المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نعومة السرد


محمد مهيم
10-11-2010, 01:15 AM
نعومة السرد
مقاربة سيميولوجية لهوية السارد في : " رجوع إلى الطفولة " 1* للروائية المغربية " ليلى أبو زيد " .
"إن الطابع الجماعي للخلق الأدبي مأتاه أن بنى عالم الأثر تجانس البنى العقلية لمجموعة اجتماعية معينة أو هي في علاقة معها يمكن أدراكها وفهمها . هذا في حين أنه في مستوى المضامين أي في مستوى خلق عوالم خيالية ـ تتحكم فيها البنى العقلية ـ تبقى حرية الكاتب كاملة ." 2
إذا كانت بعض الأعمال الأدبية ـ قصة ، رواية ، مذكرات ... ـ تعتمد على محركات للذاكرة قد تتخذ صيغا مختلفة ،( سقوط الفنجان مثلا .... ) فإن كتابة السيرة الذاتية تسلك الانفتاح على الذاكرة الواعية بامتياز ، خط التذكر الاسترجاعي ، استدعاء ما تحفل به هذه الذاكرة من أحداث ووقائع وشمت أثرها في الذات سواء في علاقتها بذاتها أو في علاقتها بالآخر ، متحدية بذلك فعل الزمن في الأشياء ، غير أن الأمر يختلف بالنسبة ل "رجوع إلى الطفولة " ، فالمحرك كان من خارج الذات كما سنرى ، فرغم أن الساردة تتمتع بذاكرتها زاخرة بتنوع الأحداث وغناها وسيولة في التذكر، فالمحفز يعود إلى مقترح أجنبي أكثر منه ذاتي ، الشيء الذي سيفرض على ذات الحالة صعوبة في اختيار نقطة إرساء تكون الشرارة التي تقدح الذاكرة ملبية الطموح المعرفي المفترض من طرف الآخر (الأجنبي ) وتكون من جهة أخرى ملائمة لتطلعاته .. هذا التوجيه الذي قد يحرم المتلقي من وقائع وأحداث ، قد تكون الذاكرة تغاضت عنها أواستبعدتها لا لشيئ إلا لكونها تخرج عن الدائرة المعرفية التي رسمها المرسل لذات الحالة . وهذا ما سنلمسه على مستوى تسريب محافل الخطاب من طرف ذات الحالة في هذا العمل " باعتباره يصنف ضمن السيرة الذاتية النسائية كما تقر بذلك المؤلفة نفسها في المقدمة ثم أعادت إدراجها على واجهة الغلاف الخلفي (وهكذا كانت كتابة سيرتي الذاتية غير واردة ) ص 4 *، مؤلف ارتأت صاحبته أن تتصدر غلافه الأمامي صورة باللونين الأبيض والأسود ، متمركزة في العمق ، لطفلتين ترتديان لباسا تقليديا ، يعلوها عنوان المؤلف( بفتح اللام ) ممهورة من طرف المؤلفة ... طفلتان ، في حركة إرجاعية ، متجهتان إلى منزل عتيق ، الصغرى لايبدو منها سوى الظهر ، بينما الكبرى بالكاد نمييز بعض ملامح وجهها ، ملتفتة نحو المتلقي في حركة تستدعيه لمصاحبتهما ، منزل منغلق على نفسه ـ لاباب لا نافذة ... حتى النباتات المحيطة به فاقدة لهويتها . إذن على مستوى خطاب الصورة نحن أمام ثلاث موجهات أو قل مؤشرات تأويل ـ خطابية : الطفلة الصغرى ، الطفلة الكبرى ، البيت العتيق بوصفها أبعادا تصويرية grandeurs figuratves ينسجها تفاعلاتها المسار التصويري3، فالأكيد أنها صور تتصادى مع المحافل التي ستضطلع بالأدوار التيمية في المتن. بينما احتوى الخطاب المكتوب على 152 صفحة توزعت إلى مقدمة 4 صفحات، وأربع رحلات كالتالي : القصيبة 46 صفحة تزيد على بصفحتين صفرو 44صفحة ، ثم الدار البيضاء27 