتْ أفعالهُ بمنتهى الدقة كما حدث لمُحمّد. وأكدّ "نظمي لوقا" :أنّ موقفاً واحداً من مواقفه يرجح بفتوح الغزاة كافة وأبّهة القياصرة أجمعين. وتغنّى بسيرته الشاعر "ميخائيل ويردي" فأنشد قائلاً:
يا أيها المصطفَى الميمونُ طالعهُ
كأنّما قلبهُ ينبوعُ مرحمةٍ
فاجعلْ هواكَ رسول اللهِ تلقَ بهِ
قد أطلعَ اللهُ منك النورَ للظُلَمِ
مُستبشِرٌ جذلانُ بالنَسَمِ
يوم الحِسابِ شفيعاً فائقَ الكَرَمِ
صاحب الرسالة العالمية
يشير -المؤلف- إلى أن كثيراً من عظماء العالم وفلاسفته تيقنوا أن (الإسلام) وحده القادر على انتشال العالم مما هو فيه ... فالإسلام دين عالمي، لا يتجاوب فقط مع متطلبات الحياة في أوسع معانيها، بلْ مع المشاعر الوجدانية للفرد في بحثها عن الذات الإلهية، وهو لا يقدّم تصوراً منزّهاً عن الآفاق فيما وراء الطبيعة فحسب، بلْ يقدّم أيضاً قواعد رفيعة وشاملة للعلاقات الفردية والاجتماعية، ونظاماً اقتصادياً سليماً، ومذاهب سياسية عادلة وعملية، إلى غير ذلك من شئون الحياة ومتطلباتها. فهو دين الإنسانية كلها، وفيه معاني الوحدة والتوحيد والأُخوة الإنسانية المشتركة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136].
وقد أكدّ معظم المفكرين الغربيين، وعلى رأسهم (نولدكه، وجولد زيهر، وأرنولد توينبي، وغيرهم) أن الله أراد لدين الإسلام منذ فجر الدعوة أن يكون ديناً عالمياً، ولم يُرِد له أن يكون مجرد عقيدة وطنية محلية، بدليل أن النبيّ كتب إلى النجاشي والمقوقس وكسرى وهرقل وغيرهم من الملوك يدعوهم إلى الإسلام، بعدما نزل الوحي الإلهي بذلك: ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيراً[ [سبأ :28]. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ.. [الأعراف :158].
رسـول الحريـة
لما جاء (الإسلام) شرع العتق ولم يشرع الرق، بلْ جعل فك الإسار عن الأسرى فريضة من فرائض التكفير عن الذنوب .. وقد كانت دعوة رسول الإسلام دعوة لحرية الإنسان، والقضاء على عبودية البشر للبشر، فقرر الحرية الإنسانية وجعلها من دلائل تكريم الخالق للإنسان، وأولى اهتماماً خاصاً بالعبيد، فضيّق مصادر الاسترقاق ووسّع منافذ التحرير، ورغّب الناس في تحرير العبيد، وقرّبهم وأعلى شأنهم، فقال: "سلمان منا آل البيت". وأخبر أن من أعتق عبداً فإنما أعتق نفسه من عذاب النار يوم القيامة. وظل يوصي بالعبيد خيراً، وهو في سكرات الموت! فكانت آخر كلمات رسول الحرية: (الصلاة الصلاة، وما ملكتْ أيمانكم). ولقد وقف الكثير من المفكرين والمستشرقين والفلاسفة الغربيين عند جوهر رسالة الإسلام الخالدة التي جاءت لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وتحرير البشرية كلها من الشرك والفوضى والعنف والتوحش الذي كان سائداً قبل مجيء الإسلام، ومن ثمّ نظروا إلى رسالة النبيّ كرسالة للبشرية بأسرها، لأنها رسالة للتحرر والانعتاق وتكسير قيود الظلم والهوان، فمن هؤلاء المستشرق الألماني باول شمتز pawell Shimtes– الذي يقول في كتابه: "الإسلام قوة الغد العالمية": "لقد جاهدتْ البشرية كثيراً لتضع ما سماه علماء القانون والسياسة، الحقوق الطبيعية للإنسان, لقد فعلها مُحمّد بعفوية وبساطة عندما وقف حاجّاً في مكة فيما يعرفه المسلمون بحِجّة الوداع، وقرّر حق الإنسان في الحياة والتدين والحرية والثراء الحلال، والمساواة وحُرمة الدم والعِرض والكرامة".