صفحة و أخيرا الرباط ( العاصمة ) 16 صفحة ، وما يلفت الانتباه أن هذا التدرج التنازلي للنفس التذكري ــ والذي يرتفع حينما يتعلق الأمر بالعالم القروي ( العالم الطبيعي : القصيبة / صفرو ) ــ يؤشر على ارتفاع حدة التوتر Tensiteé لدى ذات الحالة ، بينما نلاحظ خفوته كلما لامس التذكر العالم الحضري ( العالم الثقافي : الدارالبيضاء / الرباط ) مما يعني أن الوعي الأنتربولوجي لدى الساردة كان مهيمنا بقوة ومؤشر ذلك إدراجها لملفوظ الأنتربولوجي كلود لفي استراوس : " ما من حياة وما ومن رواية لأية قصة إلا وتوفر معلومات هامة وتبصرا في وعي جماعي أوسع " * ص 7 . الذي تصدر الخطاب المكتوب باعتباره ملفوظا يعزز الرؤية الحضارية التي ينطلق منها المرسل ــ كما سنرى ــ خاصة على مستوى عناصر البنية السردية والخطابية في "المقدمة " ..... وكذا بناء على توجيه المستشرقة الأمريكية الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط ـ إليزابيت فيرنيا ـ ؟؟ ..ويختتم المؤلف بنبذة عن حياة المؤلفة ثم ببلوغرفية ففهرست ..
خطاب الذات والأخر :
وتبعا للفكرة السيميولوجية التي مفادها أن كل معنى ناشئ بالضرورة من التفاعل بين المحافل الخطابية المؤدي إلى استنبات حالات وتحولات في مسار الأحداث ، أتوخى مقاربة تمظهرات هذا الآخير على مستوى الخطاب بين الساردة بوصفه ذات الحالة وبين موضوع القيمة والمحافل التي ستؤثث بها الخطاب ، ذلك أن أي تفاعل قد لاينشأ بالضرورة مما هو تداولي و معرفي ( مما خارج النص ) ، بل قد يكون مصدره الذوات المتكلمة انطلاقا من وضعيات خطابية زمانية ـ مكانية محددة ــ أي : " الكلام بوصفة شكلا للتأثير في الآخر ، وليس فقط تمثيلا للعالم " 4ــ معبرة عن وجودها الجسدي والحسي داخل الخطاب ، كما هي حالة تموضع الساردة في خطاب المقدمة . فبناء على أنها ذات متكلمة سوف تتمتع بوجود فعلي ، وجود يتكفل به الخطاب، ويترتب عن هذا أن اللغة ستتحول إلى لغة التجربة التي يوفر سياقها الخطاب لا لغة التركيب النحوي ، لغة تمنحنا إمكانية معالجة الصلات والتعالقات بين الساردة بوصفها متكلما وبين موضوعها ، أثناء تفاعل المحافل الخطابية . ومن ذلك توظيف السارد ة ، مثلا ، للهجة المغربية العامية ، خاصة الجبلية ، ارتباطا بنوعية الممثلين والفضاء لأنه " يقينا أن اللغة ورؤية ـ العالم ، واللغة و الجماعة مرتبطتان " 5. ولهذا فإن الذات المتكلمة (ذات الحالة ، وكذا ذوات الممثلين على مستوى عملية التخطيب ) ليست ذاتا منتجة للكلام فقط ـ وعبره الدلالة ـ بل أنها في الحقيقة تعمل على تشكيل ذاتيتها الخاصة / هويتها ، ذات حساسة تظهر من خلال معطيات لغوية ... إنه إحساس الساردة كامرأة محاولة تلمسهاوضعها بين رؤيتين متناقضتين : ــ رؤية المجتمع العربي ( جمهور القراء ) ولا أقول المغربي فقط الذي ( كان ) يستهجن كل كتابة نسائية خاصة السيرة الذاتية ، يعكس ذلك ـ مثلا ـ واقعة الناشر اللبناني الذي رفض التعامل مع المؤلفة بحجة كساد سلعة الأدب ورواج غيره من الفنون كالغناء والسنيما حين قال لها وهي تعرض عليه نشر عملها " ليتها كانت مذكرات برجيت باردو " ص6 ... ــ وبين رؤية المجتمع الغربي االذي فتح جمهور قرائه أذرعه لكتاباتها النسائية ، ولقيت تشجيعا من طرف بعض أعلامه ..لذا سوف أقصر قراءتي لهوية السارد حول الكيفية التي بها تتكشف هذه الهوية في خطاب الذات في علاقتها بالآخر ، متوسلة الاعتبارات اللغوية و الأبعاد التصويرية الواردة في المقدمة وتطورات الأحداث وتسريبها للممثلين وللإطارين الفضائي والزماني عبر انفتاح الذاكرة سواء على مستوى خطاب الصورة أو الخطاب المكتوب . فالمقدمة تقدم لنا صورة ساردة ناضجة تضع أمام القارئ خطابا واصفا إطارا للتلقي تحاول من خلاله الإفصاح عن تصوراتها للظروف الحضارية للمتلقي المفترض ـ المتلقي الغربي على الخصوص لإنتاجاتها دون تحفظ ـ من ناحية أخرى ،وتبرئة الذمة من كل انتقاد قد يطال العمل من طرف المؤسسة العالمة المحافظة بوصفه ـ سيرة ذاتية نسائية ستعتمد بالأساس على وقائع وأحداث كان ممثلوها الأساسيين في الغالب نساء ارتبطت بعالم الطفولة ، تحاول من خلالها التركيز على المعطيات الحضارية المرتبطة أصوليا بالوعي الجمعي الذي كان يتحكم في العلاقات الاجتماعية والمعرفية والأخلاقية والسياسية للأفراد ، خاصة وضعية العنصر النسوي ، ذلك أنه بالرغم من أن العمل " رجوع إلى الطفولة " سيرة ذاتية و " الرواية التاريخية والسيرة الذاتية تختاران ذلك الشكل الذي يحتفظ في النص بأسماء شخصيات عاشت في الماضي ، وبأمكنة محددة جغرافيا وبأحداث مضبوطبة تارخيا ، (....) غير أن تحليلا أعمق لعملية الكتابة ، وإدراكا أذق لمفهومي التصوير والتصور أ والترابط والانقطاع في مجرى التاريخ ، والعلاقات المتعددة بين الحدث ومدلوله ، يجعلنا أكثر ميلا إلى التأكيد مع ـ نتشه ـ : ليست هناك أحداث موجودة بحد ذاتها ، يجب دائما البدء بطرح معنى ما ، حتى يمكن وجود حدث ما ". 6 ، فإن الساردة تحاول طرح رؤية تتقصى الجذور الحضارية لمجتمع ، للمرأة فيه وضع اعتباري خاص ، مقابل الرؤية الغربية محفزها الأساس ، وهي بذلك تحاول توصيف هويتها كساردة أكثر منها مؤلفة . ذلك أن المؤلف ينتهي حضوره بانتهاء زمن الكتابة ، زمن الاستذكار ، كما ينص على ذلك ميثاق الكتابة بينه وبين المتلقي ليبدأ زمن السرد ، الذي يتكفل به السارد المتوجه إلى متلق نسيج ظروف وشروط سياقية ، تاريخية . إذن محفل المقدمة ساردة تختلف عن المؤلف الحقيقي ـ ليلى أبو زيد ـ استرجاعها للأحداث والوقائع سوف يمر عبر مصفاة الذاكرة مما سيجعله مرتبطا بالسارد الحكائي ( الطفلة ) أكثر من ارتباطها بالسارد المؤلف ( الناضج) ، مؤشر ذلك هيمنة ضمير المتكلم للجمع على المسار السردي ، باعتباره إطارا للحكي ـ نحن ـ " نزلنا . كنا .... " على ضمير المتكلم المفرد الذي كان يبرز بين الفينة والأخرى مرتبطا بالوصف في الغالب . لذا لايمكن اختزال هوية السارد في هوية المؤلف ـ وهذا ليس إجحافا أو نكرانا لدور المؤلف وأحقيته في بنوة العمل الأدبي ـ ذلك ف" أن يكون المؤلف ، مؤلف الرواية مهيض الجناحين ، بحيث لا هو سارد ، ولا هو شخصية ، ولا هو شخص حقيقي يتمتع بالوعي ووجود الحياة : أمر عسير تقبله... " (ص241 ). 