ويؤكد ذلك، قول المستشرق الأمريكي إدوارد رمسي Edourd Remsy (جاء مُحمّد للعالم برسالة الواحد القهار، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فبزغ فجر جديد كان يرى في الأفق، وفي اليوم الذي أعادت فيه يد المصلِح العظيم مُحمّد ما فقد من العدل والحرية أتى الوحي من عند الله إلى رسول كريم، ففتّحت حججه العقلية السديدة أعين أُمة جاهلة، فانتبه العرب، وتحققوا أنهم كانوا نائمين في أحضان العبودية".
ويرى الفيلسوف الفرنسي لامارتين Lamartin:"أن ثبات (مُحمّد) وجرأته وصبره في سبيل إعلاء الكلمة، وتأسيس العقيدة الصحيحة لا إلى فتح الدول وإنشاء الإمبراطورية. كل ذلك أدلة على أن مُحمّداً كان وراءه يقين في قلبه وعقيدة صادقة تحرر الإنسانية من الظلم والهوان، وأن هذا اليقين الذي ملأ روحه هو الذي وهبه القوة على أن يرد إلى الحياة فكرة عظيمة وحجة قائمة حطّمت آلهة كاذبة، ونكّست معبودات باطلة، وفتحت طريقاً جديداً للفكر في أحوال الناس، ومهّدت سبيلاً للنظر في شؤونهم، فهو فاتح أقطار الفكر، ورائد الإنسان إلى العقل، وناشر العقائد المحررة للإنسان ومؤسّس دين لا وثنية فيه".
وقد اعتبر المستشرق الألماني آدم متز Adam Metz أن العتق يُعَدّ مبدأً من مبادئ الإسلام الحية، فيقول: "كان في الإسلام مبدأ في مصلحة الرقيق، وذلك أن الواحد منهم كان يستطيع أن يشتري حريته بدفع قدر من المال، وقد كان للعبد أو الجارية الحق في أن يشتغل مستقلاً بالعمل الذي يريده .. وكذلك كان من البر والعادات المحمودة عند المسلمين أن يُوصِي الإنسان قبل مماته بعِتق بعض العبيد الذين يملكهم". بلْ رفع من شأن العبيد حتى "جعل العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش"! -كما يقول المفكر القبطي نظمي لوقا.
ومن هنا وقفت قيادات قريش الأرستقراطية في وجه الدعوة التي ترنو إلى تحرير العبيد وتنادي بالمساواة التامة بينهم وبين السادة، ولقد كانت قيادات مكة تساوِم قائد الدعوة على طرد هؤلاء العبيد مقابل إقرار قيادات مكة بالإسلام، فنزل القرآن الكريم محذّراً من ترك العبيد أوْ طردهم. ولم يكتفِ الإسلام بإصدار أوامره بالعتق وفك الرقاب، بلْ صدرت التعاليم النبوية بتحسين أوضاع العبيد، ومنحهم كافة الحقوق التي يتمتع بها الأحرار والسادة الأشراف فأمر بالإحسان إلى العبيد والإماء..وحذّر رسول الإسلام من إيذاء العبيد والإماء، بلْ حذّر حتى من سباب العبد أو السخرية منه، فقد عاتب النبيُّ أبا ذر لأنه قال لأحدهم "يا ابن السوداء". وكما حرّم السخرية من العبيد أوْ الاستهزاء بألوانهم أوْ أنسابهم؛ حرّم –أيضاً- إجهاد العبد في الخدمة، وأوجب مساعدته إذا كُلّف ما يغلبه. كما شرع الإسلام منفذاً لتحرير العبيد عن طريق سن قاعدة "كَفّارة ضرب العبد عِتْقه" والذي لم يكن موجوداً أيام الجاهلية، فمنح حق الحرية للعبد إذا ضربه سيده، يقول رسول الحرية ومُحرّر العبيد: "مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أو ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ".
حاضر الإسلام ومستقبله
إن الإسلام منذ بزوغ فجره، لم يعتمد على القوة المادية، إنما كانت قوته الروحية وراء انتشاره السريع وانتصاره العجيب على قوى الشر وإمبراطوريات الفساد .. حدث كل ذلك في حقبة زمنية وجيزة رغم قلة الإمكانات المادية وصعوبة الحياة! لأن الإسلام فاجأ العالم بمبادئ سامية رأى فيها الناس إنقاذاً للبشرية المعذَّبة، ففي الوقت الذي كان فيه الملوك والحكام سادة أوْ آلهة، وكانت الشعوب عبيداً لهم، في هذا الوقت ظهر "النبيّ مُحمّد" على الناس بمبدأ المساواة بين الحاكم والمحكوم والملِك والسوقة .. وفى الوقت الذي كانت أقوال الملوك وأفعالهم هي القانون وهى العدالة، إذْ بالإسلام يأتي بقانونه السماوي فيخضع له العظيم والحقير.
إن مثل هذه المبادئ أوْ المفاجآت هي التي أدهشت العالم وجذبت الناس أفواجاً لهذا الدين العظيم، وعندما جذب الإسلام الناس إليه لم يدعهم في حيرة من أمور دينهم ودنياهم، بل أمدّهم بأرقى نُظم الحُكم وأرقى نظم الاقتصاد، ووضع أسمى الأُسس لحياة اجتماعية صالحة. والدليل على ذلك أن المسلمين كانوا يضعفون ويقوون، وينهزِمون وينتصرون، ولكن الإسلام كان قوياً على الحالتين، ومنتصراً دائماً. وأساس انتصاره هو أُسسه ومبادؤه الراقية. وقد آمن بهذه الحقيقة وشهد بها كثير من المفكرين والمؤرخين الغربيين، ففي كتابه (حاضر الإسلام ومستقبله) يقول مسيو مونته Montet (1856–1927) أستاذ اللغات الشرقية في جامعة جنيف university Geneva: "لقد صار من المحقّق أن الإسلام ظافر لا محالة على غيره من الأديان التي تتنازع العالم .. ومن ذلك أن عدد المسلمين في نمو وتزايد على الدوام".
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أُغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم
إلى السادة والسيدات الهائمين بحب المصطفى ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
إلى جميع الباحثين عن الحقيقة
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
يسعدني أن أقدم لكم ما وجدته من عرض رائع لكتاب قيم ضمن قائمة الكتب المحمدية، ألا وهو كتاب: (مشتهى كل الأمم) للباحث والمفكر الإسلامي، الكتاب الصحفي الأستاذ محمد عبد الشافي القوصي، وأقول كمقدمة للعرض:
لا زال الباحثون ينهلون من نهر من أعطاه الله الكوثر، وفضله على جميع خلقه، وأرسله رحمة للعالمين، ذلك النهر الذي لا ينضب أبدا، مهما ارتشف منه المنصفون، أو اغترف المحبون، أو شرب المقربون.
وممن وورد وذاق وشرب من ذلك المعين الأطهر: أخونا وأستاذنا الأستاذ محمد عبد الشافي القوصي ـ أكرمه الله ـ وزاده هياما على هيام في حب سيد الأنام وآله الكرام ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ ومن ذاق عرف كما قالوا.
ومن حسن حظي وتوفيق الله لي: أن تعارفت منذ سنوات على أستاذي الكاتب الصحفي محمد عبد الشافي القوصي، وقد يسر الله لي مقابلات معه وجلسات وحوارات مثمرة بكل نافعٍ ومفيد.