7 فالسارد هنا محفل خطابي ، صوت ، ذات تتكلم انطلاقا من وضعية فضائية و زمنية محددة ، تمتح مرجعيتها من سياق داخل ـ نصي ، معبرة هكذا عن تجربتها الجسدية والشعورية كذات ، أنثى في مجتمع ترى فيه هضما لحقوقها ، ذات لها وضع وجودي تتفاعل مع الأحداث والظروف المعيقة ، ممهدة بذلك لانجاز مشروعها أو قل برنامجها المتمثل في كتابة سيرة ذاتية نسائية ، ظروف تحكم علاقات الأفراد فيها تقاليد وأعراف وقيم متأصلة تحدد رؤاهم للحياة والوجود ، أشارت إليها الساردة في المقدمة ، إنه فضاء المجتمع المغربي ، في مقابل فضاء قيمي آخر فضاء الغرب حيث تحضى فيه المرأة بوضع متميز ، خاصة وأن هذا النوع من الكتابة نشأ و ترعرع في أحضان هذا الأخير . فالساردة في المقدمة إذن تعتمد لغة واصفة ـ ميتالغة ـ تشخص عبرها الظروف السياقية التي صاحبت تنفيذ برنامجها السردي .8 ...كتابة سيرة ذاتية نسائية . لذا فإننا سنلمس على مستوى التحريك. 9 الذي يقتضي وجود مرسل يحفز بل هنا يكلف ذات الحالة ( السارد ) بإنجاز العمل ، تحريك يكرس هيمنة الأجنبيي وتوجيهات ، ( إليزابيت ـ مايكل هول ـ قارئة أمريكية ) فكتابة السيرة الذاتية كانت غير وارد لدى ذات الحالة ، إنما حدث ذلك بإيعاز من الخبيرة الأمريكية في شؤون الشرق الأوسط . تقول الساردة : " وحتى عندما فعلت ذلك ( كتابة السيرة الذاتية ) لم أفعله من تلقاء نفسي ولكن الأستاذة إليزابيت فرنيا ، الخبيرة الأمريكية في شؤون الشرق الأوسط طلبت مني ذلك ، بالإضافة إلى أنه موجه الجمهور الأجنبي " *. فرغم أن الساردة مجهزة بكفاءات معرفية وأخرى تداولية فإن مصوغات الرغبة والقدرة على الفعل pouvior / vouloir كانت أجنبية غير أن العوائق والمثبطات كانت محلية ، حتى ولو حاولت الساردة إيهامنا بأن دافع الكتابة لديها يعود إلى مرسل ومحفز ذاتيين . تقول الساردة : " و أنه يمنحني الفرصة لتصحيح ما يمكن تصحيحه من أفكار مسبقة عن الإسلام والمرأة المسلمة . " كنت أريد أن أقول : نعم أنا امرأة مسلمة وأستطيع حمل القلم والتعبير عن رائي في واقع بلادي " * غير أني أعتبره محفزا ثانويا ، لأنه مجرد إشارة عابرة وعرضية تضليلية في مقابل الحضور القوي للموجه الغربي في التأثير على قبول بل إغراء ذات الفعل إنجاز المشروع / البرنامج: " كانت إليزابيت فرنيا قد طلبت مني نصا يتراوح بين 15 و 30 صفحة لنشرها ضمن أنطولوجية عن أدب الطفولة في الشرق الأوسط " * . فمن خلال هذه المعطيات التي أوردها السارد في المقدمة يمكننا بلورة الترسيمة السردية التالية :

المرســــل ...../الموضوع /........ المرســــل إليه .
الأجنبي ......./سيرة ذاتية نسائية/ ..... ذات الحالة.
المساعد ........ / الذات / ............. المعيق.
إليزابيت..... / ذات الحالة / ............ ميثاق الكتابة لدى الوعي الجمعي العربي .
مايكل هول..... / / ....... الوضع الاعتباري لضمير المتكلم ـ أنا ـ في الثقافة الإسلامية .