ولقد سعدت بالجلوس إليه والحوار معه يوم أن كان الكتاب فكرة أدخلت السعادة على قلبي، وتمنيت له التوفيق، وزرته بعدها مع أحد أقاربي؛ فرأينا عجبا! رأيناه يجلس على السجادة وسط كم كبير من المصادر والمراجع النادرة مما يثري كتابه هذا، ويخدم فكرته والهدف منه، واستمعنا إليه وهو يذكر لنا بعض ما اختاره من نصوص تخدم مبحثه الهام، وما يحفظه من أشعار لقمم الشعراء ـ من غير المسلمين ـ الذين يثنون على مشتهى الأمم ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ـ في هيام بديع، فكان قريبي كلما جلس في مجلس ثقافي أثني على موسوعية وغزارة ثقافة وفكر الأستاذ محمد عبد الشافي؛ بسبب ما رأى، وسمع من نقاش حول الكتاب.
اعتكف الأستاذ لمدة عام أو أكثر؛ باحثا ومنقبا في التراث الإنساني لكبار علماء وأعلام الديانتين: النصرانية واليهودية ـ ممن لا تخفى شهرتهم، أو تنسى إبداعاتهم ـ حتى أفرز لنا من هذا الرحيق الشهي شرابا مختلفا ألوانه فيه شفاء للناس، وليس للمسلمين فحسب.
مُحَمّــد مُشْتَهَى الأُمَم
"الكتاب" أكبر موسوعة تضم شهادات للأحبار والفلاسفة عن عظمة نبي الإسلام.
النبوات السابقة أخبرت بقرب قدوم نبيّ عظيم القدر تنتظره كل الشعوب.
"المؤلف" ربط النبوة الخاتمة بما سبقها من الرسالات السماوية.
"مُحمّد" نبي الرحمة، ونبي الملحمة، ونبي الحب، ورسول الحرية.
(مُحمّد مُشْتَهَى الأُمَم) كتاب دال على اسمه، فهو يتحدث عن رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يتناول مختلف جوانب العظمة والعبقرية والكمال الإنساني في شخص خاتم الأنبياء؛ بأقلام وشهادات ودراسات الغربيين؛ من المستشرقين والفلاسفة والأكاديميين والأحبار والرهبان، من خلال مؤلفاتهم الموثقة. وقد ربط -المؤلف- النبوة الخاتمة بما سبقها من النبوات، باعتبار أن نبوة محمد هي الحلقة الأخيرة في حلقات الوحي السماوي.
يرى -المؤلف- أن بعثة الأنبياء جاءت لمصلحة الإنسان وهدايته، وهي ضرورة لا فكاك عنها لتجنيب العالَم الانغماس في ظلمات الأطماع والشرور والعدوان. ولو اتبع الناس في كل زمان ومكان تعاليم الأنبياء لعاشوا في سعادة غامرة، ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض. وأن هؤلاء الأنبياء أرسلهم الله تعالى إلى الأُمَم في جميع العصور؛ فلم تخلُ أُمة من رسول يهديها ويبشّرها وينذرها. وميزهم بخصائص لا يشاركهم فيها سواهم، وأيّدهم بمعجزات باهرات تملك النفوس، وتسجد لها القلوب .. لكيْ لا يكون للناس على الله حُجّة بعد الرسل. وقد جاء الأنبياء جميعاً من عند الله تعالى برسالة واحدة في أصولها وفي جوهرها، ألا وهي دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله وحده، والخضوع والطاعة لأوامره ونواهيه.
فأنبياء الله ورسله هم صفوة خَلْقه من عباده، وأبواب رحمته، وأسباب نعمته، وأُمناء وحيه، ومُبلّغو رسالاته. وهم الأطهار المعصومون -قبل النبوّة وبعدها- من أن يرتكبوا كبيرة، أوْ أن يقعوا في صغيرة تتنافى مع المروءة أوْ الشرف أوْ العفاف .. ووظيفتهم –جميعاً- إخراج الناس من ظلمات الشِرك والكُفر والفسوق والعصيان إلى نور الوحدانية والهداية والإيمان .. فكانوا بذلك دعاة الخير، وأئمة الإصلاح، وحملة المشاعل في دنيا الناس. ويستحيل على أيّ واحدٍ منهم أن يفعل مكروهاً، أو يصدر عنه أيّ سوء.
مُشتهَى الأُمـم
هذا الكتاب الصادر عن مكتبة مدبولي الصغير بالقاهرة، لمؤلفه/ محمد عبد الشافي القوصي-يقع في 300 صفحة، وعبر عشرين مبحث على التوالي، استعرض مفهوم النبوة، وبراهينها، ودلائلها، وجوانب عظمتها من خلال النقل والعقل معاً. يقول: إن الرسالات السابقة أخبرت بقرب قدوم نبيّ عظيم جليل القدر، تنتظره كل الشعوب، عبّرت عنه أسفار العهد القديم بلفظ (مُشتهَى الأمم). فتحدث الكتاب عنه بصفته نبي الرحمة، ونبي الملحمة، ونبي الحب، ورسول الحرية، والنبي الخاتم، وصاحب الرسالة العالمية، إلى جانب معجزته الخالدة "القرآن الكريم" الذي مازال يتحدى الدنيا كلها بإعجازه التشريعي والبياني والنفسي والعلمي والعددي والتقابلي وغير ذلك من أوجه الإعجاز التي تتكشف يوماً بعد يوم.
النبي الخاتـم
لم تكن دعوة النبي الخاتم بدعاً من الدعوات، بلْ كانت حقيقة كبرى لختم النبوة، فقد كانت البشرية تنتظرها بناءً على بشارات الأنبياء السابقين، وقد كان العرب ينتظرون مجيئه في ذلك الوقت لإخبار أهل الكتاب إياهم بذلك، وإخبار زعمائهم وأساقفتهم وكهنتهم كأُمَيّة بن أبي الصلت، وقِس بن ساعدة، وسطيح، وبحيرا، وورقة بن نوفل، وغيرهم .. وهذا مشهور في تاريخ العرب، ولولا ذلك ما قال القرآن: وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ [البقرة :89]. وإلاّ لكذّبه الناس في هذه الآية، ولقالوا له: ما كان أحد ينتظر مجيئك. بلْ كان جميع الأحبار والرهبان يعرفون اليوم والشهر والسنة التي سيولد فيها بناءً على رؤيا دانيال، ورؤيا حزقيال! وكانوا يعرفون اسمه، ونسبه، ومولده، ومهجره، وأوصافه، وكثيراً مما سيفعله، وما سيكون عليه أمره أكثر مما يعرفها أهله وأصحابه، بناءً على ما جاء في المزامير، وأسفار إشعياء، وحِجّي، وحبقوق، وملاخي، وزكريا، وغيرهم.
ولما بُعِثَ نبيّ آخر الزمان (الموعود) أمر بما أمر به المرسلون من قبله: الإيمان بالله، وإخلاص العبادة لخالق الكون، أيْ جاء مصدّقاً لإخوانه المرسلين من قبله ... فآمن به أهل زمانه من عُبّاد الأصنام، وكثير من الأحبار، والرهبان -بعدما تثبّتوا من صِدْق رسالته ودلائل نبوته- وعلى رأسهم: سيّدهم وابن سيّدهم، وعالمهم وابن عالمهم الحبر الأعظم (عبد الله بن سَلاَم) ووهْب بن منبّه، وكعب الأحبار، والنجاشي "ملك الحبشة". ولوْ لم يُسْلِم غير هؤلاء من أهل الكتاب لكفى! فما الظن إذا أسلم وشَهِدَ لهذا الدين الكثير والكثير من علماء أهل الكتاب الذين سمعوا ما أُنزِل على الرسول، فقالوا رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:83].
واستمر هذا الحال إلى العصر الحديث، فقد آمن به، وشهد له كثير من الأحبار والرهبان، أمثال القس لوزان، الذي يقول: "مُحمّد هو الإنسان الوحيد الذي عُرِفَتْ كل صغيرة وكبيرة عن حياته. وأفصح القس "بوش" أنه النبيّ الذي جاءت أوصافه في نبوءتي دانيال ويوحنا. وأوضح "مونتجمري وات" أنّ عظمتهُ في إنجازاته المطلقة التي لم يحققها نبيّ ولا مَلِك. وأكدّ عالم اللاهوت "هانز كونج" أنه المرشد القائد إلى طريق النجاة.