القارئة الأمريكية..../ / ........ الوضع الاعتباري للمرأة داخل منظومة القيم اإسلامية
الجمهور الأجنبي ..../ /........ الرؤية الإسلامية إلى حياة الفرد
الكشف المباح للمستور../ /...... الستر والتحصن .
ومادامت السيرة الذاتية كما عرفها الغرب اعترافا وبوحاوكشفا لما وراء الخطوط الحمراء ، فإن ذلك يتنافى مع منظومة القيم المعرفية والأخلاقية والاجتماعية والجمالية .. المؤثثة لفضاء الثقافة العربية الإسلامية ، كما تشخص ذلك عناصر المساعدة والإعاقة ـ الترسيمة ـ ، مقابل قيم الغرب .إننا أمام رؤيتين متناقضتين للوجود والحياة على المستوى القيمي ، خاصة وأن الساردة تصرح بذلك ، باتفاق رؤيتها مع رؤية الأنتروبولوجي المعروف ـ الأب الروحي للأنتروبولوجية المعاصرة كلود ليفي استراوس ، كما سبقت الإشارة ، ومؤول ذلك التصدير الذي استهلت به الساردة سيرته... ص 7.فهل نحن أمام توجيه أنتروبولوجي محض كما كانت تقتضيه مصالح الإستشراق ؟ خاصة و أن التوجيهات المصرح بها في خطاب فيرنيا وغيرها ذات حضور وازن على مستوى التصور ، وهذا ما سنلمسه على مستوى تحليل الفصول الأربعة ( الرحلات ) للسيرة الذاتية ، من هيمنة للعالم القروي ـ القصيبة / صفرو (90ص) ـ ، مقابل العالم الحضري ـ الدار البيضاء / الرياط (43ص)... ؟؟ وإذا كان الأمر كذلك فما تأثير هذا على مسار الاستذكار والتداعي الحر للأحداث والوقائع ..؟؟ ماذا ستكون وضعية ذاكرة محاصرة بين فضاءين : فضاء الإباحة والتحرر وفضاء المحافظة والتستر ..!؟ فأين تتموضع الهوية الحقيقية للساردة إذن ... ؟
الرحلة الأولى :
القصيبة :
تستهل الساردة الحكي بتموضعها كمحفل خارج حكاية ، يوحي بنوع من الحياد والموضوعية ، حيث تضع مسافة بينها وبين الأحداث ، لكن سرعان ما يتحول إلى سارد داخل حكاية ، موظفا ضمير المتكلم للجمع عوض المفرد .هذا التركيب الاستهلالي سيمنحها القدرة على المزج بين أوعاء متنوعة ، منها وعي المتلقي / القارئ ، بوصفه " أنا" مشاركة في بناء الحدث عبر عملية القراءة ـ نزلنا ـ كما سنرى . تقول الساردة : " توقفت الحافلة في الطريق الرابطة بين بين فاس ومراكش عند علامة القصيبة ، على حافة منعرج جانبي صاعد في الأطلس المتوسط . ونزلنا وأنزل المشحم متاعنا ثم انطلقت الحافلة بسرعة . وعبرنا الطريق وجلست أمي جنب العلامة ، وأجلست نعيمة في حجرها وفاتحة بجانبها وخالي الأصغر ينقل المتاع ويضعه أمامنا . " * هذا المقطع يعتبر البؤرة التي سيتم عبرها تسريب المحافل السردية والخطابية التي ستنسج خيوط الحكاية ، إطارا للتذكر ، وكذا بنية الخطاب المحتضنة للعوالم الدلالية المحتملة التي يمكن استشفافها من خلال مسار الأحداث . فعلى مستوى الحكاية نحن أمام تيمة السفر والترحال التي ستسم المتن برمته ، تنقل بين القصيبة ، صفرو ، الدار البيضاء ثم الرباط ، وما صاحب ذلك من أحداث ووقائع متنوعة ترويها الساردة إما بضمير المتكلم للجمع أو المفرد . 10 ، مرتبطة بشخصيات وأمكنة وأزمنة نعثر لها على مرجعية في الواقع .... أما على مستوى الخطاب ، فإننا أمام سفر في الذاكرة وتنقل في تضاريسها مستنفرة الوقائع والأحداث التي سوف تخضع في النهاية لتقويم المرسل / محرك ذات الحالة .ذلك أن حالة التوقف " توقفت الحافلة " *ص 9 تقتضي وجود حالة تحرك سابقة ، مسكوت عنها ، لكنها محتملة بقوة ، فوجودها ضروري ، يفترضه منطق الحركة إذ أن التوقف لا ينطلق من فراغ ، فالحافلة كانت إذن في حالة حركة سواء على مستوى الحكاية أو على مستوى الخطاب .فعلى مستوى الحكاية نحن أمام أسرة تعود من زيارة لديار عائلة الأم متجهة إلى بيت الزوجية ، تستقل حافلة ركاب ثم بعدها الشاحنة ، لتبدأ رحلات أخرى ,تنقلات عبر عدة أمكنة ريفية وحضرية حاضنة لتنوع الأحداث والأزمات والمواقف...أما على مستوى الخطاب فيمكن اعتبار " الحافلة " ، وكذا مرادفها " الشاحنة " كما سيأتي ، صفة مشتقة ، اسم فاعل ( من الفعل حفل ) يحيل على موصوف محذوف يفترضه ملفوظ الحالة " توقفت الحافلة " ، فتصبح "الحافلة " صورة سميولوجية ( لا معطى حكائي مرتبط بمرجعية خارج ـ نصية / الواقع .. آلة ميكانيكية ... ) تمتح مرجعيتها من السياق داخل ـ نصي ، موصوفها المحذوف سوف يكون " الذاكرة " وتكون بنية ملفوظ الحالة العميقة : توقفت الذاكرة الحافلة ... ألم تقول الساردة في المقدمة : " ولم أتصور أن يكون في طفولتي ما يمكنني به ملء حتى العدد الأدنى من الصفحات المطلوبة، ولكن عندما شرعت في الكتابة بدأت تتداعى علي الذكريات . واستمرت العملية شهرين كتبت خلالهما من الصفحات ما يشكل كتابا . " * ص 5و6 . إذن فبعد الحركة الحافلة بأحداث الطفولة ، ارتأت الساردة أن يكون فضاء الانطلاقة حضاريا انسجاما مع توجيهات المرسل ، إنه فضاء " الطريق الرابط بين فاس ومراكش .." هذا المحكي المكاني الذي لاتكتمل دلالته إلا بتحديد رمزية مكوناته . 11 ، حيث فاس ومراكش وكذا " الأطلس " معلمتان حضاريتان طبعتا تاريخ المغرب بأحداث سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ... يتبع....
محمد مهيم .
إحالات :
* 1 ـ ليلى أبو زيد : رجوع إلى الطفولة ، شركة النشر والتوزيع المدارس الدار البيضاء . ط .السادسة .
2 ـ د . الطاهر لبيب : سوسيولوجيا الثقافة ، نشر المتلقي 2006 ن مطبعة فضالة . ص 45 .
J . courtes : sémiotique , dictionnaireraisonné de la théorie du langageـ3.A.J.Greimas
4..D.maingueneau : Analyser les textes de communication . p 39 …40
5 ـ روجي فاولر اللسانيات والرواية ترجمة لحسن حمامة دار الثقافة الطبعة الأولى ص100
6 ـ أحمد اليابوري : دينامية النص الروائي ، منشورات اتحاد كتاب المغرب ، الطبعة الأولى ص 27 .
7 ـ د .عبد المالك مرتاض : في نظرية الرواية ، بحث قي تقنيات السرد ، عالم المعرفة / عدد / 241
8 ـ A.J.Greimas مرجع سابق . ص107 .
9 ـ المرجع السابق نفسه . ص90 .
10 ـ د .عبد المالك مرتاض... مرجع سابق .ص 184 .
11 ـ أحمد اليابوري ... مرجع سابق . ص 53

أمل الرويعي
03-13-2011, 05:18 PM
الأستاذ محمد مهيم

أنت ورقة رابحة في عالم النقد

شكراً لك على امتاعي بهذه القراءة

تحياتي وتقديري ..