وقد انحنى أمام عظمته، زعماء الغرب وعلماؤه، فاعترف "بونابرت" في مذكراته بأن مبادئ نبي الاسلام وحدها هي الصادقة، التي يمكن أن تقود الناس إلى السعادة. ورأى "غاندي" أن هذا النبيّ يملك قلوب ملايين البشر. وأكد "ريتشارد جابريل" أنّ مُحمداً صاحب أعظم عقلية عسكرية في التاريخ. ومن قبلهم قال "هرقل" أعلمُ أنه سيرث ما تحت قدميّ! وآمنَ به "النجاشي" لأنه جاء بالقول الفصل في المسيح وأُمّهُ الطاهرة.
ووقف كبار الفلاسفة مشدوهين أمام عبقريته الفذّة، وإعجاز التشريع الذي جاء به، فقال "بلاشير" إنّ إعجاز الوحي وراء نجاح رسالته. وذهب "جوستاف لوبون" إلى أنه إذا ما قِيستْ قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان (مُحمّدٌ) أعظم مَنْ عرفهم التاريخ. وقال "لامارتين" لم تتحقّق جميع صفات العظمة الإنسانية في أحد سواه. وأكد "وليام موير" أنه أتمّ من الأعمال ما يُدهِش العقول. وأوضح "كارليل" أنه لوْ لمْ يكن صادقاً لما استطاع دينه أن يعطي هذه الحضارة كلها. وهتف "توليستوي" قائلاً: أنا واحد من المبهورين بهذا النبيّ الذي اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه. وردّد المعنى ذاته "كارل بروكمان" بقوله: أرسلهُ الله إلى العالم أجمع، ليصحّح مسيرة الرسالات التي سبقته.
وأثبت المؤرخ اللبناني "فيليب حتّى" أنه لم تعرف الدنيا إنساناً قُلّدتْ أفعالهُ بمنتهى الدقة كما حدث لمُحمّد. وأكدّ "نظمي لوقا" :أنّ موقفاً واحداً من مواقفه يرجح بفتوح الغزاة كافة وأبّهة القياصرة أجمعين. وتغنّى بسيرته الشاعر "ميخائيل ويردي" فأنشد قائلاً:
يا أيها المصطفَى الميمونُ طالعهُ
كأنّما قلبهُ ينبوعُ مرحمةٍ
فاجعلْ هواكَ رسول اللهِ تلقَ بهِ
قد أطلعَ اللهُ منك النورَ للظُلَمِ
مُستبشِرٌ جذلانُ بالنَسَمِ
يوم الحِسابِ شفيعاً فائقَ الكَرَمِ
صاحب الرسالة العالمية
يشير -المؤلف- إلى أن كثيراً من عظماء العالم وفلاسفته تيقنوا أن (الإسلام) وحده القادر على انتشال العالم مما هو فيه ... فالإسلام دين عالمي، لا يتجاوب فقط مع متطلبات الحياة في أوسع معانيها، بلْ مع المشاعر الوجدانية للفرد في بحثها عن الذات الإلهية، وهو لا يقدّم تصوراً منزّهاً عن الآفاق فيما وراء الطبيعة فحسب، بلْ يقدّم أيضاً قواعد رفيعة وشاملة للعلاقات الفردية والاجتماعية، ونظاماً اقتصادياً سليماً، ومذاهب سياسية عادلة وعملية، إلى غير ذلك من شئون الحياة ومتطلباتها. فهو دين الإنسانية كلها، وفيه معاني الوحدة والتوحيد والأُخوة الإنسانية المشتركة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136].
وقد أكدّ معظم المفكرين الغربيين، وعلى رأسهم (نولدكه، وجولد زيهر، وأرنولد توينبي، وغيرهم) أن الله أراد لدين الإسلام منذ فجر الدعوة أن يكون ديناً عالمياً، ولم يُرِد له أن يكون مجرد عقيدة وطنية محلية، بدليل أن النبيّ كتب إلى النجاشي والمقوقس وكسرى وهرقل وغيرهم من الملوك يدعوهم إلى الإسلام، بعدما نزل الوحي الإلهي بذلك: ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيراً[ [سبأ :28]. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ.. [الأعراف :158].
رسـول الحريـة
لما جاء (الإسلام) شرع العتق ولم يشرع الرق، بلْ جعل فك الإسار عن الأسرى فريضة من فرائض التكفير عن الذنوب .. وقد كانت دعوة رسول الإسلام دعوة لحرية الإنسان، والقضاء على عبودية البشر للبشر، فقرر الحرية الإنسانية وجعلها من دلائل تكريم الخالق للإنسان، وأولى اهتماماً خاصاً بالعبيد، فضيّق مصادر الاسترقاق ووسّع منافذ التحرير، ورغّب الناس في تحرير العبيد، وقرّبهم وأعلى شأنهم، فقال: "سلمان منا آل البيت". وأخبر أن من أعتق عبداً فإنما أعتق نفسه من عذاب النار يوم القيامة. وظل يوصي بالعبيد خيراً، وهو في سكرات الموت! فكانت آخر كلمات رسول الحرية: (الصلاة الصلاة، وما ملكتْ أيمانكم). ولقد وقف الكثير من المفكرين والمستشرقين والفلاسفة الغربيين عند جوهر رسالة الإسلام الخالدة التي جاءت لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وتحرير البشرية كلها من الشرك والفوضى والعنف والتوحش الذي كان سائداً قبل مجيء الإسلام، ومن ثمّ نظروا إلى رسالة النبيّ كرسالة للبشرية بأسرها، لأنها رسالة للتحرر والانعتاق وتكسير قيود الظلم والهوان، فمن هؤلاء المستشرق الألماني باول شمتز pawell Shimtes– الذي يقول في كتابه: "الإسلام قوة الغد العالمية": "لقد جاهدتْ البشرية كثيراً لتضع ما سماه علماء القانون والسياسة، الحقوق الطبيعية للإنسان, لقد فعلها مُحمّد بعفوية وبساطة عندما وقف حاجّاً في مكة فيما يعرفه المسلمون بحِجّة الوداع، وقرّر حق الإنسان في الحياة والتدين والحرية والثراء الحلال، والمساواة وحُرمة الدم والعِرض والكرامة".
ويؤكد ذلك، قول المستشرق الأمريكي إدوارد رمسي Edourd Remsy (جاء مُحمّد للعالم برسالة الواحد القهار، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فبزغ فجر جديد كان يرى في الأفق، وفي اليوم الذي أعادت فيه يد المصلِح العظيم مُحمّد ما فقد من العدل والحرية أتى الوحي من عند الله إلى رسول كريم، ففتّحت حججه العقلية السديدة أعين أُمة جاهلة، فانتبه العرب، وتحققوا أنهم كانوا نائمين في أحضان العبودية".
ويرى الفيلسوف الفرنسي لامارتين Lamartin:"أن ثبات (مُحمّد) وجرأته وصبره في سبيل إعلاء الكلمة، وتأسيس العقيدة الصحيحة لا إلى فتح الدول وإنشاء الإمبراطورية. كل ذلك أدلة على أن مُحمّداً كان وراءه يقين في قلبه وعقيدة صادقة تحرر الإنسانية من الظلم والهوان، وأن هذا اليقين الذي ملأ روحه هو الذي وهبه القوة على أن يرد إلى الحياة فكرة عظيمة وحجة قائمة حطّمت آلهة كاذبة، ونكّست معبودات باطلة، وفتحت طريقاً جديداً للفكر في أحوال الناس، ومهّدت سبيلاً للنظر في شؤونهم، فهو فاتح أقطار الفكر، ورائد الإنسان إلى العقل، وناشر العقائد المحررة للإنسان ومؤسّس دين لا وثنية فيه".
وقد اعتبر المستشرق الألماني آدم متز Adam Metz أن العتق يُعَدّ مبدأً من مبادئ الإسلام الحية، فيقول: "كان في الإسلام مبدأ في مصلحة الرقيق، وذلك أن الواحد منهم كان يستطيع أن يشتري حريته بدفع قدر من المال، وقد كان للعبد أو الجارية الحق في أن يشتغل مستقلاً بالعمل الذي يريده .. وكذلك كان من البر والعادات المحمودة عند المسلمين أن يُوصِي الإنسان قبل مماته بعِتق بعض العبيد الذين يملكهم". بلْ رفع من شأن العبيد حتى "جعل العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش"! -كما يقول المفكر القبطي نظمي لوقا.
ومن هنا وقفت قيادات قريش الأرستقراطية في وجه الدعوة التي ترنو إلى تحرير العبيد وتنادي بالمساواة التامة بينهم وبين السادة، ولقد كانت قيادات مكة تساوِم قائد الدعوة على طرد هؤلاء العبيد مقابل إقرار قيادات مكة بالإسلام، فنزل القرآن الكريم محذّراً من ترك العبيد أوْ طردهم. ولم يكتفِ الإسلام بإصدار أوامره بالعتق وفك الرقاب، بلْ صدرت التعاليم النبوية بتحسين أوضاع العبيد، ومنحهم كافة الحقوق التي يتمتع بها الأحرار والسادة الأشراف فأمر بالإحسان إلى العبيد والإماء..وحذّر رسول الإسلام من إيذاء العبيد والإماء، بلْ حذّر حتى من سباب العبد أو السخرية منه، فقد عاتب النبيُّ أبا ذر لأنه قال لأحدهم "يا ابن السوداء". وكما حرّم السخرية من العبيد أوْ الاستهزاء بألوانهم أوْ أنسابهم؛ حرّم –أيضاً- إجهاد العبد في الخدمة، وأوجب مساعدته إذا كُلّف ما يغلبه. كما شرع الإسلام منفذاً لتحرير العبيد عن طريق سن قاعدة "كَفّارة ضرب العبد عِتْقه" والذي لم يكن موجوداً أيام الجاهلية، فمنح حق الحرية للعبد إذا ضربه سيده، يقول رسول الحرية ومُحرّر العبيد: "مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أو ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ".
حاضر الإسلام ومستقبله
إن الإسلام منذ بزوغ فجره، لم يعتمد على القوة المادية، إنما كانت قوته الروحية وراء انتشاره السريع وانتصاره العجيب على قوى الشر وإمبراطوريات الفساد .. حدث كل ذلك في حقبة زمنية وجيزة رغم قلة الإمكانات المادية وصعوبة الحياة! لأن الإسلام فاجأ العالم بمبادئ سامية رأى فيها الناس إنقاذاً للبشرية المعذَّبة، ففي الوقت الذي كان فيه الملوك والحكام سادة أوْ آلهة، وكانت الشعوب عبيداً لهم، في هذا الوقت ظهر "النبيّ مُحمّد" على الناس بمبدأ المساواة بين الحاكم والمحكوم والملِك والسوقة .. وفى الوقت الذي كانت أقوال الملوك وأفعالهم هي القانون وهى العدالة، إذْ بالإسلام يأتي بقانونه السماوي فيخضع له العظيم والحقير.
إن مثل هذه المبادئ أوْ المفاجآت هي التي أدهشت العالم وجذبت الناس أفواجاً لهذا الدين العظيم، وعندما جذب الإسلام الناس إليه لم يدعهم في حيرة من أمور دينهم ودنياهم، بل أمدّهم بأرقى نُظم الحُكم وأرقى نظم الاقتصاد، ووضع أسمى الأُسس لحياة اجتماعية صالحة. والدليل على ذلك أن المسلمين كانوا يضعفون ويقوون، وينهزِمون وينتصرون، ولكن الإسلام كان قوياً على الحالتين، ومنتصراً دائماً. وأساس انتصاره هو أُسسه ومبادؤه الراقية. وقد آمن بهذه الحقيقة وشهد بها كثير من المفكرين والمؤرخين الغربيين، ففي كتابه (حاضر الإسلام ومستقبله) يقول مسيو مونته Montet (1856–1927) أستاذ اللغات الشرقية في جامعة جنيف university Geneva: "لقد صار من المحقّق أن الإسلام ظافر لا محالة على غيره من الأديان التي تتنازع العالم .. ومن ذلك أن عدد المسلمين في نمو وتزايد على الدوام".
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أُغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم